إسلام ويب

من الأسباب التي يقع بسببها الخلاف بين الفقهاء: جهة المدلول، أي: الدلالة المستفادة من الدليل، ومنها: جهة المستدل، وهو المجتهد أو الفقيه الذي ينظر في الأدلة ويستنبط منها الدلالة.

الجهة الثانية: جهة المدلول

ويقصد بالمدلول: الدلالة، فالكتاب والسنة والإجماع، هذه جهة متعلقة بالدليل، لكن إذا جئنا لتحصيل المدلول من الدليل فإن هذا أيضاً ينتج عنه كثير من الخلاف.

وهناك ما عرف عند الأصوليين بأوجه الدلالات، ومن المعلوم أن في كتب الأصوليين -كالمستصفى لـأبي حامد الغزالي وغيره- نشراً واسعاً لأوجه الدلالات، ومنها مثلاً: دلالات المنطوق، ودلالات المفهوم، وما يتعلق بأقسامها، ومنها: ما يتعلق بدلالات النص والظاهر، ودلالات الإيماء، ودلالات الإشارة، والدلالات في التقسيم المنطقي العقلي الضروري تنقسم إلى: دلالة بينة، ودلالة لسيت بينة، ويدخل في الدلالة البينة دلالة النص والظاهر، ويدخل في عدم البينة ما يسميه أهل الأصول بدلالات الإيماء مثلاً، والدلالات البينة لم تكن محل خلاف عند قدماء الفقهاء، إنما اختلفوا في الدلالات التي هي في درجة بعد البينة.

وحينما نقول: إن الدلالات -كتقسيم عام- تنقسم إلى: دلالات بينة، ودلالات ليست بينة، والدلالات البينة لا يختلف فيها، والدلالات غير البينة يختلف فيها، فهنا أمران:

الأمر الأول: ما التزمه كثير من أهل الأصول في إعطاء مذهبية لحكم الدلالات هل هو التزام صحيح مطرد؟ نقول: إن بعضه -بل كثيراً منه- من حيث الالتزام ليس صحيحاً، فمثلاً: هل الأحناف يعملون بدلالة الإيماء والإشارة أم لا؟ وكذلك حينما يُفرض أن بعض المذاهب عملت بمفهوم المخالفة وبعض المذاهب لم تعمل به، فإن هذه الإطلاقات ليست نصوصاً ولا استقراء يمكن أن يشاهد -إن صح التعبير- مشاهدة بينة في فقه أبي حنيفة والشافعي ، أو من قبل هؤلاء؛ بل هي محاولة في الاقتباس العلمي وصلوا بها إلى هذه النتائج.

ولذلك فلا أرى أن من الحكمة أن يلتزم طالب العلم تحت هذه المذهبيات في أنواع الدلالات؛ بل المعتبر العام هو بيان الدلالة، ومن المعلوم أن الصحابة والأئمة لم يكن عندهم هذا التقسيم، وهذا لا ينبغي أن يكون أمراً مشكلاً؛ لإنه اصطلاح، والاصطلاح لا مشاحة فيه، لكن بالقطع أن الدلالات منها ما هو بين ومنها ما ليس ببين، ولكن من هو الذي يعين أن هذه الدلالة بينة أو غير بينة؟

الحقيقة العلمية أن التعيين يقع بتقابل ذهن الفقيه مع الكلمة أو الجملة، والحالة التي عليها الفقيه -وهو المستدل- هي التي تحكم أن هذه الدلالة عنده بينة أو ليست بينة.

فمثلاً: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فالفقيه أو الناظر- وقد لا يكون بدرجة فقيه، فقد يكون من طلاب العلم الذين يفتون الناس ولم يصل إلى درجة فقيه حتى يكون مجتهداً، ومن هنا فلابد من القول بأن الأمة تقوم بطلاب العلم، وليس بالضرورة أنها لا تقوم إلا بالمجتهدين، مع ضرورة وجود المجتهدين، لكن السعة التي في الأمة تحتاج إلى سائر الدرجات، ومن المعلوم أنه ليس كل الذين كتبوا في الفقه من أهل الاجتهاد، وقد يكتب ويؤلف الإمام والعالم مع أنه لم يكن قد وصل إلى درجة الاجتهاد، ومما يلاحظ هنا أن هناك ألقاباً منحت لأسماء بطريقة فيها توسع.

نعود إلى حديث: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فهل هذا من دلالة النص والظاهر، أم من دلالة أقل من ذلك كالإيماء والإشارة إلى وجوب غسل الجمعة؟ كثير من الفقهاء بل جماهير الفقهاء لا يرون فيه دلالة نص ولا ظاهر، ولا ربما أقل من ذلك؛ بل يرون أن الحديث لا يتكلم عن الوجوب بالمعنى الاصطلاحي، وقد يقول البعض: إن في الحديث دلالة صريحة، بل ربما قال: دلالة ظاهرة، والدلالة الصريحة والظاهرة معتبرة عند عامة أهل العلم، فيبدأ يرتب الحكم ترتيباً أصولياً، ويظن بعض طلاب العلم أنه قد حل المسألة بمعنى الكلمة؛ لأنه نظمها تحت مصطلحات -إن صح التعبير- بارقة، وهذا ليس ذماً لها، فإنها في حقيقتها مصطلحات بارقة.

