اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , نظرة في تاريخ العقيدة [2] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


نظرة في تاريخ العقيدة [2] - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)
لقد خلق الله تبارك وتعالى أبانا آدم عليه السلام خلقاً كاملاً سوياً في التفكير والتدبير والفهم والمعرفة، فلم يجعله خلقاً متوحشاً، ولا مخلوقاً ناقصاً في العقل شبيهاً بالقرود والحيوانات كما يزعم ذلك من لا خلاق له في العلم والعمل.ثم بعد ذلك عرّفه الله على نفسه، وأمره ونهاه، ولم يتركه إلى عقله وفهمه ليكتشف التوحيد والدين عن طريق التجارب والممارسة، بل علمه الله كل شيء، والأدلة متكاثرة ومتواترة على ذلك، فتباً لعقول معكوسة، وفهوم مركوسة لا تفهم الأمور إلّا بالمقلوب، فصيرت الإنسان قرداً وحيواناً، وجعلت البقرة والفأر إلهاً ورباً معبوداً!!
نبذة مختصرة عن تاريخ العقيدة وأهم مصادرها
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلّا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.لقد شرعنا في الأسبوع الماضي في دارسة البحث المتعلق بتاريخ العقيدة وتاريخ الدين، وذكرنا التخبط الذي يحصل من بعض الباحثين في هذا الباب؛ نتيجة اعتمادهم على أشياء لا يجنون منها سوى التخبط والجهل، ولا تصلح أن يقوم عليها العلم والبحث في طبقات الأرض، أو في تواريخ الأمم القديمة من خلال الحفريات والآثار، أو في تاريخ -كما يزعمون- الأمم المعاصرة، أو الأمم غير المتحضرة، فهي تعكس في زعمهم ما كان عليه الإنسان الأول في عقيدته.وانتهينا إلى أنه لا يوجد هناك مصدر نستطيع من خلاله أن ندرك هذه الأمور على حقيقتها سوى القرآن الكريم.وقلنا: إننا في هذا الباب إذا تأملنا القرآن خرجنا بعدة حقائق، وذكرنا أولى هذه الحقائق وهي: أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم عليه السلام منذ البداية خلقاً سوياً مستقلاً مكتملاً، ثم نفخ فيه من روحه، وأنه خلقه لغاية محددة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن آدم عليه السلام كان مؤهلاً لعبادة الله، ولفهم هذه الرسالة، وللتعرف على ربه عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى عرّف آدم على نفسه منذ اللحظة الأولى، ولم يتركه لفكره وعقله ليتعرف على ربه بطريق التفكير والتأمل، وإنما عرّفه الله سبحانه وتعالى بنفسه منذ الوهلة الأولى، وذكرنا الأدلة على ذلك من القرآن الكريم.ثم تعرضنا للحقيقة الثانية التي نستطيع استنتاجها من القرآن الكريم في هذا الباب وهي: أن كل مولود يولد على فطرة التوحيد، ويولد مهيئاً لقبول عقيدة التوحيد والإسلام.وشرحنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟).ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرءوا إن شئتم: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30].ثم بيّنّا أن هذه الفطرة لا بد أن تكون هي فطرة الإسلام لا غير، وذكرنا الأدلة على ذلك. كذلك ذكرنا قول الله تعالى في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً).
