إسلام ويب

وضع علماء الأصول شروطاً مثالية للاجتهاد، لا تكاد تتوفر في أحد مهما بلغ من العلم، بل إن ذلك يعتبر إغلاقاً نظرياً للاجتهاد، وإلا فإن الاجتهاد لم يغلق في الواقع؛ لأنه لابد للأمة من مجتهد ينظر في قضاياها ونوازلها المستجدة، ومن هنا فإن الاجتهاد ممكن ومتيسر لمن استكمل رتبة الفقيه الثانية مع ملكة يفقه بها مفصل مقاصد الشريعة.

إيضاحات لما سبق الكلام عنه

قال المصنف رحمه الله: [ فصل: وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها، فإن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها، وإذا أبداها فقد تبلغنا وقد لا تبلغنا، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه، سواء كانت الحجة صواباً في نفس الأمر أم لا، لكن نحن وإن جوزنا هذا فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن كان أعلم، إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده، بخلاف رأي العالم].

فيما سبق تكلمنا عن مكونات الخلاف وأنها أربع جهات، وذكرنا بعد ذلك ما يتعلق بمراتب القول الفقهي، وفي هذا المجلس بإذن الله تعالى سيكون الكلام في التمذهب، ولكن قبل أن ندخل في هذا الموضوع وما أشار إليه المصنف في الكلام الذي قرئ، هناك بعض الإيضاحات لبعض ما سبقت الإشارة إليه.

مخالفة المتقدمين في الإصطلاحات

ففيما يتعلق بمكونات الخلاف وأنها الدليل التي يقع الاختلاف في تعيينه أو درجته أو ثبوته، والدلالة، والمستدل، وذكرنا أن المستدل إما أن يسمى ناظراً، وإما أن يسمى فقيهاً، وإما أن يسمى مجتهداً.

وهذا التقسيم قد لا يكون كاصطلاح منتظم نطق به فلان أو فلان من أهل العلم، والاعتبار بالنطق العلمي السابق ليس بالمصطلحات، وإنما الاعتبار بالحقائق العلمية، فإنه لا يلزم فلاناً من الناس الذي عرض في القرن العاشر مثلاً أن لا ينطق بمصطلح إلا وقد نطق به أهل القرن السادس مثلاً، ولكن المعنى الذي ينبغي أن لا يكون إحداثاً في العلم أو ما إلى ذلك هي المعاني، وأما التعبير عن المعاني الصحيحة المعروفة بالاستقراء، فهذا إذا اصطلح عليه بمصطلح ما حتى لو كان المصطلح متأخراً أو معاصراً فهذا ليس محل جدل، وإلا للزم أن يكون السؤال مطروحاً على مصطلحات القرن العاشر التي لم ينطق بها في القرن الثامن مثلاً، ومصطلحات القرن السادس التي ما نطق بها في القرن الرابع، ومصطلحات الرابع التي ما نطق بها أهل القرن الثاني، وهكذا، وهذا يستلزم منع كل هذه المصطلحات، لكن المعنى الذي يهم هو أن لا يتكلم تحت هذا المصطلح المأذون به، دعك من المصطلحات المخالفة لمقاصد الشرع، فهذه مصطلحات منتقدة، ولذلك سبق أن نبهنا على أنه حتى مصطلح التكليف عند الأصوليين لا يقال: إنه غلط، ولكن يقال: ليس هو مصطلحاً فاضلاً؛ بل ينبغي أن يسمى: التشريع؛ لأنهم يقولون: التكليف خمسة: الواجب، والمستحب، والمحرم، والمكروه، والمباح، ثم يختلفون هل المباح من الأحكام التكليفية أم لا؟ فلما لم يروا فيه جهة التكليف والعزم قال من قال منهم: إنه ليس من الأحكام التكليفية، وهذا غلط؛ لأنه يتضمن أنه ليس حكماً شرعياً، والصواب أن المباح عند أهل السنة والجماعة بل عند جمهور الطوائف الإسلامية حكم شرعي؛ لأن الله أثبته في القرآن في مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1] وقوله: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ [النحل:116].

