اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لقاء الباب المفتوح [112] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين


لقاء الباب المفتوح [112] - (للشيخ : محمد بن صالح العثيمين)
سورة الفاتحة من أعظم سور القرآن، تتجلى فيها جميع مقاصد الشريعة من توحيد وتاريخ ومنهج، وفي ظلال آياتها كان للشيخ هذه الجلسة المباركة، ففسر كثيراً من معانيها وأزاح الستار عن كثير من كنوزها وأسرارها.
تفسير آيات من سورة الفاتحة
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:فهذا هو اللقاء الثاني عشر بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل خميس, وهذا هو يوم الخميس الثاني والعشرون من شهر رجب عام (1416هـ).نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على سورة الفاتحة, سورة الفاتحة سميت بذلك لأنه افتتح بها القرآن الكريم كتابة, وليست هي أول ما نزل, بل إن أول ما نزل من القرآن قول الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5].وتسمى هذه السورة بأم القرآن, وتسمى السبع المثاني, ولها أسماء متعددة, تسمى أم القرآن لأن معاني ومقاصد القرآن كلها موجودة في هذه السورة, على أنها سبع آيات فقط وآيات قصار لكن جميع مقاصد القرآن موجودة فيها, من التوحيد والعقائد والتاريخ ومناهج الناس وغير هذا, لكنها مذكورة إجمالاً.البسملة ليست للفاتحة, بل هي آية مستقلة تفتح بها السورة, ما عدا سورة البراءة, فإنها لا تفتتح بها اتباعاً لما فعله الصحابة الكرام رضي الله عنهم, ويدل على أن الفاتحة ليست منها, ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين, فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] قال الله تعالى: حمدني عبدي, وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[الفاتحة:3] قال: أثنى عليّ عبدي, وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4] قال: مجدني عبدي, وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5] قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل, فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[الفاتحة:6-7] قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) فهي سبع آيات, الثلاث الآيات الأولى لله, والآيات الثلاث الأخيرة للعبد, والآية الرابعة وهي الوسط من السبع بين الله وبين العبد, وهذا أيضاً ترجيح معنوي, لكون الفاتحة بداءتها: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2] وليست البسملة منها, الترجيح اللفظي: أننا لو جعلنا البسملة من الفاتحة, لكانت الآية الأخيرة طويلة لا تتناسب مع الآيات التي قبلها, لأنها ستكون: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[الفاتحة:7] وهذه تساوي آيتين, ولهذا كان الصواب: أن آخر الآية السادسة قوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.وينبغي للإنسان إذا قرأها -ولا سيما في الصلاة- أن يقف على كل آية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يناجي العبد في الصلاة: (إذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2] قال: حمدني عبدي) كما سمعتم الحديث.
 تفسير قوله تعالى: (مالك يوم الدين)
قال تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] وفي قراءة: (مَلِكِ يوم الدين) فمالك اسم فاعل, وملك صفة مشبهه, ويقال في الأول: مِلْك, ويقال في الثاني: مُلْك, أي: المُلْك للمَلِك, والمِلْك للمَالِك, فتقول مثلاً: هذه الساعة مِلك فلان, وتقول في مملكة تحت مَلك, تقول: هذه مملكة مُلْك فلان, المَلِك والمالِك قراءتان سبعيتان صحيحتان, يجوز للإنسان أن يقرأ بهما, يقرأ بهذه مرة وهذه مرة في الصلاة وخارج الصلاة, إلا أنه لا ينبغي أن نقرأ بقراءة تخرج عن المصحف أمام العوام؛ لأن ذلك يحدث فتنة, فإن ذلك قد يقلل من هيبة القرآن في نفس العامي, أو قد ينكر العامي بقلبه أو لسانه على هذا الذي قرأ بقراءة لا يعرفها, ولهذا ينبغي لطلبة العلم ألا يقرءوا بالقراءة الخارجة عن المصحف الذي بين أيدي الناس؛ لما ذكرنا من أنه قد يكون سبباً لاستهانة العامة بالقرآن, أو سبباً للطعن في هذا القارئ وأنه لا يستطيع أن يقرأ.المهم: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أي: أن الله عز وجل هو المتصرف في ذلك اليوم, لا أحد يتصرف في ذلك اليوم أبداً, لو كان يستطيع أن يتصرف لأوجد له ظلاً من حر الشمس, ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..) فهو الذي يخلق عز وجل ظلاً في ذلك الوقت على من استحقه, كالسبعة الذين يظلهم الله في ظله, وقد جاء في الحديث: (كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة).كذلك هو مَلِك يوم الدين, لا مُلك لأحد معه, كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16] فيجيب نفسه: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16] أي: ملوك الدنيا مهما عظم ملكهم واتسع وقوي سلطانهم فإنه يتلاشى من حين يموت السلطان سواء كان باسم السلطان أو باسم الملك أو باسم الرئيس فإنه يزول ذلك بمجرد موته, وما يفعل من بعده من تعظيم قبره أو زرع الأزهار عليه أو ما أشبه ذلك فإنه لا ينتفع به إطلاقاً, لماذا؟ لأنه مات وزال ملكه, في يوم القيامة أيضاً لا ملك إلا لله وحده جل وعلا, فلهذا قال: (مَلك) أو (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).فإن قال قائل: ما معنى: (يَوْمِ الدِّينِ)؟قلنا: (يوم الدين) أي: يوم القيامة؛ لأنه الذي يدان فيه العباد أي: يجازون على أعمالهم, والدين يكون بمعنى الجزاء كما في هذه الآية, ويكون بمعنى العمل كما في قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6].فهذه ثلاث آيات كلها لله عز وجل.
الأسئلة

