إسلام ويب

إن انتهاء شهر رمضان لا يعني انتهاء جميع ما فيه من الأعمال الصالحة التي يقوم بها الناس بسبب تقييد الشياطين، بل هي باقية لمن أراد القيام بها، ومن حكمة الله عز وجل أن جعلنا نتقلب بين العبادات، فكلما انتهت عبادة دخلنا في أخرى، وذلك مثل الخروج من شهر رمضان والدخول في أشهر الحج.

الاستمرار على الأعمال الصالحة بعد رمضان

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الإخوة: فهذا هو اللقاء الأول من بعد شهر رمضان عام (1415هـ) وهو اللقاء الموفي للخامس والعشرين من اللقاءات الشهرية، ويتم في هذه الليلة ليلة ثمانية عشر من شهر شوال عام (1415هـ).

ومن المناسب أن نتكلم عن موضوعين:

الموضوع الأول: هل انقضى عمل الإنسان بانقضاء شهر رمضان؟

والجواب على هذا السؤال: لا. إن عمل الإنسان لا ينقطع إلا بالموت، لقول الله تبارك وتعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] أي: حتى يأتيك الموت، ولقوله تعالى عن يعقوب: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132] ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث) فلم يجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمداً لانقطاع العمل إلا بالموت.

ثم هل العمل الذي يؤدى في رمضان كالصوم والقيام والصدقة هل انقطع بانتهاء رمضان؟

لا، هناك صيام أيام مشروعة غير رمضان، منها: صيام الأيام الست من شوال، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) وهذه الأيام الستة ينبغي أن تلي شهر رمضان، أي: أن يشرع فيها الإنسان من اليوم الثاني من شوال، ويتابعها لما في ذلك من السبق إلى الخيرات، ولأن هذا أسهل؛ لأن الإنسان قد اعتاد الصوم في رمضان فيسهل عليه الاستمرار فيه، ولأن الإنسان إذا أخرها ربما يحصل له التسويف فيقول: غداً أصوم .. غداً أصوم حتى تنقضي الأيام، وهذه الأيام الستة تابعة لرمضان، فمن صامها قبل أن يقضي ما عليه من رمضان فإنه لا ينال ثوابها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (من صام رمضان ثم أتبعه..) ولو صامها قبل القضاء لكانت متبوعة لا تابعة.

فإن قال قائل: ربما يكون هناك عذر، ربما ترك صوم رمضان لمرض، واستمر به المرض إلى آخر شوال، ثم شفاه الله وشرع في القضاء وخرج شوال، فنقول حينئذٍ: يصومها تابعة لرمضان ولو في ذي القعدة، ولو خرج شهر شوال؛ وذلك لأنه ترك صومها في شوال لعذر فقضاها من بعده، كما أن رمضان يترك للعذر ويقضى بعده.

- ومن الصيام المشروع: أن يصوم الإنسان يوم عرفة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) إلا الحاج فلا يسن له أن يصوم يوم عرفة؛ من أجل أن يكون قوياً متفرغاً للدعاء في ذلك اليوم.

- ومن الصيام المشروع: صوم يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر محرم؛ لأنه اليوم الذي أنجى الله موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه، ولكن يصوم قبله اليوم التاسع؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع).

- ومن الصيام المشروع: صوم عشر ذي الحجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) والصوم من العمل الصالح.

- ومن الصيام المشروع: أن يصوم الإنسان ثلاثة أيام من كل شهر، سواء من أول الشهر أو وسطه أو آخره؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، لا يبالي أصامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره، لكن الأفضل أن تكون في أيام البيض، أي: في اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.

- ومن الصيام المشروع: أن يصوم يوم الإثنين والخميس؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصومهما ويقول: (إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم).

- ومن الصيام المشروع: أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وهذا أفضل الصيام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن عمرو بن العاص : (صم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام).

إذاً: الصيام هل انقطع بانتهاء رمضان أم لا؟ لا.

القيام: هل انقطع بانتهاء رمضان؟

لا، القيام مشروع في كل ليلة، والأفضل بعد منتصف الليل إلى أن يبقى سدس الليل فتنام، الأفضل أن تنام النصف الأول من الليل، ثم تقوم الثلث، ثم تنام السدس، هكذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص وقال: (إن هذا قيام داود وهو أفضل القيام) فإن لم يتيسر لك ذلك فقم ولو قليلاً في آخر الليل، لأن الرب عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) واختم صلاتك بركعة التي هي الوتر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صلاة الليل؟ فقال: (مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت ما قد صلى).

أما الصدقة فهي أيضاً لم تنقطع، الصدقة مشروعة كل وقت، بل إن الإنسان الموفق يجعل أكله وشربه ونفقة عياله من الصدقة، إنفاقك على نفسك صدقة، وعلى أهلك صدقة، بل إن الإنفاق على الأهل أفضل من الصدقة على غيرهم، فلو كان معك عشرة ريالات، وتقول: هل أتصدق بها على فقير، أم أنفق بها على أهلي لأنهم محتاجون؟

نقول: أنفقها على أهلك.