إذاً: مما ينبه إليه أن دعوى المخالفة للسابق لا بد أن تضبط بالمعاني الصحيحة، فمن خالف المعاني الصحيحة أو أحدث معنى ليس على الأصل المعروف عند القرون المفضلة، فهذا هو الذي يجب رده، وأما باب المصطلحات فهو باب لا يزال غير متناهٍ في التاريخ.

الطرق التي يعرف بها صحة المعنى عند المتقدمين

ما هي الطريقة الذي يعرف بها أن هذا المعنى صحيح عند من تقدم أو ليس صحيحاً؟ هناك طريقتان:

الطريقة الأولى: طريقة التنصيص: كأن يقال: هذا المعنى من العلم نص عليه الإمام ابن عبد البر ، أو نص عليه ابن رجب ، أو نص عليه ابن تيمية ، أو نص عليه من قبل هؤلاء من الأئمة كـمالك أو الشافعي أو أحمد ، أو غيرهم، فهذا هو التنصيص المعين، ولا شك أنه يعرف به تقدم القول.

الطريقة الثانية: فقه الاستقراء: وهذه الطريقة هي منشأ كثير من الأقوال التي لا يوجد تنصيص عليها عند السابقين، كتنصيص كثير من الفقهاء على كلمات ما نطق بها بنصوصها أعيان من السابقين، لكن معانيها متضمنة وهذه هي درجة المحققين من أهل العلم، أنهم إذا استقرءوا تحصل لهم قدر من المعاني في أبواب من الشريعة، في الفقه وفي قواعد الشريعة ومقاصدها وما إلى ذلك، فهذا الاستقراء ينظمون به هذا المعنى الذي استقرءوه.

وننبه هذا إلى أن كتب الأصوليين فيها علم كثير، لكن بعد ظهور علم الكلام، ولما كتب المتكلمون في أصول الفقه على الطرق الكلامية، ظهر أثر علم الكلام على أصول الفقه، وإن كانوا في الاصطلاح يقولون طريقة الفقهاء عند الشافعية، وطريقة المتكلمين عند الحنفية، هذا نوع من التفريق، لكن الحقيقة أنه حتى كتب الشافعية متأثرة بعلم الكلام، والغزالي ممن أدخل علم الكلام إدخالاً بيناً على نظم أصول الفقه في كتابه المستصفى، وهذا لا يعني أن ما كتبه هؤلاء الأصوليون الذين يوصفون بأنهم من علماء الكلام -لا يعني أن جميعه ليس صحيحاً، أو أنه ليس نظرية ممكنة صحيحة في موارد كثيرة في مسائل تطبيق قواعد التشريع، هذا ليس كذلك، بل إن هذه الكتب تعد من أخص كتب الإسلام أو تاريخ الإسلام الذي كتب، فهي كتب علمية، لكن مع ذلك لا بد من بعض المراجعات لبعض هذه المسائل أو التراتيب التي اجتهد فيه من اجتهد من أهل الأصول المتأخرين -أعني المتكلمين منهم.

فالمقصود: أن هذه النظم لأصول الشافعي أو أصول أبي حنيفة أو أصول الإمام أحمد في نظم الأصول فيما كتب في كتب أصول الفقه، هل أكثرها منصوص عليه في كلام الأئمة كنظم قواعد؟ الجواب: منه ما هو منصوص عليه، ومنه ما حصله أصحابهم الأصوليون تحت فقه الاستقراء، وفقه الاستقراء يعد من أشرف الفقه، وإن كان كما قلت لا يستطيعه إلا فقيه محقق.

ولذلك نجد أنه يعوّل على كثير من هؤلاء المستقرئين فينقل عنهم، ونجد التعويل في بعض كتب أصول الفقه على كتب محددة وإلا فكثير منهم نقله، لكن المستقرئ الأول هو صاحب الامتياز، ففقه الاستقراء فقه صحيح.

