إسلام ويب

جاءت الشريعة برفع الضرر عن الناس ومنع الإضرار بهم، وقد قعد الفقهاء لذلك قواعد شرعية عظيمة، ومن رفع الضرر عن الناس أنه لا يعطى الحق لمدعيه دون بينة، بل الأصل براءة ساحة المدعى عليه حتى يثبت عليه الحق، ولذا قبلت الشريعة منه يمينه دفعاً للتهمة الموجهة إليه إن لم يثبت الحق عليه.

شرح حديث (لا ضرر ولا ضرار)

يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) ].

هذا الحديث حديث عظيم مشتمل على كلمات فيها نفي الضرر والضرار، وهو من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مشتمل على قاعدة من قواعد الشريعة، وهي رفع الضرر والضرار، وهو خبر بمعنى النهي، أي: النهي عن الضرر والضرار.

معنى الضرر والضرار

الضرر والضرار قيل: إنَّ معناهما واحد، وإن الثاني تأكيد للأول.

وقيل: إن بينهما فرقاً، فالضرر هو ما حصل بقصد أو بدون قصد. فمن الأشياء التي يحصل الضرر بها من غير قصد أن يكون الإنسان عنده -مثلاً- شجر يسقيه، فيتسرب الماء من تحت الجدار إلى الجار فيتضرر به الجار، ففاعله ما كان يدري بهذا الضرر الذي قد حصل وما كان يقصده، فهو ضرر من غير قصد.

فإن علم به ولم يسع إلى إزالته فحينئذٍ يكون الضرر بقصد؛ وأما الضرار فقد يحصل من الجانبين، بأن يسعى كل من الطرفين إلى الإضرار بصاحبه ووصول الضرر إليه، وقد يكون من جانب واحد، وذلك بأن يقصد المرء الإضرار بغيره، كما جاء في القرآن الكريم، وذلك كالإضرار بالوصية بأن يوصي وصية يريد بها الإضرار بالورثة، ولهذا جاء في القرآن: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ [النساء:12].

الأمر برفع الضرر

الحديث مشتمل على قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر قد يأتي بمعنى الخبر، كما أنَّ الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، ومن الأول ما جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فإن مما قيل في قوله: (فاصنع) أنه أمر بمعنى الخبر، ومعنى ذلك أن الإنسان الذي لا يستحي فإنه يصنع ما يشاء، فهو أمر بمعنى الخبر، وليس المقصود بالأمر ظاهره.

وهنا خبر بمعنى الأمر، ومعناه النهي عن الضرر والضرار، ومثله قول الله عز وجل: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ [البقرة:197] فهو خبر بمعنى النهي عن الرفث والفسوق والجدال، يعني: فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل. وهنا قوله: (لا ضرر ولا إضرار) يعني: لا يحصل منه ضرر ولا يحصل منه إضرار. فهو نهي عن الضرر ونهي عن الضرار.

والحديث يدل على رفع الضرر والضرار، وعلى أن الواجب على المسلم ألا يحصل منه ضرر ولا ضرار لغيره، بل يحرص على ألا يحصل الضرر منه لا بقصد ولا بغير قصد.

شرح حديث ابن عباس في البينة على المدعي واليمين على المنكر

يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ].

ذكر الإمام النووي أن هذا الحديث رواه البيهقي بهذا اللفظ، أي بلفظ: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، قال النووي : وبعضه في الصحيحين، فقد جاء في الصحيحين: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن اليمين على المدعى عليه) هكذا عند البخاري وعند مسلم ، فأكثره في الصحيحين، وإنما الذي ليس في الصحيحين جملة (البينة على المدعي).

وجاء في الصحيحين -أيضاً- ذكر البينة على المدعي، وذلك في حديث الأشعث بن قيس رضي الله عنه: أنَّه وقع خلاف أو خصومة بينه وبين ابن عم له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بينتك أو يمينه) يعني: عليك البينة، فإن أتيت بها وإلا فلك يمينه.

فقوله: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) هذا هو لفظ البيهقي ، وقد جاء عنده بعدة ألفاظ منها هذا اللفظ.

وقول النووي : [ وبعضه في الصحيحين ] لعله يشير إلى الحديث الذي فيه: (اليمين على المدعى عليه) فرواية الصحيحين (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن اليمين على المدعى عليه) معناها: أن أكثر الحديث في الصحيحين، لكن ليس فيه هذه الجملة، وهي (البينة على المدعي).

لكنها -كما قلت- موجودة في الصحيحين من حديث الأشعث بن قيس ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينتك أو يمينه)، وفي بعض الألفاظ: (شاهداك أو يمين)، لكن لفظ البينة أعم من الشاهدين؛ لأنها تشمل كل ما يبين الحق من شهود وقرائن وغير ذلك.

بيان معنى المدعي والمدعى عليه والأثر المترتب على ذلك

والمدعي هو الذي إذا سكت ترك، والمدعى عليه هو الذي إذا سكت لم يترك، بمعنى أن المدعي صاحب الحق لو أنه لم يطالب فإنه لا يقال له: لا بد من أن تطالب، بل له أن يطالب وله أن لا يطالب، فإذا سكت ترك.

