إسلام ويب

يجب على الحائض أن تغتسل إذا طهرت، ويجب على زوجها أن يعتزلها ولا يقربها، وعليها أن تعتزل الصلاة حتى تطهر. أما الاستحاضة فهي دم يخرج من عرق لسبب من الأسباب، فلا تمتنع من الصلاة، ويجوز لزوجها أن يأتيها.

ذكر الاغتسال من الحيض

شرح حديث فاطمة بنت قيس في الاستحاضة

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الاغتسال من الحيض.

أخبرنا عمران بن يزيد قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله العدوي قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثني هشام بن عروة عن عروة عن فاطمة بنت قيس من بني أسد قريش رضي الله عنها: (أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أنها تستحاض، فزعمت أنه قال لها: إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي) ].

هذا الحديث في المستحاضة المعتادة التي لها عادة، فإنها تجلس عادتها، ثم تغتسل ثم بعد ذلك، وتتحفظ من الدم وتصلي وتصوم.

والمستحاضة لها أحوال:

الحالة الأولى: أن تكون معتادة، يعني: لها عادة تعرفها، فهذه تجلس عادتها، سواء كانت مبتدئة أو غير مبتدئة؛ فتجلس في أول الشهر - مثلاً - ستة أيام أو سبعة أيام، فإذا انتهت العادة فإنها تغتسل وتتحفظ وتصلي ولو كان معها الدم، لكنها تتوضأ لكل صلاة كما سيأتي.

وهذا الحديث فيه دليل على وجوب الغسل على الحائض، وهذا هو سبب الترجمة بذكر الاغتسال من الحيض، فالحائض يجب عليها أن تغتسل إذا انتهت عادتها كالجنب، فكما أن الجنب يجب عليه أن يغتسل فكذلك الحائض، وكذلك النفساء، ولا يجوز لها أن تصلي حتى تغتسل، ويعتبر الحيض حدثاً أكبر كالجنابة.

وقوله: (فزعمت) يعني: قالت؛ فالزعم يأتي بمعنى القول المحقق، ويأتي بمعنى الادعاء الكاذب، كقوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن:7] .

الحالة الثانية: ألا تكون معتادة، أو تنسى عادتها، ولكن لها تمييز، فتعمل بالتمييز، كما سيأتي في الأحاديث، فدم الحيض دم أسود يعرف منتن، ودم الاستحاضة أحمر أو أصفر رقيق، فإذا جاء الدم الأحمر المنتن فإنها تجلس، وإذا جاء الدم الآخر فتغتسل وتصلي.

والحالة الثالثة: ألا تعرف عادتها وليس لها تمييز، فهذه تجلس ستة أيام أو سبعة أيام على عادتها الشهرية من أول كل شهر.

شرح حديث: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا هشام بن عمار قال: حدثنا سهل بن هاشم قال: حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة،وإذا أدبرت فاغتسلي) ].

كل هذا يدل على وجوب الغسل بعد انتهاء مدة الحيض.

شرح حديث أم حبيبة في الاغتسال من الاستحاضة

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمران بن يزيد قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش سبع سنين، فاشتكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي ثم صلي) ] .

يعني: فاغتسلي بعد انتهاء مدة الحيض؛ لأنها تعرف عادتها، فتجلس على عادتها قبل أن يأتيها الدم المطلق، والنساء تعرف أنه من أول كل شهر أو من وسط الشهر تكون عادتها ستة أيام أو سبعة أيام أو ثمانية أيام على حسب عادتها، ثم تغتسل وتتحفظ وتصلي ولو كان عليها الدم، لكنها تتوضأ لكل صلاة كما سيأتي.

شرح حديث عائشة في استحاضة أم حبيبة

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الهيثم بن حميد قال: أخبرني النعمان والأوزاعي وأبو معيد - وهو حفص بن غيلان - عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف وهي أخت زينب بنت جحش ، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فاتركي لها الصلاة، قالت عائشة رضي الله عنها: فكانت تغتسل لكل صلاة وتصلي، وكانت تغتسل أحياناً في مركن في حجرة أختها زينب وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن حمرة الدم لتعلو الماء، وتخرج فتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يمنعها ذلك من الصلاة) ].

استحاضت أم حبيبة، وكذلك زينب أم المؤمنين، وكذلك حمنة ، أي: أن كل بنات جحش استحضن.

وهناك من العلماء من عدّ المستحاضات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فبلغن تسع مستحاضات.

وهذا الحديث فيه أن الدم كان مطبقاً عليها، وأنه كثير، حتى إنها كانت إذا جلست في مركن تعلو حمرة الدم، والمركن مثل الطست يغسل فيه ثياب.

وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما ذلك عرق - يعني: هذا الدم المطبق-، فإذا أدبرت الحيضة - يعني: انتهت المدة - فاغتسلي وصلي) ، فكانت تغتسل لكل صلاة، وهذا اجتهاد منها ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وإنما هذا من باب النظافة، والواجب إنما هو الغسل عند انتهاء مدة الحيض، فإذا أدبرت العادة وانتهت بإنها تغتسل، فهذا هو الغسل الواجب، وأما كونها تغتسل لكل صلاة فهذا اجتهاد منها.

وقد جاء في بعض الروايات: أنها تجمع بين الصلاتين كما سيأتي، فتجمع بين الظهر والعصر، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، فتؤخر الظهر وتعجل العصر، وكذلك تجمع المغرب مع العشاء، فتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر، فكانت تغسل ثلاث مرات: تجمع الظهر والعصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتجمع المغرب مع العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً؛ لأن الاستحاضة نوع من المرض، وتغتسل للفجر.

والحديث فيه أنها كانت تصلي مع النبي ولا يمنعها ذلك، لكن تتلجم وتتحفظ حتى لا تلوث ثيابها وتلوث المسجد، وتتوضأ لكل صلاة؛ لأنها في حدث مستمر.

إسناد آخر لحديث عائشة في استحاضة أم حبيبة

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن سلمة قال: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة رضي الله عنها: (أن أم حبيبة ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي) ].

قوله: (ختنة الرسول) يعني: أخت زوجته، فالختن هو: قريب الزوجة كأخت زوجته. وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وهي أخت حمنة بنت جحش، وكلهن كن مستحاضات.

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلك عرق) يعني: هذا الدم المطلق عرق وليس بحيضة، فإذا انتهت مدتها فاغتسلي ثم صلي، وكل هذا يدل على أن المستحاضة إذا كانت معتادة تعمل بالعادة، فتجلس عادتها قبل إطلاق الدم، ثم إذا انتهت العادة اغتسلت الغسل الواجب، ثم بعد ذلك تتحفظ وتتلجم وتتوضأ لكل صلاة، وتصوم وتصلي، ولا تمتنع من الصلاة، ولا تمتنع من زوجها أيضاً؛ لأن هذا ليس بحيض، وإنما تمتنع من زوجها ومن الصلاة في وقت الحيض.

والنسائي رحمه لله هنا أتى بهذه الأحاديث المتعددة على طريقة الإمام مسلم في هذا.

إسناد لحديث عائشة في استحاضة أم حبيبة

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة قال: حدثني الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنه الله عنها قالت: (استفتت أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني أستحاض، فقال: إنما ذلك عرق فاغتسلي وصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة) ].

والخطاب هنا هو لـأم حبيبة ، وقوله: (ذلكِ) بالكسر.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (أن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم، قالت عائشة رضي الله عنها رأيت مركنها ملآن دماً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي).

أخبرنا قتيبة مرة أخرى ولم يذكر جعفراً ].

وهذا الحديث صريح بأنها تعمل بالعادة، وقوله: (امكثي) أي: مدة ما كانت تحبسك عادتك، يعني: قبل إطلاق الدم فإنها فإذا كانت تحبسها عادتها خمسة أيام، تجلس خمسة أيام، سواء من أول الشهر أو من وسطه، فإذا كانت سبعة أيام فإنها تجلس فيها، ثم تغتسل وتصلي ولو كان عليها الدم، ولكن بعد التحفظ.

شرح حديث أم سلمة (أن امرأة كانت تهراق الدم...)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها: تعني أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصلي) ].

والصحيح بأنها تجلس عدد الأيام التي كانت تجلسها قبل أن يسقط عليها الدم، فإذا انتهت الأيام فإنها تغتسل وتستثفر، يعني: تتلجم وتتحفظ بأن تضع على فرجها حفائظ، والحفائظ الآن موجودة، وكانت المرأة في الأول تجعل شيئاً من القماش تربطه على فرجها، فبعدما تغتسل تتحفظ وتصلي ولو كان عليها الدم، لكن عليها أن تتوضأ لكل صلاة؛ لأنها على حدث دائم.

والمستحاضة هي مثل من به سلس البول، فلا بد أن يتوضأ لكل صلاة؛ لأنه على حدث دائم، فإذا دخل الوقت تتوضأ، ولا يؤثر بعد ذلك خروج الحدث، لكن لا تتوضأ إلا بعد دخول الوقت.

والمستحاضة لها أن تجمع بين الصلاتين بوضوء واحد؛ لأن الاستحاضة نوع من المرض، كما بينه صلى الله عليه وسلم للتي جاءته تسأله عن الاستحاضة فكانت تؤخر الظهر إلى آخر وقتها، وتعجل العصر في أول وقتها، وهذا جمع صوري، يعني: إذا بقي من وقت الظهر مقدار أربع ركعات صلت الظهر، ثم يدخل وقت العصر فتصلي بعدها العصر، وكذلك صلاة المغرب تؤخرها إلى آخر وقتها قبل مغيب الشفق، وتعجل العشاء.