ثم قراءة القرآن لم تنقطع بانتهاء رمضان، قراءة القرآن مشروعة كل وقت، وينبغي للإنسان أن يجعل له حزباً معيناً يحافظ عليه كل يوم حتى لا تضيع عليه الأيام بدون قراءة القرآن.

مسائل تتعلق بالحج

أما الأمر الثاني مما أريد أن أتكلم عليه فهو: أن من حكمة الله عز وجل أنه لما انقضى زمن ركن من أركان الإسلام دخل زمن ركن آخر، انقضى رمضان وهو وقت أداء ركن من أركان الإسلام وهو الصيام، وفي تلك اللحظة التي خرج فيها رمضان دخلت شهور الحج، نحن الآن في أشهر الحج، لأن أشهر الحج تدخل بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وهذه من حكمة الله، حتى نشعر بأن أوقاتنا كلها معمورة بطاعة الله عز وجل، انقضى فرض الصيام جاء فرض الحج.

والحج واجب على كل مسلم، لكن من رحمة الله ولطفه أنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، ولو كان الإنسان من أغنى عباد الله فإنه لا يلزمه أن يحج إلا مرة واحدة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الحج مرة فما زاد فهو تطوع).

ولا يجب الحج إلا على القادر، العاجز لا يجب عليه الحج، فإذا قدرنا أن إنساناً فقيراً ليس عنده شيء، فهل يلزمه أن يحج؟ أي: هل يلزم أن يقترض ليحج؟

الجواب: لا. ولو لاقى ربه قبل أن يحج للاقى ربه وقد تمت أركان إسلامه؛ لأن الركن الخامس الذي هو الحج لا يجب عليه حين يعجز عنه.

وهل يجب على الإنسان إذا كان مريضاً أن يحج؟

الجواب: لا، ولو كان عنده مال، لكن إن كان مرضه يُرجى زواله فلينتظر حتى يشفى ويحج بنفسه، وإن كان مرضه لا يُرجى زواله وعنده مال فليوكل من يحج عنه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم) فصار العاجز عن الحج لمرض إن كان يرجو زوال مرضه انتظر، وإلا وكل من يحج عنه إذا كان عنده مال، أما من لا مال عنده فليس عليه حج.

امرأة عندها مال، لكنها لم تجد محرماً يحج بها، هل عليها الحج؟ لا. حتى لو كانت من أغنى النساء، ولكن ليس لها محرم فلا تحج.

أما إذا كان لها محرم وقالت له: حج بي وأنا أكفيك النفقة كلها، هل يلزمه أن يحج معها؟

الجواب: لا يلزمه، اللهم إلا إذا كان لم يؤدِ الفريضة وأعطته مالاً يكفيه للحج، فهنا نقول: يجب عليه الحج من أجل أنه لم يأتِ بالفريضة لا من أجل أن يكون محرماً لها، وتصحبه في هذه الحالة.

إذاً: هل تحزن المرأة إذا كان عندها مال ولم تجد محرماً على أنه فاتها الحج؟

الجواب: لا تحزن ولا تخشى العقوبة؛ لأنه لم يجب عليها الحج، ولو لاقت الله عز وجل للاقته بغير ذنب فيما يتعلق بالحج.

إنسان عنده مال، لكن عليه دين يطالبه به صاحبه، عنده -مثلاً- خمسة آلاف يمكن أن يحج بها، لكن صاحب الدين يقول: أعطني، هل يجب عليه الحج؟

لا. لأن عليه ديناً، ولا حج عى الإنسان إذا كان عليه دين وليس عنده ما يفضل عن الدين؛ لأن الله تعالى قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97].

وكثير من الناس ربما يستدينون من أجل الحج، وهذا غلط، ليس هذا من الشرع أن تستدين من أجل الحج، الحج ليس واجباً عليك، أرأيت لو كان إنسان فقيراً هل تجب عليه الزكاة؟

الجواب: لا تجب، أنت الآن لا يجب عليك الحج؛ لأنك لا تستطيع، فلماذا تندم؟ ولماذا تحزن؟ ولماذا تتكدر؟ لا تتكدر يا أخي ليس عليك شيء.

إذا كان على الإنسان دين وفي يده مال، ويغلب على ظنه أنه إذا حلَّ الدين كان عنده ما يوفي به، مثلاً: صندوق التنمية العقارية، كثير من الناس عليهم ديون لصندوق التنمية، لكنهم واثقون من أنفسهم أنهم إذا حل القسط سوف يوفونه، وعندهم الآن مال يستطيعون الحج به، هل يجب عليهم الحج؟

الجواب: نعم. يجب عليهم الحج؛ لأنهم مستطيعون، أما إذا قال: أنا لست واثقاً أن أوفي إذا حل القسط، وأنا الآن أجمع، فهذا ليس عليه حج؛ لأنه مدين.

كثير من الناس يقول: أرأيت إذا سمح لي صاحب الدين أأحج؟

نقول: لا. ولو سمح لك صاحب الدين؛ لأنه إذا سمح لك لم يسقط عنك شيئاً.

أما لو قال: حج وأنا أسقط عنك مقدار نفقة الحج فحينئذٍ نقول: حج، وأما إذا قال: أنا أطالبك ولكني أرخص لك أن تحج ما الفائدة؟

لا فائدة، ولهذا كثير من الناس يسأل ويقول: إن صاحب الدين قد أذن لي، نقول: ليست العلة أن يأذن أو لا يأذن، العلة أن ذمتك مشغولة، وشغل الذمة بالدين أمر عظيم.