لكن المدعى عليه إذا سكت لا يترك، بل المدعي يلاحقه ويطالبه، فسكوته -أي: المدعى عليه- لا يحصل تركه به، وإنما الذي إذا سكت ترك هو المدعي، فليس لأحد أن يلزمه ويقول: لا بد من أن تخاصم، ولا بد من أن تدعي على فلان بكذا وكذا. فهو إن طالب أقام الدعوى وطلب منه الشهود، وإن لم يطالب فإنه يترك، لكن المدعى عليه لا يترك لو سكت؛ لأنه مدعى عليه، فيطلب منه الحق إن أقر، وإن لم يقر وحصل الشهود فإنه يلزم بدفع الحق، وإن لم يكن هناك شهود فإنه يطلب منه اليمين.

وهذا الحديث حديث عظيم، وهو أصل في باب القضاء، وهو مرجع للحكام وطريق للحكم، وذلك أن القاضي يطالب المدعي بالبينة، وإذا لم يستطع إقامة البينة فإنَّه يطلب من المدعى عليه أن يحلف، فإن حلف برئت ساحته من الدعوى أمام القضاء، وإن لم يحلف قضي عليه بالنكول، وإذا نكل عن اليمين قضي عليه وألزم.

فالدعوى إذا أقيمت على المدعى عليه إن اعترف فحينئذٍ لا يحتاج إلى شهود أو يمين؛ لأن المدعى عليه اعترف وأقر، فإذا حصل منه الإقرار فإن الحق ثابت عليه بإقراره، وإن أنكر ولم يقر طلب من المدعي البينة، والبينة هي أي شيء يبين الحق ويوضحه ويدل عليه من شهود أو قرائن أو غير ذلك.

فإن أتى المدعي بالبينة حكم على المدعى عليه وألزم بدفع المدعى بناء على البينة التي أقامها المدعي، وإن لم يكن هناك بينة ولم يحصل الإقرار من المدعى عليه فعند ذلك يطلب من المدعى عليه اليمين، فإن حلف برئت ساحته أمام القضاء من الدعوى، فلا يطالب بعدها بشيء.

وإن لم يحلف ونكل عن اليمين حكم عليه وألزم بدفع المدعى عليه؛ لأنه ما دافع عن نفسه باليمين، بل امتنع من اليمين، فتعين عليه المدعى، وعليه أن يقوم بدفعه.

مواضع الاستثناء من كون البينة على المدعي

يستثنى من كون المدعي يكون عليه البينة بعض المواضع، ففي بعض الأحيان لا يحتاج إلى بينة، فالمدعي لا يحتاج إلى بينة إذا كان الحق لا يعرف إلا من طريقه، مثل المرأة المعتدة بالأقراء -وهي الحِيَضُ- إذا أخبرت بأنها خرجت من العدة؛ لأن هذا لا يعرف إلا من طريقها، وليس عليها أن تقيم بينة، بل هذا شيء لا يعرف إلا من طريقها.

ومثل الصبي إذا ادعى أنه بلغ بالاحتلام؛ لأن هذا لا يعرف إلا من طريقه، فإذا قال: إنه بلغ بكونه حصل له الاحتلام، فإنه يعتبر بالغاً ولو لم يكن له خمس عشرة سنة.

ومثل المودع الذي هو أمين إذا أخبر بأن الأمانة التي عنده اعتدى عليها اللصوص وسرقوها، أو أنه اعتدي عليه وأخذت منه، فإنه يصدق ولا يحتاج إلى إقامة بينة؛ لأنه أمين، والأمين مصدق فيما يقول، نعم إن عرف منه تفريط في حفظ الأمانة، وأنه مخل بذلك فإنه يؤاخذ بإخلاله بحفظ الأمانة. أما إذا لم يحصل منه إخلال بالمحافظة على الأمانة ولكن جاء لصوص وسرقوها منه وادعى أنها سرقت منه فإنه يصدق بذلك.

فالحاصل أن الأصل أن البينة على المدعي، ولكنه في بعض المسائل يصدق بدون بينة فيما إذا كان ذلك لا يعرف إلا من طريقه.

معنى قوله: (لو يعطى الناس بدعواهم)

قوله صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم) معناه: لو كانت القضية قضية دعوى لأمكن كل من يريد أن ينال من إنسان أو يأخذ شيئاً من إنسان أن يدعي بأن له عند فلان كذا، أو أن فلاناً هو الذي قتل أباه أو قتل ابنه، أو ما إلى ذلك من الدعاوى، لكن لا يعطى الناس بدعواهم، ولا يعطى الرجال بدعواهم، وإنما لابد من البينة على المدعي، إلا في الأمور التي أشرنا إلى أنها مستثناة من كون المدعي عليه البينة، وذلك في الأمور التي لا تعرف إلا من طريق المدعي، وقد ذكر العلماء جملة منها وما سبق ذكره هو من أمثلتها.

مفهوم لفظ الرجال في قوله: (لادعى رجال)

قوله: (رجال) لا مفهوم له؛ لأن النساء كذلك يمكن أن يدعين، فإذاً لا مفهوم لذكر الرجال هنا، وإنما ذكر الرجال لأن الغالب هو أن يكون الخطاب مع الرجال، وإلا فإن النساء مثل الرجال أيضاً، فيمكن أن تدعي المرأة دماً أو مالاً.