والذي نريد أن نصل إليه أن تعيين الدلالة لا يرتبط بالنص فقط، وهذا النص من حيث هو لا يعطي دلالة معينة؛ لأنه إذا أعطى دلالة معينة صار نصاً قطعياً، وهذا لا يختلف فيه، وما دام أن النص قد اختلف في دلالته فمعناه أن النص من حيث هو لم يصرح تصريحاً قطعياً بالدلالة، واختلاف التحصيل هنا يرجع إلى المستدل، وفقهه لهذه الدلالة.

إذاً: مسألة دلالة الإيماء أو الإشارة ونحو ذلك هل هي حجة أو ليست بحجة؟ هذا طرف من الخلاف، وليس هو جوهر الخلاف؛ لأن الأهم منه هو: متى نقول عن هذه الدلالة في النص: إنها إيماء، أو إشارة، أو نص أو ظاهر؟ لا نستطيع أن نقول: إنها نص؛ إذ كيف نقول: إنها نص، والجماهير المتقدمون لم يعتبروها؟ مع أن الحديث لا نستطيع أن نقول: إنه لم يبلغهم؛ فهو حديث مشهور في كتبهم وسننهم ومسانيدهم، ومع ذلك لم يعتبروا دلالته على الوجوب.

ومسألة تعيين الدلالة وهل تفيد أو لا تفيد؟ هذه لا تندرج تحت مصطلحات معينة، فليس هناك رمز معين لدلالة الإيماء يتفق عليه، أو رمز معين لدلالة الإشارة يتفق عليه، حتى مسألة الصيغ حينما يقولون مثلاً: صيغ العموم ونحوها، هذه أحوال تقرِّب، لكن أحياناً يقف الفقيه متردداً في هل هذا العام عام محفوظ، أم أنه عام مخصوص، أم أنه عام أريد به الخصوص؟ ونحو ذلك، وهذه صور مبثوثة في كتب أصول الفقه.

الجهة الثالثة: المستدل

هذه الجهة في نظري هي أهم الجهات؛ لأن حقيقة الاختلاف أنه ينشأ من الناظر في النص، وقد ذكرنا أن المستدل مؤثر حتى في تعيين الدليل، وفي تعيين الدلالة، وفي درجة حجية الدليل، وفي الثبوت أيضاً، فنجد أن الأمور تعود للمستدل كثيراً، والمستدل فيه أربعة معتبرات:

المجموع العلمي للمستدل

- المعتبر الأول: المجموع العلمي:

ومنه ما يذكره الأصوليون في شروط المجتهد: من جهة سعة علمه باللغة والآثار، والحلال والحرام، والناسخ والمنسوخ.. إلخ، ويعتبر المجموع العلمي عند المستدل من أكثر المكونات في السببية الخلافية الفقهية، بمعنى: أن المجموع العلمي يؤثر إذا كان المستدل واسع العلم أو قاصر العلم، ومن المعلوم أن علوم الشريعة متعددة؛ كعلم الإسناد وعلم الرواية، وعلم الفقه، وعلم الأصول، وعلم التفسير، وعلم العربية وأوجه كلام العرب.. ونحو ذلك، بل إن كل علم يشمل علوماً متعددة، فالتفسير مثلاً يوجد فيه علوم منهجية دقيقة، كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، ونحو ذلك، وكذلك علم الحديث فيه علم المشكل، والمختلف، وشروط صحة الحديث، وشروط ترك العمل بالحديث، ونحو ذلك، فهذه علوم دقيقة داخل علوم -إن صح التعبير- ومثل ذلك أيضاً في الفقه وفي أصول الفقه، وغير ذلك من العلوم المعروفة.

إذا كان كذلك فالمجموع العلمي أمر واسع، ولذلك فإن من كان على كثرة اتصال بكلمات الفقهاء وآرائهم، أو على كثرة اتصال بالرأي، فإنه في الغالب ينتج عنه فقه يناسب ذلك، وهذه سنة ماضية، وقد برزت في الكوفة في صدر التاريخ الإسلامي، ومن كان كثير الاشتغال بالرواية وتصحيح الأسانيد، وبيان الصحيح من الضعيف؛ فإن هذا ربما شغله عن كثير من النظر في الفقه، وقواعد الفقه وأصوله، فيؤثر ذلك في فقهه، ومن غلب عليه العناية بمسألة التقعيد والتأصيل، فإن هذا أيضاً يؤثر في فقهه.

