إسلام ويب

في هذه الآيات يأمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة في جميع شئونهم؛ فإن في ذلك الفرج والخير في الدنيا والآخرة. كما يأمرهم بأن يحذروا يوماً لا ينفع والد ولده، ولا ولد هو مجزي عن والده شيئاً، وأن يستعدوا لذلك اليوم بالعمل الصالح.

تفسير قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة...)

قال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] ].

قال المصنف رحمه الله: [ يقول تعالى آمراً عبيده فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة، كما قال مقاتل بن حيان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة.

فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد ، قال القرطبي وغيره: ولهذا يسمى رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث. وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن جري بن كليب عن رجل من بني سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم نصف الصبر) ].

وقد أخرجه الترمذي وفيه مجهول وهو قوله: عن رجل من بني سليم، وكذا ابن ماجة من طريق أخرى، وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو متفق على تضعيفه.

وقد يقال: إنه يجبر أحدهما الآخر، هذا إذا كان موسى بن عبيدة لم يشتد ضعفه، فإنه يجبر أحدهما الآخر، وموسى بن عبيدة ليس بمتهم فيجبر غيره، وأما إذا كان متهماً بالكذب فإنه لا يجبر غيره، فإذا كان أحد الطريقين يجبر الآخر فإن الحديث يكون حسناً لغيره.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقيل : المراد بالصبر: الكف عن المعاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها فعل الصلاة.

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بن حمزة بن إسماعيل حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن وأحسن منه الصبر عن محارم الله.

قال: وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر، وقال ابن المبارك عن ابن لهيعة عن مالك بن دينار عن سعيد بن جبير قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصيب فيه، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر ].

والمعنى: أنه يجزع بقلبه وهو يتجلد بجوارحه، فقلبه غير صابر ويرى في الظاهر أنه متجلد.

فإذا جاهد نفسه على ذلك فهذا طيب؛ لأنه يمنع جوارحه مما يغضب الله، فيحبس النفس عن التشكي، وعن الجزع وعن التسخط وعما يغضب الله.

أنواع الصبر

وهذه الآية هو قول الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] عامة، أي: استعينوا بالصبر في كل شيء: في أداء الفرائض، وفي الانتهاء عن المحارم، وفي عدم التسخط من قضاء الله وقدره؛ لأن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وهو أن يصبر الإنسان حتى يؤدي الفرائض والواجبات، والثاني: صبر عن محارم الله، وهو أن يحبس نفسه حتى يترك ما حرم الله عليه طاعة لله، وتعظيماً لأمره ونهيه، وخوفاً ورجاءً.

والنوع الثالث: صبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يجزع ولا يتسخط، ولا يتشكى، فلا يجزع بنفسه، ولا يتشكى بلسانه، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله، والصبر هو: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عما يغضب الله، فلا يلطم خداً، ولا ينتف شعراً، ولا يتكلم بكلام لا يليق، ومن لم يصبر فلا إيمان له، ولهذا جاء عن بعض السلف: أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.

وكان علي رضي الله عنه ينادي: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له. فلا بد من الصبر، فإن الذي لا يصبر لا يستطيع أن يقوم بما أوجب الله عليه، ولا يستطيع أن يترك ما حرم الله عليه إلا بالاستعانة بالله ثم الصبر.

قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45]، والصلاة كذلك تخفف الآلام والمشاق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وكان يقول لـبلال : (أرحنا يا بلال ! بالصلاة).

صفات الخاشعين

قال الله عن الصلاة: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ يعني: شاقة وصعبة، إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الذين خشعت قلوبهم وجوارحهم وانقادت لأوامر الله وعظموا الله وعظموا أمره ونهيه؛ فإنها ليست شاقة عليهم.

قال تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أي: يتيقنون، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، فتيقنهم بلقاء الله ورجوعهم إليه يهون عليهم المشاق والمصاعب والمتاعب، فيجعل الصلاة قرة عين لهم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو العالية في قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قال: على مرضاة الله، واعلموا أنها من طاعة الله، وأما قوله: وَالصَّلاةِ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر، كما قال تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45]،الآية.

وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة ، قال: حذيفة يعني ابن اليمان رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى).