إذاً: لو كان مجرد الدعوى معتبراً لأمكن كل أحدٍ أن يدعي أموال ودماء الناس، لكن هناك شيء يفصل، وهو البينة التي يحضرها المدعي، وإن لم يحصل إقراراً من المدعى عليه فإن الأمر ينتهي إلى أن يحلف المدعى عليه وتبرأ ساحته، وإن لم يحلف ونكل قضي عليه بالنكول.

فقوله صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) حديث عظيم، وأصل في باب الحكم وفي باب القضاء والفصل بين الناس، وهو منهج واضح جلي بينه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم.

طلب البينة في الأمور الدينية

كما أن البينة تكون مطلوبة في أمور الدنيا فإنها مطلوبة في أمور الدين، وذلك أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام لا تقبل دعواه دون أن يقيم البينة، والبينة هي اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن ادعى محبة الله ورسوله فالبينة التي تدل على صدقه أن يكون متابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يكون سائراً على نهج الرسول عليه الصلاة والسلام، هذه هي البينة، ليس كل من يدعي أنه محب للرسول صلى الله عليه وسلم يكون صادقاً في ذلك؛ لأن من الناس من يدعي محبته صلى الله عليه وسلم، وعلامتها عنده ارتكاب أمور مبتدعة، أو أمور محرمة غير سائغة مستنده فيها دعواه أنه يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه يأتي بالبدع، فيأتي -مثلاً- يتمسح بالجدران التي عند قبره، ويقول: أنا أحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يعصي الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فهذه ليست علامة المحبة.

يحتفل بميلاده صلى الله عليه وسلم ويقول: أنا أحبه. وهذه ليست علامة المحبة، فالمحبة هي الاتباع، قال الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] وهذه الآية يسميها بعض العلماء: آية الامتحان والاختبار، وهي أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه أن يقيم البينة، والبينة هي الاتباع قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] فالبينة والعلامة على محبته للرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون متبعاً له، سائراً على نهجه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

وعلى هذا فإن الدعاوى بدون بينات لا عبرة بها ولا قيمة لها، وإنما المعول عليه في الدعاوى هو البينات التي يأتي بها المدعي، فإذا أتى المدعي بالبينة على دعواه فعند ذلك تكون الدعوى صحيحة ويكون صادقاً فيما يقول، وأما إذا كانت الدعوى مجرد كلام ولم يأت بالبينة فيما يتعلق بأمور الدنيا -وهي الشهود وغير ذلك مما يثبت به الحق- وكذلك -أيضاً- في أمور الدين، حيث يدعي محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مخالف لمنهجهه وطريقته وسنته صلى الله عليه وسلم فإن هذه مجرد دعوى ولا عبرة بها، وإنما تكون الدعوى معتبرة إذا أقيمت البينة على ذلك، والبينة على ذلك هي اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

فقوله: فَاتَّبِعُونِي هذا هو الدليل على صدق المحبة، فإذا وجد الاتباع فإن الدعوى قد أقيمت عليها البينة، وإن وجدت الدعوى ولكن وجد ما يخالفها ووجدت معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن هذا ينافي المحبة، ولا يكون الإنسان صادقاً في دعواه بأنه يحب الرسول صلوات وسلامه وبركاته عليه.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأسئلة

ما يفعله القاضي إذا ثبتت البينة وحلف المدعى عليه منكراً

السؤال: إذا ادعى شخص دعوى وأتى بالبينة، وحلف المدعى عليه منكراً، فكيف يحكم القاضي في هذه الحالة؟

الجواب: المدعى عليه لا تطلب منه اليمين إلا إذا فقدت البينة، فإذا لم توجد البينة فعند ذلك يطلب من المدعى عليه أن يحلف، أما إذا وجدت البينة فلا يطلب من المدعى عليه الحلف، ولو حلف المدعى عليه بدون استحلاف فإنه لا عبرة بهذا الحلف؛ لأنه لا يحلف إلا إذا استحلف، وهو إنما يستحلف إذا عدمت البينة. فالقاضي عندما يأتيه الخصوم يبدأ أولاً في معرفة كون المدعى عليه مقراً أو منكراً، فإن كان مقراً بالحق انتهى الأمر؛ لأن الإقرار لا حاجة إلى شيء وراءه، فمادام أن المدعى عليه مقر فقد انتهت الدعوى، ويطلب منه دفع الحق إلى المدعي.

أما إذا أنكر فإنه يطلب من المدعي أن يأتي بالبينة، فإن أتى بالبينة حكم بها على المدعى عليه، وألزم بدفع الشيء المدعى، فإن لم يأت المدعي بالبينة عند ذلك يطلب من المدعى عليه أن يحلف، فإن حلف برئت ساحته، وإن لم يحلف وامتنع من الحلف ونكل عن اليمين قضي عليه بالنكول وألزم بدفع الشيء الذي ادعي عليه؛ لأنه ما برأ ساحته باليمين.

حكم اليمين إن كان صاحبها فاجراً

السؤال: إذا كان المدعى عليه فاجراً لا يخاف الله عز وجل، فهل يعتمد على يمينه؟

الجواب: إذا لم تكن هناك بينة فليس للمدعي إلا اليمين.

