إسلام ويب

كان أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يدعو قومه إلى التوحيد، وترك الشرك، وقد جادلهم بالحجة الظاهرة الباهرة، بطريقة عقلية واضحة بينة، فلم ينقادوا له لعمى قلوبهم، ولاتباعهم لآبائهم.

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [الأنبياء:48-50].

قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما وبين كتابيهما ولهذا قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ [الأنبياء:48]، قال مجاهد : يعني الكتاب، وقال أبو صالح : التوراة، وقال قتادة : التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل، وقال ابن زيد يعني: النصر.

وجامع القول في ذلك: أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نوراً في القلوب وهداية وخوفاً وإنابة وخشية، ولهذا قال: الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [الأنبياء:48] أي: تذكيراً لهم وعظة ].

هذا عام في جميع كتب الله كلها، فكل الكتب فيها فرقان بين الحق والباطل، وأنزلها الله تعالى فرقاناً وبياناً، وإيضاحاً للحق وهداية للخلق، فهذا وصف للكتب التي أنزلها الله تبياناً، قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89].

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [الأنبياء:49]، كقوله: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:33]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12]، وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:49] أي: خائفون وجلون، ثم قال تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ [الأنبياء:50] يعني: القرآن العظيم الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]، أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [الأنبياء:50] أي: أفتنكرونه وهو في غاية الجلاء والظهور.

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده ...)

وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [الأنبياء:52-56].

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه آتاه رشده من قبل، أي: من صغره، ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام:83]، وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكواكب والمخلوقات فتبصر فيها، وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه؛ لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه بل نجعله وقفاً ].

يعني: نتوقف فيه، وهذا التفصيل الذي ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله هو الحق، وهو أن أخبار بني إسرائيل على أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: ما وافق ما جاء به شرعنا، فهذا مقبول.

الحالة الثانية: ما خالف ما جاء به شرعنا، فهذا مردود.

الحالة الثالثة: ما لم يوافق ولم يخالف، فهذا يتوقف فيه ويحدث به، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج).

وقد بين المؤلف رحمه الله تعالى هذا في مقدمة تفسيره، ولكن نبه عليه هنا أيضاً من باب الإيضاح.

فمن ذلك ما يذكره المفسرون في قصة إبراهيم وأنه أدخله أبوه السرب وأنه خرج ونظر في النجوم وقال كذا وكذا، والله جل وعلا أخبر في كتابه في سورة الأنعام فقال: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام:76-78].

وللمفسرين في هذا قولان: فمنهم من قال: إنه لم يتبين له ثم تبين له، ولكن هذا القول ضعيف.

ومنهم من قال: إنه قال هذا من باب المجادلة والمناظرة لقومه؛ ليبين لهم بطلان ما هم عليه.

وفي قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [الأنبياء:48] لو كان الفرقان هو التوراة كما قال ذلك من قاله لكان التنزيل: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء؛ لأن الضياء الذي آتى الله موسى وهارون هو التوراة التي أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم، فبصرّهم الحلال والحرام، ولم يقصد بذلك في هذا الموضع ضياء الإبصار، وفي دخول الواو في ذلك دليل على أن الفرقان غير التوراة التي هي ضياء.

فالضياء هو التوراة، قال ابن زيد في قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ قال: الفرقان: الحق آتاه الله موسى وهارون فرق بينهما وبين فرعون، فقضى بينهم بالحق، وقرأ: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ [الأنفال:41] قال: يوم بدر.

قال أبو جعفر : وهذا القول الذي قاله ابن زيد في ذلك أشبه بظاهر التنزيل، وذلك لدخول الواو في الضياء، ولو كان الفرقان هو التوراة كما قال من قال ذلك لكان التنزيل: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء.

يعني: على ذلك القول يكون الفرقان غير الضياء، وتكون التوراة هي الضياء، والفرقان شيء آخر.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وما كان من هذا الضرب منها فقد ترخص كثير من السلف في روايتها ].

ما كان من هذا النوع وهو الذي لم يأت شرعنا بإثباته ولا بإلغائه فقد توسع العلماء في روايتها، ومنهم المؤلف، فإنه ذكر كثيراً من أخبار بني إسرائيل في تفسيره، واستطرد في بعض المواضع.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وما كان من هذا الضرب منها فقد ترخص كثير من السلف في روايتها، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصل له مما لا ينتفع به في الدين، ولو كانت فيه فائدة تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة، والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية؛ لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتَمل عليه كثيرٌ منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة.

