إسلام ويب

شرح الشيخ رحمه الله في هذا اللقاء آياتٍ في الصيام، وتحدث عن الحكمة من فرضية الصيام، والتيسير فيه خاصة وفي الدين عامة، ووقوع النسخ في الإطعام للقادر على الصيام، وذكر بعض الإيضاحات عن بعض أحكام الصيام. ثم أجاب عن الأسئلة حول الصيام، وطاعة ولي الأمر، وغير ذلك ...

تفسير آيات الصيام

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام)

فهذا يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر شعبان، عام (1414هـ)، وهو المجلس الأول في الإجازة الربيعية بمناسبة قرب شهر رمضان يحسن أن نتحدث قليلاً عن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] فهذه الآية الكريمة صدَّرها الله عز وجل بهذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:183] بوصف الإيمان؛ لأن وصف الإيمان يحمل الإنسان على القيام بالأمر واجتناب النهي، وهو وصف -لا شك- محمود محبوب إلى الخلق، فكل إنسان عاقل يحب أن يوصف بالإيمان، وكل إنسان يود أن يتمم إيمانه، فإذا نادى الله تعالى عباده بهذا الوصف المحمود المحبوب كان أدعى للقبول، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما يروى عنه: [إذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فارعها سمعك؛ فإنه إما خير تؤمر به، وإما شرٌّ تنهى عنه] وما في جلستنا هذه هو خير نُؤمر به: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] أي: فرض، والفارض له هو الله عز وجل فرضه على عباده. وقد جاء في السنة بأنه أحد أركان الإسلام الخمسة.

تفسير قوله تعالى: (كما كتب على الذين من قبلكم)

وفي قوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] فائدتان:

الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة، حتى لا يقول قائل: لماذا أُلزمنا نحن بترك شهواتنا من مطعوم، ومشروب، ومنكوح دون غيرنا من الأمم، فيكون في هذا نوع تسلية للأمة، وأنها لم تلزم بما لم تلزم به الأمم قبلها.

والفائدة الثانية: بيان استكمال هذه الأمة للفضائل التي سبقت للأمم من قبلها، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وقد ضرب مثلاً لحاله مع إخوانه المرسلين بقصرٍ مشيد عُمِرَ، فكان الناس يطوفون به ويقولون: ما أحسن هذا القصر، إلا موضع لبنة فيه، وكان النبي صلى الله عليه هو الذي حل أو سد موضع هذه اللبنة وبه تم البناء، فتمت الشرائع -والحمد لله- بهذه الشريعة الإسلامية.

تفسير قوله تعالى: (لعلكم تتقون)

بين الله عز وجل الحكمة من فرضية الصيام فقال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] لم يقل: لعلكم تجوعون، أو تعطشون، أو يشق عليكم مجانبة الأهل، بل قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] فهذه هي الحكمة من فرض الصوم، ولهذا جاء في الحديث: (رب صائمٍ حظه من صيامه الجوع والظمأ) فما هي التقوى؟ التقوى عبارة عن اتخاذ وقاية من عذاب الله، ولا وقاية من عذاب الله إلا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

ولهذا نقول: التقوى: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، وهذا أجمع تعريفٍ للتقوى.

وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام شيئاً من ذلك بقوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) فالذي لا يدع هذه الأشياء فإن الله سبحانه وتعالى لا يريد منه أن يدع الطعام والشراب؛ لأن هذا قد يكون فيه تعذيب للنفس والله تعالى يقول: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:147] فالله عز وجل يريد منا أن ندع قول الزور والعمل به والجهل، وهذه هي الحكمة من الصوم، فلينظر الإنسان في نفسه هل قام بهذه الحكمة وهذه الغاية الحميدة أو كان صيامه فقط هو الإمساك عن الأكل والشرب والنكاح؟!

تفسير قوله تعالى: (أياماً معدودات...)

ثم بين الله عز وجل أن هذا الصيام ليس أشهراً ولكنه أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184] فهو قليل العدد، ثم هو قليل المشقة: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] إذاً: ليس فيه كثرة، وليس فيه مشقة؛ لأن المسافر إذا كان يفطر، والمريض الذي يشق عليه الصوم يفطر فقد انتفت المشقة، فالصوم يسير، ولله الحمد.

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ .

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أي: يقدرون عليه فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ أي: من لا يريد الصوم فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا تيسير؛ تصوم إن شئت، وإن شئت تطعم عن كل يوم مسكيناً، ولو كنت تطيقه.

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً وأطعم مسكيناً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ فيخير الإنسان بين أن يصوم وبين أو يطعم ولو كان قادراً، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى وتيسيره.

لكن هل بقي هذا الحكم؟ لا.. لم يبق هذا الحكم، بل نسخه ما بعده.

تفسير قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن...)

قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185] فأوجب الله الصوم ونسخ الإطعام، لكن لما كان أول فرض الصيام قد يشق على الناس أن يصوموا رُغبُوا في الصوم، وخُيِّروا بينه وبين الإطعام، ثم لما استقر الفرض في نفوسهم، وقرت به أعينهم، أوجب الله عليهم الصيام، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يطعم مع قدرته على الصوم، ثم إذا كان عاجزاً عن الصوم فإما أن يكون عجزه مستمراً؛ فهذا يطعم عن كل يوم مسكيناً، وإما أن يكون عجزه طارئاً يرجو زواله كالمريض مرضاً معتاداً فهذا ينتظر حتى يشفى ثم يصوم؛ لقوله تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185].