معنى البينة

السؤال: ما معنى البينة؟

الجواب: البينة هي كل شيء يبين الحق ويظهره ويدل عليه، وتكون بالقرائن والعلامات التي تدل على ذلك، ولـابن القيم كتاب اسمه (الطرق الحكمية) مخصص للطرق التي يحصل بها الحكم، سواءٌ حصل بالشهود أو بالفراسة أو بالقرائن، وهو من أحسن ما كتب في الطرق التي يحكم بها، ومنها الفراسة ومعرفة المحق من المبطل.

كما جاء في الصحيحين في قصة امرأتين إحداهما كبرى والثانية صغرى، وكان لكل واحدة منهما ولد، فجاء الذئب وأخذ ولد الكبيرة منهما، فادعت الكبيرة أن الذي مع الصغيرة هو ولدها، وكانت كل واحدة تقول: إنه ولدها. فالكبيرة تقول: إنه ولدها. والصغيرة تقول: إنه ولدها. وكل واحدة تقول: إن الذئب أخذ ولد الثانية.

فاحتكمتا إلى نبي الله سليمان عليه السلام فقال: ائتوني بسكين. فقالتا: ماذا تعمل بها؟ قال: أقسمه بينكما. فقالت الكبرى: نعم شقه بيننا. وقالت الصغرى: يرحمك الله! هو ولدها. فعرف أن الكبرى كاذبة لأنها لن تخسر فقده، وعرف أن الصغرى أمه، فقضى به للصغرى.

فهذا مما يبين الحكم، وهو من البينة؛ لأن البينة قد تكون بأمارات وقرائن وقد تكون بشهود، فهذا أبان أن الولد للصغرى لا للكبرى؛ لأن الأم لا تريد أن يقتل ابنها، بل أرادت أن يبقى حياً ولو كان عند غيرها. وأما تلك فإنها لا تبالي بقتله؛ لأنه ليس ولداً لها. فعرف عليه الصلاة والسلام أن هذه أمه وأن تلك ليست أمه.

وقد بوب على هذا بعض العلماء بقوله: (باب إذا قال الحاكم: أفعلُ كذا وهو لا يريد أن يفعل من أجل أن يستظهر الحق) وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في مقدمة الكتاب قصصاً كثيرة من الفراسة، ومن فراسة القضاة التي بها يستظهرون ويعرفون المحق من المبطل.

حكم اعتبار البصمات والتحليلات الطبية في الإثباتات

السؤال: هل تعتبر البينة بالبصمات والتحليل والتشريح ونحو ذلك من الأمور العصرية؟

الجواب: هذه قرائن، والقرائن إنما يستأنس بها ويوجه الاتهام بها، لكنها لا تكفي في الحكم.

أما التصوير فليس كل تصوير صحيحاً؛ إذ هناك ما يسمى اليوم بالدبلجة، حيث يتم بواسطتها إظهار الصورة على خلاف الواقع، فلا يصح اعتبار التصوير.

استثناء القسامة من كون البينة على المدعي

السؤال: ما وجه الاستثناء في قوله صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة) ؟

الجواب: القسامة من جملة الأشياء التي تستثنى من كون اليمين على المدعي عليه، فاليمين هي في الأصل على المدعى عليه، وفي القسامة على المدعي وليست على المدعى عليه.

فيبدأ القاضي بالمدعين ويطلب منهم الأيمان الخمسين، بأن يحلف خمسون منهم، وذلك لوجود اللوث الذي هو بينة ناقصة أو قرينة تدل على أن المدعى عليهم يحتمل أن يكون مرتكبين للجريمة وأن الحق عليهم، فوجود اللوث -وهو كون القتيل موجوداً بين أظهرهم أو قريباً منهم- شبهة في كونهم القاتلين، وحينئذٍ يحلف المدعون خمسين يميناً، فلا يحلف المدعى عليهم، وإنما توجه اليمين إلى المدعين لأنه وجد عندهم شيء يقوي جانبهم.

وذلك مثله أن يوجد شاهد واحد، فإنه يطلب من المدعي أن يحلف، ويكون ذلك مضموماً إلى تلك البينة الناقصة التي هي شاهد واحد.

ثبوت القول والفعل بالشهادة

السؤال: إذا شهد رجلان على رجل بأنه قال كلاماً ما، وحلف هذا الرجل أنه ما قال هذا الكلام، فكيف يتعامل مع مثل هذه القضية؟

الجواب: المدعى عليه لا يحلف إلا إذا لم توجد البينة، أما إذا وجدت البينة فإنه لا يقبل قوله إلا إذا كان الشهود مجروحين، إذا كان الشهود مجروحين بأن أتى بشيءٍ يجرحها فعند ذلك لا تعتبر شهادتهم؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، فالقدح في الشاهد قدح في شهادته، كما أن القدح في الصحابة قدح في الكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول. ولهذا يقول أبو زرعة الرازي : إذا رأيتم من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والكتاب حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء -أي: الذين يقدحون في الصحابة- يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة.

يعني: أنه قدح في الناقل وقدح في المنقول، فإذا كان المدعى عليه قدح في الشهود، وكان قدحه معتبراً فعند ذلك يكون وجود شهادتهم مثل عدمها.

معنى عدالة الشهود في باب القضاء

السؤال: إذا كان لابد من اشتراط عدالة الشهود فما هو نوع العدالة؟ وهل هي ما قرره علماء الحديث في قبول حديث الرجل، أو يكتفى بأن يعرف الرجل بالأمانة وما أشبه ذلك؟

الجواب: إذا لم يعترض المدعى عليه على شهادة الشاهد، ولم يذكر شيئاً يجرحه به، أو زكي الشاهد من قبل أناس يعرفونه ولم يعترض المدعى عليه؛ فحينئذٍ يعمل بالشهادة.