لو أحدثكم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قدمت إليه جنازة، صحابي من الأنصار، فلما خطا خطوات سأل: (هل عليه دين؟ قالوا: نعم. يا رسول الله! قال: إذاً صلوا على صاحبكم -ولم يصل عليه، تأخر- حتى قام أبو قتادة رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! الديناران عليَّ، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: حق الغريم وبرأت ذمة الميت؟ -أي: تلتزم للغريم تبرأ ذمة الميت- قال: نعم. فتقدم وصلى) يعني: الدين إلى هذا الحد يمتنع الرسول عليه الصلاة والسلام من الصلاة على المدين إذا لم يكن له وفاء، ونحن نتساهل به الآن، يعتمر الإنسان وعليه دين، يحج وعليه دين، يفرش بيته بفراش فاخر وعليه دين، يشتري سيارة فاخرة وعليه دين، تجده يشتري سيارة بأربعين ألف ريال، وهو يمكن أن يجد سيارة تكفيه بعشرة آلاف، أليس كذلك؟

بل إني سمعت بعض الناس يشتري بأكثر من أربعين ألف سيارة ويكفيه عشرة آلاف، هذا من السفه في العقل، لا تستهن بالدين أبداً، الدين صعب، ولهذا يقال: إن الدين ذل في النهار وسهر في الليل، لكن للإنسان العاقل، أما الذي لا يبالي فهذا لا يبالي.

ونسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير.

الأسئلة

حكم من نسي تبييت نية قضاء الصوم

السؤال: فضيلة الشيخ! أعرض عليك هذا السؤال وأنا في حيرة من أمري: نويت بعد رمضان أن أصوم ما علي من قضاء وهو يوم واحد وأصوم بعده أيام الست، فبدأت الصيام من يوم الأحد، وعندما أصبحت نسيت أني لم أبيت النية ليوم القضاء، فصمت ذلك اليوم ثم صمت بعده ثلاثة أيام من الست.

السؤال: هل أواصل بقية الأيام الستة، وهل يحسب لي ذلك اليوم قضاءً أم من الست؟ أرجو توضيح ذلك وفقك الله.

الجواب: إذا نام الإنسان على نية القضاء ثم قام من الليل وتسحر وغاب عن ذهنه أنه أراد القضاء ولم يذكر إلا بعد طلوع الفجر فليستمر في صوم القضاء؛ وذلك لأن الأصل بقاء النية الأولى، وهو قد نام على أن غداً من قضائه، أما إذا لم يكن كذلك ولم ينوِ الصوم إلا حين قام من آخر الليل، وحين قام من آخر الليل كان الذي في ذهنه أن يصوم الأيام الستة ونسي القضاء فهذا لا يجزؤه عن القضاء، وأما الأيام الثلاثة التي صامها وهو لم يقض فهذه عند بعض العلماء باطلة، ليس له فيها ثواب، ولكن الصحيح: أن له فيها ثواباً إلا أنه لا ينال ثواب الأيام الستة؛ لأن الأيام الستة لا بد أن تكون بعد قضاء رمضان.

العذر بالجهل في قضاء رمضان

السؤال: فضيلة الشيخ! كنت في بيئة تجهل حكم وجوب قضاء صوم رمضان، فجلست هناك فترة طويلة وأنجبت ثلاثة أطفال، ثم جئت إلى جدة فعلمت بأن قضاء رمضان واجب، فماذا أفعل الآن، علماً بأنني أجهل عدد الأيام التي يجب عليَّ قضاؤها، وهل ينطبق علي حكم القضاء وأنا في بيئة غير مسلمة لا تعرف عن هذا الأمر شيئاً؟

الجواب: إذا كانت هذه المرأة لا تعرف أن صوم رمضان فرض، وهي تفطر يوماً وتصوم يوماً فليس عليها عليها قضاء؛ لأن القول الراجح: أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، وهذه في بيئة غير مسلمة، ولا تدري شيئاً عن الإسلام، فليس عليها قضاء.

أما إذا كانت تدري أن صوم رمضان واجب ولكنها أهملت فهذا فيه قولان للعلماء: منهم من قال: يجب عليها القضاء، ومنهم من قال: لا يجب عليها القضاء؛ لأنها تعمدت تأخير الفرض المؤقت وكل إنسان يتعمد تأخير الفرض المؤقت فإنه لا يصح منه الفرض.

لكن الظاهر لي من حال السائلة: أنها لا تدري عن هذا كله، وعلى هذا فليس عليها قضاء ما دامت لا تدري أن رمضان واجب ولا أن قضاءه واجب فليس عليها قضاء؛ لأنها معذورة بالجهل.