ورواه أبو داود عن محمد بن عيسى عن يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار كما سيأتي، وقد رواه ابن جرير من حديث ابن جريج عن عكرمة بن عمار عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة عن عبد العزيز بن اليمان عن حذيفة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة).

ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة، ويقال: أخي حذيفة مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا سهل بن عثمان العسكري حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: قال عكرمة بن عمار : قال محمد بن عبد الله الدؤلي : قال عبد العزيز : قال حذيفة : (رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى)، حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع علياً رضي الله عنه يقول: (لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو حتى أصبح) ].

هذا سند جيد، وأبا إسحاق قد صرح بالسماع، والصحيح أن عبد العزيز بن اليمان ابن أخي حذيفة بن اليمان.

الصلاة شفاء

قال المؤلف رحمه الله: [ قال ابن جرير : وروي عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه مر بـأبي هريرة وهو منبطح على بطنه فقال له: أشكم درد؟ ومعناه: أيوجعك بطنك؟ قال: نعم، قال: قم فصل فإن الصلاة شفاء) ].

(أشكم درد) هذه المقولة بالفارسية.

والحديث ضعيف؛ لأن في سنده ضعيفين وهما: ذواد بن علبة وليث بن أبي سليم، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تكلم بالفارسية.

قال المؤلف رحمه الله: [ قال ابن جرير : وقد حدثنا محمد بن الفضل ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا ابن علية حدثنا عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] ].

ومعنى قوله: "أطال الجلوس" يعني: في التشهد، فالتشهد محل دعاء.

قال المؤلف رحمه الله: [ وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قال: إنهما معونتان على رحمة الله.

والضمير في قوله: (إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) عائد إلى الصلاة، نص عليه مجاهد، واختاره ابن جرير، ويحتمل أن يكون عائداً على ما يدل عليه الكلام وهو الوصية بذلك، كقوله تعالى في قصة قارون: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:80]، وقال تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:34-35] أي: وما يلقى هذه الوصية (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا) أي: يؤتاها ويلهمها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35]، وعلى كل تقدير فقوله تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ أي: مشقة ثقيلة، إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ].

ذكر الأقوال الواردة في معنى قوله تعالى: (إلا على الخاشعين)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : يعني المصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد : المؤمنين حقاً، وقال أبو العالية: (إلا على الخاشعين): الخائفين، وقال مقاتل بن حيان: (إلا على الخاشعين) يعني به: المتواضعين، وقال الضحاك : (وإنها لكبيرة) قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطوته، المصدقين بوعده ووعيده، وهذا يشبه ما جاء في الحديث: (لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه).

وقال ابن جرير : معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب! بحبس أنفسكم على طاعة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا الله، العظيمة إقامتها إلا على الخاشعين، أي: المتواضعين المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته. هكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطاباً في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم ].

فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما كان تحذيراً لبني إسرائيل فهو تحذير لهذه الأمة، كما قال بعض السلف: مضى القوم ولم يعن به سواكم. فبنو إسرائيل قد مضوا، والمعني هو هذه الأمة.

تفسير قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم...)

قال الله تعالى: [ وقوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:46].

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي: إن الصلاة أو الوصاية لثقيلة (إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) أي: يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة معروضون عليه، (وأنهم إليه راجعون) أي أمورهم راجعة إلى مشيئته يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات.

فأما قوله: يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة:46]، قال ابن جرير رحمه الله: العرب قد تسمي اليقين ظنا والشك ظناً نظير تسميتهم الظلمة سدفة، والضياء سدفة، والمغيث صارخاً والمستغيث صارخاً].

هذه من الأضداد، وهي الألفاظ التي تطلق على الشيء وضده، كتسمية الصحراء مفازة وهي مهلكة، ولكن سميت مفازة تفاؤلاً بالسلامة، وكما سمى اللديغ سليماً تفاؤلاً له بالسلامة، وهكذا فالظن المراد به اليقين، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ يعني: يتيقنون؛ لأن من شك في ملاقاة الله فقد كفر وليس المراد هذا، وإنما المراد اليقين، ويأتي في كثير من المواضع الظن بمعنى اليقين.

