إسلام ويب

من معتقد أهل السنة الرجوع إلى الكتاب والسنة في كل شيء، وعدم اتباع الظن فيما يتعلق بمسائل الدين والعقيدة، فمذهبهم ليس مذهباً مقولاً في المسائل النظرية، بل هو الدين جميعه.

أهل الحديث والسنة هم الفرقة الناجية وبعض صفاتهم

[وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفةٍ بمعانيها واتباعاً لها: تصديقاً وعملاً وحباً وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها] .

هذا الكلام فيه توضيح لأن مذهب السلف ليس مذهباً مقولاً في المسائل النظرية، بل هو الدين جميعه، ولهذا مذهبهم محقق في الإيمان الذي هو قولٌ وعمل، ولذلك من خالف طريقتهم في الأقوال كان على البدعة، ومن خالف طريقتهم في الأعمال كان على البدعة، كما هو ظاهر عند طوائف التنسك والأحوال المفارقة للسلف.

رجوعهم إلى الكتاب والسنة في كل شيء

[الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالةً ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتةً فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه] .

قوله: "فلا ينصبون مقالةً ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم " هذا هو الأصل المطرد عند أهل السنة والجماعة، وهو أنهم لا ينصبون مقالةً ويجعلونها لازمةً على المسلمين إلا أن تكون هذه المقالة مما علم مجيء الرسول به صلى الله عليه وسلم ضرورةً، وما علم مجيء الرسول به ضرورةً فإنه يكون مجمعاً عليه، ولهذا كل ما علم مجيء الرسول به ضرورة فإنه يكون من أصولهم، ومن السنة اللازمة عندهم.

[وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله] .

قوله: "والأسماء" أي: الأسماء المتعلقة بالمخالفين أو المقصرين من المسلمين، ويقال أحياناً: مسألة الأسماء والأحكام، والمراد بالأسماء: اسم مرتكب الكبيرة في الدنيا، هل يسمى مؤمناً أم فاسقاً أم مسلماً أم كافراً إلى غير ذلك. والمراد بالأحكام: حكم مرتكب الكبيرة في الآخره.

[ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف، فما كان من معانيها موافقاً للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنة أبطلوه] .

وهذه قاعدة: أن كل لفظ مجمل حادث، فإنه يتوقف فيه ويستفصل في معناه.

ولهذا لم يكن السلف رحمهم الله يتكلمون بالألفاظ المجملة، إنما يستفصلون في معانيها عند ذكرها، ولا يلزم أن يكون اللفظ مجملاً من جهة وضع اللغة، فقد يعرض الإجمال للفظ لسبب ما، مثلاً: إذا قيل: هل نصوص الصفات على ظاهرها أم ليست على ظاهرها؟

يقال: لفظ الظاهر من جهة كلام العرب فيه بيان، وليس من الألفاظ المجملة المترددة بين كثير من المعاني، ولكن المتأخرين من أهل البدع من المتكلمين صاروا يستعملون لفظ الظاهر ويريدون به التشبيه؛ فلهذا الاستعمال صار هذا اللفظُ إذا تكلم به أرباب البدعة لفظاً مجملاً.

فإذا قيل: أتكون النصوص على ظاهرها؟

قيل: إذا أريد بالظاهر المعنى المناسب اللائق به سبحانه وتعالى فهي على ظاهرها... إلخ.

فالقاعدة: أن كل لفظ مجمل حادث -أي: ليس له ذكر في الكتاب والسنة- لا يجوز التعبير به إطلاقاً، لا إثباتاً ولا نفياً.

عدم اتباعهم للظن وما تهوى الأنفس

[ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس؛ فإن اتباع الظن جهل، واتباع هو النفس بغير هدىً من الله ظلم] .