حكم الصيام الجماعي

السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم الصيام الجماعي، كأن يجتمع جماعة من الناس فيتفقون على أن يصوموا أياماً معينة، كالإثنين والخميس، وذلك من باب التعاون على البر والتقوى؛ لأن الإنسان ضعيف بنفسه يقوى بإخوانه، ما حكم ذلك نفع الله بكم؟

الجواب: أرى أنه ليس من السنة، وأنه نوع من البدعة إذا اتفقوا على ذلك؛ لأننا إذا كنا ننكر التكبير الجماعي أو الذكر الجماعي -مثلاً- فهذا أيضاً كذلك؛ لأن الصوم عبادة، فلا ينبغي أن يكون جماعياً، لكن من غير اتفاق لا بأس، مثل أن يوافق أننا صمنا يوم الإثنين فقال بعضنا لبعض: من كان صائماً فالفطور عند فلان، واتفقنا أن نفطر عنده -مثلاً- هذا لا بأس به؛ لأنه أمر عارض وليس اجتماعاً على عبادة، والاجتماع على العبادات والانفراد بها من الأمور المشروعة، ولهذا لولا أن الله شرع لنا أن نصلي جماعة لكانت صلاة الجماعة بدعة لكن شرعها الله لنا، كذلك الصوم جماعة، والاتفاق عليه مسبقاً نوع من البدعة، يرد علينا صوم رمضان، ألسنا نصوم جماعة؟ بلى. ولكنه هكذا فُرِضَ، المفروض أن يصوم الناس كلهم في هذا الشهر.

فأرى أن يتخلوا عن هذا الطريق، وأن يكون الإنسان مستعيناً بالله عز وجل، وأن يعتد بنفسه، وإذا كان الإنسان لا يفعل العبادة إلا متوكئاً على عصا - أي إلا إذا فعلها غيره- فإن عزيمته ضعيفة.

حث الكفلاء على تمكين عمالهم من حج بيت الله الحرام

السؤال: فضيلة الشيخ! لم أحضر إلى هذه البلاد إلا من أجل الحج، وأخشى ألا يوافق من أقوم بالعمل عنده بأدائي هذه الفريضة، وأنا الآن في جهة السعودية، وعلى بعد مسافة قليلة من مناسك الحج، وأتمنى أن يهدي الله كفيلي وأن يوافق على حجي، ولكن إذا لم يوافق على الحج، فهل أكون بنيتي قد أديت الفريضة أم لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)؟ وهل هذا يعتبر من الاستطاعة، أرجو التوضيح وحث إخواننا الكفلاء على تمكين من عندهم العمال من حج بيت الله الحرام؟

الجواب: نحن نتمنى لكل إخواننا الكفلاء أن يهديهم الله عز وجل، وأن يرخصوا لإخوانهم الذين يعملون عندهم لأداء فريضة الحج؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، وقد أمر الله بذلك، فقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] ولأن هذا قد يكون سبباً للبركة في أعمالهم وأرزاقهم؛ لأن هذه الأيام العشر إذا تعطل العمل عنده فإن الله قد ينزل له البركة فيما بقي من العمل، ويحصل على خير كثير، فإن تيسر هذا فهو المطلوب وهو الذي نرجوه من إخواننا الكفلاء، وإن لم يتيسر فإن هذا لا يعتبر مستطيعاً، فيسقط عنه الحج؛ لأن الله تعالى قال: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97] وهذا لم يستطع.

وأما قول السائل: إنه يكون كالذي حج فلا، لكنه يسقط عنه الحج حتى يستطيع، ولو مات قبل أن يتمكن من الحج فإنه يموت غير عاصٍ لله؛ لأنه لا يجب الحج إلا بالاستطاعة.

حكم لبس البنطلون للمرأة

السؤال: فضيلة الشيخ! انتشر بين أوساط النساء لبس البنطلون، وبلغنا فتوى عن فضيلتكم أحببنا أن نسمعها منكم مباشرة لنبلغها على بصيرة، السؤال يا فضيلة الشيخ: ما حكم لبس البنطلون للمرأة، وهل يفرق بين الواسع وغيره، وهل هذا الحكم في خارج المنزل فقط، أم أنه عام في المنزل والسوق؟ أرجو عرض هذا السؤال لتعم الفائدة على الطالبات، نفع الله بهذا اللقاء؟

الجواب: أرى أن لبس المرأة البنطلون حرام لوجهين:

الوجه الأول: أنه تشبه بالرجال، وقد (لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال).

الوجه الثاني: أنه ذريعة إلى أن تلبس المرأة بنطلوناً ضيقاً يصف مقاطع جسمها، وهي وإن قالت: أنا لا ألبس إلا واسعاً فهي تلبس واسعاً لمدة معينة ثم تلبس الضيق، ثم إنها إذا قدر أن هناك امرأة صالحة تقوى نفسها يقتدي بها من ليس كذلك، فالذي أرى أن ذلك ممنوعاً، وأنه لا يجوز، سداً للذريعة، وبعداً عن التهتك باللباس، فإن كان هذا صواباً فهو من الله والحمد لله الذي من به، وإن كان خطأً فأرجو الله تعالى أن يعفو عني، ولكن مع ذلك يجب على النساء ألا تكون الواحدة إمعة مع كل شيء جديد، يا سبحان الله! أنا أعتقد أن الرجل وهو الرجل لو لبس البنطلون لكان يأتيه -لا سيما أول ما يلبسه- نوع من الخجل، أن تكون أفخاذه مقدرة، وكذلك عجيزته مقدرة، كل شيء كأنه محجم فكيف بالمرأة؟! فلا أرى لبس البنطلون للنساء، لا في البيوت ولا في خارج البيوت.