الاجتهاد

إذا كان كذلك فيقال: إنه عند استقراء فقه القرون الثلاثة الفاضلة نجد أن الناس لا يخرجون عن هذه الأصناف الأربعة: إما مقلد محض حقه السؤال فيجاب بالحكم، ولا يلزمه أن يعرف الدليل؛ بل يجيبه العالم الموثوق بعلمه فيستجيب لجوابه، وهذا معنى قول الله: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فهؤلاء موصوفون بعدم العلم. أو ناظر، وهو من يملك القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، أو فقيه وهو رتبتان: الأولى: من يملك القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها مع معرفته بجمهور الأقوال في مذهب، الرتبة الثانية -وهي العالية-: مع معرفته بجمهور الأقوال في المذاهب.

والصنف الرابع هو المجتهد، وقد ذكرت سابقاً أن كثيراً من كتب أصول الفقه المتأخرة وضعت شروطاً للاجتهاد ربما تكون أحياناً مثالية، وهذا يعتبر إغلاقاً نظرياً للاجتهاد، لكن في الواقع لم يغلق الاجتهاد؛ لأن الأمة يتعذر عقلاً أن تعيش بلا اجتهاد، وإذا ما وجد مجتهد فسيجتهد من في الطبقة التي هي أقل، وإذا ما وضع نظام ممكن للاجتهاد فسيأتي الأناس الذين عندهم إرادة للاجتهاد وليس أهلية للاجتهاد، وإلا فإن الأمة ستتحرك، ومن الملاحظ أنه في هذا العصر عندما تنزل نوازل كلية فإن الناس لا يسكتون عنها، فلما أصبحت نظرية الاجتهاد العلمية في كلام المتأخرين -وأقول: المتأخرين من الأصوليين- مثالية لم يقل الناس: إن فلاناً فقط هو المجتهد، وفلان يقبل الاجتهاد أو يتأهل للاجتهاد، بل تحرك آحاد من طلبة العلم أحياناً لنوازل كبرى ليس عندهم إلا إرادة، وقد يسميها البعض شجاعة مع أنها قد لا تسمى شجاعة، إنما هي إرادة من النفس، فتحرك تحت تأثير الجماهير أحياناً أو لسبب آخر، أو تحت ضغط واقع معين أو ما إلى ذلك.

فالمشكلة أنه بهذه الطريقة لا يغلق الاجتهاد؛ لأنه يستحيل أن يغلق الاجتهاد، وإلا فماذا تفعل الأمة في نوازلها الكلية التي ما تكلم عنها الفقهاء الأربعة أو من كان قبلهم؟

من هو المجتهد؟

ومن هنا إذا قرأت مفهوم المجتهد في القرون الثلاثة الفاضلة الذين كانوا يقولون في النوازل ويقولون في الآراء الفقهية الأولى؛ وجدت أنهم ليسوا على رتبة الفقيه الجامع للفقه أو لدليل الفقه، بل لابد لهم من تفقه في الدين، ومن هنا قلنا: إن المجتهد من استكمل رتبة الفقيه الثانية العالية مع امتيازه بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، وهذه الملكة مركبة من أمرين:

الأمر الأول: المجموع العلمي، والمجموع العلمي يزيد عن القدرة الأولى التي يتمتع بها الناظر، فالمجموع العلمي هذا أرقى؛ فتجد أنه مطلع على التفاسير، مطلع على الموسوعات العلمية، مطلع على الآثار، فعنده اطلاع عام، لكن أن تقول: إنه جامع حافظ عالم متقن في سائر هذه الأبواب، فهذا هو الشرط الذي قد يكون فيه مثالية، لكن لديه مجموعة علمية واسعة أعلى من القدرة الأولى التي تمتع بها الناظر.

الأمر الثاني -وهو الأهم-: التكوين الطبيعي الذي خلقه الله عليه، فإن الله خلق الناس منهم الأحمق، ومنهم الذي ليس بأحمق، ومنهم الذكي ومنهم من دون ذلك، ومنهم الحكيم ومنهم الحليم، ومنهم قليل الصبر ومنهم واسع الصدر، فهذه أمور من أهم ما يؤثر في الفقه كما نبه على ذلك بعض المحققين، كـابن حزم وابن تيمية وابن عبد البر ونحوهم، بل للأئمة المتقدمين من الكلام ما يشير إلى ذلك، ولولا استغلال الوقت في الأهم لدخلنا في مثل هذه الآثار.