ذكر الأقراء

شرح حديث عائشة في انتظار المستحاضة أم سلمة (أن امرأة كانت تهراق الدم ...)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الأقراء.

أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق بن بكر قال: حدثني أبي عن يزيد بن عبد الله عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها: (أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وأنها استحيضت لا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة) ].

يعني: أنها تجلس لعادتها، والأقراء جمع فرء، واختلف في القرء هل هو الحيض أو الطهر.

فمن العلماء من قال: إن المراد بالأقراء: الحيض، وهم الحنابلة، ومنهم من قال: المراد بها: الطهر، ومنهم من قال: إنها من الأضداد، ومن ذلك قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، حيث تعتد بالحيض أو تعتد بالأطهار، والحنابلة يقولون: تعتد بالحيض، وآخرون منهم الشافعي وجماعة يقولون: تعتد بالأطهار.

والحديث هنا صريح في أنه الحيض: (فلتنظر قدر قرئها) يعني: قدر المدة التي تحيضها قبل أن يسقط عليها الدم، فسمى الحيض قرءاً، فدل على أن الأقراء هي الحيض، فالأرجح أن الأقراء هي الحيض، وقد يطلق القرء على الأطهار.

إسناد آخر لحديث عائشة في انتظار المستحاضة قدر قرئها التي كانت تحيض

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها: (أن أم حبيبة بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليست بالحيضة؛ إنما هو عرق. فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها، وتغتسل وتصلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة) ].

وهذا صريح في أن المراد بالأقراء الحيض؛ وذلك في قوله: (قدر أقرائها).

وكانت تغتسل لكل صلاة اجتهاداً منها؛ من باب النظافة.

شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش في ترك الصلاة في القرء

[ أخبرنا عيسى بن حماد قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة : أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثت: (أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء) ].

وهذا أيضاً صريح في أن المراد بالقرء الحيض، فإنه قال: (إذا أتاك قرؤك) يعني: حيضك، والقَرء جمعه أقراء، مثل فلس وأفلاس، ويقال: قُرْء أيضاً، ولكن قدم في القاموس الفتح، قرء وأقراء، ويقال: قُرْء وأقراء.

فهذا الحديث دليل على أن الأقراء هي الحيض، ودل على أن المراد بالأقراء في قوله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] الحيض، يعني: إذا مرت ثلاث حيضات خرجت من العدة.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا الدليل على أن الأقراء حيض.

قال أبو عبد الرحمن : وقد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن عروة ولم يذكر فيه ما ذكر المنذر ].

أي: هذا دليل على أن الأقراء حيض، والقرء واحد الحيضة، وإذا أريد الجمع فيقال: أقراء.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبدة ووكيع وأبو معاوية قالوا: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) ].

وهذا الحديث فيه دليل أيضاً على أن الأقراء هي الحيض.

ذكر اغتسال المستحاضة

شرح حديث عائشة في غسل المستحاضة

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر اغتسال المستحاضة.

أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: (أن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها: إنه عرق عاند، فأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً واحداً) ].

وهذا فيه جواز الجمع للمستحاضة؛ لأن الاستحاضة نوع من المرض، والآمر لها هو النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر بالاغتسال للاستحباب، فإذا جمعت بين الصلاتين فلا بأس، فإذا كان يشق عليها فلها أن تجمع؛ لأنها مريضة، فالاستحاضة نوع من المرض، وهذا الجمع جمع صوري، فتؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل، وتغتسل للفجر، فتغتسل ثلاث مرات، في الظهر والعصر مرة، والمغرب والعشاء مرة، والفجر مرة، وهذا من باب الاستحباب، وإلا فالواجب الغسل عند انتهاء مدة الحيض؛ لأن النبي لم يأمر غيرها بالاغتسال.

الاغتسال من النفاس

شرح حديث: أسماء بنت عميس في اغتسالها للإهلال حين نفست

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الاغتسال من النفاس.

أخبرنا محمد بن قدامة قال: حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديث أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـأبي بكر رضي الله عنه: (مرها أن تغتسل وتهل) ].

هذا فيه الاغتسال للإحرام، والنفاس في هذا الحديث هي أسماء بنت عميس ، وهي امرأة أبي بكر ، وذلك أنها ولدت بذي الحليفة في حجة الوداع، فأرسلت إلى النبي تسأله ماذا تعمل؟ لأنها تريد أن تحرم، فهي ولدت في الميقات، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتحفظ بالثوب، وتغتسل وتفيض، وهذا يدل على أن الحائض والنفساء تغتسل للإحرام، وهذا الاغتسال ليس بواجب، وإنما هو مستحب للنفساء ولغير النفساء.

