قال الله عز وجل في سورة الأحقاف: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف:21-24].
هذه القصة العظيمة التي يسوقها ربنا سبحانه وتعالى في سورة الأحقاف قد ساقها في مواضع من كتابه، وفي كل موضع يذكر شيئاً مما يليق بهذه القصة، فذكر هذه القصة في سورة الأعراف وأشار إلى قوم عاد بقوله: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [الأعراف:65]، وذكرها في سورة هود.
حيث قال: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ [هود:50]، وذكرها في سورة الأحقاف حيث قال: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ .
كما تحدث الله عز وجل عن قوم عاد في سورة الفجر فقال: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ [الفجر:6-9].
وعاد وثمود قبيلتان مكنهما الله عز وجل في الأرض، وقوم عاد أبناء عمومة مع قوم ثمود، فعاد إرم، وثمود إرم أيضاً، فجدهم الأعلى إرم، فعاد يقول الله عز وجل عنها: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ [الفجر:7]، وعاد هي ذات العماد، والرجل الذي تنسب إليه هذه القبيلة هو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وبين عاد وبين نوح عليه الصلاة والسلام قرون قليلة، وقد علم قوم عاد ما حدث من قوم نوح، وكيف عبدوا غير الله سبحانه، وكيف أغرقهم الله، فهم أحفادهم، وثمود من بعدهم بثلاثة أو أربعة أجيال، وجاءت ثمود ولم يتعظوا بعاد الأولى، فعاد هم أبناء العموم وأبناء الجد الأعلى، فلذلك يقول الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم:50]، وقد جاءت بعدها ثمود من نفس القبيلة، ومن نفس الفرع، من إرم بن سام بن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
إن قوم عاد إرم ذات العماد كانوا في جنوب الجزيرة العربية أي: في جنوب السعودية في منطقة الربع الخالي، بينها وبين حضرموت في اليمن، والتنقيبات والحفر الأثرية التي يحفرونها دلتهم على أنه كان في تلك الأماكن حضارة وأنه كان فيها قصور عظيمة شاهقة، وجبال منحوتة، فقد كانوا ينحتونها ويصنعون منها قصورهم.
وهذه الأماكن التي كانت في يوم من الأيام مهداً لحضارة هؤلاء صارت الآن رمالاً قاحلة، وصحراء عظيمة شاسعة واسعة، فهذه هي ديار قوم عاد الذين كانوا فيها، فلما أهلكهم الله سبحانه وتعالى كان لهم فرع آخر من هؤلاء في الشمال بين الجزيرة وبين الشام، وهم ثمود أصحاب القصور المنحوتة من الجبال كما سبق، وقد أخبر الله عز وجل عنهم وعن تكذيبهم، وأنهم لم يتعظوا بما جرى لأبناء عمومتهم -قوم عاد- من إهلاك الله عز وجل لهم، ففسقوا وعتوا عن أمر الله فأهلكهم الله سبحانه وتعالى.
وذكر الله سبحانه في سورة الشعراء كيف مكن قوم عاد وأعطاهم من نعمه، وأن نبيهم هود عليه الصلاة والسلام ذكرهم بالله سبحانه وتعالى، وأنه مكن لهم في الأرض، فعبدوا غيره، قال الله تعالى عن هود أنه قال لهم: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:128-131]، فيدعوهم إلى ربهم سبحانه وتعالى الذي خلقهم وأعطاهم ورزقهم تلك المباني العظيمة، والأفكار التي يصنعون من ورائها أشياء لا يعبدون الله سبحانه بها، ولكن يفتخرون على غيرهم من الأمم، فقال: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشعراء:128]، الآية هنا هي القصر العظيم، والعلامة الشامخة الشاهقة، فيفتخرون بذلك لعباً وعبثاً وإظهاراً للقوة، وكأنه سبحانه يذكر المسلمين ويحذرهم أن يصنعوا مثل هؤلاء، فإنه قد أعطاهم تلك النعم ليعبدوا الله عز وجل بها، وليعرفوا ربهم سبحانه ويشكروه على ما آتاهم، ويستغلوا هذه النعمة فيما يرضي الله، لا فيما يغضبه سبحانه.
ولذلك لما ذكر هذه القصة في سورة الأحقاف قال في آخرها: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأحقاف:26]، فلما كفروا ما أغنى عنهم هذا الذي أعطاهم الله عز وجل، فقد كان لهم سمع يسمعون به المواعظ، ويسمعون به ما يريده الله عز وجل منهم، كما كان لهم بصر يبصرون به آيات الله سبحانه، وما آتاهم من نعم، وما يدعوهم إليه سبحانه، فيسمعون ويبصرون، ويرسل إليهم الرسل؛ ليدعوهم إلى الله عز وجل، فسمعوا ما قال، ورأوا ما أخبر عن ربه صلوات الله وسلامه عليه، وجعل الله لهم قلوباً وأفئدة يعقلون بها، ولكن ما أغنى عنهم ذلك كله؛ لأنهم كانوا يجحدون بآيات الله، فقضى على قلوبهم بأن ختم عليها، فلا يفهمون ولا يعقلون عن الله عز وجل شيئاً.