أثر المعصية على فعل الطاعة

السؤال: فضيلة الشيخ! ما هو أثر المعصية على فعل الطاعة، هل هو أثر معنوي أم أثر حسي، حيث أن الإنسان قد يكون على معصية ويصلي ويقرأ القرآن، فكيف يكون أثر المعصية على الطاعة أو على الشخص نفسه؟

الجواب: أثر المعصية سيئ، وربما يعاقب الإنسان بعقوبة عظيمة وهي الإعراض عن دين الله، كما قال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة:49] فالإنسان الذي يفعل المعاصي على خطر عظيم، ثم إنه يوم القيامة إذا لم يعف الله عنه فإنه يوازن بين الحسنات والسيئات، إذا رجحت السيئات فإنه يدخل النار يطهر منها إن لم يعف الله عنه، وإذا تساوت الحسنات والسيئات صار من أهل الأعراف، يحبس بين الجنة والنار يشاهد أهل النار ويشاهد أهل الجنة ومآله إلى الجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة.

ثم إن المعاصي لها عقوبات حسية، كما قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:96-99] وقال جل وعلا: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].

ومن أشد المعاصي تأثيراً أكل الحرام الذي شاع وذاع في وقتنا الحاضر، فأكل الحرام يكون سبباً لمنع إجابة الدعاء، يدعو الإنسان فلا يستجاب له إذا أكل الحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء: يا رب .. يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) وما أكثر الحرام في وقتنا هذا .. الربا موجود .. الميسر موجود .. الغش موجود .. الكذب موجود .. التدليس موجود .. ظلم العمال موجود، أشياء كثيرة تعجز عن عدها، كلها الأكل فيها حرام، الإنسان إذا غش في بيعه، وكسب درهماً من عشرة، هذا الدرهم الذي دخل عليه وهو حرام أفسد ماله، صار الربا والعياذ بالله يعلن إعلاناً فعلياً، وإعلاناً قولياً.

نشر قبل أيام منشوراً من أحد البنوك، يقول: من أراد أن يربح اثني عشر ضعفاً على راتبه فليأت إلينا، يعاملون الناس معاملة الدجاج!! يجعل له الحب المدسوس بالسم، والدجاجة تأكل ولا تدري، فيقطع أمعاءها، كيف الطريق؟ يأتي إلى البنك ويقول: تعال! أنت راتبك ألف ريال كل شهر، سوف أعطيك الآن اثنا عشر ألف ريال نقداً، ويضرب عليه التوثيقات التي يرى أنه لا بد من التوثق، ثم يقول: إذا تمت السنة نضيف إلى الاثنا عشر ألف ريال كذا وكذا بالمائة وتوفي، وهذا رباً صريح جامع بين ربا النسيئة وربا الفضل، والعياذ بالله، وربما يغتر بعض الناس فيظن أن هذا لا بأس به، لكننا نبلغ الآن، وواجب علينا أن نبلغ أن هذا حراماً، وأنه رباً صريح، ولا يجوز التعامل به، ونسأل الله تعالى أن يوقظ المسئولين عندنا لتلاعب هؤلاء الذين أرادوا أن يجعلوا أنظمة الرأسمالية في بلاد المسلمين، نسأل الله أن يردهم على أعقابهم خائبين، وأن يطهر بلادنا من أمثالهم.

حكم من لا يصوم ما عليه من قضاء رمضان

السؤال: فضيلة الشيخ! سائلة تقول: إنها بلغت ولم تصم القضاء الذي عليها حياء لعدة سنوات، فماذا عليها الآن؟

الجواب: عليها أن تقضي ما فاتها، وإذا قالت: أنا لا أدري الآن كم الذي فات، نقول: تحري وقدري واقضي ما عليك، وليس عليها شيء من إطعام أو صدقة على القول الراجح، بل عليها أن تقضي الأيام التي تركت قضاءها أولاً.

حكم جمع العصر مع الجمعة للمسافر

السؤال: المسافر إذا كان في الطريق فهل يقصر صلاة الجمعة أم يصليها أربعاً؛ لأننا سمعنا عنك يا فضيلة الشيخ بأنه لا يجوز للإنسان أن يقصر صلاة الجمعة، ولا أن يجمعها مع العصر، فما صحة هذا النقل؟

الجواب: أولاً: هذا النقل من حيث هو كذب، ما تكلمنا بهذا الكلام، وأما أن الجمعة لا تقصر فصحيح، لو قصرت الجمعة كم تكون؟ ركعة واحدة، وهذا لا يقوله أحد من العلماء ولا من الجهال أيضاً، فالجمعة لا تقصر بل هي ركعتان، ولكن لا تجمع العصر إليها، فمثلاً: لو مر المسافر ببلد يوم الجمعة ونزل فيه وقال: أمشي آخر النهار وأدرك صلاة الجمعة فإنه لا يجمع إليها العصر؛ لأن الجمعة صلاة مستقلة ذات شروط معينة، وهيئة معينة، وصفة معينة، والسنة إنما جاءت بالجمع بين الظهر والعصر، والجمعة ليست ظهراً، ولهذا لا يصح أن تجمع إليها العصر، فمن جمع إليها العصر قلنا: الأمر سهل، أعد العصر ركعتين بعد دخول وقتها.