لزوم عودة طلبة العلم إلى العلماء لأخذ الدليل عند خفائه عليهم

السؤال: يحدث الخلاف بين طلبة العلم في المسائل المختلف فيها، فيطلب أحدهما من الآخر أن يأتي بالبينة -أي: بالدليل- فيقول الآخر: بل أنت الذي تأتي بالدليل. فمن المطالب بالدليل؟

الجواب: إذا كان الأمر غير واضح بين طلبة العلم؛ فإن عليهم أن يرجعوا في ذلك إلى أهل العلم ليبينوا لهم الحق في هذه المسألة، والقول الراجح فيها، والدليل على ذلك.

استثناء أهل الصلاح والتقى من كون البينة على المدعي

السؤال: إذا ادعى شخص على آخر دعوى ولم يأت بالبينة، فهل يجوز للمدعى عليه أن يرفع دعوى من أجل اتهامه له بغير بينة؟

الجواب: ذكر العلماء أن اليمين على المدعى عليه مطلقاً، ومن العلماء من قال: إنه يستثنى من ذلك ما إذا ادعي على أهل الصلاح والتقى من قبل بعض أهل الفساد، فلا يقبل كلام هؤلاء ليحلف المدعى عليهم؛ لأن ذلك فيه إهانة لأهل الصلاح، وقد يقصد بعض الفساق الإضرار بالأخيار فيدعون عليهم دعاوى؛ فيترتب على ذلك أنهم يستحلفونهم.

فمن العلماء من قال: إن هذا يستثنى من مسألة كون اليمين على المدعى عليه، لا سيما في الأمور التي لا تليق بذلك المدعى عليه.

حكم تحليف المدعى عليهم عند قبور الأولياء ومشاهدهم

السؤال: ما حكم تحليف المدعى عليهم عند قبور الأولياء ومشاهدهم لإثبات الحق عليهم؟

الجواب: هذا العمل لا يجوز؛ لأن معناه أنه تعظيم للقبور، وهذا إنما يحصل من المفتونين بالقبور والذين يغلون في أصحاب القبور.

وقد يقال: إن ذلك قد تحفظ به حقوق الناس؛ إذ إن المدعى عليه لو طلب منه اليمين عند المنبر في بيت الله لحلف كاذباً، لكن إذا طلب منه اليمين عند من يعظمه في قلبه من أصحاب القبور؛ فإنه لا يجرؤ على أن يحلف كاذباً، ومن ثم تؤدى الحقوق.

وأقول: إنَّ هذا أشد وأعظم سوءاً، فإذا كان المكان الفاضل ليس له اعتبار عنده وهو يرى الشيء الذي لا يجوز هو المعتبر، فمعنى ذلك أن الأمر قد انتكس وانقلب، وفاعل هذا من جنس أولئك الذين إذا حُلَّفوا بالله سهل عليهم الحلف، وإذا حُلَّفوا ببعض المخلوقين الذين يعظمونهم صعب عليهم أن يحلفوا، ويمتنعون عن الحلف، فيكون الحلف بغير الله أعظم من الحلف بالله عند هذا الذي يكون بهذه المثابة، والعياذ بالله.

فمثل هذا الفعل لا يجوز، حتى وإن قيل: إنه قد تحفظ به الحقوق، فلا يجوز الحلف بغير الله تعالى ولا عند القبور.

ترك التحاكم إلى من لا يحكم بشريعة الله تعالى

السؤال: بلدنا لا يحكم حكامه بشرع الله، فإذا تحاكمت إلى قوانينهم لا يعطونك الحق وإن كنت على بينة، ولو حلفت لهم فإنهم لا يعتبرون بحلفك، خاصة إذا رأوك ملتزماً بالسنة، فأنا لا أريد أن أتحاكم إليهم، فهل يعتبر ذلك خروجاً عن طاعة ولاة الأمر؟

الجواب: إذا كنت مدعياً فالمدعي هو الذي إذا سكت ترك، وكيف يكون خروجاً على ولاة الأمر إذا لم تقم دعوى عند المحاكم القانونية الباطلة المحرمة؟!

بل لا يجوز لك أن تقيم الدعوى عندها وأن تتحاكم إلى غير ما أنزل الله عز وجل، ومن ابتلي بشيء من هذا فكان مدعى عليه فإنه لا يستطيع الامتناع. وأما إذا كان مدعياً فإنه يستطيع أن يترك، ولا أحد يلزمه بأن يتقدم؛ لأن المدعي إذا سكت ترك، والمدعى عليه إذا سكت لم يترك.

فمن ابتلى بدعوى عليه في مثل تلك البلاد فعليه أن يسعى ويحرص على الصلح بينه وبين خصمه فينهيان النزاع بالصلح، أو يتفقان على شخص عنده علم بالشريعة يحكم بينهما ويأخذان بحكمه.

هذه هي الطريقة التي على الإنسان أن يسلكها فيما يتعلق بكونه مدعى عليه وليس أمامه إلا محاكم تحكم بغير ما أنزل الله، فإنه يسلك هذا المسلك، إما صلح بينه وبين خصمه، وإما أن يتفقا على تحكيم من عنده علم بالشريعة فيتحاكما إليه وينفذا حكمه.