فالمجموع العلمي يؤثر في الفقه، ولو نظرنا إلى الأئمة الأربعة لوجدنا هذا التأثير في فقههم، فنجد أثر الآثار في فقه الإمام أحمد وأجوبته، ونجد أثر الفقه لقواعد الشريعة ومقاصدها، وفقه لسان العرب ودلالات الكلام في كلام الإمام الشافعي ، وكذلك ما يتعلق بالاستمساك بالهدي النبوي قبل أن ينتشر الخلاف، هذا اتجاه بين عند الإمام مالك ، حتى إنه لما بلغه حديث: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) قال: أدركنا أهل العلم لا يصومون هذه الأيام ولا يعرفون هذا.

ومن هنا يكون عنده وعند جملة من أولئك الفقهاء في المدينة أن عمل أهل المدينة حجة؛ لأنهم يرون أن هذا هو الهدي المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما توارد أئمة المدينة عليه فإنه في حقيقته متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا وجه من الاستمساك بعمل أهل المدينة.

كذلك نجد أن مسألة الرأي والقياس وما إلى ذلك أثرت في نتائج فقه الإمام أبي حنيفة كما هو بين.

وهذا التأثير للمجموع العلمي في فقه الأئمة يعتبر تأثيراً إيجابياً -إن صح التعبير- وليس معنى ذلك أننا نود أنهم اختفلوا ولم يتفقوا، لكن المقصود أنه منهج علمي مقبول، ولذلك فمن وقع فيما بعد على مثل هذه المعتبرات فكان سبب الخلاف تحت مثل هذه الأسباب، فهذه أحوال يجب أن لا يتصادم بعضها مع بعض، وهذا ليس هو الخلاف المذموم، بل إنه خلاف مقبول، وقد لا نقول: إنه خلاف محمود، فإن هذه الكلمة قد تعني معنى أخص، لكن نقول: إنه خلاف مقبول مادام أنه تحت هذه السببيات.

وبالمقابل فهناك اتفاق بينهم، كما ذكر المصنف أنه لا أحد منهم يرد حديثاً أو يكذب بحديث، لكن هذه الأصول مؤثرة.

وقد يقول قائل: لماذا نعتبر المجموع الكلي؟ هذه أمور نظرية، من حيث الواقع التطبيقي لما انتشر العلم، وانتشرت الرواية، واختلف التفسير لكلام النبي صلى الله عليه وسلم والفقه فيه، أصبح المجموع الكلي فيه تعذر، فلن يأتي اليوم فقيه ونفترض فيه أنه جمع الفقه الكلي، بمعنى: جمع ما يتعلق بمبدأ القياس، مع العلم المطلق بالآثار، مع العلم بالهدي الأول، وما إلى ذلك، فإن هذه افتراضات جيدة من حيث هي، لكنها غير ممكنة التطبيق ففيها تعذر.

ولذلك فإن بقاء التعدد الفقهي بهذه المناهج التي تقصد إلى السنة وهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هذا ليس مشكلة من حيث هو، وقد ذكرنا المجموع لأن له تأثيراً في فقه الفقهاء الأربعة، فقد ذكرنا أن عناية الشافعي بقواعد العربية وفقه الشريعة وأصولها أثرت في فقهه، وأن علم أحمد بالرواية والآثار أثر في فقهه، وأن علم مالك بآثار المدنيين أثر في فقهه، وكذلك علم أبي حنيفة بالقياس ونحوه له أثر في فقهه.

وإذا قيل هذا في حق أولئك الأئمة؛ فإنه يقال اليوم في الذين يفتون أو يجيبون من طلاب العلم أو من الفقهاء أو من قد يسمى بمجتهد الأمة اليوم مثلاً، فإن هذا أيضاً لابد أن يكون المجموع العلمي بيناً في حقه، وليس المقصود بالمجموع العلمي أننا نفترض ضرورة الجمع أو إيجاد مجموع علمي متكامل، فإن هذا -كما ذكرنا- أمر متعذر، لكن لنصل إلى نتيجة، وهي أن افتراض اختصاص عالم اليوم أو فقيه بالنتائج الفقهية الصحيحة، أصدق ما يمكن أن نقول عنه: إنه وهم، مع أن هذه الكلمة قد تكون شديدة بعض الشيء، لكن هذا هو الصحيح، أن هذا فيه قدر من الوهم، وذلك حينما نفترض في فقيه معين اليوم أنه هو المحدث للأمة بالأقوال الصحيحة الراجحة، حتى لو كان هذا الفقيه -مثلاً- إنما رجح شأنه عند قوم لسعة علمه بالآثار، فإن هذه جهة شريفة وجهة عالية لكنها ليست وحدها هي التي تحكم الرأي الفقهي، فهي جهة مؤثرة وجهة كبيرة، كما كانت مؤثرة عند الإمام أحمد ، لكن حتى الإمام أحمد يقول: "ما عرفنا الناسخ والمنسوخ إلا عندما جالسنا الشافعي "، وكان الشافعي يقول للإمام أحمد : "إذا صح عندكم الحديث فأخبرني به".