تفسير قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر...)

فقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185] هذا كالتعليل لقوله: وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر [البقرة:185] أي: أنه رخص لكم الفطر في حال السفر وفي حال المرض؛ لأنه عز وجل يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بكل يسر ولله الحمد، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: (إن الدين يسر) وهذه جملة حصرية بمعنى .. أن الدين كله يسر ليس فيه مشقة، فلو تأملت أوامر الشريعة لوجدتها كلها سهلة يسيرة.

ثم إذا كان على الإنسان مشقة في شيء منها فإنها تنقسم إلى قسمين: إما أن تسقط بسبب المشقة، وإما أن ينتقل إلى بدل، ففي الوضوء إذا تعذر استعمال الماء فإنه يتيمم، فإن لم يجد ما يتيمم به سقط عنه الوضوء والتيمم، فهذا المثال للشيء الذي يسقط إلى بدل وإلى غير بدل، وهذا تيسير ولله الحمد.. فالدين كله يسر.

ولذا يجب على طالب العلم أن ينظر إلى هذه الزاوية أكثر مما ينظر إلى زاوية التعسير على الخلق؛ لأن ربهم الذي خلقهم هو الذي قال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ [البقرة:185] وكثيرٌ من الناس الآن نجده يعامل الناس بما هو أعسر وأشق، وهذا إن جاءت به الشريعة فلا بأس وليس بشاق إلا في تصور بعض الناس، وأما إذا لم تأتِ به الشريعة فإنه لا حجة له عند الله يوم القيامة إذا قال له لماذا عسرت على عبادي؟ وأنا ميسر لهم؟

ولهذا يجب أن ننظر إلى هذا نظرة فاحصة، وألا نلزم الناس بما لم يلزمهم الله به، وألا نحرم عليهم ما لم يحرمه الله عليهم، حتى وإن فرض أننا عندهم قدوة، وأنهم يطيعوننا فإننا في الواقع بينهم وبين الله، وسوف يسألنا الله عز وجل.

تفسير قوله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)

وقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة:185] أي: عدة رمضان، الفائدة من هذه الجملة ألا نتسرع في الإفطار، فمثلاً لو شهد شاهد واحد على دخول شهر شوال ليلة ثلاثين من رمضان فإننا لا نقبل شهادته حتى يأتي شاهد آخر يشهد بأنه رأى هلال شهر شوال، فإننا حينئذ نأخذ بقولهما، ونكون قد أكملنا العدة.

ثم قال تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185] وهذا بعد إكمال العدة إذا غابت الشمس ليلة عيد الفطر فإنه يشرع للناس أن يكبروا الله عز وجل على ما هداهم؛ لأن هدايته لهم نعمة كبيرة يستحق عليها الشكر: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185].

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمم لنا ولكم صيام رمضان وقيامه على أحسن وجه، وأن نقوم بذلك إيماناً واحتساباً، إنه على كل شيء قدير.

الأسئلة

المسحة المعتبرة في مدة المسح على الخفين

السؤال: فضيلة الشيخ: لو أن إنساناً توضأ لصلاة الفجر ثم لبس الخف، فلما أتت صلاة الظهر كان على طهارته، وأراد أن يجدد الطهارة، فمسح على الخف فهل تحسب المدة من هذا المسح أم لا؟

الجواب: يقول العلماء: لا تبتدئ مدة المسح إلا بعد المسح من الحدث، وعلى هذا فالمسح للتجديد لا تحسب منه المدة، كما في المثال الذي ذكرت، إذا جدد وضوءه لصلاة الظهر بدون حدث ومسح فإن المدة لا تبتدئ من هذا الوضوء، فإذا أحدث وتوضأ لصلاة العصر فإنها تبتدئ من هذا الوقت.

مفطرات الصيام

السؤال: فضيلة الشيخ: أرجو أن تتكلم عن المفطرات في نهار رمضان ولو على وجه العموم؟

الجواب: مفطرات الصائم في رمضان وفي غير رمضان، ذكر الله في القرآن ثلاثة منها في قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة:187] هذه ثلاثة: الجماع، والأكل، والشرب.

وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين أن يكون الأكل والشرب نافعاً أو غير نافع أو ضار؛ لأن المأكول والمشروب إما نافع أو ضار أو ليس نافعاً ولا ضاراً، وكلها مفطرة، فلو بلع الإنسان خرزة سبحة فإنه يفطر بهذا ولو كانت لا تنفعه، ولو شرب دخاناً فإنه يفطر ولو كان ضاراً، ولو أكل تمرة فإنه يفطر ولو كانت نافعة. وكذلك يقال في الشرب.

وجاءت السنة بالقيء، فإذا تقيأ الإنسان فإنه يفطر، فإن غلبه القيء فإنه لا يفطر.

وجاءت السنة بالحجامة، فإذا احتجم الإنسان وهو صائم وخرج منه دم فإنه يفطر.. هذه خمسة من المفطرات.