هذا من أصول أخلاق العلم عند هذه الطائفة: أنهم إنما يتبعون العلم ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه أن اتباع الظن وما تهوى الأنفس من طرائق المشركين في العلم والمعارف؛ ولذلك لما تكلم شيخ الإسلام رحمه الله عن مسألة التشبه في كتابه اقتضاء الصراط المستقم، قال: "وكثير من العامة لا يعرفون التشبه إلا في الأحوال الظاهرة كالتشبه بالكفار في لباسهم ومآكلهم ومشاربهم... ونحو ذلك، قال: ومما يقصد إلى ذكره في هذا المقام ما ذكره الله من الأخلاق العلمية عن أجناس الكفار، التي دخلت على كثيرٍ من المنتسبين للشريعة والعبادة، قال: كقول الله تعالى: وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:113]، قال: وكذلك كثير من أهل الشريعة في المتأخرين لا يرى صاحب التعبد على شيء، وصاحب التعبد والنسك لا يرى صاحب العلم والشريعة على شيء.." .

فهذا من أخلاق أهل الكتاب الكفار. وهذا كما ذكره رحمه الله في كتبه -وفي الاقتضاء على وجه خاص- بينٌ في بعض المتأخرين، وهذا من تقصير تحقيقهم للاتباع وترك التشبه بأهل الكتاب وبالكفار.

وعلى هذا: ما يعنى به بعض طلبة العلم أو بعض الشباب من التنبيه على اليسير وعلى الصغير والكبير من مسائل التشبه في أحوال الناس العامة كاللباس ونحوه.. هذا صحيح، ومنهج في التربية سليم، ولابد أن يقرر ويميز المسلمون بأحوالهم وأشكالهم...إلخ على ما قضت به الشريعة، لكن هنا نوع آخر: أن بعض من ينبه إلى ذلك قد يكون هو قد وقع في بعض التشبه، حينما يكون صاحب الجهاد لا يرى صاحب العلم على شيء، أو يرى صاحب العلم صاحب التعبد والنسك ليس على شيء، أو صاحب التعبد لا يرى صاحب العلم على شيء.. هذه التعارضات هي من جنس قول الله تعالى كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53] وهذا من مثل قوله تعالى: وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113] وكذلك من الأخلاق العلمية عند الكفار: أنهم يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى، الهدى: هو البيان؛ فإن أصل الهداية هي المحجة البينة؛ ولهذا يقال: هداية الطريق.. إلى غير ذلك.

إذاً لا مكان للظن في حكم الله سبحانه وتعالى ورسوله.

قد يقول قائل: كثير من الأحكام الشرعية ظنية.

نقول: الأحكام الشرعية في نفس الأمر ليست ظنية، فكل أحكام الله ورسوله الظاهرة والباطنة هي أحكام قطعية، وإنما الظن في فهم المخاطبين؛ ولهذا من لم يعرف هذا الحكم إلا ظناً، ولم يقع عنده قطعاً وضرورةً لا يجوز أن يجعل هذا القول سنةً لازمة أو حقاً منتصباً لا يجوز لأحدٍ أن يخالفه.

إذاً: معنى قول من يقول: إن أكثر أحكام الشريعة ظنية، أي: أن أكثرها ظنية في فهم المجتهدين؛ ولهذا وجب على المجتهدين وأتباعهم ألا يلزموا المسلمين باجتهاد واحد ما دام أن المسألة مبنية على الاجتهاد الظني، وأما إذا تحقق العلم والضرورة وحصل الإجماع فهذا هو اللازم.

[وجماع الشر الجهل والظلم، قال الله تعال: وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] إلى آخر السورة، وذكر التوبة لعلمه سبحانه وتعالى: أنه لابد لكل إنسان من أن يكون فيه جهلٌ وظلم، ثم يتوب الله على من يشاء، فلا يزال العبد المؤمن دائماً يتبين له من الحق ما كان جاهلاً به، ويرجع عن عملٍ كان ظالماً فيه، وأدناه ظلمه لنفسه كما قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257]، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الحديد:9]، وقال تعالى: الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم:1]] .