إذاً: فوجود بعض الفقهاء في هذا العصر الذين يمتازون بالرواية أو بالعناية بالصحيح والضعيف، هذه جهة شريفة، لكنها ليست وحدها الحاكمة، فقد يوجد فقيه آخر سأمتن فقهاً في بعض المسائل من ذلك الفقيه المحدث وإن كان ليس بدرجته في علم الحديث، وقد يقال عن بعض الفقهاء أحياناً: هؤلاء لا يعتبر رأيهم؛ لأنه ليس عندهم علم بالحديث، وإطلاق هذه الكلمة بعمومها (ليس عندهم علم بالحديث)، أي: لا يعرفون الحديث مطلقاً، هذا غير صحيح، أما أنهم ليسوا من أهل الاختصاص في الصحيح والضعيف والاشتغال بذلك، فإن هذا موجود، وهذا الكلام موجود من قديم، فإن الإمام أبا حنيفة لم يكن من أهل الاشتغال بهذا الفن، فما دام أنه نتج فقه متميز عن أبي حنيفة مع أنه لم يكن محدثاً بالمعنى الدقيق، فما المانع أن ينتج الفقيه اليوم -ولو من باب التقليد- في كثير من المسائل رأياً جيداً، وإن لم يكن متخصصاً في التصحيح والتضعيف.

وبالمقابل كما أنه نتج عن بعض المحدثين فقه متميز، وإن لم يكونوا من أهل الاشتغال بكثير من أوجه الرأي والقياس ومعاني العربية ونحو ذلك، فلا يوجد هناك مانع من أن ينتج من بعض أصحاب الرواية والاشتغال بالإسناد اليوم فقه متميز.

البيئة الخاصة للمستدل

- المعتبر الثاني: البيئة الخاصة:

المقصود بالبيئة الخاصة هنا: البيئة التي تربى فيها هذا المستدل، فإن المستدل يبدأ كطالب علم، ثم يتدرج إلى أن يصبح له شأن، وهكذا سار الناس، إلا من نزل عليه الوحي من الله سبحانه وتعالى وهم الأنبياء.

وما دام أنه نشأ في بيئة فما طبيعة هذه البيئة؟ أحياناً ينشأ بعض الفقهاء في بيئة حنبلية أو شافعية أو حنفية، ويصطبغ بهذه البيئة على طريقة المتأخرين من الأحناف أو الحنابلة أو الشافعية، ويقبل على حفظ مختصراتهم، فيحفظ عند الحنابلة -مثلاً- الإقناع أو المقنع أو غير ذلك، ويعنى بتحصيل المذهب، وتخريج آراء الإمام أحمد الصحيحة، والنظر في الأصول والفروع، وما هو المذهب؟ وما هو الراجح من المذهب؟ وهذا نوع من الفقه، فهذه بيئة نشأ فيها البعض في القديم، واليوم قد ينشأ البعض في بيئة -أي: في تربية- قد لا تعتمد مبدأ المذهب الفقهي؛ بل قد تنطلق من باب العناية بالحديث والدليل والنص والأثر، وهداية الأمة إلى النصوص، وهذا المنهج من حيث الأصل منهج صحيح، لكن إذا بولغ فيه فهو من جنس مبالغة أصحاب التمذهب الفقهي في الالتزام بالمذاهب، ومن المعلوم أن المبالغة والغلو في فهم الآية من القرآن، أو في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنها من أصول الدين، إلا أن الغلو فيها يجعلها بدعة.

ومن أوجه الغلو عند بعض المشتغلين بالحديث مثلاً قولهم: إن أصحاب المذاهب الفقهية ليسوا على شيء، وليسوا من أهل العلم بالسنة، وليسوا متبعين لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وليسوا على طريقة السلف.. فإن هذا كلام فيه تكلف، وبالمقابل فإن التعصب الفقهي، وافتراض أنه لا تعرف الشريعة إلا بانتظام فقهي معين على طريقة متأخرة، هذا أيضاً فيه إغلاق للعلم.