والمقصود هاهنا أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل، أي: من قبل ذلك.

وقوله: وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [الأنبياء:51] أي: وكان أهلاً لذلك ].

وللعلماء في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ قولان: الأول: إن قوله: (من قبل) في صغره كما ذكر المؤلف.

والقول الثاني: إنه من قبل إنزال التوراة، وتكون الآية متصلة بما قبلها، أي: من قبل إنزال التوراة والإنجيل.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52]، هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره: الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، فقال: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52] أي: معتكفون على عبادتها.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد الصباح حدثنا أبو معاوية الضرير حدثنا سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: مر علي على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفأ خير له من أن يمسها ].

لاشك أن اللعب بالشطرنج ممنوع إذا كان فيه عوض، وإن لم يكن فيه عوض فأقل أحواله الكراهة، وأقل ما فيه من المفاسد إضاعة الأوقات بلا فائدة، لكن هذا الأثر ضعيف؛ لأن سعد بن طريف رافضي متروك.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [الأنبياء:53] لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ولهذا قال: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنبياء:54] ].

وهذه حجة الكفرة كلهم، وهذه هي الحجة الملعونة: اتباع الآباء والأجداد في الباطل، وهذه الحجة أنكرها الله، وهي حجة فرعون، كما قال الله عز وجل حاكياً عنه: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى [طه:51]، وحجة قريش فقد قالوا: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص:7]، وقال الله عن المشركين أنهم قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22] يعني: على دين، وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، وفي الآية التي بعدها: وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، نسأل الله العافية.

فالواجب على الإنسان ألا يكون إمعة، بل يتبع الحق، وإن كان الآباء والأجداد على الباطل فلا يتبعهم، وإن كانوا على الحق فيقتدي بأفعالهم الطيبة، فلا يلغي الإنسان عقله ويغمض عينيه ويكون إمعة يتبع الناس على ما هم عليه، بل يكون عنده بصيرة فيتبع الحق ويدور مع الحق حيثما دار.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال: لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنبياء:54] أي: الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم.

فلما سفه أحلامهم، وضلل آباءهم، واحتقر آلهتهم: قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعباً أو محقاً فيه؟ فإنا لم نسمع به قبلك.

قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ أي: ربكم الذي لا إله غيره هو الذي خلق السموات والأرض وما حوت من المخلوقات، الذي ابتدأ خلقهن وهو الخالق لجميع الأشياء، وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ أي: وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه ].

تفسير قوله تعالى: (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين...)

قال الله تعالى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:57-63].

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم أقسم الخليل قسماً أسمعه بعض قومه: ليكيدن أصنامهم، أي: ليحرصن على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين، أي: إلى عيدهم، وكان لهم عيد يخرجون إليه.

قال السدي : لما اقترب وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني! لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا! فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض وقال: إني سقيم، فجعلوا يمرون عليه وهو صريع، ويقولون: مه! فيقول: إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: تَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ، فسمعه أولئك.

وقال أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه فقالوا: يا إبراهيم! ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم. وقد كان بالأمس قال: تَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ، فسمعه أناس منهم.

وقوله: فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا أي: حطامًا، كسرها كلها.

إِلا كَبِيرًا لَهُمْ [الأنبياء:58] يعني: إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ [الصافات:93].

وقوله: لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الأنبياء:58] ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم، لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه، وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها.

قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها ].

يعني: لو كانت آلهة ما أُذلَّت، ولا رضيت بالإذلال، ولدافعت عن نفسها.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الدال على عدم إلهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها، قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي: في صنيعه هذا.

قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ أي: قال من سمعه يحلف إنه ليكيدنهم: سَمِعْنَا فَتًى أي: شابًا يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف حدثنا سعيد بن منصور حدثنا جرير بن عبد الحميد عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبياً إلا شاباً، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ].

ويؤيد هذا قوله تعالى: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12]، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي النبوة بعد الأربعين وهو كهل قد جاوز الشباب، وبلوغ الأربعين هو الأشد.

وهناك خلاف في كلام أهل العلم في حد الكهولة، لكن الأقرب أن من بلغ الأربعين فقد بدأ في الكهولة.

يعني: الأغلب، والكهل هو قريب من الشباب، وما كان قريب من الشباب يعطى حكمه، وهذا في الجملة، وقد يؤتى الإنسان العلم ولو لم يكن شاباً، والصحابة رضي الله عنهم أوتوا العلم وتعلموا وأكثرهم كبار، لكن في الغالب أن التحصيل يكون وقت الشباب، وقد يؤتى الإنسان العلم بعد الشباب، فكم من إنسان أمضى شبابه في غير العلم ثم بعد ذلك لما تجاوز مرحلة الشباب اتجه إلى العلم وآتاه الله العلم، ومن ذلك الصحابة رضي الله عنهم، فكثير منهم أسلموا متأخرين وآتاهم الله العلم، فهذا الأثر إن صح عن ابن عباس فيحمل على الأغلب.

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ أي: على رءوس الأشهاد في الملإ الأكبر بحضرة الناس كلهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم: أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم، وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضراً، ولا تملك لها نصراً، فكيف يطلب منها شيء من ذلك؟ ].

كل هذا من الجهل العظيم، فالمشرك ألغى عقله، وإلا فكيف يعبد من لا يضر ولا ينفع وليس بيده شيء من الأمر؟ فيعبد أشجاراً أو أحجاراً، ويعبد الملائكة أو الأنبياء، وكل هؤلاء مخلوقون مربوبون مدبرون مدينون تنفذ فيهم قدرة الله ومشيئته، فكيف يلغي الإنسان عقله ويعبد المخلوق الناقص الضعيف؟ وكيف يصرف له محض حق الله الخالق العظيم الموجِد من العدم، الذي كل ما بالعباد من نعمة فمنه سبحانه وتعالى؟ فلاشك أن هذا من ضعف عقول المشركين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:62-63] يعني: الذي تركه لم يكسره، فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ [الأنبياء:63] ].

وهذه عُدَّت من الكذبات الثلاث التي جادل بها إبراهيم الخليل عن دين الله عز وجل، ويعتذر بها يوم القيامة إذا طلبت منه الشفاعة، فإنه إذا طلبت منه الشفاعة يقول: (إني كذبت ثلاث كذبات) ومنها: أنه كسر الأصنام ووضع الفأس على الصنم الكبير، ولما قالوا: من فعله؟ قال: هذا. وقد قال ذلك لعلهم يتفكرون، وكأنه يقول لهم: هل هذه الأصنام تنفع وتضر وتمنع عن نفسها؟ حتى يتأملوا ويعرفوا حقيقتها، وهم يعرفون أن الصنم الكبير لا يكسر وأنه جماد، ولكنه يريد منهم أن يتأملوا، وهذا من باب المجادلة.

والكذبة الثانية ما ذكره الله عز وجل في قوله: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89].

والثالثة: أنه قال عن زوجه سارة : إنها أختي، يريد أنها أخته في الإسلام، وذلك لما مر بملك مصر الظالم في ذلك الزمان؛ لأنه إذا قال: إنها زوجته، فإن الملك سيغار وسيأخذها، فقال: إنها أخته، وقال لـسارة : إني سأقول: إنك أختي، فلا تكذبيني؛ فأنت أختي في الإسلام، فليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيرك. أي: في ذلك الوقت.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون، فإن هذا لا يصدر عن هذا الصنم؛ لأنه جماد.

وفي الصحيحين من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله: قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ، وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]، قال: وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة -وهو ملك مصر في ذلك الزمن- ومعه سارة إذ نزل منزلاً، فأتى الجبار رجل فقال: إنه قد نزل بأرضك رجل معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إلي) ].

يعني: أخته في الإسلام؛ لأنه خشي أنه إذا قال: إنها زوجته أن يأخذها منه، فقال: إنها أختي؛ لعله يتركها له.

وقوله: (لم يكذب غير ثلاث كذبات) يعني: في الظاهر، وإلا فهو عليه الصلاة والسلام قد تأول، وفي الحديث: (إن في التأويل مندوحة عن الكذب)، لكن سميت كذبات باعتبار الظاهر، وتأول عليه الصلاة والسلام أنه يجادل به عن دينه، ومع ذلك يعتذر يوم القيامة.

والزوجة لا تسمى أختاً، لكن إبراهيم عليه السلام تأول أنها أخته في الإسلام؛ لغرض صحيح.