قال المؤلف رحمه الله: [ وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده، كما قال دريد بن الصمة :

فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهمُ في الفارسي المسرد]

ومعناه تيقنوا بألفي مدجج، وهذا تهديد لهم، سراتهم يعني: أسراهم, فليس المراد شكوا، بل المراد: تيقنوا، فأطلق الظن وأراد به اليقين، وكذلك في الآية المراد بالظن اليقين.

قال المؤلف رحمه الله: [ يعني بذلك: تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم.

وقال عمير بن طارق :

فإن يعبروا قومي وأقعد فيكم وأجعل مني الظن غيباً مرجّما

يعني: وأجعل مني اليقين غيباً مرجماً، قال: والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر.

وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية، ومنه قول الله تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف:53] ].

أي: أنهم لما رأوها وهم قد عملوا أعمالهم الخبيثة تيقنوا أنهم واردون عليها وملاقوها.

قال المؤلف رحمه الله: [ ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عاصم حدثنا سفيان عن جابر عن مجاهد : كل ظن في القرآن يقين، أي: ظننت وظنوا.

وحدثني المثنى حدثنا إسحاق حدثنا أبو داود الجبري عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كل ظن في القرآن فهو علم. وهذا سند صحيح ].

ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20] يعني: تيقنت: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الحاقة:21-22].

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ قال: الظن هنا يقين، قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد والسدي والربيع بن أنس وقتادة نحو قول أبي العالية ، وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ : علموا أنهم ملاقوا ربهم، كقوله: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20] يقول: علمت، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

قلت: وفي الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: (ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، فيقول الله تعالى: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول الله تعالى: اليوم أنساك كما نسيتني)].

فقوله: (أظننت أنك ملاقي؟) أي: أتيقنت أنك ملاقي؟ وهذا هو الشاهد.

وقوله: (اليوم أنساك كما نسيتني) المراد بالنسيان الأول تركه في النار والإعراض عنه، والنسيان الثاني المراد به ترك أوامر الله وارتكاب نواهيه، وهذا مثل قوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19] يعني: نسوا أوامره ونواهيه، (فنسيهم) يعني: عاملهم معاملة المنسي، فأعرض عنهم، وتركهم في النار ولم يبالِ بهم.

قال المؤلف رحمه الله: [ وسيأتي مبسوطاً عند قوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67] إن شاء الله تعالى].

تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين...)

قال تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47].

قال المؤلف رحمه الله: [ يذكرهم تعالى بسالف نعمه على آبائهم وأسلافهم وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32]، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20] قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47]، قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان ].

فالمراد بالعالمين عالم زمانهم؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، فالمراد: على عالم زمانهم، هذا هو الصحيح؛ لأن بني إسرائيل أفضل الناس في زمانهم، فقد أرسل الله منهم رسلاً، وأنزل عليهم كتباً، فهم أفضل الناس، ثم جاءت هذه الأمة فكانت أفضل منهم.

قال المؤلف رحمه الله: [ فإن لكل زمان عالماً، وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، ويجب الحمل على هذا؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى خطابا لهذه الأمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [آل عمران:110].

وفي المسانيد والسنن عن معاوية بن حيدة القشيري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله)، والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

وقيل: المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على سائر الناس ولا يلزم تفضيلهم مطلقاً، حكاه الرازي وفيه نظر، وقيل: إنهم فضلوا على سائر الأمم؛ لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم، حكاه القرطبي في تفسيره وفيه نظر؛ لأن العالمين عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلوات الله وسلامه عليه ].

تفسير قوله تعالى: (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً...)

قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:48].

قال المؤلف رحمه الله: [لما ذكرهم تعالى بنعمه أولاً عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة، فقال: وَاتَّقُوا يَوْمًا [البقرة:48] يعني: يوم القيامة لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [البقرة:48] أي: لا يغني أحد عن أحد، كما قال: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، وقال: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37]، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [لقمان:33]، فهذا أبلغ المقامات: أن كلاً من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئاً، وقوله تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ [البقرة:48] يعني: من الكافرين كما قال: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، وكما قال عن أهل النار: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101].

وقوله تعالى: وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة:48] أي: لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ [آل عمران:91]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:36]، وقال تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا [الأنعام:70]، وقال: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ [الحديد:15] الآية، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه فإنه لا ينفعهم قرابة قريب، ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهباً، كما قال تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [البقرة:254]، وقال: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [إبراهيم:31].