حكم صلاة الجمعة للمسافر

السؤال: إذا كان الإنسان مسافراً في يوم الجمعة، وأدركه هذا اليوم وهو في الطريق، فهل يجمع صلاة الجمعة مع صلاة العصر؟ وإذا كانوا أيضاً جالسين لأكثر من أسبوع فهل يصلون صلاة جمعة، أم يصلونها ظهراً لو كانوا في بر؟

الجواب: أما الفقرة الأولى من السؤال فقد أجبنا عنها وقلنا: إن العصر لا تجمع مع الجمعة، وأما الفقرة الثانية فإنهم لا يصلون الجمعة في البر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سافر عدة مرات، وتصادفه الجمعة في سفر ولا يقيمها، بل صادفته الجمعة يوم عرفة في حجة الوداع؛ لأن يوم الجمعة في حجة الوداع هو يوم عرفة، ومع ذلك لم يصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة، وإنما صلى الظهر والعصر، كما جاء ذلك صريحاً في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

أحوال النساء في الطهارة للصلاة

السؤال: فضيلة الشيخ! هل للمرأة أن تصلي أكثر من وقت بوضوء واحد، فقد سمعنا أن المرأة لا يصح أن تصلي بالوضوء أكثر من صلاة، وأن المرأة لا يمكن أن تطهر، بل وجدنا بعض الفتيات تتوضأ لكل صلاة، وتنكر على من تصلي بوضوء صلاة أخرى، بسبب ما نقل عن فضيلتكم: من أن الماء الخارج من فرج المرأة ناقض للوضوء، أرجو بسط القول لعموم المشقة في ذلك وكثرة الإشكال، وعدم التفريق عند النساء اللاتي نقلن ذلك، نفع الله بك؟

الجواب: أما المرأة فهي كالرجل في أن لها أن تصلي بالوضوء الواحد صلاتين أو أكثر، ما دام وضوءها لم ينتقض، هذا إذا كانت ليست من النساء اللاتي يخرج منهن السائل دائماً، فإن كانت من النساء اللاتي يخرج منهن السائل دائماً فإنه لابد أن تتوضأ لوقت كل صلاة لا لكل صلاة، بمعنى: أنها لا تتوضأ لصلاة الفجر إلا بعد دخول الوقت، ولا تتوضأ لصلاة الظهر إلا بعد دخول الوقت، لكن إذا توضأت فإنها تصلي ما شاءت من النوافل حتى يدخل وقت العصر ثم تتوضأ، وذلك لأن هذا الخارج باستمرار حكمه حكم سلس البول، وحكم دم الاستحاضة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المستحاضة أن تغتسل لوقت كل صلاة، لكن هذه المرأة التي تبتلى بهذا الخارج نقول: لا بأس أن تجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إزالة للمشقة عنها.

وبقي سؤال آخر يمكن أن يتفرع على ذلك وهو: هل هذا الخارج نجس أو طاهر؟

الجواب: طاهر؛ لأن الظاهر من نساء الصحابة رضي الله عنهن أنهن كن لا يغسلن هذا الخارج، ولأننا لو قلنا بنجاسته لشق على النساء مشقة عظيمة، إذ أنه يستلزم هذا القول أن تبقى دائماً تغسل ثيابها، أو أن تخص الصلاة بثوب خاص وهذا فيه مشقة.

وخلاصة القول الآن: أن المرأة التي لا يخرج منها شيء حكمها حكم الرجل في أنها تصلي بالوضوء الواحد ما شاءت من الصلوات، والمرأة التي يخرج منها هذا الخارج الدائم لا تتوضأ للصلاة إلا بعد دخول وقتها.

أما هذا الخارج فهو طاهر لا ينجس الثياب ولا ينجس البدن.

حكم من مات وعليه قضاء صوم

السؤال: شاب مرض بمرض السرطان -عافانا الله وإياكم منه- قبل شهر رمضان، فصام ثلاثة أيام من شهر رمضان وأفطر الباقي، وبعد رمضان توفي هذا الشاب، فماذا عليه، علماً بأن عمره ست عشرة سنة، وهل يحج عنه وليه؟

الجواب: أما من جهة الصيام فإنه يُطعم وليه عن كل يوم مسكيناً مما لم يصمه، فإذا كان صام ثلاثة أيام بقي عليه سبعة وعشرون يوماً، فيطعم عنه سبعة وعشرون فقيراً، وأما الحج فلا يلزم أن يحج عنه والده، اللهم إلا أن يكون عند هذا الميت الشاب دراهم يمكن أن يحج بها عنه فإنه يحج بها عنه، وإن تبرع وليه أبوه أو أخوه أو أمه بالحج له فلا بأس.