حكم التحاكم إلى الأعراف القبلية

السؤال: ما حكم الحكم بالأعراف القبلية، مثل أن يحكم على شخص بمال تعويضاً عن أي حق؟

الشيخ: الأحكام لا تكون بأعراف قبلية ولا بغير أعراف قبلية، بل الحكم بما أنزل الله هو الحكم الواجب.

الحلف بوضع اليد على المصحف

السؤال: في بعض البلدان يلزمون حالف اليمين بأن يضع يده على المصحف، فهل هذه الكيفية صحيحة شرعاً؟

الجواب: لا أعلم دليلاً يدل عليها، ولكن ينبغي للإنسان أن يحلف بدون أن يضع يده على مصحف.

حلق اللحية وأثره على العدالة

السؤال: يذكر في كتب الفقه أن حالق اللحية لا تقبل شهادته، فهل حلقها يعتبر مسقطاً للعدالة في الشهود؟

الجواب: إذا قدح المدعى عليه في الشاهد بهذا الذي فيه فإن قدحه معتبر، وإذا كان المدعى عليه مثله فليس له الاعتراض عليه؛ لأنها شهادة شخص على شخص من جنسه.

حكم من ثبت عليه سب الله جل جلاله

السؤال: سمعت رجلاً يسب الله عز وجل شأنه -والعياذ بالله- وعندي شهود، فهل أناصحه أم أذهب إلى المحكمة وأشهد عليه؟

الجواب: إذا كان ذلك صدر منه متعمداً وليس بسبق لسان، فكونه يرفع أمره إلى المحكمة وإلى الوالي لا شك أنَّه مطلوب. فإذا نصح وقيل له: كيف تفعل هذا؟ وكيف يحصل هذا منك؟ ثم عرف اتصافه بذلك وتكرر ذلك منه فإنه يرفع أمره إلى الحاكم.

إبطال الحلف بالبينة بعد مدة

السؤال: إذا حلَّف الرجلُ الرجلَ ثم بعد سنة أتى ببينة هل يبطل الحلف؟

الجواب: نعم يبطل الحلف؛ لأنه إنما استحلف لكون البنية غير موجودة، فإذا وجدت البينة فإنه يصار إليها، والحق لا يضيع لمجرد الحلف مادام أن البينة على الحق قد ظهرت.

حكم تحليف المرء بشيخه إذا كان لا يتورع عن الحلف بالله فاجراً

السؤال: عندنا بعض الصوفية لا يتورع عن الحلف بالله أو بكتابه، لكن يتورع عن الحلف بشيخه، فهل يجوز تحليفه بهذه الصيغة: (أستحلفك بالله الذي خلق الشيخ الفلاني)؟

الجواب: الله خالق كل شيء، فهو خالق ذلك الشيخ وخالق كل شيء، فإذا كان ذلك يؤثر فيه فهو حلف بالله، والحلف بالله بأي صيغة يصح ويعتبر، فإن كان ذلك يؤثر فيه فليس به بأس.

حكم الترافع إلى المحاكم القانونية عند عدم الوصول إلى الحق بدونها

السؤال: إذا لم يرد المدعى عليه الصلح، ولم يلتزم بالتحاكم إلى من عنده علم، ولم يكن للمدعي الوصول إلى حقه إلا عن طريق المحاكم القانونية، فهل يجوز له الترافع إليها؟

الجواب: مادام أنها تحكم بغير ما أنزل الله فإنه لا يترافع إليها، لكن يمكن أن يرجع إلى بعض الناس الذين لهم صلة بالمدعى عليه ويطلب منهم أن يتوسطوا بين المدعي والمدعى عليه، بحيث يصيران إلى صلح، أو يصيران إلى تحاكم إلى من يحكم بما أنزل الله.

حكم تناقض شهادة الشاهدين

السؤال: إذا تناقضت شهادة الشاهدين، فهل يأخذ القاضي بمثل هذه الشهادة؟

الجواب: قضية الشهود ومعرفة كونهم صادقين أو كاذبين يرجع فيها إلى القاضي وفراسته وإلى أمور أخرى، وإذا حصل من أحدهما شيء مخالف فإنه يطلب شاهد آخر.

معنى القسامة

السؤال: ما معنى القسامة؟

الجواب: القسامة هي أن يوجد قتيل بين قوم فيتهمون بقتله فيتبرءون من قتله ويقولون: نحن ما قتلناه. فعند ذلك تكون القسامة، وهي أن يطلب من المدعين أن يحلف منهم خمسون، فإن حلفوا وحصل منهم الحلف جميعاً فإنه يقضى على أولئك ويدفع إلى المدعين الشخص المدعى عليه بعينه فيؤخذ بالقتيل، وإن لم يحلف المدعون خمسون يميناً، فإن المدعى عليهم هم الذين يحلفون وتبرأ ساحتهم بذلك.

فالقسامة سميت قسامة لأن فيها هذا النوع من القسم الذي هو خمسون يميناً من المدعين أو المدعى عليهم، والبدء في الحلف إنما هو بالمدعين؛ لأن عندهم اللوث الذي هو القرينة أو البينة الناقصة، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليهم وسلموا.