قال سنيد : حدثني حجاج حدثني ابن جريج قال: قال مجاهد : قال ابن عباس : وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة:48] قال: بدل، والبدل: الفدية، وقال السدي : أما عدل فيعدلها من العدل يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة:123]، يعني: فداء.

قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.

وقال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه في حديث طويل قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة ].

وهذا من باب الوعيد نسأل الله العافية.

قال المؤلف رحمه الله: [ وكذا قال الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة عن عمير بن هانئ، وهذا القول غريب هاهنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية.

وقد ورد حديث يقويه وهو ما قال ابن جرير : حدثني نجيح بن إبراهيم حدثنا علي بن حكيم حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمرو بن قيس الملائي عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن عليه الثناء قال: قيل: يا رسول الله! ما العدل؟ قال: (العدل الفدية) ].

السند فيه مجهول، والصواب القول الأول: أن المراد بالعدل الفداء، وهو مأخوذ من المفاداة، أي: مهما افتدى ولو بملء الأرض ذهباً ما قبل منه إذا كان كافراً وأعماله سيئة، وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة:123]، فليس هناك إلا الأعمال الصالحة أو الأعمال السيئة، كما قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، فالذي عمله سيء لا يفيده شيء لو فدى نفسه بملء الأرض ذهباً، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:36-37].

قال المؤلف رحمه الله: [ وقوله تعالى: وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:48] أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم ولا من غيرهم، كما قال: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ [الطارق:10] أي: أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحداً من عذابه منقذ، ولا يخلص منه أحد، ولا يجير منه أحد، كما قال تعالى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ [المؤمنون:88]، وقال: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:25-26]، وقال: مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:25-26]، وقال: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ [الأحقاف:28].. الآية.

وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [الصافات:25]: مالكم اليوم لا تمانعون منا؟! هيهات ليس ذلك لكم اليوم ].

فقوله: لا تمانعون يعني: لا تستطيعون أن تدافعوا عن أنفسكم، أو تردوا عنكم العذاب وتمتنعوا منه.

قال المؤلف رحمه الله: [ قال ابن جرير : وتأويل قوله: وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:48] يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، بطلت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشى والشفاعات ].

الرُّشى جمع رشوة، ولا وجود للرشوة في الآخرة، فالرشوة موجودة في الدنيا، فبعضهم يدفعون رشوة ويسلمون من العقوبة ومن العذاب، لكن في الآخرة لا وجود لها إطلاقاً.

فالرشى بالضم جمع رشوة، وهي المال الذي يدفعه الإنسان ليفتدي به، أو يتزلف به حتى يحصل على شيء أو يدفع عنه شيء، والرشى بالكسر الحبل الذي يدلى به في البئر، والرشى بالفتح ولد الغزال.

قال المؤلف رحمه الله: [ وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحكم إلى الجبار العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:24-26]].

تفسير قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب...)

قال الله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:49-50].

قال المصنف رحمه الله: [ يقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، أي: خلصتكم منهم وأنقذتْكم من أيديهم صحبة موسى عليه السلام وقد كانوا يسومونكم، أي: يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، وذلك أن فرعون لعنه الله كان قد رأى رؤيا هالته؛ رأى ناراً خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال بعد تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في حديث الفتون كما سيأتي في موضعه في سورة طه إن شاء الله تعالى ].

هذه الآية وما بعدها يمتن الله سبحانه وتعالى بها على بني إسرائيل، ويعدد عليهم نعمه، حيث أنجاهم من آل فرعون، وقد كان فرعون يسومهم سوء العذاب: فيذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ثم ذكر نعمته بأن فرق بهم البحر، وأنجاهم وأغرق آل فرعون، وجعل يعدد سبحانه وتعالى نعمه المتتابعة.