الأهلية العامة والخاصة للمجتهد

قد يقول قائل: هل يكفي لكون الشخص من أهل الاجتهاد أن يستكمل رتبة الفقيه الثانية فيعرف جمهور الأقوال في المذاهب، مع القدرة العلمية ومع الملكة التي فقه بها مفصل مقاصد الشريعة؟ أم لابد أن يعلم كذلك بمفصل أدلة المسألة التي يجتهد فيها؟

فنقول: إن الحد الذي ذكرناه سابقاً هو شرط الأهلية العامة التي يثبت بها كونه من أهل الاجتهاد، والأهلية تنقسم إلى قسمين: أهلية عامة وأهلية خاصة.

فالأهلية العامة التي من حققها صح أن يعتبر ممن يمكنه الاجتهاد هي: أن يستكمل رتبة الفقيه الثانية العالية مع ملكةٍ فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، هذا نسميه حد الأهلية العامة التي بها يثبت كونه مجتهداً.

والأهلية الخاصة كما إذا أراد أن يجتهد في مسألة معينة، ولتكن من المسائل التي هي من النوازل عند المسلمين ولم تكن موجودة زمن السابقين، كما لو أراد أن ينظر في حكم تجنس المسلم بجنسية غير إسلامية، ومفهوم معنى الجنسية في بعض الدول أو في أكثر الدول أنها تعني نوعاً من الالتزامات المدنية، والالتزامات المدنية خارطتها تبدأ من أشياء أحياناً تتقاطع مع مبادئ وقيم الإسلام.

فمسألة تجنس غير المسلم بجنسية غير إسلامية هذه نازلة، والآن يعيش في العالم الغربي في الدول الغير الإسلامية في أوروبا أو في أمريكا، يعيش الملايين من المسلمين، أو أراد أن يجتهد في مسائل في الاقتصاد مثلاً، أو في تنظيم بعض طرق المشاعر في الحج، كما لو رأى أن منى لا يبنى فيها لو حصلت اضطرارات إلى مسألة البناء، فهذه تعتبر نازلة إذا أرادوا أن يدرسوا البناية أو يدرس المجتهد البناية في منى مثلاً، فهذه قضايا لها نوع من الأصول الكلية.

فنقول: الأهلية الخاصة مفهومها: تأهل المجتهد الذي تمتع بالأهلية العامة للنظر في المسألة المعينة، وهذا له شرط به تتحقق الأهلية الخاصة، فمتى تتحقق الأهلية الخاصة التي بها يجتهد في المسألة المعينة؟ نقول: أن يكون عليماً بتصورها ومفصل دليلها، أي: أن يجمع الأدلة بتفاصيلها في هذه المسألة المعينة في في نازلةٍ كلية من النوازل، فإذا ما جمع مفصل الدليل، مع مفصل التصور عن المسالة، فهذا نقول عنه: إنه حصَّل الأهلية الخاصة، بحكم كونه في الأصل من أهل الأهلية العامة، وهنا له أن يجتهد.

وهب أنه من أهل الأهلية العامة لكنه ما استطاع أن يصل إلى تصور مفصل، فهل له الحق أن يجتهد؟

الجواب: ليس له الحق أن يجتهد، وهب أنه من أهل الأهلية العامة، فهل له أن يجتهد في نازلة كلية بحكم أهليته العامة فقط دون أن يعرف مفصل الدليل في النازلة الخاصة؟ الجواب: لا.

ومن هنا نجد أن كثيراً من الأصوليين المتأخرين لما وضعوا شروط الاجتهاد مع أنها في حقيقتها شروط مشرقة، لكن مثاليتها ربما أنها جاءت من أن هؤلاء أو كثيراً منهم لم يفرقوا بين شرط الأهلية العامة والخاصة، فاشترطوا شرط الأهلية الخاصة في العامة، فاشترطوا أن يكون عالماً بمفصل الأدلة، وعلى هذا لن يوجد أحد يصح أن نقول: إنه تأهل هذا التأهل؛ كبعض فقهاء الكوفة الذين ما عرفوا عند المحدثين كمحدثين، هل كانوا عالمين بالصحيح والضعيف والطرق وما إلى ذلك من هذه الشروط؟ الجواب: لا، ومع ذلك كانوا مجتهدين، ولا أحد يشك أنهم مجتهدون، لكن في الأهلية الخاصة يتحقق هذا الشرط.