وهذه قاعدة: أن كل خطأ لابد أن يكون الموجب له إما الجهل وإما الظلم، ودليل هذا ما ذكره سبحانه وتعالى في قوله: وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] فكل خطأ لابد أن يكون صادراً عن مادة من الجهل، أو عن مادة من الظلم، أو عن مركب منهما، وأما أن يكون الخطأ ليس صادراً عن هذين فهذا ممتنع.

تفاوت الفرق الضالة في مخالفة السنة

[ومما ينبغي أيضاً أن يعرف: أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة] .

وهذا يتحصل -أيضاً- في حق الأعيان: فإن من الأعيان من قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من قد خالف في أمور دقيقة، وأما الطوائف التي تقرر مخالفتها للسلف فليس هناك طائفة إلا وقد خالفت في أصول، وأما إذا تكلمت عن الأعيان أو عن الطوائف المنتسبة للسنة من الفقهاء، الذين لم يذهبوا إلى علم الكلام، فإن من هؤلاء -كما ذكر المصنف- من قد خالف في أصول، ومنهم من قد خالف فيما دون ذلك.

[ومن يكون قد رد على غيره من الطوئف الذين هم أبعد عن السنة منه، فيكون محموداً فيما رده من الباطل وقاله من الحق] .

وهذا من العدل والانضباط في التقرير، وقد قرر شيخ الإسلام هذا في كثير من كلامه، فقد ذكر أن المعتزلة على هجران السلف لأمرهم وتغليظهم عليهم، قال: "إلا أنهم مع ذلك قد يدعون بعض العجم من الكفار إلى الإسلام فيسلمون على طريقة المعتزلة" . قال: "فإسلامهم على طريقة المعتزلة خير من بقائهم على الكفر، وقد كان واصل بن عطاء الغزال يبعث بعض دعاته إلى بعض الأمصار العجمية غير المسلمة يدعون إلى الإسلام، ويدعون على طريقة المعتزلة، لكن هذا مما يحمد لهم" .

وأخص طائفة عني شيخ الإسلام بالرد عليها وبيان غلطها هي طائفة الأشعرية، مع أنه يعتبر هذه الطائفة أقرب الطوائف الكلامية إلى السنة والجماعة، ومع ذلك له كتاب أغلظ فيه على المتأخرين من الأشاعرة كـمحمد بن عمر الرازي وهو كتاب نقض التأسيس.

لكنه مع هذا قال رحمه الله: "ومع هذا كله فإذا كان الأشعرية في بلدٍ ليس فيه إلا معتزلة، فهم القائمون بالسنة في هذا البلد" هذا نص عبارة شيخ الإسلام . وهذا الكلام مما ينبغي ضبطه، فإن الذم للمخالفين ليس مقصوداً للطعن على الأعيان فحسب، إنما مقصود لبيان المحجة وبيان الحق، وتحذير الناس من البدع والضلال، وإلا فقد يقع في بعض أهل البدع ما هو من الحق المحمود، وإلا لو لم يكن معهم شيء من الحق المحمود لكانوا كفاراً، فإن من تجرد عن جميع الحق ظاهره وباطنه، مجمله ومفصله، لا يمكن أن يكون مسلماً.

[لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعةً كبيرةً ببدعة أخف منها] .

وهذا كرد الأشعرية على المعتزلة، فإن الأشاعرة في الغالب يردون بدعة المعتزلة ببدعةٍ أخف منها.

[ورد بالباطل باطلاً أخف منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة] .

يريد بأكثر أهل الكلام المنتسبين للسنة: الكلابية والأشاعرة والماتريدية.

الحكم على المخالفين لأهل السنة

[ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون؛ كان من نوع الخطأ. والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك] .

هذه إشارة إلى معنى في فقه السلف رحمهم الله لأحكام المخالفين، وهو: أن من اختص ببدعة من البدع ونصبها شعاراً يوالي ويعادي عليه، وفارق به الجماعة -أي: الإجماع الذي عليه الصحابة رضي الله عنهم - فهذا الانتصار لا يكون إلا من طرق أهل البدع الخارجين عن السنة والجماعة، وهؤلاء في الجملة على قدر من التفريط والتقصير في تحقيق ما يجب عليهم من العلم والعمل.