والبيئة الخاصة ليست خاصة ببيئة معينة، بمعنى أن يقال: إن البيئة الفاضلة هي كذا وكذا؛ بل من نشأ في بيئة شافعية فلا بأس أن يؤسس فقهه على المذهب الشافعي ، ومن نشأ في بيئة حنبلية فلا بأس أن يؤسس فقهه على المذهب الحنبلي، وهكذا في المذهب المالكي والحنفي، وهذا ليس كلاماً نفترضه اليوم ؛ بل لقد كان يقوله القدماء، فقد كان الإمام مالك ينهى بعض الذين يأتون إلى العراق للحج فيمرون بالمدينة النبوية، كان ينهاهم أن يفتوا ببعض الآراء التي يعرفها مالك لكن العامة من أهل المدينة لا يعرفونها، حتى إنه زجر رجلاً لما بلغه أنه جلس بالمسجد النبوي يجيب بمثل هذا الرأي، فقال له مالك : من أين أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: أين خلفت الأدب؟ فلما قال له الرجل: إن هذا قاله زيد بن ثابت ، قال: قد كنا نعلم ذلك، ولكن الناس عندنا لا يعلمون إلا قول عمر . وليس معنى هذا أن مالكاً يريد أن يطبع التقليد أو التعصب؛ ولذلك فإن من لطيف فقه مالك أنه مرة ذكر له رجل الخلاف، فرأى أن في كلام الرجل تضييقاً للخلاف، فقال له: (يا هذا! هذا رحمة)، فسمى الإمام مالك رحمه الله الخلاف رحمة، ولما سمع رجلاً يوسع في الخلاف قال له: (يا هذا! إنما هو الخطأ والصواب).

فقد يبالغ بعض الناس أحياناً في مسألة (أن الخلاف رحمة)، حتى كأنه ليس أمام الأمة إلا أن تختار الأذوق، أو ليس أمام الإنسان إلا أن يختار بذوقه، فإذا صار الأمر هكذا فإن هذا ليس معناه أنه رحمة؛ بل إن الخلاف فيه حق وباطل، وفيه صواب وخطأ، والخلاف منه راحج ومنه مرجوح، ولا بد من قصد هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من يضيق المسألة بالمقابل يقال له هذه الكلمة.

إذاً: البيئة الخاصة مؤثرة في تكوين الفقيه.

وليس المنهج الصحيح هنا أن يُلزم بإحدى البيئات الفقهية المعروفة، إنما المنهج الصحيح أن يكون هناك شروط علمية صحيحة للتعامل مع ذلك، فمثلاً: البيئات الفقهية الأربع (المذاهب الفقهية) هذه بيئات معتبرة ولا بأس بها، وكذلك البيئة الأثرية أيضاً هي بيئة معتبرة ولا بأس بها، إنما الذي ينهى عنه الناس هو التعصب، فمن تعصب لشيء من هذه البيئات، فإن هذا التعصب هو الأمر المذموم، أما من نشأ على بيئة مألوفة عند علماء المسلمين وفقهائهم، فإن هذا من حيث هو ليس مشكلاً، ولا يدخل في دائرة الذم والإنكار.

البيئة العامة للمستدل

- المعتبر الثالث: البيئة العامة:

من المعلوم أن بيئات المسلمين اليوم تختلف من بلد إلى آخر، وكذلك تختلف بيئة المسلمين عن غير المسلمين، والفقيه أو المستدل قد يوجد مثلاً في بيئة لم يدخلها الاستعمار، فستكون هناك أمور متعددة حافظ عليها الناس، فتجد أن الرأي الفقهي عنده يتسم بسمات معينة، إضافة إلى المؤثرات الأخرى، كالتفقه على مذهب معين، فإن هذه أمور مؤثرة، لكن من المؤثرات أيضاً: البيئة العامة، والمجتمع العام، وقد تكون هذه البيئة إقليماً أو بلداً واسعاً، وقد تكون أوسع من ذلك.

ولعل من الأمثلة على ذلك: الإمام الشافعي رحمه الله، فإنه عندما ذهب إلى مصر تغير مذهبه الذي نسجه وانتظم له في العراق كثيراً، حتى قالوا: إن للإمام الشافعي مذهباً جديداً ومذهباً قديماً، وليس بالضرورة أن تكون البيئة المصرية قد انقلبت رأساً على عقب على البيئة العراقية، لكن الانتقال من بيئة إلى بيئة أخرى تختلف عن البيئة الأولى ولو شيئاً يسيراً هذا له تأثير، وأحياناً عوارض التكليف تختلف من بيئة إلى أخرى، كذلك العلم الذي يبلغه في بيئة قد لا يبلغه في بيئة أخرى، فأثر البيئة يعتبر من أخص المؤثرات في الخلاف الفقهي وفي اعتباره.

كذلك البيئات التي طرقها الاستعمار نجد أن الفقهاء أو الذين يفتون فيها لهم أحياناً بعض المواقف الخاصة من بعض القضايا تختلف عمن لم يقع تحت هذا التأثير، وليس بالضرورة أن نقول هنا: إن الذين لم يصبهم الاستعمار دائماً هم الصادقون وأولئك ليسوا كذلك؛ بل بالعكس أحياناً بعض الأمور قد لا تقدر إلا من خلال العلم المفصل بها.

والذين يعيشون مثلاً في الغرب ليسوا كالذين يعيشون في البلاد الإسلامية، والذي يعيش في مدينة ليس كالذي يعيش في نظام قرية مغلقة معينة، فإن هذه البيئات من حيث المنطق العقلي الصحيح مؤثرة؛ لأن الفقه أحياناً ليس هو الفتوى في أمور سابقة معينة، كالفتوى في مسألة: هل لحم الإبل ينقض الوضوء أم لا ينقض الوضوء؟ بل الفقه أحياناً يكون في قضايا جدت ونزلت، فيكون التقدير هنا يختلف.

