إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اشتملت سورة يوسف على أطول القصص القرآني، حيث سئل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقص على أصحابه قصصاً مثل قصص بني إسرائيل، فكان نزول هذه السورة، والتي أخبر الله عز وجل أنه يقص على نبيه أصح القصص وأصدقه وأنفعه وأجمله، ويذكر نبيه صلى الله عليه وسلم ممتناً عليه بإنزال هذا القرآن الذي لم يكن يعلم شيئاً مما فيه من قبل.
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن الآن مع فاتحة سورة يوسف عليه السلام، فهيا بنا لنصغي إلى تلاوة هذه الآيات الثلاث مجودة مرتلة ثم نتدارسها، والله نسأل أن يفتح علينا وأن ينفعنا بما يعلمنا.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    بسم الله الرحمن الرحيم: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف:1-3].

    تسمية السورة ومكان نزولها

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه السورة تسمى بسورة (يوسف)، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي قال فيه: ( يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ) فهم كرماء.

    والسورة تحمل قصصاً من أعجب القصص، وهي بهذا متممة لسورة هود ذات القصص المتعدد؛ إذ اشتملت سورة هود على خمس قصص، وهذه القصة السادسة، فالارتباط بين السورتين هو القصص.

    والسورة مكية كالتي سبقتها، والذي عرفنا -والحمد لله-: أن السور المكية يعالجن العقيدة لإيجادها وتصحيحها وتقويتها؛ إذ العقيدة -كما علمتم- بمنزلة الروح، فذو العقيدة الصحيحة السليمة حي يسمع ويبصر، يعطي ويأخذ، وفاقدها ميت لا يسمع ولا يبصر ولا يعطي ولا يأخذ، وإن شئتم حلفت لكم بالله.

    وآيات هذه السورة: مائة وإحدى عشر آية.

    والسورة اشتملت على علوم ومعارف في السياسة والمال والاقتصاد والآداب والأخلاق والرؤى وقل ما شئت، وأولها محرق وآخرها مشرق، والله نسأل أن ينفعنا بدراستها وفهمها والانتفاع بها.

    تفويض معاني الحروف المقطعة في فواتح السور إلى الله تعالى

    وهي مفتتحة بهذه الحروف: (الر)، وقد علمنا القول فيها والحمد لله، ولكن أذكر الناسين وأعلم غير العالمين: أن هذه الفواتح -فواتح السور- من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.

    فواتح السور (الم)، (الر)، (المر)، (طس)، (طسم)، (حم)، (ص)، (ن)، (ق)، فواتح السور نقول فيها: الله أعلم بمراده به ونستريح، قال تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7].

    فالذي ينبغي -معشر المستمعين والمستمعات- إذا قلنا: (الم) أن نقول: الله أعلم بمراده به.

    فوض الأمر لله منزله وخالقه ولا حرج، وقد أصبت؛ لأن هذه الحروف ما عرفت عند العرب.

    فوائد وأسرار الحروف المقطعة في فواتح السور

    وبعد هذا ذكرنا ونذكر أن الحكمة من هذه الحروف:

    أولاً: لما كان العرب يريدون ألَّا يسمعوا القرآن ويدخلون رءوسهم في ثيابهم ويستغشونها حتى لا يسمعوا، بل وأصدروا قراراً رسمياً أنه لا يحل لمواطن أن يسمع هذا القرآن، ومن ضبط يسمعه من قارئ يقرأ فإنه يعذب، واقرءوا قول الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] هذه كلمتهم مسجلة في القرآن، رؤساؤهم في مكة يقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن. لماذا؟ قالوا: حتى لا يتسرب إلى قلوبهم ثم يفسد عقولهم وقلوبهم فيتبعوا محمداً! إجراء وقائي، وفي أيام الحرب دائماً تعلن الحكومات هذا، ممنوع كذا.

    وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] صيحوا وضجوا وقولوا الباطل حتى لا يتسرب معناه إلى القلوب.

    فمن هنا كيف يبطل الله هذا المنكر ويزيل أثر هذا الباطل؟

    الجواب: أنزله بهذه الحروف التي ما كانوا يعرفونها ولا يسمعون بها، فمن هنا إذا قرأ القارئ (طسم) فلا بد للعربي أن يصغي؛ لأنه ما سمع بهذا، فلا بد أن يصغي ويسمع (المص)، وحينئذ جذبهم للسماع.

    وهذه حيلة من الحيل التي تجعلهم يسمعون رغم الأوامر التي صدرت بألا يسمعوا، وكانوا يسمعون فإذا أصغى وسمع دخل النور في قلبه. هذه واحدة.

    والثانية: تحداهم الله عز وجل بأن يأتوا بمثل هذا القرآن أو يسلموا ويتوبوا فعجزوا، تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا، وتحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة فعجزوا.

    أي: هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف، والحروف ليست من اللغة الهندية أو الاسترالية أو اليابانية فتقولون: ما نستطيع، بل هذه حروفكم: (المص) (حم) (عسق)، حروف اللغة العربية.. لغتكم، فإذا عجزتم فسلموا أنه كلام الله ووحيه، وهو مؤلف من هذه الحروف المعتادة عندكم.

    ومن ثم فإنه سبحانه وتعالى لما يذكر (الم) أو غيرها من الحروف يشير إلى ذلك، يقول: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:2]، الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ [السجدة:1-2]، حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:1-2]، ص وَالْقُرْآنِ [ص:1] أي: هذا الكتاب.. القرآن مركب من هذه الحروف.

    وما دام مؤلفاً ومركباً من هذه الحروف وعجزتم عن الإتيان بمثله فآمنوا بأنه كلام الله ووحيه أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وادخلوا في رحمة الله فلا شرك ولا كفر.

    هذا يلاحظ مع فواتح السور كما علمتم، فإذا سئلت عنها فقل: الله أعلم بمراده بها، والعلة والحكمة موجودة، فالحروف هذه تشير إلى أن القرآن مؤلف منها، فلم عجزتم أيها الكافرون به عن تأليف مثله.

    إذاً: آمنوا واسكتوا، فالقرآن مؤلف من هذه الحروف وهي من حروفكم، فلم لا تؤلفون قرآناً مثله منها؟!

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3087758318

    عدد مرات الحفظ

    773901580