حكم قدح المدعى عليه في البينة

السؤال: إذا كان المدعي قد جاء ببينة ولكن المدعى عليه أنكر هذه البينة، فهل يستحلف؟

الجواب: المدعي إذا جاء ببينة فالمدعى عليه لا يملك إلا أن يقدح في البينة، فإذا قدح في الشهود وكان قدحه معتبراً فإن شهادتهم حينئذٍ وجودها مثل عدمها، وإن كان قدحه غير معتبر فيحكم بشهادتهم على المدعى عليه.

حكم التحاكم إلى المحاكم غير الشرعية

السؤال: لو أن شخصاً اعتدى على إنسان وأخذ أرضاً له، فقدم المعتدى عليه شكوى إلى المحكمة غير الشرعية وقدم الأوراق التي فيها أنها أرضه، فما المانع من التحاكم في مثل هذه القضية؛ لأنها ليست مخالفة شرعية، ومعظم البلدان لا يحصل فيها الناس على حقوقهم إلا بهذه الطريقة؟

الجواب: إذا كانت المحاكم تحكم بغير ما أنزل الله فقد يكون فيها شيء يخالف ما أنزل الله، ولو حكم فيها بما أنزل الله فإنه لا يكون مقصوداً، وإنما يقع اتفاقاً، ومعلوم أن الحكم بما أنزل الله إنما يكون معتبراً حيث يكون مقصوداً فلو حصل في تلك المحاكم شيء مطابق لما أنزل الله وما كان مقصوداًً فإنَّه مثل الرمية من غير رامٍ.

حكم تخصيص اليمين بالنية في غير مسائل الدعاوى

السؤال: ما حكم تخصيص اليمين بالنية في غير مسائل الدعاوى؟

الجواب: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك، وفي الدعاوى والخصومات يصدق الحالف فيما يقول، وتبرأ ساحة المدعى عليه بيمينه.

حكم تأديب المتشاجرين بمال يدفعونه للمسجد

السؤال: عندنا عادة، وهي أنه لو حصل خصام وتشاجر بين أشخاص في المسجد فإنه يحكم عليهم بمالٍ يدفعونه للمسجد تأديباً على ما فعلوه, فهل هذا جائز؟

الجواب: هذا من الحكم بغير ما أنزل الله.

ما يؤخذ من المدعى عليه حال تقديمه البينة على براءته

السؤال: لو كان عند المدعى عليه دليل على عدم فعل الجريمة المتهم بها، فهل يؤخذ به أو يكتفى باليمين؟

الجواب: من ادعي عليه بأمرٍ غير صحيح، وعنده شهود يشهدون على أنه بريء من هذا الذي ادعي عليه به، كأن يكون في الوقت الذي وقعت فيه الجريمة ليس موجوداً في البلد ونحو ذلك فإن ذلك يدل على صدقه.

دخول السرعة بالسيارات في الضرر والضرار

السؤال: هل السرعة بالسيارات تدخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار

الجواب: لا شك أن السرعة من أسباب الضرر على السائق وعلى غيره، فعلى الإنسان أن لا يمشي بالسرعة التي تكون سبباً في إلحاق الضرر به أو بغيره.

حكم ضياع المال من يد أحد الشريكين

السؤال: أعمل أنا وشريك لي في محل، فذهبت يوماً لأشتري سلعة فضاع مني المال، فهل أضمن المال أم لا؟ مع العلم بأن هذا المال الذي ضاع هو مال مشترك بيني وبين شريكي؟

الجواب: إذا كنت مفرطاً فعليك ضمانه، وإن كنت غير مفرط فلا ضمان عليك؛ لأن الشريك مؤتمن.

حكم طلب القاضي من المدعي الحلف بعد مجيئه بالبينة

السؤال: إذا أتى المدعي بالبينة، ثم طلب منه القاضي أن يحلف بعد ذلك، فهل له ذلك؟

الجواب: إذا كانت البينة غير كافية، فله أن يحلفه، والبينة غير الكافية مثل الشاهد الواحد، فهو بينة غير كافية، فإذا طلب منه أن يحلف فإنه يحلف، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين.

الفرق بين الضرر والضرار

السؤال: ما الفرق بين الضرر والضرار؟

الجواب: الضرر يكون بقصد وبدون قصد، ومثال ذلك إنسان عنده جار وله شجر في داره؛ فيسقي شجره فيخرج الماء من تحت الجدار إلى الجار، فيتضرر جاره من غير أن يقصد صاحب الشجر إضرار جاره، فالضرر موجود وقد حصل، ولكنه من غير قصد، وقد يكون الإنسان يعلم بأن الماء يخرج إلى جاره، فيكون بذلك عالماً بهذا العمل الذي يحصل به الضرر، فيكون الضرر مقصوداً.

وأما الضرار فإنه قد يكون من الجانبين، بأن يكون كل واحد يضار الآخر ويتبادلان الإضرار فيما بينهما، وقد يكون من جانب واحد ولكنه مقصود.

عبارة: (القانون لا يحمي المغفلين)

السؤال: ما صحة العبارة القانونية: (القانون لا يحمي المغفلين)؟

الجواب: القوانين الوضعية لا تحمي المغفلين ولا غير المغفلين.

دخول شرب الدخان في النهي عن الضرر والضرار

السؤال: هل يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) الإضرار بالنفس، وذلك بشرب الدخان أو الشيشة مثلاً؟

الجواب: كل ذلك داخل في النهي عن الضرر والضرار.