من قال قولاً مبتدعاً لا يلزم أن يكون مبتدعاً

ثمة أقوال لبعض الأعيان هي من البدع المخالفة للإجماع، ومع ذلك تعرض هذه الأقوال عروضاً في أقوالهم وفي أحوالهم العامة، بمعنى: أن هذا المعين يكون في جمهور أمره على السنة والجماعة من جهة الموالاة والمعاداة، فهو يوالي السلف وأهل السنة، وينبذ البدع والابتداع، وهو في أقواله في مسائل الأصول على أقوال السلف، ولكن عرض له شيء من الخطأ في بعض مقامات أصول الدين عروضاً قد يخفى فيما هو من مثل هذا.

فهذا وإن كان قوله الذي عرض له بدعة مخالفة للإجماع، وقد أنكره السلف وشددوا فيه إلا أن صاحبه لا يخرج به عن السنة والجماعة، ويصبح من أصحاب البدع، بل يعد من أصحاب السنة على هذا القدر من التعليق في شأنه.

ويكون خطأه -وهذا هو الذي أفاده المصنف في هذا المقام- في الجملة من باب الخطأ الذي اجتهد فيه. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) كما في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين.

وهذا يعني: أن ثمة أقوالاً هي في الأصل من أقوال أهل البدع والضلال عرضت لبعض الفضلاء من الفقهاء أو من أصحاب السنة والجماعة، فهذه الأقوال وإن سماها السلف بأسماء إلا أن من عرضت له لا يجوز أن يسمى بأسماء هذه الكلمات.

فلا يلزم من تسمية السلف لهذه أن من عرضت له هذه الكلمات يسمى بهذه الأسماء من جهة الخروج من السنة، فضلاً عن جهة التكفير، فضلاً عما هو فوق ذلك كالمآلات في الآخرة.

ومن مثال ذلك: أن الإمام أحمد رحمه الله لما سُئل عن حديث الصورة، ومن يقول فيه: إن الله خلق آدم على صورته -أي: على صورة آدم- أو على صورة المضروب أو نحو ذلك؛ قال: "هذا قول الجهمية" . وكان أحمد وأمثاله يذهبون إلى أن المراد: على صورة الرحمن.

ومع هذا فإن إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله عرض له هذا القول، ولم يكن تجهماً من ابن خزيمة ، ولا يجوز أن يسمى جهمياً، ولا أن يقال: إن حكمه حكم الجهمية، ولا أن يقال: إنه يذم بما ذم السلف به الجهمية... إلى أمثال ذلك، وإن كان قول ابن خزيمة ليس من أقوال أهل السنة، وإنما دخل عليه من أقوال أهل البدع، فإن أهل السنة قولهم في هذا معروف محفوظ.. هذه جهة.

الاشتراك في مقالة واحدة لا يستلزم الاشتراك في تفاصيلها

الجهة الثانية: أن الاشتراك بين جملة من الأعيان في مقالة واحدة لا يلزم منه الاشتراك في تفصيلها، وإنما الاشتراك في التفصيل يكون بين أصحاب الطائفة الواحدة، بمعنى: أنه إذا نفى إمام من أئمة المعتزلة الصفات، وجاء آخر من المعتزلة فنفاها، وجاء الثالث والرابع.. وهلم جرا، ففي الغالب أن من توارد على هذه الكلمة وهو منتسب إلى طائفة معينة كالمعتزلة يكون اشتراكهم في تقرير نفي الصفات مفصلاً، وإن كانوا قد يختلفون في التفصيل، لكنهم يحققون النفي -أي: يلتزمون النفي- بخلاف من عرض له قول كلي من أقوال أهل البدع، فإنه لا يلزم بالضرورة أنه يلتزمه بجميع تفاصيله.

