اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دروس وفتاوى الحرم المدني لعام 1416ه [2] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين


دروس وفتاوى الحرم المدني لعام 1416ه [2] - (للشيخ : محمد بن صالح العثيمين)
في هذا اللقاء استدرك الشيخ ما ذكره من أنواع التوسل في فتاوى اللقاء الماضي، ثم أعقب ذلك بتفسير بدايات ونهايات سورة الرحمن، مستفيضاً في صفة الله الرحمن شرحاً وتعليقاً، وكذا خلاف أهل العلم في مسائل متفرقة حول الجنتين الأوليين والأخروين.
التوسل بين المشروع والممنوع
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.أما بعد: فإننا قبل أن نبدأ لقاء هذا الصباح، نشير إلى ما ذكرناه في اللقاء الماضي؛ وذلك لأن العلم يحتاج إلى ترسيخ، ومن أقوى أسباب الترسيخ: أن يناقش الإنسان نفسه مع نفسه، وأن يناقش مع غيره.
 أنواع التوسل الممنوع
أما التوسل الممنوع: فهو أن يتوسل الإنسان بما لم يجعله الله وسيلة، مثل: أن تتوسل بجاه الرسول، وجاه الرسول يعني: المنزلة التي له عند الله، ونحن نشهد ونؤمن بأن أعظم الناس جاهاً هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فإذا كان موسى صلى الله عليه وسلم وجيهاً عند الله، وإذا كان عيسى وجيهاً في الدنيا والآخرة؛ فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أولى بذلك بلا شك، ولكن ماذا تنفعني وجاهته عند الله؟ لا تنفعني؛ لأن وجاهته عند الله إنما هي منزلة جعلها الله له، أي لنفس الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو لا ينفعني، ولهذا نقول: من توسل إلى الله بجاه الرسول فقد شبه الله بخلقه، لماذا؟ لأنه لا يتوسل بالجاه إلا لدى المخلوقين، أنا مثلاً أجد هذا الرجل له منزلة عند شخص من الناس، وأقول: أتوسل إليك بجاه فلان، أو أسألك بجاه فلان للرجل، أما عند الله عز وجل فلا، لا تنفع الوجاهة إلا من جعلها الله له، أما بالنسبة لغيره فلا تنفعه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينادي الأقربين من أقاربه: (يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئاً) وفاطمة بضعة منه، ومع ذلك لا يغني عنها من الله شيئاً، ولو كان الرسول وجيهاً عند الله عز وجل فإنه لا يغني شيئاً عند الله.ومن الشفاعة الممنوعة: ما ادعاه المشركون من قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] فهم يدعون أنهم يعبدون الأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، سبحان الله! هل هذا يقرب إلى الله أو يبعد؟ يبعد من الله، ولا يمكن أن تتقرب إلى الله بمعصيته إطلاقاً، ولهذا لو أن إنساناً أراد أن يقوم ويصلي بعد صلاة العصر نفلاً مطلقاً لا سبب له، هل هذا يقرب إلى الله؟ لا يقرب إلى الله؛ لأنه محرم؛ مع أنها صلاة عبادة يقوم الإنسان فيها لله عز وجل، يكبر الله ويتلو كتابه، ويركع ويسجد، ومع ذلك نقول: هذا الرجل لا تقربه صلاته لله؛ لأنها معصية، فلا يمكن أن يتقرب الإنسان إلى الله بمعصية إطلاقاً، فهؤلاء المشركون الذين يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] نقول: هؤلاء ضالون؛ لأن عبادة الأصنام لا تقرب إلى الله بل تبعد من الله عز وجل.
تفسير أوائل سورة الرحمن