وألحق العلماء بهذا ما كان بمعنى الأكل والشرب مثل الإبر المغذية، وليست المغذية هي التي ينشط بها الجسم أو يبرأ بها، وإنما الإبر المغذية: هي التي تغني عن الأكل والشرب، وعلى هذا فجميع الإبر التي لا تغني عن الأكل والشرب لا تفطر، سواء كانت من الوريد أو من الفخذ أو من أي مكان.

كذلك أيضاً إنزال المني بشهوة يفطر بها الصائم، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن الله عز وجل: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) والمني من الشهوة -لا شك- لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: أو يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم. أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ فكذلك لو وضعها في الحلال كان له أجر) والذي يوضع هو المني، يضعه الرجل في رحم المرأة؛ ولهذا عدل صلى الله عليه وسلم إلى قوله: (أرأيتم لو وضعها) لما قالوا: (أو يأتي أحدنا شهوته) وعلى هذا فنـزول المني بشهوة مفطرٌ للصائم، وأما تقبيل المرأة ولو بشهوة، أو المذي ولو عمداً؛ فإنه لا يفطر الصائم، لأن ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والأصل أن الصوم صحيح حتى يثبت بطريقٍ شرعي أنه فاسد، ولهذا لو قال لنا قائل: هذا الشيء يفطر به الصائم. نقول له: هات الدليل؟ وإلا لكان كل واحد لا يروق له الشيء يقول: هذا مفطر، وهذا غير مفطر.

هذه المفطرات التي ذكرناها عامة للرجل والمرأة.

أما خروج دم الحيض والنفاس فهذا خاص بالمرأة، إذا خرج منها الحيض ولو قبل الغروب بدقيقة فإنها تفطر، وكذلك دم النفاس، وأما إذا خرج دم الحيض بعد الغروب ولو بلحظة فإنها لا تفطر.

وهذه المفطرات لا تفطر إلا بشروط ثلاثة:

الشرط الأول: العلم.

والشرط الثاني: الذكر.

والشرط الثالث: الاختيار.

الأول: العلم: وضد العلم الجهل، فلو أكل الإنسان وهو يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه طالع فصيامه صحيح؛ لأنه لم يعلم أن الفجر قد طلع، ولو كانت السماء غيماً وغلب على ظنه أن الشمس غربت وأكل وشرب، ثم تبين أنها لم تغرب فصيامه صحيح؛ لأنه ليس بعالم أنها لم تغرب.

الثاني: الذكر كذلك إذا كان ناسياً فإنه لا يفطر، والنسيان ضد الذكر، فلو أكل أو شرب ناسياً فصومه صحيح، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه).

الثالث: أن يكون مريداً -يعني: لما فعل- فإن كان مكرهاً، كما لو أكره الرجل زوجته على الجماع، وجامعها وهي صائمة؛ فإن صومها صحيح.

السائل: ما حكم البخور؟

الشيخ: ما يفطر البخور، لكن لا تستنشقه.

حكم الاحتياط في الأذان للفجر بتقديمه أو تأخيره

السؤال: فضيلة الشيخ: بعض الأهل عندنا كانوا يأكلون بعد أذان الفجر. ولما ذكرت لهم أن ذلك لا يجوز قالوا: ليس في ذلك شيء، فما حكم هذه الأيام الماضية؟

الجواب: كلمة (ليس في ذلك شيء) ليست بحجة، لكن لو قالوا: ما طلع الفجر، لكان له وجه، مثل أن يكونوا في البر وليس حولهم أنوار، وقالوا: لم نشاهد طلوع الفجر؛ لأن بعض الناس الآن يشككون في التقويم الموجود بين أيدي الناس، يقولون: إنه متقدم على طلوع الفجر، ويقولون: خرجنا إلى البر وليس حولنا أنوار، ورأينا الفجر يتأخر، حتى بالغ بعضهم وقال: يتأخر ثلث ساعة.

لكن الظاهر أن هذه مبالغة لا تصح، والذي نراه أن التقويم الذي بين أيدي الناس الآن -الذي هو تقويم أم القرى- فيه تقديم خمس دقائق في الفجر خاصة، يعني لو أكلت وهو يؤذن على التقويم فلا حرج، إلا إذا كان المؤذن يحتاط ويتأخر، فبعض المؤذنين جزاهم الله خيراً يحتاطون، ولا يؤذنون إلا بعد خمس دقائق من التوقيت الموجود الآن، وهذه المسألة مسألة خطيرة، وبعض جهال المؤذنين يتقدمون في أذان الفجر زعماً منهم أن هذا أحوط للصوم، لكنهم ينسون أنهم يهملون ما هو أشد من الصوم! وهو صلاة الفجر، فربما يصلي أحد الناس قبل الوقت، والإنسان إذا صلى قبل الوقت ولو بتكبيرة الإحرام ما صحت صلاته.

ثم هم -أعني هؤلاء المؤذنين قبل الفجر- يقولون: نحن نحتاط. نقول: تحتاطون أكثر مما احتاط الله لعباده؟! إن الله يقول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ [البقرة:187] فلابد أن تتبين الفجر. حتى التعبير القرآني لم يقل: حتى يطلع الفجر، بل قال: حَتَّى يَتَبَيَّنَ [البقرة:187] فأنتم الآن عندما أذنتم منعتم عباد الله ألا يأكلوا ولا يشربوا في هذه اللحظة، معناه أنكم حرَّمتم على الناس ما أباح الله لهم، فيكون عليكم إثم من هذه الناحية أيضاً، حتى لو فُرض أن الناس تمهلوا ولم يصلوا فعليكم إثم من جهة أنكم منعتم عباد الله مما أحل الله لهم.