 معنى قول الله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)
السؤال: ورد في مختصر الصواعق المرسلة للإمام ابن القيم رحمه الله حين أتى إلى قوله عز وجل: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] ذكر أنه ورد عن بعض السلف ومنهم الشافعي بأن المعنى في قوله: (وَجْهُ اللَّهِ) أي: قبلة الله, ثم نقض ذلك ترجيحاً من عدة وجوه, وقال من بينها: ما بالكم أخذتم هذه على قبلة الله, مع أنه في كل النصوص التي وردت فيها وجه الله هي إضافة الصفة إلى الموصوف, فرجح من عدة أوجه -كما قلت- قوله: إن تفسيرها نعني به إحاطة الله التامة والمطلقة, فكما تعلم الأشاعرة يؤولون قضية الدعاء ورفع الأيدي إلى السماء بقولهم: إن هذه قبلة الدعاء, وأنكر السلف عليهم ذلك وقالوا: إن هناك قبلة واحدة للصلاة وللدعاء, فهل للأشاعرة أن يقولوا: إن القول في قبلة الله في هذا التفسير أيضاً يستلزم عدة قبلات لله عز وجل, فأرجو من فضيلتكم إزالة مثل هذه الشبهة مأجورين وجزاكم الله خيراً؟الجواب: أولاً: أنا أرجو من الإخوان الحاضرين أن لا يوردوا مثل هذا السؤال المطول المعقد, وأكثر الإخوة الآن قد لا يفهمون هذا إطلاقاً ولا طرأ على بالهم إطلاقاً, فمثل هذا يكون بيني وبين السائل.لكن الآية الكريمة فيها قولان للسلف:القول الأول: أن المعنى: فأينما تولوا فثم وجهت الله، أي: قبلته, بمعنى: أنك إذا أشكل عليك القبلة, ثم صليت وأنت في البر, صليت إلى جهة ظننتها القبلة ثم تبين إنها ليست القبلة فصلاتك صحيحة, لأن هذه الآية ذكرت كمقدمة لقوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:142] فهذه الآية كقوله: قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:142] وفَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] أي: إن اتجهتم إلى الكعبة فأنتم مولون وجه الله, وإن اتجهتم إلى بيت المقدس كما انتقدكم اليهود فأنتم مولون إلى وجه الله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:142] وهذا قول له قوته.القول الثاني: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] أي: فالله تعالى قبل وجوهكم, ويؤيد هذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم في المصلي: إنه لا يبصق قبل وجهه, قال: (فإن الله قبل وجهه).فالآية محتملة لهذا ولهذا, ومعناها صحيح على كلا القولين.أما الأشاعرة وقولهم: إن هذا قبلة الدعاء, فيقال لهم: أنتم هل تدعون السماء أم تدعون رب السماء؟ فإذا رفعتم أيديكم إلى السماء وقلتم: يا ألله، فإنما تنادون الله عز وجل, فإذاً الله هناك, لستم تقولون: يا سماء، وكونهم يقولون: إن السماء قبلة الداعي، خطأ, لأن قبلة الداعي هي الكعبة, فإن العبادة التي يشرع فيها استقبال القبلة إنما يشرع إلى الكعبة.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لقاء الباب المفتوح [112] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

http://audio.islamweb.net