إذاً النتيجة: أنه قد يشترك بعض الفقهاء من أصحاب السنة والجماعة الذين لم يحققوا مذهب السلف تحقيقاً تاماً، أو من يقاربهم، أو من يشاركهم حتى من المتقدمين في بعض الألفاظ المجملة، فيقولون قولاً قاله أرباب أهل البدع الذين أجمع السلف على ذمهم، لكن لا يلزم من الاشتراك في جملة قولية الاشتراك في تفصيلها.

الاشتراك في الحروف لا يستلزم الاشتراك في المعاني

بل ثمة مقام آخر: أن الاشتراك في الحروف لا يستلزم الاشتراك في المعاني لا مجملاً ولا مفصلاً، ونضرب لذلك مثلاً: الجهمية كانوا يقولون: اللفظ بالقرآن مخلوق. ويريدون باللفظ القرآن نفسه، وقد قال بعض أئمة السلف في هذه المسألة: اللفظ بالقرآن مخلوق. كما قاله البخاري ، ومن أنكر أن البخاري قال هذا فقد أخطأ، لكنه كان يريد اللفظ الذي هو من أفعال العباد، فإن البخاري عني بتقرير مسألة خلق أفعال العباد.

وكذلك قال بعض أهل البدع من القدرية: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، وأرادوا به نفي الخلق لأفعال العباد، فقال بعض أئمة السنة كـمحمد بن يحيى الذهلي -وهو شيخ البخاري -: اللفظ بالقرآن غير مخلوق. وأراد بقوله هذا أن القرآن نفسه -أي: كلام الله- ليس مخلوقاً.

إذاً: ثمة اشتراك في الحروف بين بعض أئمة السنة وبين بعض أرباب البدع الذين قصدوا بحروفهم هذه مقاصد بدعية تصل إلى حد الكفر، وهو التقرير لخلق القرآن مثلاً، وقد أجمع السلف على أن من قال: القرآن مخلوق؛ فإن قوله كفر.

وليس المراد هنا أن نقول: إن الذهلي أو البخاري أصابا، بل كان الصواب -كما هو مذهب جمهور السلف- الترك لهذه الجمل كما هو تقرير الإمام أحمد .

لكن الشاهد: أنه قد يقع في كلام بعض أئمة السنة مشاركة لبعض المجمل من كلام أهل البدع -بل أهل البدع المغلظة كالجهمية- ومع ذلك لا يجوز أن ينسب هذا القائل إلى مقاصد ومعاني أهل البدع، فضلاً عن أن ينسب إلى طريقتهم، وإنما يقال: هذا غلط في الألفاظ.. هذه جهة.

الاشتراك في الحروف والمعاني الكلية

الجهة الثانية: أنه قد يقع بين بعض أصحاب السنة والجماعة -الذين هم في جمهور أمرهم على السنة- وبين مقالات أهل البدع اشتراك في الحروف واشتراك في المعنى، ولكنه من جهة الاشتراك في المعنى اشتراك كلي، فلا يلزم أن يطرد فيهم سائر التفصيل في هذا المعنى، فضلاً عن غيره؛ فإن ابن خزيمة لما قال ما قال في حديث الصورة لم يكن مبنى -وإن كان أراد اللفظ وأراد المعنى- المعنى عنده من جنس مبنى المعنى في تفسير الجهمية، فإن الجهمية إنما قالوا: على صورته -أي: على صورة آدم، أو لم يفسروه بما فسره السلف به- لأن هذا مبني عندهم على نفي الصفات عموماً، والصورة منها.

بخلاف ابن خزيمة رحمه الله ؛ فإنه من أئمة التحقيق في إثبات الصفات، ولكنه في هذا الحرف من الحديث خرجه على هذا التوجيه، وهذا قد عُلم التعقب عليه عند السلف رحمهم الله.