فالجهل داء قاتل، وبعض الناس يكون جاهلاً وينظر بعين الأعور، لا يرى إلا من جانب واحد، والجانب الثاني مهمل، وهذا غلط عظيم، ولذلك يجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على هذه المسألة وخصوصاً المؤذنين، ويقولون: اتقوا الله في عباد الله! كيف تؤذنون قبل الفجر وتمنعون عباد الله مما أحل الله لهم؟!

ربما كان الإنسان لتوه قام من النوم، عطشاناً ويريد أن يشرب، ولكن بورعه وتقواه لما سمع المؤذن أمسك، والمؤذن يؤذن قبل الفجر زعماً منه أن هذا هو الأحوط، فيحرم هذا الرجل المسكين من شربة الماء، فليس الأحوط أن تتبع الأشد؛ بل الاحتياط الحقيقي أن تتبع ما جاءت به الشريعة.

حكم قضاء الدين عن المعسر بدون علمه

السؤال: فضيلة الشيخ: ما حكم دفع الزكاة على المَديِنْ المعسر بدون علمه؟

الجواب: حكم الزكاة على المدين المعسر الذي لا يجد الوفاء إلى غريمه بدون علم المدين الفقير جائز ومجزئ؛ لأن الآية الكريمة تدل على هذا قال تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60] فالتعبير مختلف بين الأربعة الأُول وبين الأربعة الأُخر.

الأربعة الأول كان التعبير باللام الدالة على التمليك لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:60] فلابد أن تملكهم، تعطيهم الزكاة وتتركهم يفعلون ما شاءوا من حاجاتهم، لكن في الغارمين قال: وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ [التوبة:60] الغارمين: معطوف على الرقاب، فيكون التقدير (في) وعلى هذا فيجوز أن تذهب إلى الغريم الذي يطالب الفقير وتوفي عنه.

ولكن هل الأولى أن تذهب إلى الغريم وتوفيه دون علم الفقير أو أن تعطي الفقير؟

هذا فيه تفصيل: إذا علمت أن الفقير الذي تريد القضاء عنه رجل ديِّن يحب إبراء ذمته وأنك إذا أعطيته سوف يذهب إلى صاحبه ويوفيه فأعطه هو؛ لأن ذلك أجبر لخاطره، وأبعد من الخجل، وأسلم من الرياء الذي قد يصيب الإنسان، فكونك تعطي المدين في هذه الحال أولى.

أما إذا خشيت أن يكون المدين عابثاً، ولو أعطيته ما يوفي به دينه لذهب يلعب بها أو يشتري كماليات أو غيرها فلا تعطه إياها، اذهب إلى صاحبه الذي يطلبه ووفه حقه.

ضوابط الجمع في المطر

السؤال: فضيلة الشيخ: بالأمس كان المطر يتساقط عندنا من صلاة العصر حتى صلاة العشاء في بلدة شمال بريدة ، وكنت إماماً، وطلب المؤذن أن تجمع الصلاة وتحيرت في الأمر، لكن كان من إلحاح المؤذن أن نجمع فجمعنا الصلاة، وقد وردت فتوى لسماحتكم أنه لابد أن نتحقق من المطر وشدته وخروج الناس حال المطر، هل يؤثر عليهم، فأريد توضيح الضابط في هذا الجمع من جميع الجوانب جزاك الله خيراً؟

الجواب: يجب أن تعلم أن الأصل وجوب أداء الصلاة في وقتها، قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103] وقد أجمع العلماء على أن تقديم الصلاة قبل وقتها بدون عذر شرعي حرام يقتضي عدم صحتها؛ لأن هذا خلاف ما أمر الله به، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) هذا هو الأصل، وهذا شيء محكم ليس فيه اشتباه.

فإذا وجد سبب للجمع -تقديم أو تأخير- فإن العلماء مختلفون في هذا؛ منهم من يرى أنه لا جمع إلا بـعرفة ومزدلفة فقط، ومنهم من يرى الجمع بكل حال، وهذا رأي الرافضة ، حيث يرون أنه يجوز الجمع بدون سبب، إن شئت اجمع وإن شئت لا، لكن الصحيح أن الجمع جائز للمشقة، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من غير خوف ولا مطر) قالوا: (ما أراد من ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته). ومعنى (يحرج) أي: ألا يلحقها الحرج، فالحرج مرفوع في شريعتنا، فإذا كان في ترك الجمع حرج ومشقة على الناس إما لكون الأسواق وحلاً، أو لكون المطر ينزل يبلل الثياب ويؤذي الماشين، فهذا عذر، أما إذا كان ينزل قطرات يسيرة والجو دافئ والأسواق ليس فيها وحل، فلا تجمع حتى لو أصر المؤذن أو المأمومون، أرأيت لو صمت رمضان في شعبان.. هل يجوز؟!!