وإذا قال الإنسان عن زوجه: إنها أختي، هل يكون ذلك ظهاراً أو لا يكون ظهاراً؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني عنده؛ فإنك أختي في كتاب الله، وإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك) ].

يعني: ليس في الأرض مسلم غيرها وغيره في ذلك الوقت، فانظر كيف وصلت الحال إلى درجة أنه ليس في الأرض مسلم غيره وغيرها، ثم بعد ذلك أعطاها هاجر ، وهي أُمّنا أم العرب، فتسراها نبي الله إبراهيم، فأنجبت له إسماعيل، وكانت سارة ابنة عمه كبيرة لا تلد، ثم ولدت له هاجر لما تسراها، وهاجر أهداها الجبار لها وأعطتها إبراهيم، فتسراها فأنجبت إسماعيل ، ثم بعد ذلك رزق الله سارة إسحاق بعد ما يقارب ثنتي عشرة سنة، فإسماعيل أمه هاجر، ومن سلالته نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو أبو العرب، وإسحاق أمه سارة وأنجب يعقوب، ويعقوب هو إسرائيل، فيكون إسماعيل وإسحاق أخوان، وبنو إسماعيل -وهم العرب- وبنو إسحاق -وهم بنو إسرائيل- أبناء العم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (فانطلق بها إبراهيم ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه فرآها أهوى إليها فتناولها، فأخذ أخذاً شديداً، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك) ]

وفي لفظ: أنه لما مد يده إليها سقط، يعني: أغمي عليه، وجعل يفحص برجله، فدعت ربها وقالت: اللهم إن يهلك يقال: قتلته، فأفاق، ثم مد يده مرة ثانية فسقط وجعل يفحص برجله، فقالت: اللهم إن يهلك يقال: قتلته، حتى فعلت ثلاث مرات، ففي الثالثة قال: أخرجوها من عندي؛ إنما أتيتموني بشيطان ولم تأتوني بإنسانة، وأعطاها هاجر .

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (فدعت له فأرسل، فأهوى إليها فتناولها فأخذ بمثلها أو أشد) ].

يعني: أصابه ما أصابه في المرة الأولى أو أشد.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (ففعل ذلك الثالثة فأخذ، فذكر مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي الله فلا أضرك. فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان وإنما أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر ، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته، وقال: مهيم؟) ].

قوله: (مهيم) يعني: ما الخبر؟

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (قالت: كفى الله كيد الكافر الفاجر، وأخدمني هاجر) ].

يعني: أعطاني خادماً.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال محمد بن سيرين : فكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا حدث بهذا الحديث قال: فتلك أمكم يا بني ماء السماء! ].

قال ابن حجر في فتح الباري: قال ابن حبان في صحيحه: كل من كان من ولد إسماعيل يقال له: ماء السماء، لأن إسماعيل ولد هاجر ، وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء. وقيل: سموا بذلك لخلوص نسبهم وصفائه، فأشبه ماء السماء، هذا وقد ذكر في تفسير الاسم قولاً غير ذلك.

والأقرب: أنهم كانوا يعيشون على الأمطار التي هي ماء السماء.

تفسير قوله تعالى: (فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون...)

قال الله تعالى: فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:64-67].

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مخبراً عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال: فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ أي: بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم فقالوا: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ أي: في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ أي: ثم أطرقوا في الأرض فقالوا: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ .

قال قتادة : أدركت القوم حيرة سوء، فقالوا: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ، وقال السدي : ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ أي: في الفتنة. وقال ابن زيد : أي: في الرأي.

وقول قتادة أظهر في المعنى؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزًا؛ ولهذا قالوا له: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ، فكيف تقول لنا: سلوهم إن كانوا ينطقون وأنت تعلم أنها لا تنطق؟ فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك: قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أي: إذا كانت لا تنطق وهي لا تضر ولا تنفع فلم تعبدونها من دون الله؟ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟! فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها، ولهذا قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ... [الأنعام:83] الآية ].

وهذا من التسفيه لهم ولما هم عليه من الشرك، ولهذا قال: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنبياء:67]، وهذا من الأساليب في الدعوة إلى توحيد العبادة: تسفيه آلهة المشركين وما هم عليه من الضلال.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنبياء [48-67] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

https://audio.islamweb.net