 

الأصل في تاريخ البشرية هو التوحيد والإسلام
كنا قد تعرضنا ضمن الكلام السابق إلى أن التوحيد هو الأصل وأن الشرك طارئ عليه، فاعلم أخي المسلم أنّ التوحيد هو الأصل في تاريخ البشر، كما أن التوحيد مركوز في فطرة كل مولود، فهو الأصل بصفة فردية، وكذلك فيما يتعلق بتاريخ البشرية كلها، والشرك طرأ على الأمم بعد ذلك.فتاريخ الأمة الإسلامية ليس كما يزعم بعض الناس أنه يبدأ من القرن السابع الميلادي ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنّ هذا خطأ فادح، بل إنّ تاريخ الديانة الإسلامية لم تبدأ بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ أربعة عشر قرناً، وإنما بدأت منذ الفجر الأول للبشرية، وذلك مع خلق آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فاللبنة الأولى في تاريخ البشرية والمكونة من آدم وحواء وذريتهما كانت مفطورة على الإسلام، وكذلك كل من جاء بعدهم من الأنبياء والرسل الذين كان لهم شرف حمل رسالة الإسلام، كلهم كانوا على متن هذا الدين، وقد استجاب لهم أقوام عاشوا للإسلام وبالإسلام، ومنهم تكونت أمة الإسلام.إذاً: فالأمة الإسلامية لم تبدأ هذه البداية منذ أربعة عشر قرناً، ولكنها موغلة في القدم، وهي الأصل في تاريخ هذه البشرية كلها. ونزيد الأمر إيضاحاً وذلك بالتدليل من القرآن الكريم على هذه الحقيقة، وهي أن الجيل الأول من البشرية كان على التوحيد: فحينما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض، أنشأ الله من ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص، كما قال سبحانه وتعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة:213] يعني: كانوا على التوحيد وعلى الدين الحق، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213]، وهنا لا بد من أن نقدر كلمة نفهم بها السياق وهي فاختلفوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة:213].وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: نعم، مكلَّم). يعني: كان نبياً مكلماً كموسى عليه السلام، كما في قوله: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253]، فآدم ممن كلمهم الله سبحانه وتعالى، (قال: نعم، مكلم، قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون) يعني: ألف سنة.أخرجه أبو حاتم بن حبان في (صحيحه)، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في (البداية والنهاية): هذا على شرط مسلم ، ولم يخرّجه.
 إرسال الرسل والنذر إلى جميع الأمم
الحقيقة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لم يترك أمة بلا نذير، فآدم عليه السلام هو أول البشر خلقه الله تبارك وتعالى من تراب من غير أب ولا أم، ثم خلق منه زوجه، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، وكانت بداية عيش هذا النوع في الجنة، ثم أهبط إلى الأرض، فعرف آدم ربه في السماء، وتوجه إليه وأناب بعد أن أهبطه الله إلى الأرض، فتولى الله سبحانه وتعالى هذا النوع من خلقه بهداه، إذ لا صلاح له ولا بقاء في هذه الدنيا إلا باتباع هدى الله كما قال عز وجل: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38].وقال تعالى: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]. ومن المعروف أنّ الهدى يأتي دائماً في مقابلة الهوى، وأنّ الهوى يأتي في مقابلة الهدى أو الوحي، والأدلة على ذلك كثيرة جداً، كهذه الآية، ومنها أيضاً قوله تبارك وتعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50]، فإن لم يستجيبوا لك يعني في الوحي. ومنها قوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3] * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4]. وقوله: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى [ص:26].فالله سبحانه وتعالى -كما ذكرنا- لم يخلق الإنسان عبثاً، ولم يتركه سدىً، وإنما خلقه لحكمة وغاية، وامتحنه بالفعل والترك حين أوحى إلى رسله، يقول تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]، يعني: قد أتى، فـ (( هَلْ )) هنا بمعنى: قد، إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:2] * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3]. ويقول تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] .ويقول تعالى: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36]. ويقول أيضاً: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7]. وقال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]. وقال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، يعني: لا يمكن أبداً أن يكون كل هذا الخلق سدى وعبثاً بلا حكمة، ولا أن الله غائب عن خلقه عياذاً بالله، بل الله شهيد على ما تعملون، فهو سبحانه وتعالى يرعى هذه البشرية، ونعمه تعم المؤمنين والكافرين. فكما ذكرنا أنّ أول الخلق هو آدم عليه السلام، وأنه أول الذين اصطفاهم الله وخاطبهم بالوحي، وهو نبي مكلم كما جاء في الحديث. وقال تبارك وتعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:36]. إذاً: فكل أمة قامت عليها الحجة الرسالية، وأما أهل الفترة الذين لم يبلغهم الوحي فحالتهم استثنائية، لكن كل أمة بعث فيها رسول، فأيضاً هذه نظرتنا المغيرة لضلال أصحاب نظرية التطور في العقيدة، فإنهم حينما يتعرضون لديانة قدماء المصريين مثلاً، يتصورون الأمر وكأنهم معذورون، أو كأنهم باحثون عن الحقيقة حتى وصلوا بالفعل، وذلك لما وحدوا الآلهة الثلاثة، وأن أخناتون هو أول من اخترع التوحيد، وهذا كله دجل، وهو يناقض عقيدة المسلمين، ولا يمكن أن يعتقد هذا مسلم. أما نحن فنؤمن أن قدماء المصريين قد قامت عليهم الحجة الرسالية قطعاً، سواء كان ذلك بموسى أو بغيره من الأنبياء، فالله يقول: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24]، ويقول: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36]، و( كُلِّ ) صيغة عموم، أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. فكل أمة قامت عليها الحجة الرسالية، وآثار قدماء المصريين خصوصاً تكشف لنا اعتقادهم في كثير من الأمور الغيبية التي ما كانوا ليؤمنوا بها إلا عن طريق الوحي، كنصب الموازين يوم القيامة وحشر الأجساد وغير ذلك مما تدل عليه النقوش التي تركوها. فتلك تدل على الرسالات الإلهية التي أرسلت إليهم. ويقول تبارك وتعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24]. فالله سبحانه وتعالى منذ خلق الإنسان فقد تعاهده برعايته وعنايته، وشرع له الشرائع السماوية التي تدعوه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.بل لما كانت بعض الأمم لا تناسبها شريعة النبي السابق فإنه يوحي إليها بشريعة جديدة؛ حتى تواكب ما تحتاجه، وكذلك إذا حصل فيها تحريف، فإنه يبعث رسولاً آخر يجدد لهم هذا الدين. لقد تكفل الله سبحانه وتعالى بألّا يعذب أحداً إلا بعد أن تقوم عليه الحجة الرسالية، يقول تعالى: مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]. ويقول تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165].