فإذا قدمت العشاء مع المغرب بدون عذر فإنه لا يجوز، والعجيب الآن أنني أذكر أن الناس كانوا في السابق ليس هناك كهرباء والأسواق مظلمة ووحل وطين وليس هناك إسفلت، ومع ذلك كانوا لا يجمعون إلا لمشقةٍ شديدة، بحيث أن الإنسان لا يأتي إلى المسجد إلا ومعه عصا يتوكأ عليها، أو مطر وابل صيب، وهم أشد مشقة من الآن بكثير، الآن ولله الحمد غالب الأسواق مسفلتة ومضاءة، وليس هناك مشقة ولا حرج، فالتهاون في هذا غلط عظيم؛ فأنت لديك نص محكم، وهو وجوب الصلاة في وقتها وعندك سبب مبيح للجمع، فإذا كنت لم تتيقن أن السبب صحيح شرعي فلا تجمع، والإمام هو الذي له الحكم في هذه المسألة، المؤذن له الحكم في الأذان أما مسألة الصلاة والجمع فهذه إلى الإمام.

ضابط الاستحلال الموجب للكفر

السؤال: فضيلة الشيخ! ما هو ضابط الاستحلال الذي يكفر به العبد؟

الجواب: الاستحلال: هو أن يعتقد حِلَّ ما حرمه الله. وأما الاستحلال الفعلي فينظر: إن كان هذا الاستحلال مما يكفِّر فهو كافر مرتد، فمثلاً لو أن الإنسان تعامل بالربا، ولا يعتقد أنه حلال لكنه يصر عليه، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يستحله، ولكن لو قال: إن الربا حلال، ويعني بذلك الربا الذي حرمه الله فإنه يكفر؛ لأنه مكذب لله ورسوله.

الاستحلال إذاً: استحلال فعلي واستحلال عقدي بقلبه.

فالاستحلال الفعلي: ينظر فيه للفعل نفسه، هل يكفر أم لا؟ ومعلوم أن أكل الربا لا يكفر به الإنسان، لكنه من كبائر الذنوب، أما لو سجد لصنم فهذا يكفر.. لماذا؟ لأن الفعل يكفر؛ هذا هو الضابط ولكن لابد من شرط آخر وهو: ألا يكون هذا المستحل معذوراً بجهله، فإن كان معذوراً بجهله فإنه لا يكفر، مثل أن يكون إنسان حديث عهد بالإسلام لا يدري أن الخمر حرام، فإن هذا وإن استحله فإنه لا يكفر، حتى يعلم أنه حرام؛ فإذا أصر بعد تعليمه صار كافراً.

حكم صيام المرضع والنفساء بعد الطهر

السؤال: امرأة نفست في شهر شعبان، وطهرت في عشرة رمضان، فهل لها أن تشرع في الصيام مع قدرتها على ذلك، ومع أن بعض الأطباء ذكر أن الطفل يصبر ست ساعات على الرضَّاعة؛ وهي قادرة على الصيام؟

الجواب: إذا كانت ترضع ولا ينقص لبنها فيجب عليها أن تصوم، متى طهرت المرأة من الحيض أو النفاس وجب عليها الصوم، إلا أنها إذا طهرت أثناء النهار لا يلزمها الإمساك.

- السائل: هي طهرت في عشرة رمضان؟

- الشيخ: يجب عليها أن تصوم العشرين الباقية وجوباً ما دام ليس على الولد ضرر، لكن إذا طهرت في أثناء اليوم لم يلزمها الإمساك بقية اليوم، تظل مفطرة، حتى الحائض لو طهرت مثلاً في نصف النهار تبقى مفطرة تأكل وتشرب، وهذا اليوم سيُقضى على كل حال.

حكم الفطر للمسافر في رمضان

السؤال: فضيلة الشيخ: إذا كنت مسافراً ومكثت ثلاثة أيام هل يحق لي أن أفطر في السفر؟

الجواب: إذا كنت مسافراً يحق لك أن تفطر في أثناء الطريق وفي البلد التي مكثت فيها، مثلاً: لو ذهبت إلى مكة للعمرة خمسة أيام أو ستة أيام، أفطر في مكة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، في ثمانية عشر أو عشرين من شهر رمضان، وبقي مفطراً بقية الشهر، ولم يصم، بل كان يأكل ويشرب ويقصر الصلاة، فلك أن تفطر في مكة أثناء السفر حتى ولو لم يكن في الصوم مشقة، لكن الأفضل أن تصوم إذا لم يشق عليك.

حكم خروج المذي أثناء الصوم

السؤال: ذكرتم حديث (يدع شهوته وطعامه) دليلاً على إفطار من أنزل منياً بشهوة، فلماذا لم يأخذ المذي نفس الحكم؟

الجواب: لأن المذي ليس شهوة توضع في الرحم، ولهذا يخرج من غير إحساس به، ولولا أثره من الرطوبة ما عُلم به، فهو يحصل بدون شهوة عند خروجه. نعم قد ينتج المذي عن شهوة كأن يقبل الرجل زوجته فيمذي، لكن هو نفسه ليس فيه شهوة، لا يجد لذةً عند خروجه، اللذة منفصلة عنه، ولهذا يخرج بدون دفق وبدون إحساس، ولا يشعر الإنسان إلا برطوبته.