إذاً: هذه مسألة ينبغي أن تضبط على هذا الوجه: وهي أن من شارك أهل البدع في بعض الحروف لا يلزم أن يكون مشاركاً في المعاني، ومن شارك في مجمل المعنى لا يلزم أن يكون مشاركاً في مفصله، وحتى من شارك في مجمله ومفصله فلا يلزم من ذلك -أي: في مفصل المعنى الواحد- أن يكون قد خرج بهذا التفصيل عن السنة والجماعة.

حكم من اتبع المعتزلة في باب الصفات واتبع السنة في باقي الأصول

قد يقول قائل: أرأيت لو فصَّل شخص من المعروفين بالسنة تعطيل الصفات، والتزم هذا التفصيل على الاطراد من جنس تفصيل المعتزلة، ولكنه في باب الإيمان والقدر ومسائل أخرى على مذهب السلف.. أين نجعله؟

أي: أن شخصاً من الأعيان يقول بقول المعتزلة على التمام في نفي الصفات، وينتسب للمعتزلة، ويأخذ أقوالهم، ويدع أقوال السلف، وينكر القول بأن القرآن ليس بمخلوق.. إلخ، لكنه في باب الإيمان والقدر وبعض الأصول الباقية على تقرير السلف.. هل نأخذه بالأصل الأول أو نأخذه بالأصول الثانية؟

نقول: أولاً: هذه الفروضات هي التي أشكلت وعقَّدت المسائل العلمية، وسببت قدراً واسعاً من الإرباك.

ثانياً: أن هذا لا وجود له، فلا يوجد عالم أو ناظر حقق قول المعتزلة في الصفات والتزمه، وأنكر قول السلف مجملاً ومفصلاً حرفاً ومعنى، ومع ذلك إذا جاء للإيمان انتصر لقول السلف وأنكر أقوال أهل البدع، وإذا جاء للقدر انتصر للسلف.. إلخ، ولهذا من ينتحل أصلاً من أصول أهل البدع المغلظة وينتصر له حرفاً ومعنىً لا يمكن أن يكون من أهل السنة والجماعة.

قد يقول قائل: من مثالات ذلك ابن حزم .

نقول: ابن حزم رحمه الله وإن كان عنده تعطيل في الصفات، ومشاركة للمعتزلة في كثير من كلامه كما هو معروف في كتابه الفصل وغيره، إلا أن حروف ابن حزم -حتى في الصفات- في الجملة حروف أهل السنة، وإن كان تكلم في لفظة الصفة وقال: "إنه لا أصل له كلفظة" ، وإنما قال: يسمى فعلاً لله.. إلخ، ومع هذا هو لا يلتزم هذا التقرير، وهذه إشكالية واضحة عند ابن حزم ، فهو قد أنكر حرف الصفة كحرف مضاف إلى الله، ثم في مقامات أخرى هو استعمل هذه الإضافة فقال: ومن صفات الله كذا.

فـابن حزم من جهة الحروف في الجملة على حروف أهل السنة، أي: من جهة المعاني الكلية في الجملة على معاني أهل السنة، وهو -كذلك- من جهة المقامات التي شاع فيها القول كالعلو والقول بخلق القرآن.. إلخ ينتصر لصريح مذهب أهل السنة، وينكر على المعتزلة القول بخلق القرآن وما إلى ذلك، لكن عنده قدر ليس يسيراً، بل قدر كبير من المعاني من جنس معاني المعتزلة اختلطت عليه وانعقدت عليه رحمه الله.

لكن الذي تكلمنا في نفيه: أن يكون واحد من الأعيان يلتزم مذهب المعتزلة التزاماً صرفاً، التزاماً ظاهراً وباطناً -أي: في الحرف والمعنى- فإن هذا لا وجود له، وهذا هو معنى قول المصنف رحمه الله: "أن من غلط وعرض له الغلط في بعض المسائل، وهو في جمهور أمره على السنة فهذا لا يخرج" ويكون خطأه هذا في الجملة من باب الخطأ المغفور، فإن مثل هذا الخطأ لا يصدر عن تفريط، وإنما علم هذا لكونه في جمهور حاله على السنة والجماعة.