 تفسير قوله تعالى: (علمه البيان)
قال تعالى: عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:4] أي: علم الإنسان البيان، ما معنى البيان؟ البيان: التعبير عما في نفسه، ولهذا نجد أن الإنسان هو الذي يعبر عما في نفسه بعبارةٍ واضحة بينة، فإن قال قائل: هل البيان مختصٌ باللغة العربية؟ بمعنى: أن من ليس ينطق العربية فليس عنده بيان؟ الجواب: لا. بيان كل قومٍ بلغتهم، وعلى حسب ما يفهمونه، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4] فالبيان عند العرب: هو النطق باللغة العربية الفصحى، والبيان عند غير العرب على حسب لغتهم، ولذلك نجد أن من الناس من يقوم خطيباً في الناس ثم يسحرهم بخطبته، يتحولون من الرأي الذي كانوا عليه والذي أراد هذا الخطيب أن يمحوه من نفوسهم فيتحولون عنه بسبب البيان، وفي الحديث: (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة).
تفسير إجمالي لأواخر سورة الرحمن
قال تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن:5] إلى آخر ما ذكر الله في هذه السورة، وفي النهاية قال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] وذكر الجنتين، ثم ذكر جنتين أخريين، وقد اختلف العلماء: أيهما أفضل: الجنتان الأوليان أو الأخريان؟والصواب: أن الجنتين الأوليين أفضل، إذا تدبرتها وجدت: فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن:52]، وفي الأخريين: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68] أيهما أعم؟ الأولى.قال تعالى: فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ [الرحمن:50]، وهناك: فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ [الرحمن:66] والنضخ أقل من الجريان. فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ [الرحمن:56]، وهناك قال: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] وفرق بين قاصرات الطرف والمقصورات؛ قاصرات الطرف يعني: أن أزواجهن لا ينظرون إلى غيرهن، تقصر طرف زوجها عن غيرها؛ لأنها قد ملأت قلبه سروراً، وملأت بصره نظراً، أما هناك: مقصورات في الخيام، ومع هذا نقول: إن الحور المذكورات في الأوليين والأخريين أوصافهن للجميع، ولهذا تجد: فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ [الرحمن:50].. فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ [الرحمن:66].. فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن:52].. فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68] كلها بلفظ التثنية، فيهما.. فيهما، لكن لما تكلم عن الحور قال: (فيهن) فأتى بالجمع، فيستفاد منه والله أعلم: أن هذه الأوصاف؛ أوصاف الحور العين ثابتة في كلٍ من الجنتين الأوليين والأخريين.وآخر الأمر قال: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:78] وقال في أثناء السورة: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27] وهنا نسأل أهل النحو: لماذا قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ .. وتَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:78]؟ قوله: (ذو) في قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ صفة لوجه و(وجه) مرفوعة لأنها فاعل والصفة تتبع الموصوف فجاءت مرفوعة. أما قوله (ذي) في قوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:78] فهي مجرورة بالإضافة فكانت الصفة (ذي) ولم تكن (ذو) لماذا؟ لأن الموصوف بالجلال والإكرام هو وجه الله عز وجل، أما اسمه فهو اسم ليس ذا الجلال ولا ذو الجلال والإكرام، وذو الجلال والإكرام هو الرب ووجه الرب، وفي الآية: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27] إثبات صفة من صفات الله وهي الوجه لله عز وجل، وهناك آية أخرى تثبت الوجه لله وهي قول الله عز وجل: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88].وكذلك قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] فهذه آيات في القرآن الكريم، والحكم يثبت بخبر واحد عن الله عز وجل أو عن الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف إذا تكرر؟ ومن هنا نأخذ: إثبات الوجه صفةً لله عز وجل، وهذا الوجه هل يمكن أن يكون مماثلاً لأوجه المخلوقين؟ لا. لقول الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، ولأنه باتفاق العقلاء: إذا اشترك اثنان في اسم فإنه لا يلزم تماثل المسمى، أي أن: الاشتراك في الأسماء لا يلزم منه تماثل المسميات، فنحن نعلم أن للفرس وجهاً وللبعير وجهاً، فهل يمكن أن يكون هذا مثل هذا؟ حسب الواقع لا، لكن لو شاء الله لكانا سواءً.إذاً: إليكم قاعدة مفيدة في الأسماء والصفات: لا يلزم من الاشتراك بالأسماء تماثل المسميات، إذاً: نقول: لله وجه يليق بجلاله ولا يشبه أوجه المخلوقين.
 تفسير قوله تعالى: (علمه البيان)
قال تعالى: عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:4] أي: علم الإنسان البيان، ما معنى البيان؟ البيان: التعبير عما في نفسه، ولهذا نجد أن الإنسان هو الذي يعبر عما في نفسه بعبارةٍ واضحة بينة، فإن قال قائل: هل البيان مختصٌ باللغة العربية؟ بمعنى: أن من ليس ينطق العربية فليس عنده بيان؟ الجواب: لا. بيان كل قومٍ بلغتهم، وعلى حسب ما يفهمونه، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4] فالبيان عند العرب: هو النطق باللغة العربية الفصحى، والبيان عند غير العرب على حسب لغتهم، ولذلك نجد أن من الناس من يقوم خطيباً في الناس ثم يسحرهم بخطبته، يتحولون من الرأي الذي كانوا عليه والذي أراد هذا الخطيب أن يمحوه من نفوسهم فيتحولون عنه بسبب البيان، وفي الحديث: (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة).
الأسئلة

 حكم أخذ الورثة إعانة مادية طلبها المورث وجاءت بعد موته
السؤال: رجل توفي عن امرأة وهي حامل وأنجبت بعده بنتاً، وبعد مدة تزوجت المرأة برجل آخر، وكان الزوج الأول مقدماً معروضاً يطلب فيه عادة، وبعد مدة طويلة من موت الرجل الأول وزواج المرأة أتت العادة، والسؤال: هل المرأة ترث من هذه النقود المذكورة أم لا؟الجواب: سأجيب عما يتعلق بهذا السؤال، وهو طلب العادة، هل يجوز للإنسان أن يرفع إلى الحكومة طلب عادة أو لا يجوز؟ الجواب: لا يجوز، إلا إذا كان محتاجاً، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب: (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرفٍ ولا سائلٍ فخذه) وهذا يدل على أنه لا يجوز السؤال، فلا يجوز للإنسان أن يقدم طلباً من الحكومة أن تصرف له شيئاً عادة أو غير عادة، إلا إذا كان محتاجاً وإلا فليتنزه عن ذلك.أما: هل يكون للبنت التي مات أبوها وهي حامل أو لا يكون، فهذا يرجع إلى القضاء وليس إلى الفتوى، اذهبوا إلى المحكمة وإن شاء الله خيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دروس وفتاوى الحرم المدني لعام 1416ه [2] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

http://audio.islamweb.net