حكم تعليق التمائم

السؤال: امرأة مكثت أكثر من عشر سنين لا تحمل، فأعطيت شيئاً مغلفاً لا تعرف ما بداخله لتعلقه وحملت بإذن الله، فهل يحل لها أن تستعمل هذا المغلف وهي لا تدري عنه، وهل لها أن تعطيه أحداً من النساء إذا استغنت عنه، أم أن ذلك من التولة التي هي من الشرك؟

الجواب: هذا من التمائم، ولا يجوز للإنسان أن يعلق تميمة حتى يعرف ما فيها؛ لأنه قد يكون فيها طلاسم وأسماء شياطين أو عفاريت من الجن أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يعلق أي شيء إلا بعد أن يعرف ما كان بداخله، ثم إذا عرف ما في داخله، وكان الذي في داخله قرآناً أو أدعية من السنة فقد اختلف السلف والخلف في جواز تعليق ذلك:

فمن العلماء من قال: لا يجوز أن يعلق ولو كان من القرآن، وهذا هو المأثور عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

ومن العلماء من قال: إذا كان من القرآن فلا بأس به؛ لعموم قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] وأما شيء يعلق ولا يعلم ما الذي فيه فهذا حرام ولا يجوز، وكون الحمل حصل بعد تعليقه فهذا لا يدل على أنه هو السبب، بل قد يكون الله عز وجل ابتلى هذه المرأة حيث حملت بعد وضعه امتحاناً لها.

والذي أرى أنه يجب أن يفتح هذا المغلف وينظر ما الذي فيه، إن كان قرآناً فكما سمعتم قد اختلف العلماء في جواز تعليقه، وإن كان غير قرآن ولا يعلم ما هو فالواجب إحراقه ولا يجوز أن يعطى لأحد، والراجح أنه إذا كان من القرآن فلا شيء فيه.

حكم قطع صيام القضاء وصيام النفل

السؤال: صيام قضاء رمضان وصيام الست من شوال هل يجوز للإنسان قطعه بدون عذر، أم أن هناك فرقاً بين الصيامين، وما هي الأعذار التي تبيح قطع هذين الصيامين؟

الجواب: أما صيام القضاء فإنه لا يجوز قطعه؛ لأن القاعدة التي دلت عليها النصوص: أن من شرع في واجب فلا يجوز له قطعه إلا لعذر شرعي. ولهذا لو أن إنساناً كبر ليصلي صلاة الفريضة، ثم استأذن عليه أحد يدق عليه الباب فإنه لا يجوز أن يقطع الفريضة من أجل أن يأذن لهذا الطارق، وأما صيام الأيام الست فهي نفل، والنفل يجوز للإنسان أن يقطعه، لكنه يكره إلا لغرض، هذا هو حكم قطع القضاء وقطع صيام الأيام الست.

ولكن هل حكم القضاء كحكم الأداء في رمضان، بمعنى: لو أن الإنسان أتى أهله في حال القضاء، فهل عليه كفارة؟

الجواب: لا. الكفارة إنما تكون فمن جامع في نهار رمضان وهو فيمن يلزمه الصوم.

على كل حال خلاصة الجواب الآن: أما القضاء فلا يجوز قطعه إلا لعذر شرعي، وأما النفل فيجوز قطعه لكن يكره إلا لغرض صحيح.

يسأل يقول: ما هي الأشياء التي تبيح لنا أن نفطر في القضاء مثلاً؟

نقول: مثل أن يلحق الإنسان مشقة، إما من جوع، أو عطش، أو تعب، أو ما أشبه ذلك، والأعذار الشرعية التي تبيح الفطر معروفة عند أهل العلم.

حكم الحج والعمرة عن الغير

السؤال: فضيلة الشيخ! شخص يريد الحج وقد حج فرضه وتنفل، فهل يجوز له أن يشرك معه في حجته وعمرته أحداً من أقاربه كوالديه، وهل الأفضل الحج للوالدين والعمرة لهما، أم الأفضل أن يحج عن نفسه ويدعو لهما؟

الجواب: أما إشراك أحدٍ في حج أو عمرة فهذا لا يصح، لا يمكن أن تقع العمرة لشخصين، أو الحج لشخصين، وأما كونه يحج عن أمه وأبيه، أو يحج عن نفسه ويدعو لأمه وأبيه، فحجه عن نفسه ودعائه لأمه وأبيه أفضل وأحسن؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ولم يذكر الحج ولا الصوم ولا الصدقة، مع أن سياق الحديث في العمل، فدل هذا على أن الدعاء للوالد أفضل من أن يصلي الإنسان له أو أن يعتمر أو أن يحج، فمشورتي لهذا الأخ السائل: أن يحج عن نفسه ويدعو لوالديه.

حكم زكاة العقارات والأراضي

السؤال: نحن شركاء في أرض زراعية كبيرة، نريد أن نوزعها إلى قطعٍ صغيرة، ولكن حالت ظروف عن قسمتها، منها ركود العقار، فهل تجب علينا فيها الزكاة؟

الجواب: إذا كنتم أصحاب عقار، بمعنى: أنكم تبيعون وتشترون في الأراضي فعليكم الزكاة، أما إذا كانت هذه الأرض قد ورثتموها من أب أو غيره، وتريدون أن تبيعوها متى تيسر بيعها أو تقطعوها متى تيسر، فليس عليكم فيها زكاة؛ لأن الزكاة في العقارات والأراضي وشبهها إنما تجب لمن كان يتجر بها، أي: صاحب عقار يبيع ويشتري، أما إنسان عنده عقار وطابت نفسه منه وأراد أن يبيعه وعرضه للبيع، فهذا لا زكاة فيه.