والخطاب لبني إسرائيل، وهذا إنما حصل لآبائهم وأجدادهم، ولكن النعمة على الأجداد نعمة على الأحفاد، فهو سبحانه وتعالى يخاطب بني إسرائيل أهل الكتاب الذين في المدينة في زمن النبوة، وهم ما رأوا هذا ولا حصل لهم، ولكن حصل هذا لآبائهم وأجدادهم؛ ولأن الأحفاد إذا أقروا الأجداد على ما هم عليه فحكم الأحفاد حكم الأجداد؛ لأن الراضي كالفاعل، والامتنان على الآباء والأجداد امتنان على الأحفاد والأولاد، وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:49] فالنجاة إنما كانت لآبائهم وأجدادهم عندما كانوا مع موسى عليه الصلاة والسلام، هو خطاب لليهود في المدينة وقت نزول الوحي: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ [البقرة:49] يعني: نجينا آباءكم، وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة:50]، يعني: فرقنا بآبائكم وأجدادكم مع موسى.

وحديث الفتون حديث طويل رواه ابن عباس وأخرجه النسائي بطوله، وأكثره مأخوذ من بني إسرائيل.

قال المؤلف رحمه الله: [ فعند ذلك أمر فرعون لعنه الله بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها ].

فأخذوا يستعملونهم في الخدمة والعمل والكنس والطبخ، وما أشبه ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقوم بها إلا هم، ولما أمر فرعون بقتل بني إسرائيل قال له أناس: إن فعلت ذلك فسوف تنتهي اليد العاملة ولا يبقى من يعمل ومن يقوم بهذه الأشغال، فعند ذلك رأى رأياً آخر وهو أن يقتل الذكور سنة ويبقيهم سنة؛ حتى تبقى اليد العاملة ولا ينقطع الذكور وتقل الكثرة التي يخاف منها؛ لأنه إذا تركهم خشي منهم، وإذا قتلهم كل سنة انتهوا وانتهت اليد العاملة.

واختلف في المراد بالآل: فقيل يطلق على الرجل من باب التعظيم، فيقال: آل فلان، ولا يضاف إلى البلدان على المشهور، وجوز بعضهم ذلك كأن يقال: أهل المدينة، فحكى أبو عبيد: أهل مكة، أهل الله، وهكذا يضاف إلى موطن الرجل على المشهور، قال عبد المطلب :

وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك

وقال غيره:

أنا الفارس الحامي حقيقة والدي وآلي كما تحمي حقيقة آلك

وقيل المراد بالآل أزواجه وذريته، وقيل: نسبه وعشيرته، وقيل: أتباعه على دينه، وهذا هو الأرجح أتباعه على دينه، ويدخل فيه جميع المؤمنين من أزواجه وذريته وبني هاشم، وآل الرجل يدخل فيهم هو دخولاً أولياً، فآل إبراهيم يدخل فيهم إبراهيم دخولاً أولياً، وآل فرعون يدخل فيهم فرعون دخولاً أولياً، فهو أولهم، وأتباعه تبع له.

قال المؤلف رحمه الله: [ وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه كما قال: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [إبراهيم:6]].

أي: هنا جعل تذبيح الأبناء جزء من العذاب.

قال المؤلف رحمه الله: [ وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص إن شاء الله تعالى به الثقة والمعونة والتأييد.

ومعنى يسومونكم: يولونكم، قاله أبو عبيدة، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم :

إذا ما الملك سام الناس خسفاًأبينا أن نقر الخسف فينا]

فهذا عمرو بن كلثوم يمدح قومه وأنهم لا يستجيبون ولا يقبلون الخسف وإن قبله غيرهم، ويقول: إذا أهانت الملوك الناس فقومي لا يقبلون الإهانة.

قال المؤلف رحمه الله: [ وقيل معناه: يديمون عذابكم، كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي، نقله القرطبي ، وإنما قال هاهنا: وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [إبراهيم:6] ليكون ذلك تفسيراً للنعمة عليهم في قوله: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [إبراهيم:6] ].

فمعنى (يسومونكم) أي: يؤذونكم أو يديمون العذاب عليكم، (ويذبحون أبناءكم) يعني: يقتلون الأبناء، (ويستحيون نساءكم)، يعني: يبقونهن أحياء فلا يقتلونهن، لأن النساء أو الإناث لا يخشى منهن؛ لضعفهن، وعدم تحملهن، وعدم حملهن السلاح في الغالب.

قال المؤلف رحمه الله: [ثم فسره بهذا لقوله هاهنا: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40]، وأما في سورة إبراهيم فلما قال: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم:5] أي: بأياديه ونعمه عليهم، فناسب أن يقول هناك: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [إبراهيم:6]، فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل ].