كذلك الذي يتكلم أمام أهل مدينة ليس مثل الذي يتكلم بآراء فقهية أمام الملايين في الفضائيات؛ بل يجب أن يختلف، وإذا لم يختلف هذا نقص في فقهه، وإذا لم يختلف ذاك نقص في فقهه، وليس معنى ذلك أنه يغير الفتوى، فإذا كان في المدينة قال: هذا حلال، وإذا طلع في الفضائيات قال: هذا حرام، لكن المقصود أن هناك آراء يترتب عليها تطبيقات، فمثلاً حينما يقرر رأي فقهي فيقال: إن تارك الصلاة كافر، وترتب بعد ذلك أحكام، كما يذكر بعض الفقهاء أنه إن مات وهو تارك للصلاة أو لبعض الصلوات -على بعض الآراء- فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.. إلخ، فإن هذا الرأي عندما يتداول في بيئة خاصة، أو على منبر جمعة ويسمعه أهل الجماعة في هذا البلد، ليس كأن يؤخذ هذا الرأي فيطلق في منبر فضائي مثلاً، فيقال: الصحيح أن من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها متعمداً فهو كافر، لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.. لأن هذا الرأي تحته تطبيق، والذي يسمعه قد يذهب ويطبقه.

ومن المعلوم أنه ينتشر في كثير من البيئات التي غاب عنها الإسلام زماناً، كبعض الجمهوريات الموجودة في روسيا أو في أوروبا، وأحياناً بعض البيئات الإسلامية -ينتشر فيها ترك كثير للصلاة؛ بل إن ابن تيمية يقول: وكثير من المسلمين في أكثر الأمصار يصلون تارة ويدعون تارة.

وليس المقصود هنا: أنه أمام الفضائيات لا يقال: إن تارك الصلاة كافر، لكن المقصود أن الإنسان لا يجوز له أن يطلق الأحكام العامة على مستوى الأمة إلا وقد اطمئن إليها اطمئناناً محكماً، ولا يغلق الخلاف المشهور في منبر عالمي مثل النظم الفضائية اليوم، فإن إغلاق الخلاف المشهور في مثل هذه الصور أمر غير سائع.

وأحياناً قد يكون عند الشخص رأي يراه، لكن قد يحدث به قوماً ولا يحدث به آخرين؛ لأنه كما قال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!)، وهناك انفصال بين الحكم بأن هذا الشيء كفر، وبين تطبيق حكم الردة، ولذلك يقول ابن تيمية : "ومن أغلاط كثير من الفقهاء أنهم ظنوا أن هناك تلازماً بين الردة وبين تطبيق أحكامها"، فأحياناً قد يكون بعض الناس كافراً، لكن ليس هناك إمكان شرعي مصلحي لتطبيق الحكم عليه، فقد يكون عنده تأويل وشبهة ما وصلت إليك، ومن هنا فإن مراعاة التأثير العام لابد من الانتباه له.

وقولنا: إن البيئة العامة تؤثر في الرأي الفقهي، ليس معناه أنها هي التي تحكمه، ولكن الفقه يعتبر بمصالح الناس؛ لأن الشريعة جاءت بحفظ المصالح ودرء المفاسد، ولذلك فإن كل من توسع فقهه وعرف الأحوال أكثر من غيره نجد أنه صار لا يراعي في فقهه وفتواه أهل بلده فقط؛ بل يراعي أهل هذه المدينة والمدينة التي تليها والمدينة التي هي أبعد منها... وهكذا، وإنما نذكر هذا الكلام لأننا لا نتكلم هنا عن المجتهدين فقط؛ بل عمن قد يسمى مجتهداً أو فقيهاً أو طالب علم، ولذلك أوصي طلاب العلم أن يتنبهوا لهذا الأمر، فليس كل ما يصلح لبلد بالضرورة أن يصلح لبلد آخر، وليس كل ما يصلح لطلاب العلم يصلح للجماهير والعامة من الناس، وقول علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) يعتبر قولاً جامعاً.

ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك بعض الفعل مخافة أن تنكر قلوب الناس ذلك الفعل.

الطبيعة والتكوين الذاتي للمستدل

-المعتبر الرابع: الطبيعة والتكوين الذاتي:

إن الله سبحانه وتعالى خلق الناس متفاوتين، فبعض الناس أعطاه الله سبحانه وتعالى سعة في الفقه، وبعض الناس أوتي حفظاً ولم يؤت فقهاً، وبعض الناس أوتي فقهاً ولم يؤت حفظاً، فمثلاً: لو قارنا ابن المديني بـأبي حنيفة رحمهما الله، فسنجد أن ابن المديني لا يصل إلى درجة أبي حنيفة في الفقه، وأن أبا حنيفة لا يصل إلى درجة ابن المديني في الحفظ، مع أنهم أئمة سابقون، وهذا كمثال بسيط بين الإدراك.