الواجب على من مات ابنه بسبب إعطائه السيارة

السؤال: رجل سافر للنزهة ومعه عائلته، ثم طلب أحد أبنائه أن يقود السيارة، وكان يبلغ من العمر (14) سنة، فمكنه من القيادة وهو لا يحمل رخصة، وفي أثناء الطريق قدر الله عليهم حادث انقلاب، فمات ذلك الابن من جراء ذلك الحادث، فيسأل هذا الأب هل عليه كفارة؛ لأنه سمح لذلك الابن بالقيادة، مع أنه لا يحمل رخصة قيادة، وقد يكون لا يحسن القيادة، وهل يفرق بين إذا كان يحسن القيادة وبين ألا يكون يحسنها؟

الجواب: إن كان هذا الابن يحسن القيادة فلا شيء على الأب؛ لأن الأب لم يأمره بل لم يجبره على ذلك، وإن كان لا يحسن القيادة فالأب مفرط، فعليه أن يكفر؛ لأنه السبب في قتل هذا الصبي، بل في قتل هذا الشاب.

كذلك أيضاً: لا بد أن نعلم هل السبب في انقلاب السيارة تصرف الشاب أم أنه قضاء وقدر، أحياناً يكون السبب أن الإطار ينفجر بدون فعل الإنسان، ثم تنقلب السيارة ويحصل حادث فليس في هذا شيء، بعض الناس يظن كلما حصل حادث وجب الضمان ووجبت الكفارة، وهذا غير صحيح، الحادث الذي ليس من فعلك ولا تصرفك ولا تهورك وإنما هو قضاء وقدر انفجر الإطار وحصل الانقلاب، أو انقطع الذراع أو ما أشبه ذلك مما يكون سبباً فهذا لا شيء على الإنسان لا كفارة ولا ضمان.

أما مسألة الرخصة فليست لازمة، الكلام على إحسان القيادة، لكن حمل الرخصة وعدمها هذا تجاه المسئولين، أما باعتبار ما يقتضيه الشرع فمتى كان يحسن القيادة فسواء كان يحمل رخصة أو لا فلا يختلف الحكم.

حكم الحج عن المريض الذي يشق عليه الحج

السؤال: فضيلة الشيخ! لي والدة مقعدة لا تستطيع القيام بأعمال الحج، هل أحج عنها مع العلم أن السفر يشق عليها للحج محمولة؟

الجواب: إذا كان حج فريضة بحيث يكون عندها مال فإنك تحج عنها، وإذا كان نافلة بحيث لا يكون عندها مال أو عندها مال وقد حجت فالصحيح أيضاً أنه لا بأس به، أي: لا بأس أن يحج الإنسان عمن كان عاجزاً عن الحج تطوعاً، وأما القادر الذي يستطيع أن يحج بنفسه ولكنه وكل من يحج عنه ففي إجزاء ذلك عنه نظر؛ لأن الحج عبادة يقوم بها الإنسان بنفسه إن استطاع وإلا فلا يقيم من يحج عنه، إلا الفريضة فقد علمتم أنه إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يؤدي الفريضة وعنده مال وعدم استطاعته هذه لا يرجى زوالها فإنه يقيم من يحج عنه ويعتمر.

الاحتلام في نهار رمضان وحكم تأخير الاغتسال منه

السؤال: احتلمت أكثر من مرة في شهر رمضان، ونظراً لأني قد استحييت من أهلي أن أدخل دورة المياه وأغتسل صليت على تلك الحال على نجاسة الاحتلام، ثم بعد ذلك أغتسل وأقضي الصلاة، فما حكم هذا الشيء الذي أنا عليه، وهل أتحمل شيء، وهل يفطر الاحتلام في شهر رمضان؟

الجواب: أما الاحتلام في شهر رمضان فلا يفطر، وأما تأخير الاغتسال حياءً من الناس فهذا غلط، فعلى هذا الفاعل أن يستغفر الله تعالى ويتوب إليه، وألا يعود لمثل ذلك، فإن الله لا يستحيي من الحق، ولا أحد أشد حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أحياناً كان يخرج إلى أصحابه ورأسه يقطر ماءً من الاغتسال، وهذا شيء لا بأس به، وهو حادث لكل أحد، فعلى هذا الشاب أن يستغفر الله ويتوب إلى الله مما صنع، والصلوات التي قضاها أرجو أن تكون مجزئة.

حكم من عليه قضاء وهو عاجز عن قضائه

السؤال: امرأة كبيرة في السن تركت قضاء رمضان منذ فترة طويلة من الزمن، وهي تعلم بوجوب القضاء عليها، ولكن تركت القضاء تكاسلاً، وهي الآن عندها من الأمراض ما لا يسمح لها بالصوم، أفتونا مأجورين في حالها ماذا يجب عليها الآن؟

الجواب: الواجب عليها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً؛ لأن الواجب عليها القضاء، ولكن إذا كانت عاجزة عنه عجزاً لا يرجى زواله لكبرها فعليها أن تطعم لكل يوم مسكيناً.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اللقاء الشهري [25] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

https://audio.islamweb.net