اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اللقاء الشهري [62] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين


اللقاء الشهري [62] - (للشيخ : محمد بن صالح العثيمين)
لقاء مهم مليء بالأحكام الشرعية، مستفيض بالأدلة النقلية، غني بالتوجيهات والنصائح الربانية، موضوعه الحج والعمرة، بل فيه ذكر ما يفعله الحاج منذ خروجه من بيته حتى عودته إليه.
الحج وما يتعلق به
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فهذا هو اللقاء الشهري الذي يتم في هذا المسجد الجامع الكبير في مدينة عنيزة كل شهر مرة، إلا أن يحول دون ذلك مانع، وهذه الليلة هي الخامسة من شهر ذي القعدة عام (1419هـ). ونحن في أوسط أشهر الحج؛ لأن أشهر الحج ثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فنحن في أوسط الشهور الثلاثة شرفها الله عز وجل، لذلك رأيت أن من المناسب أن نتكلم عن الحج وما يتعلق به، فنقول: أولاً: منزلة الحج من الدين الإسلامي.ثانياً: حكم الحج.ثالثاً: متى فرض الحج.
 سبب تأخير النبي صلى الله عليه وسلم للحج بعدما فرض
إذا قلنا: إنه فرض في السنة التاسعة فهل حج الرسول عليه الصلاة والسلام من حين فرض؟ لم يحج؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الحج لسببين:الأول: أنه صلى الله عليه وسلم بقي في المدينة يتلقى وفود العرب الذين يأتون مسلمين؛ لأن العرب لما فتحت مكة وفتحت الطائف انكسرت شوكتهم، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجاً، فبقي في المدينة يتلقى الوفود ويعلمهم الدين ثم ينصرفون. هذا سبب.سبب آخر: في السنة التاسعة حج المسلمون والمشركون، فاختار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن تكون حجته ليس فيها أخلاطٌ من المشركين، ولهذا لما حج أبو بكر رضي الله عنه في السنة التاسعة بالناس نادى المنادي: ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. إذاً أخر النبي صلى الله عليه وسلم الحج لسببين:الأول: البقاء في المدينة لتلقي الوفود.الثاني: ألا يكون معه أحدٌ من المشركين.
صفة الحج والعمرة
نعود الآن فنذكر كيفية الحج..الحج نوع من الجهاد في سبيل الله؛ بدليل: أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (يا رسول الله! هل على النساء جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه؛ الحج والعمرة) ولهذا كان في الحج تعب بدني وإنفاق مالي كالجهاد تماماً، فهو نوعٌ من الجهاد في سبيل الله، واستنبط بعض العلماء رحمهم الله ذلك من قول الله تبارك وتعالى: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:195-196] فذكر الحج بعد أن ذكر الإنفاق في سبيل الله، وهو إشارة إلى أن الحج نوعٌ من الجهاد في سبيل الله، ولكن لا بد أن نعرف صفة الحج حتى نفعل هذه الصفة على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  مسائل مهمة تتعلق بالحج
ولننظر -أيها الإخوة- الآن بعد الانصراف من مزدلفة والوصول إلى منى فعلنا عدة أمور:أولاً: رمي جمرة العقبة.ثانياً: النحر.ثالثاً: الحلق.رابعاً: الطواف.خامساً: السعي.فهل للإنسان أن يقدم بعضها على بعض؟ اسمع فتوى النبي عليه الصلاة والسلام (ما سئل عن شيء يوم العيد قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج). وعلى هذا نأخذ أمثلة:رجل انطلق من مزدلفة إلى مكة رأساً وطاف وسعى ثم عاد ورمى، فإن ذلك يجوز.رجل رمى ثم حلق قبل أن ينحر، فنقول: يجوز.رجل نزل إلى مكة ليطوف ويسعى فوجد المطاف ضيقاً جداً، فسعى قبل أن يطوف، فإن ذلك يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما سئل عن شيء قدم ولا أخر يومئذٍ -أي: يوم النحر- إلا قال: (افعل ولا حرج).ثم يبيت في منى ليلة أحد عشر وليلة اثنى عشر وليلة ثلاثة عشر، هذا إن تأخر، وإن تعجل فيبيت ليلة أحد عشر وليلة اثنى عشر، وبعد الزوال في الأيام الثلاثة يرمي الجمرات الثلاث، فيرمي الجمرة الصغرى، ثم الوسطى، ثم العقبة .. والصغرى هي أول ما يليك إذا نزلت إلى مكة، ترميها بسبع حصيات، تكبر مع كل حصاة، ثم تبعد عن الزحام والحصى وتقف مستقبلاً القبلة رافعاً يديك تدعو الله عز وجل دعاءً طويلاً حسب ما تستطيع، ثم الوسطى ترميها مثلها وتقف بعدها وتدعو الله تعالى دعاءً طويلاً، ثم جمرة العقبة ولا تقف .. ثلاثة أيام بعد الزوال، وبذلك تم الحج، فإذا أردت السفر إلى بلدك فلا تخرج حتى تطوف الوداع.