فهنا يقول الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ في المكان الذي أنت فيه في الجنوب كان قوم عاد، وهذه السورة مكية، فكأن الله تعالى يسلي بها النبي صلى الله عليه وسلم ويصبره بأن أبا جهل الملعون وغيره ممن كانوا يشتمون النبي صلى الله عليه وسلم ويسبونه ستكون عاقبتهم كعاقبة قوم عاد.
وقوله: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ أي: أخوهم في النسب وليس أخاً لهم في الدين، فهم كفار وهو مسلم، ولكنه من القبيلة نفسها، فهو: هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد ، فجده الثالث هو عاد، وهؤلاء من أحفاد عاد أيضاً.
فالله عز وجل ذكر بعض رسله عليهم الصلاة والسلام، فقد خلا من قبل هود رسل أنذروا قومهم، ومن بعده أيضاً جاء رسل ينذرون أقوامهم، وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ [الأحقاف:21] أي: أن المنذرين قد مضوا من قبله، وأيضاً جاءوا من بعده، فمضوا من بين يديه ومن خلفه، يدعون أقوامهم ويقولون لهم: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، وهذه هي دعوة الرسل جميعهم، كقوله تعالى: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:50]، واعبدوا الله معناها لا إله إلا الله، فكل الرسل يدعون إلى الإسلام، فعلى المسلم أن يسلم نفسه، وأن يوجه وجهه لله، ولا يشرك به شيئاً.
وقوله تعالى: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هذه هي قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو : إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، وهو يوم القيامة، ولا يمنع أن يكون قبل ذلك عذاب أليم وعذاب شديد، ولكن أعظم ما يكون من العذاب هو عذاب يوم القيامة. نسأل الله العفو والعافية.
قالوا: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، والقصة هنا مختصرة وقد ساقها الله عز وجل في أماكن أخرى، فقال تعالى: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [الأعراف:65]، فأول ما دعاهم إليه هو توحيد الله سبحانه وتعالى، ثم ذكرهم بنعم الله عز وجل عليهم كما في سورة الشعراء: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:129-135] ، فكان جوابهم: قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:136-137] أي: أنت تقلد الذين من قبلك، فسواء وعظتنا أم لم تعظنا فلسنا داخلين في دينك، فيكون قد أعذر إليهم بما قاله لهم.
وهذه الآية اختصرت ذلك، فذكر الله عز وجل فيها جوابهم على نبيهم وهو: أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ، ولما قال لهم -كما في سورة هود-: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ [هود:50]، كأنه قال قبل ذلك كلاماً كثيراً وذكرهم بنعم الله، فلما أصروا قال لهم: أنتم مفترون مجرمون تفترون على الله الكذب، وتزعمون له شركاء، وتدعون معه من لا ينفع ولا يضر، فقالوا له: أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .
فعادة الإنسان المجرم الاستهتار وعدم النظر في العاقبة، فهؤلاء لما رأوه صادقاً عليه الصلاة والسلام وداعياً إلى الله، ولا يطلب منهم شيئاً لنفسه، وإنما يقول لهم: يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ [هود:51] أي: أني لم آتِ لأطلب منكم شيئاً، وإنما جئت أدعوكم لتعبدوا الله سبحانه، فأبوا إلا ما هم فيه من الكفر وقالوا: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .
وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ، هذه هي قراءة الجمهور، وقراءة نافع والبزي عن ابن كثير وأبي عمرو : وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ .
وقوله: (أراكم) قرأها بعض القراء بالإمالة، كـالأزرق عن ورش وابن ذكون وأبي عمرو .
وقوله: وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ أي: تجهلون ربكم سبحانه، وتجهلون ضعفكم، ولذلك استمعتم بالدنيا وظننتم أنكم قد غلبتم الناس جميعهم، وأنكم فوق البشر ولا يقدر أحد على أن يفعل بكم شيئاً، فلما ظننتم ذلك جهلتم.
فمن جهل الإنسان: ألا يعرف نفسه ولا يعرف أنه ضعيف، ولذلك فإن الله يذكره بحوادث الدهر، وينزل عليه المصائب، فيمرض أو يضيع منه ماله، أو يفقد الولد وغير ذلك من حوادث الدهر؛ حتى يتذكر أنه مخلوق ضعيف، وأنه محتاج إلى الله عز وجل، وأنه في هذا الكون جاء ليعيش فترة محدودة يعبد فيها ربه سبحانه ثم ينتهي لا محالة.
قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا أي: أنهم اغتروا فغرهم الله سبحانه وتعالى، فظنوا أنهم سيعيشون آمنين بحصونهم وجبالهم، فأتاهم العذاب من مأمنهم، وهذا من بطش الله وبأسه وانتقامه ممن كذب رسله كما ذكر في أكثر من سورة من سور القرآن.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر