إسلام ويب

رقة القلوب مهمة في حياة الداعية وطالب العلم وغيرهما؛ لذلك جاءت هذه الكلمات النيرة لتوضيح وتفصيل الأمور التي تيسر السبيل إلى رقة القلوب، فلتلتزم علّ الله أن ينفع بها.

أهمية القلوب التي في الصدور

الحمد لله علام الغيوب، مفرج الهموم والغموم ومنفس الكروب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقلب الأبصار والقلوب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي بعثه بالهدى ودين الحق فأنار به السبل والدروب، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته والتابعين، ومن سار على نهجهم المبارك، ما آذنت شمس بغروب.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد:

إخواني في الله: في الجسد مضغة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها أنها (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) هذه المضغة هي محل نظر الرحمن، ومنزل التوحيد والإيمان، اختارها الله تبارك وتعالى لكي تكون محط الإيمان به، الذي هو أعز وأشرف صفة يتخلق بها عبد الله في هذه الحياة، وما قامت السماوات والأرض ولا كان الحساب والسؤال والعرض إلا لأجل الإيمان.

هذه المضغة: هي محل هذا الأمر العزيز عند الله عز وجل، ولو وجد الله في الجسد مضغة أعز عليه منها لجعلها مسكناً للإيمان والتوحيد.

لذلك أحبتي في الله كم نظر الله عز وجل إلى هذه القلوب، فأحبها وأحب أهلها، وكم نظر إلى هذه القلوب، فآذنها بغضب منه وعذاب.

القلوب محل نظر الرحمن

القلوب هي محل نظر الرحمن، فكم من أمة اجتمعت على طاعة بينها كما بين السماء والأرض صلاحاً وفلاحاً بسبب القلوب، كم من أناس جمعتهم المساجد، وقاموا مع كل قائم وركعوا مع كل راكع وسجدوا مع كل ساجد، ولكن بينهم كما بين السماء والأرض؛ لأن القلوب اختلفت والأفئدة تباعدت، فأفئدة لا تعرف إلا الله، وقلوب ما سجدت إذ سجدت إلا لوجه الله، وقلوب ما انتصبت أقدامها إلا وهي ترجو رحمة الله، وقلوب ما نطقت بذكره ولا لهجت بشكره إلا وهي ترجو رحمة الله، إنها قلوب المخلصين، إنها قلوب المتقين العابدين، التي استقر فيها الخوف والخشية من إله الأولين والآخرين.

القلوب وما أدراك ما القلوب! هي الميزان عند الله عز وجل، حتى ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلد شارب الخمر الذي عصى الله ورسوله فطفق الصحابة يسبونه، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم إنه يحب الله ورسوله) إنه يحب الله ورسوله، فظاهره الفسوق، وباطنه المحبة لله عز وجل، فكم من ظواهر تبطنت جواهر لا يعلمها إلا الله عز وجل، ورب أشعث أغبر ذي طمرين، إذا رأيته احتقرته في ملبسه، واحتقرته في منظره وهيئته، تبطن قلباً وأي قلب! له عند الله مكان وجلال وهيبة، لو أقسم على الله لأبره، ولو كاده أهل السماوات والأرض لأعزه الله وما أذله.

إنها القلوب التي اختارها الله عز وجل لكي تكون معادن الإيمان والإخلاص للرحمن، لذلك كم تنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من آيات، وكم حذرت في الكتاب والسنة وعلى المنابر من عظات باللغات، تقود هذه القلوب إلى الله وتدلها على رحمة الله، وتريد منها استكانة وخشوعاً وخضوعاً وذلة لله عز وجل.

القلوب هي الميزان في صلاح العمل

أحبتي في الله: القلوب هي الميزان في صلاح العمل، هي الميزان في القرب من الله عز وجل والتعلق في الله عز وجل، حتى ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أبي بكر الصديق ، الإمام الجليل، والصحابي الكريم، أفضل الصحابة وأعلاهم عند الله عز وجل مكاناً وشأناً، فدى رسول الله بروحه وماله، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل أعالي الفردوس مثواه، هذا الصحابي الجليل نال هذه المرتبة العظيمة بفضل الله، ثم بشيء وقر في صدره، وبإيمان ثبت في قلبه، حتى قال صلى الله عليه وسلم: (أما إنه لم يسبقكم بكثير صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في القلب) وما هو ذاك الشيء سوى اليقين والتعلق بالله رب العالمين، والاستكانة والذلة والإخلاص في العبودية لله إله الأولين والآخرين.

وليس هناك قضية يحتاج المؤمن إلى علاجها وصلاحها وإصلاحها مثل قضية قلبه وفؤاده، نحتاج إلى وقفة مع هذه القلوب، نحتاج إلى وقفة مع هذه الأفئدة التي طال بعدها عن الله وعظمت غربتها عن الله، فكم من شابٍ اهتدى واستمسك بسبيل المحبة والرضا، ولكن في قلبه من القسوة ما لا يشتكى إلا إلى الله جل وعلا، كم من شباب تفطرت قلوبهم وأفئدتهم حزناً يتمنون قلباً رقيقاً، يتمنون من الله عز وجل أن يرزقهم قلوباً تذل لوجهه وترق لجلاله وعظمته، حتى إذا ذكرت بالله اطمأنت وإذا بصرت بالخير اهتدت، فهي أمنية عزيزة عند عباد الله الأخيار.

صلاح القلوب ولينها ورقتها وخشوعها لله علام الغيوب، أعز أمنية وأشرف مطلوب.

ضرورة الاعتناء بترقيق القلوب

لذلك أحبتي في الله! قسوة القلب ولينه، رقة القلب وغلظه، أمر عظيم، حتى إن الله عز وجل أخبر نبيه، أن صلاح أمور الدعوة إلى الله تقوم على رقة الداعية إلى الله، قال سبحانه وتعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] ولو كان قلبك قاسياً لانفضت هذه الجموع الرقيقة الرفيقة من حولك يا رسول الله.

لذلك أحبتي في الله! رقة القلوب يحتاجها أحب العباد إلى الله وهم أنبياؤه والهداة والدعاة إلى الله، وطلاب العلم، وعامة الناس وخاصتهم، وإذا لم تلن القلوب لله فلمن تلين القلوب؟ وإذا لم تذل القلوب لله فلمن تذل القلوب؟ وإذا لم ترق القلوب لكلام الله فلمن ترق القلوب؟ فبأي شيء تلين تلك القلوب؟ أحوج ما نحتاجه أن تكون هذه القلوب رقيقة، حتى إذا قيل لها: قال الله، خشعت واطمأنت وخضعت وأذعنت لله عز وجل، نحتاج إلى رقة القلوب حتى إذا وقف المؤمن تلك الوقفة التي تحتاج إلى القلب الرقيق عل الله أن يرفق به كما رفق بعباده، فيجد من الله نفحة من رحماته.

ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث السنن : (أن الراحمين يرحمهم الله) وهل رحمة القلوب إلا بلينها؟!! بل ثبت في الحديث الصحيح عن المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم: (أنه مر عليه الأقرع بن حابس وقد وضع صبيه في حجره يقبله صلوات الله عليه وسلامه من حنان قلبه وفؤاده ولينه، فقال له: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت واحداً منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك) أي أيُ شيء أملكه ما دام الله قد نزع الرحمة من قلبك.

فلين القلوب يحتاجه الوالد مع ولده، وتحتاجه الوالدة مع ولدها، أمنية عظيمة وغاية سامية كريمة، لا تصلح الأحوال إلا بها بإذن الله عز وجل، ومتى وجدت الأب ذا حنانٍ ورحمة بابنه وبابنته، وجدت ذلك البيت ترفل فيه السعادة، ومتى وجدته حليماً رحيماً بأهله وزوجه رحمه الله، فجعل بيته تضفي عليه السعادة خيراً كثيراً.

وكذلك إذا وجدت تلك الأم المسلمة المؤمنة الحقة تضفي على أبنائها حنان القلب النابع من رقة الفؤاد وجدت صلاح ذلك البيت وفلاحه، ومن هذا كله نعلم أن رقة القلوب وذلتها لله، نحتاجها في جميع شئوننا وفي جميع أحوالنا، حتى مع أهلينا وبناتنا.

يحتاجها الداعية إلى الله في دعوته، حينما يكون رحيماً بالناس رفيقاً بهم كما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم، يحتاجها طالب العلم، حتى إذا جلس في مجالس العلماء، جلس بقلب يجل كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهل توجد حلاوة طلب العلم إلا بعد ذلة القلوب ورقتها؟ ومتى وجدت طالب العلم يجلس في مجالس العلم، بقلب خاشع رقيق ذليل لله عز وجل، وجدت فيه سكينة ووقاراً وبهاء.

ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله: [كان الرجل إذا طلب العلم ظهر ذلك في وجهه وفي يده وفي لسانه وفي تخشعه] أي: أصبح خاشعاً لله عز وجل.

إذاً: لا بد من رقة القلوب، ولذلك إذا عزبت هذه الخصلة الكريمة وغابت هذه الصفة التي هي صفة رحيمة عن الإنسان وأصبح قلبه بخلاف ذلك تدمرت حياته، وتنغص عيشه، وتكدر خاطره، وكان من العناء والبلاء ما لا يعرفه إلا رب الأرض والسماء، فما الذي أفسد الدعوة على الداعية إلا غلظه على العباد، وما الذي أفسد الزوجة على زوجها والزوج على زوجته إلا القلوب القاسية التي لا تراقب الله في المعاشرة الزوجية.

وكذلك ما أفسد الأبناء وجعل أبناء المسلمين يعيشون ليلهم في حيرة وقلق، حتى ضاع الأبناء وضاعت البنات عن الحنان والرقة والرحمة الأبوية، إلا فوات هذه الخصلة الكريمة، خصلة الكرام وأهل الإسلام: رقة القلوب وإنابتها إلى الله عز وجل.

أحبتي في الله: إذا غابت عظم البلاء واشتد العناء، وشهد الله عز وجل من فوق السماء، أنها سبب في البلاء وأي البلاء، بل إنه توعد من فقد هذه الخصلة بوعيد شديد، وعذاب من الله أكيد، فقال سبحانه وتعالى وهو الحميد المجيد: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر:22] ويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، ويل لقلوب تسمع القرآن ولا تخشع عند سماعه، ويل لعيون ذكرت بكلام الله فلم تسح بالبكاء من خشيته، وويل لأسماء ذكرت بوعد الله ووعيده فلم تصغ لكلامه، ويل في الدنيا وويل في الآخرة.

ولذلك تجد أصحاب القلوب القاسية في عذاب من الله وعناء، ولو كان الواحد منهم على الفراش الوثير وفي العز والنعمة والخير والجاه والغنى، لكنه يحس أنه في قلق نفسي واضطراب شخصي، لا يقر قراره ولا ترتاح نفسه بسبب هذه الخصلة التي لا يحبها الله.

إذا قست القلوب وعد الله عز وجل أهلها بنكد العيش ونغصه وعذابه.

لذلك -أحبتي في الله- صفات القلب الحبيبة إلى الله، من أجلها ذلتها ورقتها وخشوعها لله، ولذلك ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل الله وضرع إلى الله أن يعيذه من قلب لا يخشع لوجهه، فقال: (اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع).

الأسباب التي تعين على رقة القلوب

متى بلي الإنسان بقسوة القلب، تنغص عيشه بوعد من الله عز وجل.

لذلك -أحبتي في الله- يحتاج المؤمن إلى من يذكره بما يعين على رقة قلبه وفؤاده وما لانت القلوب بشيء مثل سؤال الله ملك القلوب أن يقلبها على الرحمة والرقة، فلذلك كلنا يسأل: كيف السبيل إلى رقة القلوب؟ وكيف السبيل حتى تكون القلوب رقيقة حليمة رفيقة، قريبة من الله، ترجو رحمة الله، وتخشع عند كلام الله، علها تفوز برضوان الله.

السبب الأول: الدعاء

إن أعظم الأسباب التي تعين على رقة القلوب وذلتها لله: الدعاء، وما شرح الله صدر عبد بالدعاء إلا أعطاه مسألته، حتى قال بعض السلف: إني لأعرف متى يجيب الله دعائي، إذا شرح صدري لدعائه. فالله من كرمه لا يشرح صدرك لدعائه إلا وهو متفضل عليك، فليكن أول ما يراه الله من العبد الذي يريد رقة قلبه وفؤاده أن يرفع الكف الصادقة إلى الله، ويسأله أن يهبه قلباً رقيقاً، فكم من أقوام كانت قلوبهم أقسى من الحجارة، ولكن ضرعوا إلى الله عز وجل فلانت، وما أعظم لينها! ولقد كان الرجل في الجاهلية الجهلاء من أعتى الناس وأشدهم فسقاً وفجوراً واعتداءً لحدود الله، ولكن ما إن رحمه الله برحمته ونفحه بفضله إلا وأصبح من أرق الناس قلوباً.

عمر بن الخطاب ، كان رضي الله عنه في الجاهلية شديداً على الإسلام قوياً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجاءت لحظة واحدة قلب الله قلبه، فأصبح من أرق الناس قلوباً، وكان رضي الله عنه إذا قام في الصف يتلو آيات الله خنقته العبرة حتى يُسمع نشيجه من ثالث الصف أو آخر القوم، وما ذلك إلا بفضل الله.

فأول ما يفعله الإنسان الذي يريد أن يكرمه الله برقة قلبه وفؤاده أن يدعو الله في صباحه ومسائه، وفي مظان الإجابة أن يرقق قلبه لذكره ويهبه القلب الرقيق الذي تستدر به رحمات الله، وتنال به الدرجات من عند الله عز وجل، قل: اللهم إني أسألك قلباً رقيقاً، واستعذ بالله عز وجل من قلب لا يخشع.

السبب الثاني: تذكر منازل الآخرة

أما السبب الثاني الذي هو من الأسباب التي تعين على خشوع القلوب وذلتها لله تبارك وتعالى: أن يتذكر الإنسان منازلاً لا بد من نزولها، ومواطن لا بد من حلولها، أن يصير الإنسان من هذه الدنيا إلى دار قريبة ومنازل عجيبة، يعيش أشجانها وأحزانها، وبين أهلها في أتراحها وأفراحها، أن يزور المقابر وأن ينظر إلى أهل تلك المقابر بعين متفكرة متأملة، في تلك القبور المتدانية، والمنازل المتقاربة، والتي بينها من النعيم والجحيم ما لا يعلمه إلا الله.

كم من قبور تقاربت بينها وبين الرحمة والعذاب ما لا يعلمه إلا الله، قبور في أعالي النعيم، وقبور في دركاتٍ من الجحيم ينادون ولا مناد، ويستغيثون ولا مغيث، ويستجيرون ولا مجير، فينظر في أحوالهم ويتذكر كيف لو صار إليهم، وزف بين العباد إلى منازلهم، كم من قبور في الظلمات، وفي الكهوف ملئت أنواراً ورحمات، وكم من قبور حولها الناس يضحكون ويلعبون، ويسرحون ويمرحون، فيها العويل والصراخ، وفيها الفزع الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل.

ما نظر المؤمن إلى هذه المنازل ولا تفكر في هذه المواطن إلا جاءه قلبه خاضعاً وفؤاده من خشية الله ذليلاً خاضعاً والعين من خشية الله دامعاً.

أحبتي في الله: ما دخل ذكر الآخرة إلى قلب إلا لان لله عز وجل، فالمؤمن الصادق لزيارة المقابر حظ عنده، يزورها ما استطاع زيارتها، ويقف عندها وكأنه من أهلها، ينظر إلى الإخوان والأخوات، ينظر إلى الأحباب، والأصحاب والخلان، والآباء والأجداد، والأبناء والأحفاد، وينظر إلى ما هم فيه، ويتفكر كيف هم فيه، عله أن يكسر الله عز وجل قلبه من خشيته، فوالله ما استقر ذكر الآخرة في قلبٍ إلا أناب إلى الله، وما الذي أقض مضاجع الصالحين فكانوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18] غير ذكر الآخرة، تذكروا منازلها، وعاشوا بين أهلها، فكان حظهم من الليل قليلاً، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة:16] تتجافى جنوبهم عن المضاجع؛ لعلمها أنها ستضطجع في تلك المضاجع.

لذلك أحبتي في الله: فإن كان القلب قد وجد الرقة في هذا المشهد وتذكر هذه المنازل وعاش بين أهلها في السرور وفي الشرور، عندها يجد الإنسان رحمة الله بلين قلبه، فإن أصر القلب على العناد واستمر في القسوة عن ذكر رب العباد فخذه إلى منزلة من هذه المنازل، وذكره بصيحة تفزع فيها تلك القبور، وتبتدأ عندها معالم الهول والنشور، ذكره بتراب ينفض عن الأجساد، وبخروجهم من بين تلك الأحجار والأشجار والأعواد فرادى إلى الله، مرتهنين بالأقوال والأعمال، عله أن يرق من خشية الله ويخضع وينيب إلى الله، فإن أبى وأصر! فذكره بمقام طويل وشمس تدنو على الرءوس، ويذكر الجسد بحر شمس الدنيا علَّه أن يحس ببعض لهيبها، لعله أن يتذكر طول القيام بين يدي الملك العلام، فعندها يأبى ذلك القلب إلا خضوعاً وذلةً لله عز وجل، فإن أبى فذكره بالصراط وزلته، والحساب وشدته، والسؤال ومؤنته، وذكره بذنوب خلت في أزمنة مضت، لا يدري المؤمن هل كفي حسابها، وهل ستر عقابها.

ذكره بالخطايا والذنوب والرزايا، عله أن يعي مكانه عند الله، ويعلم أن المقام بين يدي الله شديد عليه، فيذل لله عز وجل وينطرح بين يديه، ذكره هذه المشاهد، وأقم له هذه المواقف، عله أن ينكسر من خشية الله، ووالله ما استقر خوف الآخرة في قلب عبدٍ إلا أناب إلى الله عز وجل.

وما أخبار السلف وأخبار من مضى من الصالحين هذه الأخبار العجيبة ما كانت ولن تكون بشيء أعظم من توفيق الله عز وجل ثم ذكر الآخرة.

السبب الثالث: تلاوة القرآن مع التدبر

وأما السبب الثالث الذي يعين على رقة القلوب: فـ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]، كتاب لو نزلت آياته على الجبال لاندكت ولو نزل على الرواسي من خشية الله لانهدت، عرضت أماناته وعباداته ومعاملاته على السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].

هذا الكتاب الذي سمعته الجن فقالت: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً [الجن:1-2].

هذا الكتاب ما إن تصغي أذن إليه وتستحضر مجلساً يذكر به العبد بآياته وعظاته إلا وأثر في الفؤاد، ولذلك أخبر الله عز وجل عن حال من تدبر هذا القرآن وتفكر به، وأنه يجني ثماره الخيرة في دينه ودنياه وآخرته، فقال تقدست أسماؤه: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة:83] ما استطاع الواحد منهم أن يتمالك دمع عينه؛ بسبب ما وقر في قلبه من كلام الله عز وجل، كتاب الله حبله المتين، الذي ما تمسك به أحد إلا نجا، جعله الله شفاء لما في الصدور، وموعظة من الله عز وجل الجليل الغفور.

هذا الكتاب إذا أردت أن يخشع قلبك ويلين لله عز وجل فأكثر من تلاوته، وإذا تلوت القرآن فاعمل ما يأتي:

أولاً: تتلوه وأنت ترجو رحمة الله عز وجل، إذا وضعت القرآن في حجرك فضعه وليس في قلبك إلا الله، ضعه وأنت تحس أن الله يخاطبك، ضعه وأنت تحس بأنها رسالة جاءتك من ملك الملوك، حتى إذا وضعته بذلك القلب المخلص الذي لا يريد إلا رحمة الله، لو أن الخلق أمامك فإنك تتمنى لو قرأت القرآن بينك وبين الله من إخلاصك وعمارة قلبك بالإخلاص.

فأول خصلة لمن يريد أن يخشع قلبه لذكر الله أن يكون مخلصاً في تلاوته.

ضع القرآن وأنت تتفكر وتستشعر عظمة هذه الرسالة وعظمة من أُرسل بها وعظمة من أرسله، حتى إذا جلست بهذا الشعور وقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أحسست أنك بحاجة أن يعصمك الله عز وجل من عدوك اللدود، فجاءك من الله التيسير والفتح، فأصبحت في حرز وحصن من الله، تستفتح الآية الأولى وأنت تتدبرها وتتفكر فيها، وتستشعر معانيها، والله إن الآية من كتاب الله، إذا تليت بقلب يستشعر معناها ويحس ما فيها، والله قد تبقى مع الإنسان سنين عديدة، آية واحدة من كتاب الله: أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [العاديات:9-11].

كل الآخرة يجمعها لك في آية واحدة، وكل الدنيا خيراً وشراً نفعاً وضراً في آية واحدة، فإذا قرأتها وأنت تستشعر عظمة هذا الكتاب وتتفكر في هذه الآية التي تتلوها، فإنه في بعض الأحيان إذا كان الإنسان يستشعر لذة هذا القرآن وحلاوة آياته لا يستطيع أن يجاوز آية واحدة.

والله لو أن القلوب صادقة في تلاوة كتاب الله، لما استطاعت أن تجاوز آية من الوعد والوعيد من كلام الله عز وجل، ولذلك كان بعض السلف يستفتح قيام الليل بآية لا يزال يرددها والبكاء يغلبه.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه استفتح قيام الليل فقال: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ:1] فما استطاع أن يكملها وهو يرددها من البكاء ويغلبه النشيج عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ:1] عن أي شيء يتساءلون، فسمت نفسه إلى عالم غير العالم الذي هو فيه عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [النبأ:2-5] من يقرأ هذه الآيات؟ كيف يكون أثرها في قلبه؟

الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:1-11].

أبان لك عاقبة الجماد والحي؟ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:1-4] هذا هو الشخص المطلوب يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ [القارعة:4] الأمة المحشورة والمنشورة، أول قضية هي قضية العبد المسئول.

ثم كأن سائلاً يسأل: عرفنا مصير الخليقة فما مصير هذا الجماد؟ قال: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5] ولذلك ما نظرت عين إلى الجبال فنظرت طولها وارتفاعها في عنان السماء إلا احتقرتها عند عظمة الله عز وجل، حينما تتذكر هذه الآية: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5] كالعهن المنفوش أي: كالصوف المنفوخ الذي لا يستقر حاله.

هذه الجبال الراسيات حينما يتذكر الإنسان في هذه الآيات اليسيرة كيف لا يرق قلبه، وكيف لا يخشع فؤاده، والله إن قلباً يقرؤها ولا يجد أثرها إنه من القسوة بمكان، إذا قرأها الإنسان ولم يجد لها أثراً في فؤاده فليبك والله على قلبه وفؤاده.

الاستكثار من الصالحات وذكر رب البريات

وأما السبب الرابع الذي يعين على رقة القلوب وقربها من الله عز وجل: الاستكثار من الصالحات وذكر رب البريات، فوالله ما أدمن عبد طاعة الله إلا شرح الله صدره لطاعته، وكم من أناس اهتدوا وابتدءوا طريق الالتزام وهم في قسوة وبعد عن الله، وما زالوا يتدرجون في الصالحات حتى أصبح الواحد منهم إذا تلا الآية لا يتمالك عينه، ولذلك يستكثر الإنسان من خصال الخير، فإن الاستكثار منها تنشرح به الصدور، وتطمئن بها للحليم الشكور.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم رقة القلوب وخشوعها، وإنابتها لوجهه وخضوعها.

اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، ومن علم لا ينفع، نعوذ بك من هؤلاء الأربع.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

الأسئلة

أسباب زيادة الإيمان ونقصانه

السؤال: ما هي أسباب زيادة الإيمان ونقصان الإيمان؟

الجواب: مذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فإذا كان الإنسان من الله قريباً محافظاً على حدوده ومحارمه، ازداد إيمانه وقوي في الله يقينه.

وأما إن كان بعيداً عن الله مضيعاً لحقوق الله منتهكاً لمحارم الله ضعف إيمانه -نسأل الله السلامة والعافية-، ومن ثم ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) قال بعض العلماء: لأنه لا يفعل ذلك إلا وقد انتقص الإيمان من قلبه -والعياذ بالله- ، فإذا أردت أن يزداد الإيمان في قلبك فلا طريق أمثل من تلاوة كتاب الله وتدبره، ولذلك أخبر الله عز وجل في كتابه: أن القرآن يزيد الذين آمنوا إيماناً ويزيد الذين اهتدوا هدىً وصلاحاً، فإذا أحببت أن يزيد الله في إيمانك فاتل كتاب الله مع التفكر والتدبر.

أما الأمر الثاني: فهو فعل فرائض الله وترك محارم الله، تحرص كل الحرص إذا جاءك أمر عن الله أن تفعله، فإذا كنت من أسبق الناس وأحرص الناس على فرائض الله، ازداد إيمانك، وجرب من الليلة كلما دعيت إلى خصلة من خصال الخير كنت من أسبق الناس إليها وإذا بك بعد فترة معلق بطاعة الله عز وجل، وبالإيمان شعلة تضيء في قلبك، لا ترتاح إلا للخير، حتى تبلغ المنزلة التي نسأل الله العظيم أن يبلغنا جميعاً إياها، أن تذوق حلاوة الإيمان، فيكون الإيمان أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك، ولا تكون إلا بحفظ أوامر الله وترك محارم الله.

من الليلة إذا دعيت إلى أي فريضة، تحرص على أن تكون أسبق الناس إليها، تدعا إلى الصلاة فتبكر إليها، تحافظ على وضوئها وطهارتها وخشوعها وركوعها وخضوعها وأذكارها وسننها وآدابها، بقدر ما تحرص على هذه الأوامر كلما كنت أقرب الناس إلى الإيمان، وأعظمهم حظاً في الإيمان.

وكذلك حقوق الله التي أمرك الله بها في العباد من صلة الأرحام، وأداء حقوق الموظفين والعمال الذين تحت يدك تؤديها على أكمل ما يكون عليه الأداء، إنك إن فعلت ذلك لم تمض فترة إلا والإيمان تخالط بشاشته قلبك، ولذلك ما من إنسان يحافظ على فرائض الله إلا كان أقرب الناس إلى طاعة الله.

الأمر الثاني: أن تكون أعف الناس عن الحرام، وأبعدهم عن معصية الله عز وجل، إذا أردت الإيمان أن يكمل في قلبك، وأن تكون ممن ذاق حلاوته ووجدت أثره في فؤادك فكن أبعد الناس عن الحرام.

إياك أن ينظر الله إليك يوماً من الأيام وقد نظرت ومتعت النظر في حد من حدوده أو عورة من العورات التي لا يجوز لك النظر إليها.

إياك إياك أن ينظر الله إليك يوماً من الأيام وقد أصغيت بسمعك إلى أمر لا يأذن الله لك أن تصغي إليه.

إياك أن ينظر الله إليك يوماً من الأيام وقد خبطت قدمك على الأرض إلى حد من حدوده أو حرمة من محارمه.

إياك أن ينظر الله إليك يوماً من الأيام وقد امتدت يدك بمال لا يحل لك تمدها به، أو قبضتها على مال لا يحل لك أن تقبضها عليه.

إياك إذا أردت حلاوة الإيمان تكون على عفة عن الآثام والحرام، فما أطفأ الإيمان شيء مثل المعصية، ولا أظلم الإيمان في القلوب مثل المعصية، ولا تزال المعصية تلو المعصية حتى يستدرج العبد فيسلب الإيمان كله -والعياذ بالله-.

لذلك كان السلف يخافون من المعصية، ونبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فقال: (إياكم -أي احذروا، وهذا أسلوب عند العرب يعتبرونه أسلوب التحذير- ومحقرات الذنوب) ذنب وراء ذنب، حتى يهلك الإنسان بتراكم الذنوب عليه.

تشرب شيئاً يسيراً من الحرام، وتقول: هذه واحدة، وإذا بالواحدة تدعو إلى أختها، ثم الأخت إلى أختها، ثم إلى كأس من حد من حدود الله، وبعد الكأس سفك للدماء وانتهاك للأعراض، واسترسال في حدود الله ومحارمه، وعندها لا يبالي الله بك في أي أوديته هلكت.

فلذلك يحذر الإنسان الذي يريد الإيمان أن يبقى في قرارة قلبه فليحرص على هذين الأمرين: التزام الفرائض ويكون أسبق الناس إليها وأحرص الناس في فعلها وتطبيقها على هدي الشرع، فتعلم سنن النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه وأخلاقه رجلاً كان أم امرأة، ويكون الرجل وتكون المرأة على أكمل ما يكون عليه المؤمن وتكون عليه المؤمنة، فالإيمان يحتاج إلى هذا العمل.

الأمر الأخير في الإيمان: اعلم أن الإيمان يريد رجالاً صادقين، يريد أمة تعرف قيمة المعاملة مع الله عز وجل، أهل الإيمان لا يعرفون الخور والضعف والوهن، يبقى الإنسان أسيراً أمام معصية يقال له: اتركها لوجه الله. يقول: ما أستطيع، هذا ليس بإيمان؛ فالإيمان رجولة كاملة، والله تعالى يقول: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23] قالبه في الأرض وقلبه في السماء، يدور مع أوامر الله عز وجل، إن تكلم كان أصدق الناس كلاماً، وإن سمع كان سمعه أعف ما يكون عن محارم الله، وإن تقدم أو تأخر أو أقبل أو أحجم على خير ما يكون عليه حال المرء.

هذه هي خصال الإيمان مع دعوة الرحمن وسؤال الواحد الديان، أن يجعلك من أهل الإيمان، ونسأل الله العظيم أن يبلغنا وإياكم كماله، وأن لا يسلبنا وإياكم حلاوته إلى لقائه، والله تعالى أعلم.

كيفية الخشوع في الصلاة

السؤال: ما هي أفضل الطرق لجعل قلوبنا خاشعة وخاصة إذا تليت عليها آيات الله في الصلاة؟

الجواب: يذكرون ذات مرة أن رجلاً حكم القاضي عليه بالحجر؛ -الحجر: أن يمنعه من التصرف في ماله- وكانوا إذا حكم القاضي بالحجر على أحد، يدورون به في السوق، ويقولون: لا أحد يدين هذا ولا يعامل، أي لا يعامله مالياً، فإن عامله أحد بعد ذلك فلا يلوم إلا نفسه، واستأجروا له -أكرمكم الله- حماراً، وداروا به يومه كله، ينادون ويناد المنادي: لا أحد يقرض فلاناً فإن القاضي قد حجر عليه، فلما أمسى المساء جاءه صاحب الحمار وقال له: أين الأجرة؟ قال: ما أجهلك! ما الذي كنا فيه من الصباح؟!

حاشاك أخي في الله! لا والله لا أقول: ما أجهلك! ولكن أقول: ما أحبك في الخير! وما أرجاك لرحمة الله والمزيد من ذكر الله! بارك الله فيك وكثر الله أمثالك، ولكن العلاج الذي كنا فيه، وقد يكون الأخ معذوراً، بأن يكون جاء متأخراً ويريد أن نعيد المحاضرة، ولكن على كلٍ هذا الذي كنا فيه وهو ما تنشرح به الصدور وتنيب به إلى الغفور الشكور، فإن الإنسان إذا وفقه الله إلى تحقيق الخصال التي ذكرناها والآداب التي أشرنا إليها، فإنه بتوفيق الله سيكون قلبه خاشعاً.

أما مسألة الصلاة فذكر العلماء رحمهم الله: أن الخشوع في الصلاة لا يكون بشيء مثل التدبر في نفس الآيات التي تتلى، عجيب أمر إنسان لا يخشع في الصلاة! إذا قال الإمام: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] تذكر العالمين، هذا الوصف الذي وصف الله عز وجل به نفسه، رب العالمين الأولين والآخرين الذي رباهم وغذاهم وأولاهم تفضلاً منه وتكرماً، فإذا قال القائل أو قلت بلسانك: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] أحسست بعظمة هذا الذي يحمد وأحسست بجلال هذا الذي يحمد، فإذا قيل: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] تذكرت من يرحمك وأنت على معصيتك، فيسترك ولو أذن للأرض أن تنخسف بك لانخسفت، ولو أذن للسماء أن ترسل عليك قاصفاً لأرسلت، فتقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] بقلب يستشعر معنى هذه الآية.

وعندما تقول مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] وإذا بك تنتقل إلى عالم آخر مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] ذاك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، ولا أحساب ولا أنساب، ولا إخوان ولا خلان ولا أحباب فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94].

فإذا قيل: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] خرجت إلى ذلك العالم، وأحسست بعالم الآخرة، من الذي يملك الأمر فيه، من الذي يأمر وينهى فيه، من الذي إذا قال: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] لن يستطيع أحد أن يقف بين هذه الكلمة وبين تنفيذها، في طرفة عين لا يمكن أن يرد حكمه، أو يعقب قضاؤه، يحكم ولا معقب لحكمه، وإن قال: خذوه إلى درجات النعيم.. صدق عبدي، فما أسعدها من لحظة وما أبهجها من ساعة! لن يستطيع أحد أن يحول بينك وبين ذلك النعيم المقيم، الذي نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله.

ولذلك أخي: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] لو كان في الصلاة ما يقال إلا: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] فإنه يكفى والله.

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] لك نذل وبك نستعين إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] من الذي تشكو إليه إذا جاءتك الهموم والغموم في ظلمات الليل يكون بجوارك الناس فلا تستطيع أن توقظ زوجتك التي بجوارك على الفراش، ولم تستطع أن تشكو بثك وحزنك إلى ابنك القريب منك، من الذي تناديه؟! ومن الذي ترجوه لتفريج الآلام التي تعانيها والأشجان التي تجدها غيره سبحانه وتعالى؟! وكيف تجده حينما تناديه؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] بالاستغاثة والاستجارة وسؤال خيري الدنيا والآخرة وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ونعم والله المعين.

كم من وقفة وقفت فيها وحيداً فريداً كان الله معيناً لك وكان الله سنداً لك، فكيف وجدته جل شأنه، ضاقت بك الدنيا في أموال فسخرها الله لك من حيث لا تحتسب، وضاقت عليك في هموم وغموم، فاستعنت به فكان نعم المعين، فأعانك وأولاك.

فإذا قلت: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] تذكرت ديوناً لله ما قضيتها، وهموماً وغموماً لله ما شكرتها، فتقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وأنت تحس بعظمة الله تعالى رب العالمين.

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] فتذكر أن بلاءك وعناءك يقف على شيء واحد: صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، والله لو كتب الله للعبد الضلال لن يستطيع أن يهتدي، ولو كان من أصلح العباد قلباً فيختم له في آخر لحظة بخاتمة السوء، ولو أراد الله الهداية وكان العبد في دركات الجحيم والغواية، لانتشله الله منها فختم له بخاتمة السعادة والفوز العظيم.

إذاً: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] هي سعادتك في الدنيا والآخرة، وهي التي من أجلها نزل القرآن.

الهداية إلى الصراط المستقيم، من أجلها نزلت الكتب، وأنزلت الرسل.

وإني أفسر هذه الآيات حتى أدلك كيف تخشع في الصلاة، تخشع لأن ما عندنا قلوب نتفكر، كتاب الله يتلى ولا أحد يعي، نعم هذه الآيات لو تليت بقلوب تتفكرها وأفئدة تتدبرها وجدت حلاوتها، وسرعان ما تخشع لله.

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] من هم يا رب الذين أنعمت عليهم؟ هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، قل لي بربك: لو شرح الله صدرك، فأصبحت تسير على نهج الرسول في قولك وفعلك وعملك واعتقادك: أي سعادة أعظم من هذه السعادة؟!

اللهم إنا نسألك هذا المقام وهذه المكانة العظيمة، فلذلك تقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وقلبك كله أمل في الله أن يبلغك هذا الأمر، صراط أولياء الله وأحباب الله حتى تكون أطيب الناس كلاماً وأطيبهم فعلاً وأكملهم استقامة في الظاهر والباطن لله رب العالمين.

ثم تقول: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] وقلبك يرجف من خشية الله الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] هم اليهود الذين لعنهم الله في الدنيا والآخرة فأصمهم وأعمى أبصارهم، فكانت الآيات تنزل عليهم وما تفيدهم شيئاً، قال الله عنهم: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] ( أو ) هنا بمعنى ( و) فهي تأتي في لغة العرب بمعنى الواو أي: وأشد، فالله تعالى قال: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:9] والله تعالى لا يشك، فمعنى قوله: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:9] أي: وأدنى، ومعروف في لغة العرب أن ( أو ) تأتي بمعنى: ( و) فقال تعالى: كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] .. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] فتقول: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] وأنت تتعلق بالله أن لا يبتليك بما ابتلاهم من الضلال.