حكم طاعة ولي الأمر إذا منع شخصاً من الدعوة

السؤال: فضيلة الشيخ! إذا ندب الله عز وجل إلى أمر من الشريعة ندباً عاماً كالدعوة إلى الله مثلاً، ومنع من إيقاعه ولي الأمر، فهل يستجاب لولي الأمر في هذا مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة في المعروف) مع الضابط إذا تيسر جزاك الله خيراً؟

الجواب: إذا قال ولي الأمر لشخص مثلاً: لا تدعُ إلى الله، فإن كان لا يقوم أحد سواه بهذه المهمة فإنه لا يطاع ولي الأمر في ذلك؛ لأنها تكون فرض عين على هذا الشخص، ولا طاعة لولي الأمر في ترك فرض عين.

أما إذا كان يقوم غيره مقامه، نظرنا: إذا كان ولي الأمر نهاه لأنه يكره دعوة الناس، فهنا يجب أن يناصح ولي الأمر في هذا، ويقال: اتق الله، لا تمنع من إرشاد عباد الله. أما إذا كان نهيه هذا الشخص لسبب آخر يحدث من جراء كلام هذا الرجل، ورأى ولي الأمر أن المصلحة في إيقافه، وغيره قائم بالواجب؛ فإنه لا يحل لهذا أن ينابذ ولي الأمر، وقد كان عمار بن ياسر رضي الله عنه مع عمر بن الخطاب في سفره فأجنب عمار -أي: أصابته جنابة- فجعل يتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة -يعني: تقلب على الأرض ليشمل التراب جميع بدنه- ثم عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمار : (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) وأراه التيمم.

ثم جاءت خلافة عمر [وصار عمار يحدث بذلك، فاستدعاه عمر رضي الله عنه يوماً من الأيام، وقال: كيف تحدث بهذا الحديث؟ لأن عمر يرى أن الجنب لا يتيمم، وأن التيمم في الحدث الأصغر فقط، ومن عليه جنابة ينتظر حتى يجد الماء ثم يغتسل ويصلي.. هذا رأيه. فقال له عمار: يا أمير المؤمنين! أما تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا؟ فكأن عمر نسي هذا، فقال له: يا أمير المؤمنين! إن شئت بما جعل الله لك عليَّ من الطاعة ألا أحدث به فعلت. فقال له عمر: لا. نوليك ما توليت] يعني: فحدث به، والشاهد أنه ما أنكر عليه قوله: [إن شئت بما جعل الله لك علي من الطاعة ألا أحدث به فعلت].

أما لو قال ولي الأمر مثلاً: لا تصل النافلة. فنقول: صلها، لكن بدون منابذة، صلها في بيتك؛ لأن منابذة ولي الأمر يترتب عليها مفاسد كثيرة، لا بالنسبة لك أنت أيها المنابذ؛ لأنك -أنت أيها المنابذ- ربما تؤخذ وتؤذى، وأنت تعتقد أنك أوذيت في الله، لكن غيرك أيضاً يصاب بهذه المنابذة، وربما يقتدي بك غيرك ممن لا يعرف ما عرفت فينابذ بدون علم، وربما تُتحسس أخبار من حولك، ويؤتى بكل إنسان حولك ويؤذى بدون جريمة.

ثم إن الحط من قدر ولاة الأمور من العلماء أو الأمراء في أعين الناس له ضرر كبير؛ لأن قدر ولاة الأمور إذا سقط من أعين الناس تمرد الناس على ولي الأمر ولم يروا لأمره قيمة، وصاروا يرونه كسائر الناس، وإذا انحط قدر العلماء في أعين الناس لم يكن لما يقولونه للناس من شريعة الله قيمة، ولم يثق الناس بأقوالهم، ونبذت الشريعة من هذا الجسر؛ لأن قدرهم هُوِّن في أعين الناس، فصار الناس لا يبالون بهم، ولا يأخذون بأقوالهم، ويذهبون يأخذون من فلان وفلان ممن هو دونهم في فقه شريعة الله عز وجل.

فهذه الأمور لا ينبغي لنا أن ننظر إلى ظاهرها وسطحها؛ لأن لها غوراً بعيداً عميقاً، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ولاة الأمور الذين يطالبون بحقهم ويضيعون حق الله في رعيتهم فقال صلى الله عليه وسلم: (أعطوهم ما لهم واسألوا الله حقكم) حتى لو منعونا حقنا فنحن نعطيهم ما لهم علينا، ونسأل الله سبحانه وتعالى حقنا، وذلك بأن يهديهم حتى يقوموا به.

فينبغي لنا أيها الإخوة! ألا ننظر إلى الأمور من سطحيتها فقط؛ بل ننظر لما يترتب عليها من المفاسد العظيمة؛ والأمن حتماً له قيمة، فالدنيا كلها تبذل في سبيل الأمن، ويضحي الإنسان من نفسه بأشياء كثيرة من أجل الأمن، ولا يعرف قدر الأمن إلا من ابتلي بالخوف، واسألوا آباءكم الأولين عما كانت عليه هذه البلاد من الخوف فيما سبق؟!