وكذلك اليوم لابد من اعتبار هذا الأمر في طالب العلم أو الفقيه أو من هو فوقه، ولذلك فإن من عقل الإنسان واعتداله مع نفسه أن ينظر فيما آتاه الله، فإن كان لم يؤت فقهاً وحكمة، بل يرى في طبيعته العجلة والاصطدام مع نفسه كثيراً، ومع أسرته، ومع من حوله، ويرى في طبيعته قدراً من النقص البين، لكنه ربما أوتي حفظاً، فالأولى له أن ينصرف في مسار معين من العلم، فإن بعض الناس مثل الوعاء الذي يحفظ الماء، فيشرب منه الناس وينتفعون به، فإن الأمة بحاجة ولا تزال بحاجة إلى أنواع شتى من العلوم والمعارف، ومن السوء ما أثير من قضية التمانع بين الحفظ والفهم، فهؤلاء يحفظون ولا يفقهون، وهؤلاء يقولون: الفقه أهم، مع أن الإسلام ليس فيه حفظ فقط أو فقه فقط؛ بل إنهما متلازمان، وإذا لم يكن طالب العلم يحفظ كثيراً من النصوص فمن أين يفقه؟ فإن الفقه فقه النصوص، وكذلك ليس في الإسلام حفظ فقط؛ لأن من حفظ وهو لا يدري ماذا حفظ بمنزلة الأعجمي الذي حفظ كلاماً وهو لا يدري ما معناه.

إذا كان كذلك فلابد أن نلاحظ أموراً:

أولاً: إذا اتجه الإنسان لطلب العلم فلابد أن يختار ما أعطاه الله، ولا يتمانع مع طبيعته، فإنه ليس من الذكاء ولا من الحكمة أن يتمانع الإنسان مع طبيعته، وقد جاء في الحديث: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).

ثانياً: لابد أن يُنظر في طبيعة من يجيب، سواء كان طالب علم أو فوق ذلك، ولذلك من أنواع التعصب اليوم: أن أصحاب المزاج الحار أو الذين عندهم ردة فعل من شيء معين -سواء كان هذا الشيء علمياً أو غير ذلك- تجد أنهم يعشقون طلاب علم أصحاب مزاج حار مثلهم، فيلتقي معه ويتتلمذ على يديه ويشيخه وما إلى ذلك، وبالعكس فإن بعض الناس أصحاب النفوس الباردة -إن صح التعبير- أو المجاملة نجد أنه ينضوي تحت رجل على هذه الطبيعة، وقد يكون أصل هذا التوافق فطرياً؛ ولا يقال: إن هذا نوع من الشذوذ في طبائع الناس، لكن المقصود أن الطبيعة لا تهيمن على الدين؛ بل إن الدين هو الذي يهيمن على الطبيعة البشرية؛ ليجعلها متوافقة مع مقاصده وتعاليمه.

ولنضرب لذلك مثلاً: أفضل رجلين في الإسلام -بعد النبي صلى الله عليه وسلم- هما: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، إذا نظرنا في طبائعهما وجدنا أنهما يتفقان في أمور كثيرة، ولكن أبو بكر يغلب عليه اللين، ويغلب عليه الصفح والعفو والهدوء والتسامح، وليس معنى ذلك أن عمر ليس عنده هذه الصفات، بل إن هذه الصفات موجودة عند عمر رضي الله عنه، ولكن يغلب عليه طبيعة القوة والعزم والحزم في بعض الأمور والصراحة، وعدم تفويت أي مقام على بعض الناس، وهذه كلها لها مقامات معلومة، فمتى قام أبو بكر رضي الله عنه بالسيف وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ فإن هذه أحوال إذا بحثنا عنها قد نجدها شبه نادرة، لكن عمر رضي الله عنه كان هذا الأمر ظاهراً في طبيعته وشخصيته.

فمثلاً: في مسألة أسارى بدر، أول مسألة لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها وحي، فاستشار فيها استشارة صريحة، فدعا أبا بكر وعمر وقال: (ما ترون في شأن هؤلاء الأسرى؟)، فقال أبو بكر : يا رسول الله! هم -أي: الأسرى- بنو العم والعشيرة. انظر إلى الكلمات وإلى الطبيعة عند أبي بكر ، وقد نسميها كلمة تخفيف عن أولئك الأسرى، قال: هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فأسأل الله أن يهديهم إلى الإسلام.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب ؟) فقال: كلا والله يا رسول الله! -هذا أول الإجابة- ما أرى الذي رأى أبو بكر .