وقد يقول قائل: إذا قلنا: إن المجتهد هو من استكمل رتبة الفقيه الثانية، مع امتيازه بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، فكيف يجتهد في المسألة وهو لا يعرف مفصل؟ نقول: هذا هو شرط الأهلية العامة، أما الأهلية الخاصة وهي إذا أراد أن ينظر في نازلةٍ كلية أو في المسألة التي يقصد الاجتهاد فيها، فإن من شرط الأهلية الخاصة لفعل الاجتهاد الخاص: أن يكون عليماً بتصور المسألة وبمفصل دليلها، فإذا اجتمع له مفصل التصور مع مفصل الدليل، مع أهليته السابقة اجتهد، وإذا لم يحصل له ذلك تأخر عن الاجتهاد.

وكأن هذا التفريق بين الأهلية الخاصة والأهلية العامة هو المجيب الوسط عن سؤال: هل الاجتهاد يتجزأ أو لا يتجزأ؟ يتجزأ بمعنى أنه قد يمكنه الاجتهاد في مسألة ولا يمكنه في غيرها، فالاجتهاد يتجزأ، ولا يوجد في التاريخ أنه كلما تعرض نازلة يفصل فيها مباشرة، حتى الصحابة رضي الله عنهم توقفوا في مسائل، فقد توقف عمر في مسائل، واستشار غيره، واختلف اجتهاده مع اجتهاد أبي بكر ، ورجع من اجتهاده إلى اجتهاد أبي بكر ، فهذه العوارض من طبيعة المكلفين والعلماء؛ لأنه لا يفصل في كل ما نزل بالقطع واليقين وعدم التردد إلا من اصطفي بالوحي، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ولعل هذا التفصيل لهذا التقييد قد أبان الفرق بين الأهلية الخاصة والأهلية العامة، وأنه لا يجوز الاجتهاد بالفعل في المسألة الخاصة إلا إذا تحققت الأهلية الخاصة والأهلية العامة، ومن هنا تصبح نظرية الاجتهاد ليست كلأً مباحاً، ولكنها في الوقت نفسه نظرية ممكنة.

ولعل من التمام هنا أن الاجتهاد كما يقع من المجتهد الواحد فمن الفاضل -وهذه سنة ماضية عند المسلمين- أنه في النوازل الكلية يجتمع جملة من أهل الاجتهاد لتحصيل رأي متوافق، وهذه سنة قائمة اليوم بأشكال لا بأس بها في بعض المجامع الفقهية، ولكن ينبغي أن تقوم أكثر، وقد كانت قائمة في زمن السلف، كفعل عمر رضي الله عنه في مسائل كثيرة لما جمع المهاجرين ثم الأنصار ثم مسلمة الفتح في نزول الطاعون وقدوم الشام، وفي مسائل كثيرة يجتمع المجتهدون، فهذا وجه فاضل.

من خاصية المجتهد النظر في النوازل

أيضاً ينبه في هذا الباب إلى أن المجتهد الذي يسمى مجتهداً من خاصيته النظر في النوازل، وهذا هو الأمر الأعلى للاجتهاد؛ لأن المسائل إما نوازل أو مسائل مسبوقة بقول الفقهاء كالأئمة الأربعة أو غيرهم، فغير النوازل شأنها مقارب، ومهما رجحت فإنك ترجح بالأقرب، لكن خاصية المجتهد هي مسألة النوازل.