كان الناس لا يذهبون من بريدة إلى عنيزة أو من عنيزة إلى بريدة إلا مسلحين، وعلى خوف شديد؛ بل قال بعض الكبار: كنا -والله نخرج- في رمضان من بيوتنا بعد العشاء بل بعد المغرب ونحن نحمل السلاح. يخافون على أنفسهم من عدو يدخل البلد أو غير ذلك، فنعمة الأمن والرخاء لا يساويها نعمة، وإذا انفلت الأمن من يرده؟

فيجب علينا أن نتجنب كل ما يثير الناس، ونحن لا نبرئ ولاة الأمور من الخطأ، ولاة الأمور من العلماء والأمراء عندهم خطأ كثير، لكن جاء في الأثر: (كما تكونوا يولِّ عليكم).

انظروا إلى أحوال الناس، فمن حكمة الله أن الولي والمولى عليه يكونون متساويين كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129] كذلك يولي الله على الصالحين الصلحاء، وإذا نظرنا إلى أحوال الرعية وجدنا أنفسنا نحن الرعية عندنا تفريط في الواجبات وإخلال وتهاون، وتهافت على المحرمات، نجد الغش في المعاملات، والكذب والتزوير وشهادة الزور وأشياء كثيرة، فلو أن الإنسان تعمق وسلط الأضواء على حال المجتمع الإسلامي اليوم لعرف القصور والتقصير، فالمجتمع الإسلامي مجتمع صدق ووفاء وأمانة، وكل هذه مفقودة الآن إلا ممن شاء الله.

فإذا أضعنا نحن الأمانة فيما نحن أمناء فيه -وليس عندنا ولاية كبيرة- فكيف من له ولاية أمرنا؟ قد يكون أشد منا إضاعة للأمانة، لكن استقيموا يول الله عليكم من يستقيم.

ثم إن الأولى أيضاً، بل إن لم أقل الواجب أن ندعو لولاة الأمور سراً وعلناً، أن ندعو لهم بالتوفيق والصلاح والإصلاح؛ لأنهم ولاة أمورنا، أعطيناهم البيعة، فلابد أن نسأل الله لهم الصلاح حتى يصلح الله بهم، ويذكر أن الإمام أحمد رحمه الله قال: (لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان) لأنه إذا صلح السلطان صلحت الأمة، وهذا صحيح.

فالواجب علينا -يا إخواني- ألا نيأس، وأن ندعو لولاة أمورنا أن يصلح الله لهم الأمور، وأن يعينهم على ما حملهم، وأن يبعد عنهم كل بطانة سوء؛ لأن ولي الأمر ليس وحده فله أعوان، وله وزراء، وله جلساء، تدعو الله أن يوفقه بجليس صالح وعون صالح، ووزير صالح، فهو من توفيق الله له وللرعية، وإن كان الأمر بخلاف ذلك فهو من شؤمه وشؤم الرعية.

ولهذا يجب أن ندعو الله لولاتنا أن يوفقهم للصلاح والإصلاح، وأن ييسر لهم البطانة الصالحة، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق.

السائل: أحسن الله إليك: هل الكفاية قامت بدعوة الناس إلى الله عز وجل في أقطار الإسلام؟

الشيخ: لا. لم تقم، لكن بلادنا -والحمد لله- فيها من يقوم بهذا؛ أكثر المتولين للمنابر اليوم -ولاسيما في المدن- كلهم طلبة علم، وكلهم -والحمد لله- يوجهون الناس توجيهاً هادفاً تحصل به الكفاية، صحيح أن في القرى من لا تحصل به الكفاية، ولكن اتقوا الله ما استطعتم، ولو أن كل قرية فيها طالب علم يعتمد عليه يرجع الناس إليه في الفتاوى والوعظ وغيره من أمور دينهم ودنياهم لكان جيداً، لكن ليس الأمر باليسير.

أما عن البلاد الإسلامية الأخرى فحدث ولا حرج، الخلل فيها كثير!

خلاصة الفتوى: أنه يجب على من قيل له: لا تتكلم، ألا يتكلم، إلا إذا تعين الأمر عليه، إذا تعين فإنه يجب عليه أن يعصي ولي الأمر؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

السائل: أحسن الله إليكم يا شيخنا: أنتم تذكرون الآن أن الكفاية لم تقم في ديار الإسلام. وليست الدعوة حكراً على بلد معين أو حدود معينة!

الشيخ: على كل حال نحن لا نرى أن يمنع إنسان من أن يسافر إلى بلد آخر، إذا كان يريد أن يدعو إلى الله، لكن إذا كانت طريقة دعوته إلى الله هناك طريقة دعوته إلى الله في بلادنا بحيث يكون غير مؤهل في علمه وتصرفه، فلولي الأمر أن يمنعه؛ لأن العلة كلها هي عبارة عن أشياء ربما توجب للناس وللرعية كراهة أولياء الأمور أو ما أشبه ذلك.

حكم صيام من كان مريضاً مرضاً مزمناً

السؤال: فضيلة الشيخ: هناك رجل مريض بمرض القلب، ولا يعمل عنده إلا جزء بسيط، يحتاج إلى الدواء باستمرار، يعني تقريباً كل ثمان ساعات أو ست ساعات، فهل يسقط عنه الصوم؟

الجواب: من كان عنده هذا المرض يسقط عنه الصوم، ويطعم عن كل يوم مسكيناً؛ إن شاء أعطى كل مسكين ربع صاع من الأرز، وإن جعل معه لحماً فهو أحسن، وإن شاء عشاهم في آخر ليلة من رمضان أو غداهم في يوم آخر في الفطر، كل ذلك جائز.