ولنأخذ الآن أمثلة:رجل دفع من عرفة قبل الغروب، فلا يجوز له ذلك، بل يجب أن يبقى في عرفة حتى تغرب الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في عرفة حتى غربت الشمس، ولو كان الدفع قبل الغروب جائزاً لدفع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أرحم بالأمة وأرفق بهم أن يدفعوا في النهار، وفي وقت ليس هناك أعمدة كهرباء، فلما انتظر حتى غربت الشمس وحل الظلام ولم يدفع قبل ذلك علمنا أن البقاء في عرفة إلى الغروب واجب، ولأن الإنسان إذا دفع قبل الغروب خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ووافق هدي المشركين؛ لأن المشركين يدفعون من عرفة إذا صارت الشمس على الجبال كالعمائم على رءوس الرجال، أي: إذا قاربت الغروب مشوا.رجل دفع من مزدلفة قبل أن يصلي الفجر، فهذا جائز، لا سيما في عصرنا هذا من أجل الزحام، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم للنساء والضعفة أن يدفعوا من مزدلفة في آخر اليوم لئلا يزحمهم الناس، وفي وقتنا الآن الزحام شديد، فلك أن تدفع قبل الفجر من مزدلفة وترمي، متى وصلت ترمي ولو كان قبل الفجر بساعة أو ساعتين.لكن رجل لم يدفع من مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، كذلك يجوز، لكن لا يفعل إلا لعذر؛ كتعطل السيارة، أو فقد بعض الأصحاب فيبقى يبحث عنهم مثلاً، وإلا فليدفع قبل أن تطلع الشمس؛ لأن تأخير الدفع من مزدلفة حتى تطلع الشمس يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويوافق هدي المشركين، فقد كان المشركون إذا وقفوا في مزدلفة يقولون: أشرق ثبير كيما نغير.رجل أخر الرمي حتى غابت الشمس في يوم أحد عشر ويوم اثنا عشر، فإن ذلك جائز، ولك أن ترمي إلى الفجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت أول الرمي وسكت عن آخره، فدل هذا على أن الأمر واسع، لا سيما في أوقاتنا هذه .. الجمع كثير، والغشم كثير، وعدم المبالاة كثير، وتجد الواحد يأتيك كالجمل الصائل الهائج يريد أن يرمي -على زعمه- الشيطان، وربما يأخذ أحجاراً كبيرة يرمي الشيطان على زعمه، وسُمع بعضهم وهو يلعن الجمرة، ويقول: لعنك الله أنت الذي فرقت بيني وبين زوجتي. سبحان الله! هذا جهل عظيم، ولذلك يجب أن ننـزع هذه العقيدة الباطلة من أفكار الناس، ونقول: رمي الجمرات منسك من مناسك الحج، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما جعل الطواف بالبيت وبـالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله).رجل جمع أيام التشريق في آخر يوم، لم يذهب يوم أحد عشر ولا اثنا عشر، جعلها كلها جميعاً في آخر يوم، هذا لا يجوز إلا لعذر؛ كما لو كان الإنسان بعيداً في أطراف منى ويشق عليه أن يتردد كل يوم، فنقول: لا بأس، اجمع الأيام الثلاثة في آخر يوم، ولكن ابدأ بالترتيب، ارم ثلاثاً عن يوم أحد عشر، وثلاثاً عن يوم اثنا عشر، وثلاثاً عن يوم ثلاثة عشر، فترمي الأولى ثم الوسطى ثم العقبة.امرأة يشق عليها الزحام ولا يرجى أن تتأخر حتى يخف، فهل لها أن توكل؟ الجواب: نعم لها أن توكل، وكذلك الشيخ الكبير له أن يوكل، والمريض له أن يوكل، وضعيف البنية له أن يوكل؛ لأن الزحام شديد لا سيما في اليوم الثاني عشر لمن أراد أن يتعجل؛ لأنه في هذا اليوم يحصل زحام شديد، والمرأة لا تتحمل فلتوكل.رجل عزم على أن يتعجل ويخرج من منى، لكن حبسه السير، ازدحام السيارات حبسه حتى غابت الشمس فماذا نقول له؟ نقول: سر ولو غابت الشمس؛ لأنك حبست ضرورة.رجل أو امرأة خاف من الزحام إذا رمى في أول الوقت يوم اثنا عشر، ثم تعجل فأخر الرمي حتى خف الزحام ولم يخف الزحام إلا بعد الغروب فرمى ودفع، فإن ذلك يجوز؛ لأن هذا التأخير ضرورة، فهو كمن نام عن صلاة أو نسيها يصليها إذا ذكرها، وهذا نقول: ما دام لا يتحمل الزحام وأخر حتى غابت الشمس، ومن نيته القطعية أنه متعجل وليس متأخراً، نقول: إن الله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] ويقول: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].أسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً.بقي الكلام على محظورات الإحرام، ولكن الوقت لا يتسع، فليؤجل -إن شاء الله- إلى اللقاء القادم ونتكلم عليه.
الأسئلة

  حكم من اعتمر وترك طواف الوداع
السؤال: اعتمرت في رمضان وتركت طواف الوداع، فهل عليَّ شيء وأنا أعلم فتواكم ولكني تساهلت بسبب فتوى بعض العلماء وإلحاح الرفقة عليَّ بالتعجيل؟ فماذا عليَّ الآن؟الجواب: إذا طاف الإنسان وسعى وقصر في العمرة ومشى فلا عليه شيء؛ لأن طوافه الأول عند سفره، وأما إذا بقي ولو قليلاً فإن عليه أن يطوف طواف الوداع، وهذا الرجل يقول: إنه سمع فتوانا وسمع فتوى آخرين، فإذا كان حين تركه لطواف الوداع وهو متردد هل هو واجب أو غير واجب بناءً على اختلاف الفتوى فليس عليه شيء، وأما إذا كان يعتقده واجباً ولكن تهاون؛ فالاحتياط أن يذبح فدية في مكة وتوزع على الفقراء، إما أن يذهب إلى مكة بنفسه، أو يوكل من يقوم عنه بهذا الشيء.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اللقاء الشهري [62] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

http://audio.islamweb.net