ولو قال المؤلف: باب اغتسال النفساء للإحرام، لكان الحديث مطابقاً للترجمة، وأما قوله: باب الاغتسال من النفاس، فليس مطابقاً؛ لأن هذا الاغتسال لا يكفيها، ولأن هذا الاغتسال إنما هو للإحرام، وعلى النفاس إذا انقطع منها الدم أن تغتسل.

والحائض أو النفساء لا تطوف الإفاضة حتى تطهر؛ لقصة صفية رضي الله عنها.

الفرق بين دم الحيض والاستحاضة

شرح حديث: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف ...)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة.

أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي عن محمد - وهو ابن عمرو بن علقمة بن وقاص - عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها : (أنها كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق) ].

يعني: أن دم الحيض دم أسود يعرف، يعني: تعرفه النساء، أو له رائحة، وهو منتن، وهذا هو الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فدم الحيض دم أسود ثخين تعرفه النساء، أو أن له عرفاً ورائحة منتنة، وأما دم الاستحاضة فهو دم رقيق خفيف أحمر.

فإذا انتهت مدة دم الحيض فإنها تميز ذلك ولم يكن لها عادة، وإن كان لها تمييز تعمل بالتمييز، فتجلس مدة نزول الدم الأسود الثخين المنتن، فإذا انتهى وجاء الدم الأحمر الرقيق اغتسلت وتحفظت وصلت.

وإذا لم يكن لها عادة وليس لها تمييز فهذه تسمى متحيرة، فتجلس على حسب العادة النسائية؛ على حسب عادة عماتها وخالاتها، فإذا كن يجلسن خمسة أيام فتجلس خمسة أيام وهكذا، ثم تغسل، ولذلك قال: (فاغسلي عنك الدم وصلي).

أسانيد حديث عائشة في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي هذا من كتابه أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي من حفظه قال: حدثنا محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (أن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي) .

قال أبو عبد الرحمن : قد روى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي . والله تعالى أعلم ].

يعني: أن ابن أبي عدي روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة بزيادة ( توضئي لكل صلاة)، وغيره لم يذكر هذه الزيادة.

وبعضهم قال: إذا كانت الزيادة غير مخالفة والراوي ثقة فإنها مقبولة، والزيادة من الثقة مقبولة، وابن أبي عدي ثقة، وهذه الزيادة فيها فائدتان: الأولى: أنها تغتسل إذا انتهت أيام الحيض، والثانية: أنها تغتسل في كل صلاة، وهي بهذا ليست مخالفة.

لكن بعضهم قال: لا يعمل بالزيادة، فإذا كان الذي زادها خالف الأكثر وخالف الأحفظ، فالعبرة بقول الأكثر والأحفظ، كما مر في مقدمة ابن الصلاح .

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا حماد - وهو ابن زيد - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي، فإنما ذلك عرق وليست بالحيضة، قيل له: فالغسل؟ قال: ذلك لا يشك فيه أحد) ].

الغسل بعد انتهاء مدة الحيض لا شك فيه، ولا بد منه، ولا تصح الصلاة إلا به.

[قال أبو عبد الرحمن رحمه الله: لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث: (وتوضئي) غير حماد بن زيد ، وقد روى غير واحد عن هشام ولم يذكر فيه: (وتوضئي) ].

يعني: أنه انفرد بهذه الرواية عن هشام من بين تلاميذه، وهذه زيادة ثقة، وليست مخالفة، وعلى قول المتأخرين كالحافظ ابن حجر وغيره تكون مقبولة.

وإنما تكون شاذة إذا خالف راويها، وهو هنا لم يخالف.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قالت فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها: يا رسول الله! لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي) ].

أي: لأنها معتادة، وإذا كانت معتادة تعمل بالعادة.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أبو الأشعث قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: (أن بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني لا أطهر، أفأترك الصلاة؟ قال: لا؛ إنما هو عرق).

قال خالد فيما قرأت عليه: (وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) ].

وهذه الأحاديث كلها صريحة في أن المعتادة تعمل بالعادة، وأنها لا تترك الصلاة مدة الدم كلها، وإنما تترك الصلاة مدة عادتها إذا كان لها عادة، وإن لم يكن لها عادة تعمل بالتمييز الصالح، فإن لم يكن لها تمييز ولا عادة تحيضت في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام على عادة النساء من أول كل شهر، كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الأخرى، ثم تصلي بقية الأيام.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن النسائي كتاب الطهارة [11] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

https://audio.islamweb.net