دعوة جميع الأنبياء والرسل إلى دين الإسلام
لقد دعا كل الرسل والأنبياء إلى دين واحد، وهو دين الإسلام، وهذا هو البحث الذي سنفصله إن شاء الله فيما يلي: فنقول: منذ وجد الشرك والفساد والمعاصي في هذه الأرض، والأنبياء والرسل يدعون الناس جميعاً إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومع ذلك كانوا ينهون أيضاً عن كل صور الفساد في الأرض.والحقيقة التي ينبغي أن نتنبه لها أيضاً هي أن هؤلاء الذين كانوا يتبعون الرسل، كانوا مؤمنين، فكل من اتبع الرسل في أي أمة من الأمم الخالية فإنهم مؤمنون.وكذلك الأنبياء كانوا أول المؤمنين بلا شك، فنوح عليه السلام كان مؤمناً، وكان الذين اتبعوه من قومه مؤمنين، وكذلك إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء والمرسلين وخليل الرحمن كان مؤمناً، وكذلك إسماعيل عليه السلام كان مؤمناً مسلماً، وكذلك إسحاق ويعقوب وموسى، وكذلك كان الأنبياء من بعده إلى عيسى.لقد كان الأنبياء عليهم السلام من نوح إلى بعثة عيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، هؤلاء أجمعون كانوا مؤمنين، وكان أتباعهم مؤمنين، حتى بعث الله تبارك وتعالى إلى البشرية كلها خاتمهم وسيدهم محمداً صلى الله عليه وسلم مؤمناً، وأتباعه مؤمنون، واليوم في عصرنا هذا يعرف الذين انتسبوا إلى موسى عليه السلام باليهود ، وأحياناً يسمونهم الموسويين، ويعرف الذين انتسبوا إلى المسيح عليه السلام بـالنصارى، ويسمونهم خطأً بالمسيحيين، ويعرف الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بالمسلمين، وكل يؤمن أن دينه هو الدين المرضي عند الله تبارك وتعالى.إذاً: فكلنا متفقون يهود ونصارى ومسلمون على أن آدم ونوحاً وجميع الأنبياء الذين أتوا بعد نوح عليه السلام إلى موسى كلهم أنبياء الله، وهؤلاء كلهم كانوا مؤمنين، ثم بعث الله تعالى عيسى عليه السلام أيضاً، فأتباعه مؤمنون، وعيسى كان مؤمناً، كذلك بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.فكل دين من الأديان الثلاثة يقول: إن دينه هو الإيمان، وأن أتباعه هم المؤمنون، فلا يستطيع مسلم ولا يهودي ولا نصراني أن ينفي الإيمان عن نوح، ولا عن إبراهيم، ولا عن إسماعيل، ولا عن إسحاق، ولا عن يعقوب ولا عن غيرهم من الأنبياء قبل موسى عليه السلام، فالجميع متفقون على أن هؤلاء أنبياء الله، وأنهم كانوا على دين الحق، وأن من تبعوهم كانوا مؤمنين، وأنهم كانوا على الدين المرضي عند الله عز وجل، وفي نفس الوقت لا يستطيع أحد منهم أن ينسب إبراهيم عليه السلام أو نوحاً أو هوداً أو صالحاً أو شعيباً أو غيرهم من الأنبياء بأنهم كانوا يهوداً؛ لأن اليهودية لم توجد إلا بعد موسى عليه السلام، وكذلك لا نستطيع أن نقول: إنهم كانوا نصارى؛ لأن النصرانية إنما وُجدت بعدهم، فاليهودية والنصرانية لم تكن قد عرفت بعدُ في عهد أي واحد من هؤلاء الأنبياء قبل موسى عليه السلام.وهنا سؤال يفرض نفسه وهو: ما هو الدين الذي آمن به الأنبياء من زمن آدم عليه السلام إلى آخر نبي بعث قبل موسى عليه السلام؟ ما هو دين هؤلاء الأنبياء الذين يتفق اليهود والنصارى والمسلمون على أنه دين الله، وعلى أنه هو الدين المقبول المرضي عند الله سبحانه وتعالى؟