ومصطلح النوازل قد يكون مصطلحاً معاصراً، إلا أنه ليس معاصراً على الإطلاق؛ لأنه من المعلوم أن الفقهاء يذكرون مثلاً القنوت في النوازل، لكن المقصود بالمصطلح المعاصر قول بعض الباحثين والناظرين: إن النوازل هي القضايا المستجدة الكلية، فيجعل لها وصف أنها كلية وأنها مستجدة، وبعضهم يأخذها من اشتقاق الكلمة فيقول: النازل كل جديد، فكل جديد أسمية نازلة، ولا مشاحة في الاصطلاح، وسواء قلت: إن النوازل تنقسم إلى جزئية وكلية، فالجزئي من النوازل يمكن أن ينظر فيه فقيه أو ناظر متمكن، مثل بعض الباحثين من الأساتذة الآن وطلاب العلم الباحثين الذي لا يتمتع بشروط المجتهد، ولا يتمتع بشروط الفقيه من سعة العلم بالأقوال، لكنه يمكن أن يبحث في مسألة معينة، فهذا يبحث حتى الجزئي الجديد أو الجزئي النازل، فهذا أمر سهل ولا بأس أن يختلف الأمر عليه ويتردد القول فيه.

لكن النازلة مثل مسألة: الإيجار المنتهي بالتمليك في صورته القائمة في الشركات، هذه ليست نازلة كلية، ولذلك يختلف أهل البحث فيها، فبعضهم يجوزها، وبعضهم يمنعها، وبعضهم يجوزها بشروط، وهذه في نظري أنها من النوازل الجزئية، ولذلك يسوغ حتى للباحثين النظر فيها، ومنهم من أهل الفقه دون رتبة المجتهد، وأمرها سهل، وهي مثل التورق المصرفي التورق، فإن كمسألة موجودة عند الفقهاء، لكن لما دخل في النظم المصرفية اليوم صار له بعض الصور التي يتجاذب الباحثون فيها، وقد يتنازعون فيها، فهذه تعتبر من المسائل النازلة، مع أنني أميل في النازلة إلى مصطلح أعلى، وهو أن النازلة هي الكلية، لكن على هذا الاصطلاح الذي يراه البعض -ولا مشاحة في الاصطلاح- تعتبر من الجزئي، إذا سميته نازلاً فهو من الجزئي من النوازل الذي أمره مقارب، ويقع النظر فيه للباحث المتأهل فضلاً عن المجتهد، إنما خاصية المجتهد هي النظر في النوازل الكلية.

وهذه حقيقة في نظري أنه لا يجوز شرعاً لآحاد طلبة العلم أن يتخوضوا في الأمة بقرارات أو بآراء تجزم بالفعل أو بالترك في نوازل كلية، فإن هذه حق الكبار من أهل العلم الذين لهم وصف الاجتهاد في الجملة، ولا سيما إذا حصلت المجامع وتبادلوا الرأي وما إلى ذلك، فهذا ينبغي أن يكون من فقه هذه الأمة وسنتها، وأن لا نحرك الأدنى من فوقه وهو لم يتأهل إلى الاجتهاد في النوازل الكلية، فإن القول في النوازل الكلية من خاصية المجتهد.

وحينما نقول: إن الناس مقلد وناظر وفقيه ومجتهد، فمن البدهي أن ينبه إلى أنهم يتفاضلون، فالمقلدون ليسوا وجهاً واحداً، فالأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب مثل الأعرابي ليس مثل الإنسان المدني، والناظرون ليسوا درجة واحدة، بل إنه يتفاضل هذا عن هذا، كذلك الفقيه في رتبته الأولى والفقيه في رتبته الثانية، وكذلك المجتهد، فإن المجتهدين ليسوا وجهاً واحداً.

ولكن إذا رجعت إلى فقه الاجتهاد الأول عند السلف أو عند القرون الثلاثة الفاضلة؛ وجدت أن هذا هو مفهوم الاجتهاد: أن من توفرت فيه الأهلية العامة والأهلية الخاصة عند الفعل فهو المجتهد، وأنه ليس في كل المسائل يجتهد، فربما اجتهد في مسائل، وترك الاجتهاد في مسائل أخرى، فمثلاً: سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يعتبر من المجتهدين، لكن لما وقعت الفتنة رأى أن اجتهاده يقوده إلى الترك، فاعتزل في إبله، وهذا وجه من الاجتهاد، وكذلك تجد أن بعض الصحابة صار إلى شيء وبعضهم صار إلى شيء آخر.