حالة اعتبار أصل الحديث في الصحيحين

السؤال: متى يقال: إن أصل الحديث في الصحيحين؟

الجواب: إذا كان يوجد معناه أو شيء من لفظه في الصحيحين، بأن يكون أكثره أو بعضه في الصحيحين. وذلك مثل حديث: (لو يعطى الناس بدعواهم ...) فهو موجود في الصحيحين بدون ذكر البينة على المدعي، بل بلفظ: (لكن اليمين على المدعى عليه) مع كون البينة على المدعي قد جاء معناه في حديث آخر. فما كان موجوداً في الصحيحين ولكن مفرق يقال عنه: أصله في الصحيحين.

حكم التفجيرات في البلاد الإسلامية

السؤال: على ضوء حديث: (لا ضرر ولا ضرار) ما حكم التفجيرات التي تقع؟

الجواب: من أعظم الضرر والإضرار التفجير في الناس والممتلكات، ومن ذلك التفجير الذي وقع في الرياض قريباً، فهذا من أقبح الإجرام وأعظم الإفساد في الأرض، وذلك لأن الذين فعلوا ذلك جنوا على أنفسهم بأن قتلوا أنفسهم، والله تعالى يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [النساء:29-30]، ويقول: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

وأخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أن من قتل نفسه بسم أو بتردٍ من شاهق أو بحديدة فإن هذه الأمور الثلاثة يعذب بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، وهذا فيما يتعلق بقتلهم أنفسهم.

أما ما يتعلق بقتلهم للمسلمين، فقد قال الله عز وجل فيه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93].

وقتلهم للمستأمنين يدل على قبحه وسوئه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة).

ثم إنه يترتب على ذلك أن المعاهد الذي له عهد وميثاق لو قتل خطأً فإن الدية تجب لأهله، وتجب الكفارة أيضاً لقول الله عز وجل: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء:92].

ويترتب على ذلك أيضاً إتلاف الأموال، وترويع الآمنين، وترميل النساء، وتيتيم الأطفال، كل هذه مفاسد نتجت وتنتج عن هذا الإجرام الذي هو من أقبح ما يكون من الإجرام، ومن أعظم ما يكون فساداً في الأرض والعياذ بالله.

حكم الفتيا بعدم جواز الإبلاغ بالقائمين بالتفجير إلى الجهات الأمنية

السؤال: أفتى البعض بعدم جواز الإبلاغ بمن قام بالتفجير لكون ذلك التفجير جهاداً، فما صحة ذلك؟

الجواب: هذا جهاد في سبيل الشيطان، والواجب على كل من عرف شيئاً عن هؤلاء المجرمين القتلة أن يتقرب إلى الله عز وجل ببيان حالهم حتى يقضى عليهم ويسلم الناس من شرهم.

مدى صحة امتناع السلف عن الحلف تعظيماً لله تعالى

السؤال: هل صحيح أن بعض السلف كان إذا طلب منه الحلف امتنع تعظيماً لله تبارك وتعالى، ولو كان الحق له؟

الجواب: المدعي الذي له الحق إذا سكت ترك، وليس بعد ذلك حاجة إلى تحليفه، ويمكن أن يحلف مع البينة الناقصة وهي الشاهد الواحد، لكن المدعى عليه ليس أمامه إلا الحلف، وإلا فإنه يحكم عليه بالشيء الذي ادعي عليه به.

مراد الشاطبي بعدم تعيين من ابتدع في الدين دون البدع العظيمة

السؤال: نرجو بيان معنى كلام الشاطبي رحمه الله في الموافقات حيث قال: ينبغي عدم تعيين من ابتدع في الدين، دون البدع العظيمة كالخوارج، وذلك حفظاً للوحدة والألفة والمودة بين عموم المسلمين. انتهى؟

الجواب: هذا الكلام يتعلق بالعالم إذا أخطأ وكان فيه شيء من البدعة، فإنه لا يعامل معاملة أصحاب البدع الذين هم مجانبون لأهل السنة والجماعة ومخالفون لأهل السنة والجماعة.

يعني: أن من حصل منه شيء من ذلك فإنه يعذر، فلا يبدع ولا يهجر ولا يترك ما عنده من الحق بسبب ما حصل منه من الخطأ. وكم من علماء المسلمين من لا يستغني العلماء وطلبة العلم عن علمهم، ومع ذلك وقعوا في شيء من البدعة، فلو أنهم عوملوا معاملة أهل البدع؛ لم يعول على شيء مما جاءوا به وعلى ما عندهم من العلم.

ومن المعلوم أن من العلماء من هو من أهل الحديث وعنده أمور منكرة فيما يتعلق بالعقيدة، كأن يكون عنده تخليط، وقد يكون ابتلي ببعض مشايخه، وغالباً ما يكون الضرر والبلاء على التلاميذ من الشيوخ إذا كانوا منحرفين.

فمن كان من أهل العلم بالسنة وحصل منه شيء من الخطأ في العقيدة أو غير العقيدة لا يعامل معاملة أهل البدع كالقدرية والمعتزلة، والرافضة والخوارج، وإنما يؤخذ من علمه ويدعى له، ولا يتابع على خطئه.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [29] للشيخ : عبد المحسن العباد

https://audio.islamweb.net