فلم يرد في توراة اليهود ولا إنجيل النصارى الحاليين إثبات لاسم هذه الدين الذي آمن به هؤلاء الأنبياء ومن تبعهم، فكيف نستطيع معرفة هذا الدين؟الجواب: السبيل إلى التعرف على هذا الدين هو التفكر في هذا الدين: ما حقيقته؟ وما مقاصده؟ فنحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أرسل هؤلاء الأنبياء إلى أممهم أرسلهم بعقيدة واحدة وهي توحيد الله عز وجل، وبشرائع يدعون الناس إليها فيها أوامر الله، وفيها نواهيه، فمن قبل هذا التوحيد وهذه الشرائع فهو المؤمن الذي آمن بالله ورسوله المبعوث إليه، ودان بالدين الذي يرتضيه الله عز وجل ويقبله، فهذا الدين هو توحيد الله، والانقياد لشرائع الله، والاستسلام لحكمه والخضوع لأمره ونهيه، والإخلاص له عز وجل في ذلك كله.
 العقائد الأرضية المحرفة هي التي تقبل التعدد
الأمر الخامس والأخير الذي نستخلصه هو: أن هذه العقائد الأرضية والمحرفة هي التي تقبل التعدد، فيصح أن نسميها أديان، فنقول: الأديان الأرضية، والأديان الباطلة.وقد سمى الله عز وجل الوثنية ديناً، فقال سبحانه وتعالى مخاطباً مشركي قريش: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6].وليس المقصود منها إقرار الكفار على دينهم كما يفهم بعض الجهلة، وبعض الناس إذا أراد أن يفارق شخصاً فإنه يقول له: يا عم! لكم دينكم ولي دين!! والمقصود من قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون:6]، أي: الباطل الذي أنا بريء منه، وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6]، أي: دين الحق، يعني: أنتم بريئون مما أعمل، وأنا برئ مما تعملون.وقال سبحانه وتعالى أيضاً حاكياً عن فرعون: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26]، فسمى ما كان عليه وقومه ديناً.وكذلك قال سبحانه وتعالى في حق يوسف عليه السلام: مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76] يعني: في نظام وشريعة الملك، فسماه أيضاً ديناً، فكل منهج يوضع للناس كي يسلكونه، وينظم حياتهم وعقائدهم فإنه يسمى ديناً، فالاشتراكية دين، والناصرية دين، والوجودية دين، فكل مذهب يخالف دين الإسلام فهو دين، سواء كانت مذاهب نفسيه أو فكرية أو اقتصادية، فهذه أديان يدينون بها ويخضعون لها، وهذه المذاهب تخالف دين الإسلام في شموله ونقائه وخلقه.فهذا ما تيسر اليوم من كلام في هذه القضية، وبهذا تقريباً نكون قد أنهينا الكلام في مسألة تاريخ الأديان وما يكتنفها من انحرافات في الفهم، وأهم النقاط التي ينبغي أن نلتفت إليها عند دراسة هذه القضية.
الأسئلة

 صلاة الحاجة
السؤال: ما حال الحديث الوارد في صلاة الحاجة؟الجواب: الحديث الوارد في صلاة الحاجة لا يصح، لكن من السنة أن الإنسان قبل أن يدعو الله تبارك وتعالى أن يتقرب إليه بعمل صالح، سواء كان صلاة أو غيرها، فمن هذه الحيثية يمكن أن تتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بعمل صالح قبل أن تدعوه، سواء كان الصلاة ركعتين مثلاً، أو أكثر، أو قيام، أو قراءة قرآن، أو صدقة، أو أي عمل صالح تقوم به قبل الدعاء، فهذا أرجى لقبوله واستجابته. والله تعالى أعلم. وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , نظرة في تاريخ العقيدة [2] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net