ثم تقول: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] الذين فرطوا وغلوا، وكم من أمة غلت في أنبيائها وفي الصالحين من أهلها حتى أصابهم غضب الله وسخطه -والعياذ بالله- ولذلك قال الله عز وجل: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية:1-5] نسأل الله السلامة والعافية.

وقف عمر رضي الله عنه على عابدٍ راهبٍ في كنيسة يتعبد فدمعت عينه، فقالوا له في ذلك وعتبوا عليه الدمعة، يظنون أنه رق لعبادة النصراني، قال: لم أرق لعبادته، ولكني ذكرت قول الله: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً [الغاشية:1-4].

فلذلك يقول الإنسان: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] والضالين الذين زين لهم سوء أعمالهم فكانوا على الضلال: ضلال في الهدى، وفي الأهواء، فالضلال يكون أكمل ما يكون على الكفر والزندقة، ويكون على ما دون ذلك، وهو مراتب منها: البدعة والأهواء، فتجد الشخص يعمل البدعة وهو يظن أنه أقرب الناس إلى الخير، نسأل الله أن لا يطمس لنا ولكم بصيرة، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاهتداء بهدي السلف الذي هو صراط الذين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69].

فإذا تدبرت هذه الآيات ووقفت مع هذه العظات لان قلبك، ثم ما جاء بعد ذلك من فضل، وجاء من الزيادة من كلام الله، زادك خشوعاً إلى خشوعك.

ويحاول الإنسان الذي يريد أن يخشع في صلاته قدر استطاعته أن يتعاطى الخشوع، ولو أن يتكلف ذلك بالضغط على نفسه.

فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم كمال الخشوع بين يديه، والله تعالى أعلم.

كيفية استغلال الوقت

السؤال: ما هو البرنامج العملي للمسلم حتى يكون مستغلاً وقته في كل وقت وفي كل حين؟

الجواب: أما البرنامج العملي الذي إذا فعله الإنسان كان من أسعد الناس وأحظ الناس كسباً لوقته وحاز رضا الله عز وجل فهو يتلخص في جملتين:

الأولى: لا يراك الله حيث يحب أن يفقدك.

الثانية: لا يفقدك الله حيث يحب أن يراك.

أمران: لا تكن في موضع يحب الله أن لا يراك فيه، وتحب أن تقدم على الله في الآخرة وأنت سالم من هذا المرض، ولا يفقدك في موضع يحب أن يراك فيه.

أما أن أضع لك برنامجاً عملياً في الأقوال والأعمال، فهذا من الصعوبة بمكان، فالناس يختلفون، فالعامي ليس كطالب العلم، وطالب العلم ليس كالعالم، ثم العامة أنفسهم على مراتب، فوضع برنامج معين من الصعوبة بمكان، ولكن كلمة واحدة: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها).

واحفظ وصايا الله التي أوصاك بها فيما بينك وبينه، ووصايا الله التي أوصاك بها فيما بينك وبين عباده، ووصايا الله التي أوصاك بها سراً وعلناً، ليلاً ونهاراً، إذا فعلت ذلك فهذا هو البرنامج الذي يرضي الله عنك، وكله ينحصر في هاتين العبارتين التي عبر بها بعض السلف في تحصيل التقوى فقال: لا يفقدك حيث يحب أن يراك، ولا يراك حيث يحب أن يفقدك. وكل ساعة مرت عليك تذكر لو أنك واقف بين يدي الله هل يسرك أو يسوءك أنك جالس هذا المجلس، فإن كان يسرك فاجلس رحمك الله وطاب مجلسك، وإن كان يسوءك فقم عن ذلك المجلس لوجه الله، خائفاً من عذاب الله، والله تعالى أعلم.

أفضل الكتب المرققة للقلوب

السؤال: ماذا تنصح من الكتب في أحوال القلوب جزاك الله خيراً؟

الجواب: هناك كتاب حبذا لو أن الإخوان يكتبونه وينتبهون إليه ويحصلون عليه وهو القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي أضعناه يا عباد الله! نبحث عن كتب القصص والأحداث والأخبار وكلام العباد، ولدينا: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1].

يا ليتنا نحس بقيمة هذا الكتاب، وبأثره، الذي إذا لقيت الله وقد أوصيتك به وأنا أحس أني أوصيتك بركن شديد وأمر رشيد، وأسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهله.

إذا كنت من أهل القرآن فأبشر، يصلح حال قلبك، ويصلح حال قالبك، فلا نعطيك حال القلوب فقط، بل نعطيك ما يصلح القلوب والقوالب، وذاك في كتاب الله عز جل.

وأما كتب السلف فهي كثيرة، وقصص السلف وأخبار السلف، تعين أيضاً على رقة القلوب وسير أهل الصلاح والفلاح وتقوى الله عز وجل فيها خير كثير، وكلما كان الإنسان حريصاً على قراءتها وتدبرها كلما كان أحظ الناس بالانتفاع بها، والله تعالى أعلم.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قسوة القلب للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

https://audio.islamweb.net