والشاهد هنا: أن القاعدة: أن من قال قولاً بدعةً لا يلزم أن يكون مبتدعاً.. هذه قاعدة قطعية منضبطة، بل قال شيخ الإسلام في المجلد التاسع عشر: "وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، لكن لم يقم عندهم الحجة الرسالية في مفارقة ما قالوه أو فعلوه للسنة والهدي" .

وهذا المعنى لابد من ضبطه في مسألة التبديع وما يتعلق بها، فإن كثيراً من الأعيان من أصحاب السنة والجماعة عرضت لهم أقوال بدعية -ولا سيما بعد طبقة الأئمة من القرون الثلاثة الفاضلة- ومقالات شاركوا فيها بعض أهل البدع، ودخلت عليهم من أصحابها، فهؤلاء لا يضافون إلى أهل البدع، وإنما يضافون إلى أهل السنة والجماعة.

فلا بد أن تحقق هذه القاعدة، وهي: أن الاشتراك في الحرف لا يستلزم الاشتراك في المعنى، والاشتراك في مجمل المعنى لا يستلزم الاشتراك في مفصله، وقد تم توضيح هذا في شرح كتاب الإيمان لـأبي عبيد ، فقد بينا أن القول بأن الإيمان قول واعتقاد اشترك فيه كثير من مرجئة الفقهاء والمرجئة المتكلمون، أي: حصل اشتراك بين بينهم في مجمل المعنى ومجمل الحرف، لكن لا يلزم منه أن مفصل المعاني كذلك.

كذلك بعض رجال الرواية والإسناد قالوا: إن أفعال العباد ليست مخلوقة. حتى قال الإمام أحمد : "لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة" وهذا الأصل قد قرره أئمة البدع من المعتزلة. فاشتراك المعتزلة وهؤلاء الرواة في أن أفعال العباد ليست مخلوقة، نقول فيه: هو اشتراك في مجمل المعنى وليس في مفصله؛ ولهذا قول المعتزلة في هذه المسألة أغلظ وأشنع من قول هؤلاء.. وهكذا.

وقوع بعض الأئمة في القول بأقوال مبتدعة

[ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها] .

هذا حرف لابد من الوقوف معه، ومن يلتزم من المعاصرين التبديع لبعض الأعيان المعروفين بالسنة والجماعة لخطأ عرض له، بل لبدعة عرضت له من البدع القولية التي لا تعد من كليات الأصول، وفي أنه لم يلتزم أصلاً مطرداً يعارض السلف في حرفه ومعناه، من التزم تبديع أمثال هؤلاء فإنه يلزمه أن يطرد هذه القاعدة؛ لأن القاعدة لا تفرق بين المعاصر وبين السالف.

فقوله: "ولهذا وقع في مثل هذا" أي: في مثل هذا النوع من البدع التي تعرض عروضاً لمن هو في جمهور أصوله على السنة والجماعة.

حكم من قال بقول مبتدع مع تعصبه له

[لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة؛ بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه].

أي: من نصب بدعةً من البدع واختص بها وتميز بها، وخالف بها جماعة السلف وجماعة أهل السنة والجماعة، فهذا الذي ينتصب هذا الانتصاب، ويوالي ويعادي على طائفته، ويخرج غيره عن دائرة أهل السنة والجماعة فهذا هو صاحب البدعة؛ أما من قال قولاً باجتهاد ولو كان خطأ، ولم يوال ويعاد عليه، وهو في جمهور حاله على السنة فهذا من أهل السنة، بخلاف من والى موافقه وعادى من خالفه فهذا هو طريقة أهل البدع، فإن من أخص الأصول: الاجتماع على السنة والجماعة.

[وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه.. فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات] .