ترجمة القرآن بالمعنى

السؤال: فضيلة الشيخ: ما حكم ترجمة القرآن وتفسيره تفسيراً حرفياً لغير العربية؟

الجواب: أسألك: هل يمكن أن يترجم القرآن ترجمةً حرفية؟

لا يمكن أبداً، فالمسألة مفروضة فرضاً لا واقعاً؛ لأن اللغات غير العربية تختلف عن العربية، وليست كالعربية في الترتيب ولا في الأسلوب، لهذا لا يمكن أن يترجم ترجمة حرفية، أما ترجمة القرآن ترجمة معنوية، بمعنى أن يأخذ الإنسان آية ويترجم معناها فهذا لا بأس به، بل قد يكون واجباً لمن احتيج إلى تفهيمه بذلك.

حكم السفر قبل صلاة الجمعة

السؤال: فضيلة الشيخ: ما حكم السفر قبل صلاة الجمعة بساعتين؟

الجواب: السفر يوم الجمعة إن كان بعد أذان الجمعة الثاني فإنه لا يجوز لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9] فلا يجوز للإنسان أن يسافر في هذا الوقت؛ لأن الله قال: فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9] وإذا كان السفر قبل ذلك فإن كان سيصلي الجمعة في طريقه مثل أن يسافر من بلده وهو يعلم أنه سيمر على بلد آخر في طريقه ويعرج عليه ويصلي الجمعة فيه فهذا لا بأس به، وإن كان لا يأتي بها في طريقه، فمن العلماء من كرهه، ومن العلماء من حرمه، ومن العلماء من أباحه، وقال: إن الله تعالى لم يوجب علينا الحضور إلا بعد الأذان.

والأحسن ألا يسافر إلا إذا كان يخشى من فوات رفقته أو مثل أن يكون موعد الطائرة في وقتٍ لا يسمح له بالحضور أو ما أشبه ذلك وإلا فالأفضل أن يبقى.

الأسماء اللازمة والمتعدية في أسماء الله تعالى

السؤال: فضيلة الشيخ: ما الفرق بين الأسماء المتعدية والأسماء غير المتعدية في أسماء الله تعالى؟

الجواب: أسماء الله المتعدية معناها: أنها تتعدى للغير، واللازمة هي غير المتعدية، فمثلاً (الحي) من أسماء الله تعالى، وهو اسم غير متعد، فيجب أن نؤمن بالاسم وما دل عليه من الصفة وهي الحياة.

أما إذا كان متعدياً يعني يتعدى للغير مثل (الخالق) فهذا لابد أن تؤمن به، وإثبات الاسم الذي هو الخالق وإثبات الصفة وهي الخلق، وإثبات الحكم وهو أنه يخلق، لا تقول: إنه خالق فقط، لابد أن تؤمن أنه خالق ويخلق عز وجل.

(السميع) من المتعدي، ولهذا قال الله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ [المجادلة:1] فلا يكفي أن تقول: نؤمن بأن الله سميع وأن الله له سمع، ولا نؤمن أنه يسمع؛ فهذا لا يجوز، فلابد أن تؤمن أن الله سميع له سمع ويسمع.

حكم دخول الكافر المسجد للحاجة

السؤال: فضيلة الشيخ! بالنسبة لدخول الكفار للمسجد لإصلاح بعض الأمور كالبرادات مثلاً داخل المسجد؟

الجواب: نعم. لا بأس أن يدخل الكافر المسجد لإصلاح محتوياته، لكن يجب التحرز منه، بمعنى: أننا لا ينبغي أن نثق به في أنه يحكم العمل، ربما لا يحكم العمل، فلهذا لابد من التحرز بأن يكون عليه مشرف من المسلمين الناصحين، فهو ليس نجساً نجاسة حسية بل هو نجس نجاسة معنوية، ولهذا لو مس يدك وهو رطب لا تنجس يدك، إذاً: لا حرج من دخوله -كما قلت لك- لمصلحة المسجد، أما أن يدخل ليمكث في المسجد فلا.

حكم صلاة الجماعة

السؤال: فضيلة الشيخ! إمام وخطيب جمعة لا يصلي الفجر مع الجماعة إلا نادراً، ذهبنا إليه وكلمناه ونصحناه فقال: لا أقبل قولكم فهي ليست بواجبة -يقصد صلاة الجماعة- ثم قال: لا أقتنع إلا بقول ابن عثيمين ؟!

الجواب: قل له: يسلم عليك ابن عثيمين ، ويقول لك: صلاة الجماعة واجبة، أوجبها الله سبحانه وتعالى حتى في حال الخوف، قال تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) واستأذنه رجل أعمى أن يصلي في بيته فأذن له، فلما ولى دعاه، وقال: (أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: أجب) وقال صلى الله عليه وسلم: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).

وقال صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار).

وقل له أيضاً: يوصيك ابن عثيمين بتقوى الله عز وجل، وأن تكون أسوة صالحة، وأن تحافظ على الصلوات مع الجماعة وجوباً، وأن تحافظ على السنن الراتبة وعلى جميع التطوع؛ لأن ذلك مما يرفعك عند الله وعند العباد.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لقاء الباب المفتوح [50] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

https://audio.islamweb.net