وانظر إلى العزم عند عمر ، فلم يقل: أرى أن يقتلوا؛ بل قال: ولكن أرى أن تمكنني من فلان -وهو نسيب لـعمر - فاضرب عنقه، وتمكن علياً - مع أن علياً ما حضر المجلس، ومع أنه رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم تأثر في شأن عقيل ؛ لأن عقيلاً ابن عمه- وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.

هكذا خلق الله النفوس متفاوتة، وفي كلٍ خير، والسؤال هنا: هل تكلم أبو بكر وعمر من باب الطبيعة والمزاج؟ والجواب: لا، بل إن الشريعة مهيمنة على كليهما، فإن مناطات أبي بكر مناطات شرعية معتبرة في الشريعة؛ فإن الفدية تكون قوة للمسلمين على الكفار، وهذا مناط شرعي صحيح، وكذلك قوله: عسى الله أن يهديهم للإسلام، هذا مناط شرعي صحيح، فمناطاته الشرعية صحيحة توافقت مع طبيعته.

كذلك عمر رضي الله عنه لم تحركه طبيعته ومزاجه، فلم يقل: أرى أن تمكننا منهم فإن سفك الدم فخر أمام العرب، ولو قال ذلك لأصبحت الطبيعة مهيمنة، لكنه قال: إن هؤلاء أئمة الكفر، فهو ينطلق من مبدأ الولاء والبراء، فإن قوله: هؤلاء أئمة الكفر، مناط شرعي صحيح، فلم يقل: حتى تفخر بنا العرب، كما قال أبو جهل: لنبلغن بدراً ونشرب الخمر، فإن هذا مناط طبيعة أبي جهل الخامرة الطاغية.

ومن هنا فإن نزع الطبيعة من الإنسان أمر مستحيل، لكن المهم هو أن تكون الشريعة مهيمنة على الطبيعة، وإذا هيمنت الشريعة على الطبيعة فإن هذا هو تحقيق لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [المائدة:48]؛ لأن الإسلام كما هو بحاجة للقوي فهو بحاجة للين.

ولذلك فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا نجد فيهم الطبائع الخاصة، بل نجد أن عندهم توازناً في الطبائع، فنبي هذه الأمة يوصف بالرحمة ويوصف بالقوة، وهو نبي الملحمة ونبي الرحمة، والملحمة هي السيف والقتال، ويقول عليه الصلاة والسلام: (بعثت بالسيف)، ويقول الله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً [الأنبياء:107] ونحو ذلك، لكن الناس من بعد الأنبياء ليسوا مثلهم في توازن الطبائع، والعاقل الفاضل الحكيم هو الذي يعرف مجال كل طبيعة ونسبتها من الشريعة.

والخطأ والانحراف إنما ينشأ حينما تهيمن الطبيعة عند بعض الناس على الشريعة، فيطوع الشريعة لذوقه، فالحار لا ينتج إلا رأياً حاراً، والحاد لا ينتج إلا رأياً حاداً، والمجامل أو المتميع كما يصطلحون -مع أني لست ممن يعشق كثرة المصطلحات والتصنيفات- لا ينتج إلا رأياً كذلك.

إذاً: من أدق الأمور التي ينظر الإنسان فيها لنفسه أن ينظر فيمن يلزم غرزه، وليس من الحكمة ولا من العقل أن يختص الإنسان بشخص على مثل هذا الوجه، ويقول: الأرواح جنود مجندة؛ فإن هذا ليس من الحكمة؛ بل الحكمة أن يلتمس الإنسان العلم في أهله، وأن يعود نفسه ويروضها -كما كان الصحابة- على أن تكون الشريعة هي الحاكمة للطبيعة، وإذا وصل الإنسان إلى هذا فقد وصل إلى خير كثير.

وضع المسألة بحسب رتبتها من الشريعة

أخيراً: يجب على المستدل أن يضع المسألة بحسب رتبتها من الشريعة، وبحسب مقامها في نظم الشريعة، وهذا الأمر يتفاوت فيه الفقهاء، وله مؤثرات في جملة قواعد، منها: قاعدة الأمر والنهي، هل الأصل في الأمر الوجوب أم لا؟ وفعل النبي صلى الله عليه وسلم المفسر لأمره هل يدل على الوجوب أم لا يدل على الوجوب؟ ومن تطبيقها البين كمثال: في بعض أعمال الحج، فنجد أن من العلماء من يقول: إن المبيت بمزدلفة واجب، ومنهم من يقول: إنه سنة، كذلك البقاء بعرفة إلى غروب الشمس، نجد أن منهم من يجعله داخلاً في الواجب، ومنهم من يقول: إنه سنة.

ومسألة الرتب تتعلق بما لم ينص عليه الشارع نصاً صريحاً، وإذا اختلفت الرتب اختلف أثر المسألة المستدل عليها، ومن ثم يفرق بين العبادات والمعاملات، وأثر ذلك في تنزيل الأحكام.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [3] للشيخ : يوسف الغفيص

https://audio.islamweb.net