وليس بالضرورة أن المجتهد هو من توفرت فيه شروط الاجتهاد لكل نازلةٍ في لحظتها أو في زمنها، هذا لا يلزم حصوله، وكأن فيه تعذراً في غالب الأحوال.

هل من لازم الترجيح الرد على القول الآخر أو الجواب عن أدلته؟

هذه مسألة فيها قدر من النسبية، لكن الذي انتظم لدى البعض أنه إذا رجح مذهب الحنفية أو مذهب الحنابلة مثلاً في مسألة، وربما رجح أحياناً خلاف قول الجمهور، كان من شرط الترجيح عنده: أنه لا بد أن يجيب إجابة تفصيلية تلغي وتمنع أدلة الأقوال الأخرى، فيقول مثلاً: استدل الحنفية بكذا، وهو الراجح، وأما القول الثاني وهو قول للحنفية والشافعية والماليكة والحنبيلة فهو مرجوح، والجواب عن أدلته كذا وكذا.

مع أنه إذا أردنا أن نجيب عن الدليل بمعنى منع الدليل فلابد في الغالب من التكلف؛ لأن المنع إنما يكون في الأقوال البينة المخالفة، كالشاذ مثلاً، أو في الأقوال العقدية، هذا هو الذي يأتي تحت نظام الإثبات والنفي وما إلى ذلك؛ وذلك لأن القطعي لا يعارض قطعياً، لكن الظني قد يعارض ظنياً، وما دام أنك تسلم بهذا المبدأ العقلي الشرعي وهو أن الظن يتعارض مع الظن، فإذا رجحت الظن الأول فإن الذي يلزمك للترجيح هو تأخير الظن الثاني فقط؛ لأنه في النتيجة ستقول: اجتمع ظنيان، ويكفي في الترجيح أن أحدهما أقوى من الآخر، لكن لا يقال: اجتمع دليلان قطعيان متضادان أحدهما أقوى من الآخر، فإن هذا لا يوجد.

إذاً: نظام المنع المطلق والإلغاء هو في الإجماعات والعقائد، أما في الأقوال التي شاعت واشتهرت عند الفقهاء فتعتبر على مبدأ تقديم الأقوى، فيقال مثلاً: إن قول أبي حنيفة أقوى من قول الشافعي ، ولا يقال: إن قول الشافعي باطل، بل يقال: إنه قول مرجوح، فإذا كان قول أبي حنيفة في مسألة ما أقوى من قول الشافعي فمعناه: أن دليل أبي حنيفة أقوى من دليل الشافعي ، ولا يلزم على هذا لازم فاسد، وهو أن الأدلة متعارضة؛ لأن المقصود هو دراسة هل هذا دليل أو ليس بدليل؟ أما إذا عين أنه دليل بالقطع فيمتنع التعارض كما في الإجماع والعقائد.

وهذه المسألة -وهي مسألة الإجابة عن أدلة الأقوال الأخرى- صار فيها اليوم تشديد وتضييق، ففي بعض الطرق الأكاديمية يشدد في أنه لابد أن يجاب عن كل دليل إجابة مانعة بمعنى الكلمة، مع أن هذا ليس هو شرط الترجيح، هذا شرط السنة والبدعة، والصواب والخطأ، وما خالف الإجماع، أو الشاذ من الأقوال وما إلى ذلك، أما أقوال الأئمة فمن الخطأ أن توضع تحت مثل هذه النظريات الغالية.

وبهذا نكون قد عرفنا منهج عرض الخلاف، وبينا أن التجاهل للأقوال المعتبرة كأقوال الجماهير والأقوال المتكافئة ليس محموداً، وبالمقابل فإن بعث الأقوال الشاذة أو التحديث بالخلاف حيث لا تقتضي المصلحة التحديث به هذا أيضاً ليس حكيماً.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [7] للشيخ : يوسف الغفيص

https://audio.islamweb.net