أي: من يلتزم التحيز. وهذه القاعدة تطرد، وهي: أن كل من التزم التحيز بقول من الأقوال، مع معاداة من خالفه فيه، فإنه ينظر في هذا القول، وهو أحد أنواع ثلاثة:

النوع الأول: إما أن يكون من صريح السنن وبينات الهدي وإجماعات السلف القطعية كإجماعهم على الصفات، وعلى أن القرآن ليس مخلوقاً، وعلى أن الإيمان قول وعمل، فالتحيز لمثل هذه الأقوال والانتصاب لها طريق صحيح.

النوع الثاني: أن تكون مقالة هذا المعين الذي انتصب لها وتحيز بها مقالةً بدعية، يعلم خطؤها ومخالفتها لقول السلف، فهذا لا شك أنه يكون ببدعته وتحيزه وامتناعه بها صاحب بدعة.

وقد يقول قائل: لماذا جمعت بين كون مقالته بدعة وانتصابه لها؟ أي: لم لم يكن بواحد منهما؟

قيل: هذا من فقه الشريعة! ألست ترى أن الصحابة لم يكن من ظاهر مذهبهم التكفير لتارك الزكاة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) والأئمة كـمالك وأمثاله ما كانوا يكفرون تارك الزكاة، وهو الذي عليه الجمهور من السلف.

لكن لما امتنع من امتنع ممن ترك الزكاة، ونصبوا امتناعهم، وعادوا به، وقاتلوا عليه كفروا.

فإن قيل: بم كفروا؟ هل بالامتناع أم بالترك؟

قيل: بهما، فهم إنما كفروا باجتماع الموجب الذي اقتضى التكفير.

النوع الثالث، وهو لابد من ضبطه وتفطن طالب العلم له: وهو من يقول قولاً هو اجتهاد -أي: ليس على قوله إجماع للسلف، وليس هو على خلافه وضده، بل هو اجتهاد- واستطاع أن يستدل لهذا الاجتهاد بظاهر من الأدلة الشرعية، فإن الانتصاب لقول من أقوال أهل الاجتهاد في المسائل العلمية أو المسائل العملية، تحيزاً وموالاةً ومعاداةً يعتبر من طرق أهل البدع.

وهذا يقع أحياناً من كثير من التجمعات العلمية أو الحركية: حيث أنهم قد ينتصبون لقول من أقوال أهل الاجتهاد، أو هو قول اجتهادي، يوالون ويعادون عليه، وهذا لا شك أنه خطأ.

وإذا قيل: متى يعرف أن هذا القول من مقامات أهل الاجتهاد؟

قيل: إذا لم ينضبط فيه إجماع، فهو مما يسوغ فيه الاجتهاد في الجملة، وإن كان قد يقال: إن بعض المجتهدين قد أخطئوا.. فهذا مقام آخر.

إذاً المتحصل من هذا: أن الانتصاب والتحيز هو في كثير من الموارد أشد ضلالاً وخروجاً عن مذهب السلف من بعض الحروف القولية أو الفعلية؛ ولهذا من يعظم شأن الحروف ولا يعظم التحيز الذي يصاحب قدراً من الافتراق عن دائرة أهل السنة الشاملة العامة نقول له: هذا التحيز هو أيضاً من البدع؛ لأنه لا موجب له؛ فالذي ينتسب إلى أصول أهل السنة المحققة المجمع عليها لا يحتاج إلى تحيز خاص يختص به هو وجماعته؛ لأن غيره يشاركه في الإجماعات المنضبطة.

وهذا التحيز لا يقع إلا عند من يختص بمقام من الاجتهاد المختص به، وهذا الاجتهاد لا بأس به، لكن التحيز الذي يصاحبه موالاة ومعاداة وتصنيف للآخر... وما إلى ذلك من الملاحقة.. هذا ليس من طرق أهل السنة، بل هو من طرق أهل البدع، وهو مخالف لقول الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] فإن الحبل الذي أمر بالاعتصام به هو المحكم من الشريعة، وهو الأصول المجمع عليها علميةً أو عملية.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح حديث الافتراق [5] للشيخ : يوسف الغفيص

https://audio.islamweb.net