لما ذكر النعم جعل الذبح داخلاً في سوم العذاب، وهناك لما أراد التعداد وذكرهم بأيام الله -أي: بنعمه- قال: وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [إبراهيم:6]، فعطف بعضها على بعض تعداداً للنعم، وهنا جعلها شيئاً واحداً فجعل الذبح جزءاً من العذاب.

قال المؤلف رحمه الله: [ وفرعون علم على كل من ملك مصر كافراً من العماليق وغيرهم، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافراً، وكسرى لمن ملك الفرس، وتُبَّع لمن ملك اليمن كافراً، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك الهند].

وهذا فيه نظر؛ لأن بطليموس هو من ملك اليونان، فالبطالسة هم ملوك اليونان وأحدهم: بطليموس.

قال المؤلف رحمه الله: [ ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى عليه السلام الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: مصعب بن الريان ، فكان من سلالة عمليق بن الأود بن إرم بن سام بن نوح وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من إصطخر، وأياً ما كان فعليه لعنة الله.

وقوله تعالى: وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:49]، قال ابن جرير : وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا آباءكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم، أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : قوله تعالى: بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:49] قال: نعمة ].

يطلق البلاء على النعمة وعلى المحنة، فبلاء عظيم، يعني: نعمة عليكم أو مصيبة.

ويطلق بطليموس على حكماء اليونان، والحكيم قد يكون ملكاً وقد لا يكون.

قال المؤلف رحمه الله: [ وقال مجاهد بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:49] قال: نعمة من ربكم عظيمة وكذا قال أبو العالية وأبو مالك والسدي وغيرهم.

وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]، وقال: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168]، قال ابن جرير : وأكثر ما يقال في الشر بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبليه إبلاء وبلاء، قال زهير بن أبي سلمى :

جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو ].

أبلاه يعني: في الشر، ويبلو يعني: في الخير.

قال المؤلف رحمه الله: [ قال: فجمع بين اللغتين؛ لأنه أراد فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده وقيل: المراد بقوله: وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ [البقرة:49] إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء، قال القرطبي : وهذا قول الجمهور، ولفظه بعد ما حكى القول الأول ثم قال: وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هاهنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان].

تفسير قوله تعالى: (وإذ فرقنا بكم البحر...)

قال المصنف رحمه الله: [ وقوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:50]، معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون وخرجتم مع موسى عليه السلام خرج فرعون في طلبكم، ففرقنا بكم البحر كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلاً كما سيأتي في موضعه، ومن أبسطها ما في سورة الشعراء إن شاء الله.

فَأَنْجَيْنَاكُمْ أي: خلصناكم منهم وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم.

قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:50] قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون فقال: لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة، قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا، فدعا بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط، فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط].

فهذا يدل على أن فرعون كان ملكاً جباراً ظالماً كافراً، فإذا أمر ينفذ أمره؛ لأنه يخشى شره، ولهذا قال: لا أفرغ من أكل الكبد حتى يجتمع إلي ستمائة ألف فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط: من الجنود والجيوش العظيمة.

قال المؤلف رحمه الله: [ فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمر ربك؟ قال: أمامك يشير إلى البحر، فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر فذهب به الغمر ثم رجع فقال: أين أمر ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كُذبت ].

يعني: ما كذبت أنت، ولا كُذِبت يعني: كذب أمر الله لك.

قال المؤلف رحمه الله: [ فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم -يقول: مثل الجبل-، ثم سار موسى ومن معه، واتبعهم فرعون في طريقهم حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:50]، وكذلك قال غير واحد من السلف كما سيأتي بيانه في موضعه، وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال: ما هذا اليوم الذي تصومون؟ قالوا : هذا يوم صالح، هذا يوم نجىَّ الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصومه)، وروى هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق عن أيوب السختياني به نحو ما تقدم.

وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو الربيع حدثنا سلام يعني ابن سليم عن زيد العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء)، وهذا ضعيف من هذا الوجه؛ فإن زيداً العمي فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه ].

هذا السند لا يصح لأن فيه ضعيفين.

لكن جاء في الصحيحين أنه قال: (يوم صالح نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى، قال النبي: فنحن أحق بموسى منكم)، ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على قولهم.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة البقرة [45-50] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

https://audio.islamweb.net