اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة سبأ [27-33] للشيخ : المنتصر الكتاني


تفسير سورة سبأ [27-33] - (للشيخ : المنتصر الكتاني)
يستعجل الكفار عذاب الله سبحانه، استهزاء برسلهم وجحوداً لوقوعه، لكن حين يأتيهم ويحل بهم يتبرأ التابع من المتبوع، ويلقي عليه اللوم، ويدفع المتبوعون عن أنفسهم هذا اللوم، وهذا لا ينفعهم بشيء ولا ينجيهم من العذاب بعد كفرهم به في الدنيا واستعجالهم له.
تفسير قوله تعالى: (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء ...)
قال الله جل جلاله: قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سبأ:27] .يأمر الله سبحانه نبيه أن يقول للذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً: قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ أي: أروني إما رؤيا بصرية، أو رؤيا قلبية، أي أعلموني بذلك وأخبروني عن هؤلاء الذين كذبتم على الله واتخذتموهم شركاء له. كَلَّا وهي إضراب عن كلام سبق أن قيل، أي: لم يكن ذلك ولا أصل له ولا حقيقة ولا واقع، فليس هناك إله غير الله وليس هناك رب سوى الله وليس لله شريك، بل الكل عبيد لله وخلق لله ولكن من اتخذ ذلك اتخذه زوراً وكذباً، فسمى أسماء واخترعها وليس له عليها من الله سلطان. كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إضراب عما قيل في الكلام قبل، أي: قيل هناك شركاء، وقيل هناك أصنام، كلا ليس هناك شيء، بل الموجود المعبود الخالق الرازق هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . العزيز الذي انفرد بالقدرة والقهر وهو القاهر فوق عباده، والحكيم في أقواله وأفعاله وأحكامه جل جلاله. بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فليس هناك أوثان، وليس هناك شركاء، بل الموجود هو الله، وموجد الوجود هو الله جل جلاله، والكل له عبيد مقهورون مغبوطون ليس لهم شرك مع الله ولا اتخذ الله منهم معيناً ولا مساعداً.
 

تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس ...)
قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [سبأ:28]. زعمت طوائف من اليهود في العصر النبوي ويزعم هذا بعض من أضله الله عن علم أو عن جهل بأن النبي لم يُرسل إلا إلى العرب، وأن اليهود لهم نبيهم، وأن النصارى لهم نبيهم، فاتخذوا مع الله آلهة شركاء ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا البلاء أخذ يقوله اليوم من يتزعم ويتحكم في بعض الشعوب الإسلامية، فقد أضله حتى كفر بالله وارتد عن دين الإسلام، فذهب يزعم في كتاب أذاعه ونشره أن النبي لم يرسل إلا إلى الوثنيين، ولم يُرسل إلى اليهود ولا إلى النصارى. يقول تعالى تأديباً لهؤلاء ممن يعبدون الأوثان قبل وبعد، وممن جعلوا لله شريكاً بلا دليل ولا سلطان من الله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا . أي: يا محمد لم نرسلك إلا لكل الخلق ولكل الناس، وهذه الآية هي كما قال الله له وأوحى إليه: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] وقال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، فهو النبي والرسول للخلق كافة عربهم وعجمهم، أحمرهم وأسودهم، شرقيهم وغربيهم، وهو الذي أُرسل لجميع عوالم عصره والعوالم التي بعده إلى يوم القيامة، فلا نبي ولا رسول بعده، هو خاتم الأنبياء وهو خاتم الرسل صلى الله عليه وعلى آله. وقد قال عليه الصلاة والسلام كما تواتر عنه من جملة خصائصه: (كان الأنبياء قبلي يُبعثون إلى أقوامهم خاصة وأرسلت إلى الناس كافة) فكان الأنبياء السابقون أنبياء قوميين لم يرسلوا إلا لأقوامهم، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام نبي البشرية كلها ونبي العوالم كلها من أدركه في عصره ومن سيأتي بعده إلى يوم النفخ في الصور.وقال عليه الصلاة والسلام: (بعثت إلى الأحمر والأسود) كل هذا من المعلوم في دين الله بالضرورة، فمن أنكر ذلك بل من تشكك فيه خرج عن الإسلام وأصبح مرتداً. ولذلك الخلق كلهم من يوم ظهر النبي صلى الله عليه وسلم في الديار المقدسة ودعا الناس إلى الإيمان برسالته؛ أصبح كل الخلق منذ تلك اللحظة وإلى يوم القيامة يعتبرون شعوباً وأمماً وعوالم محمدية، ولكن من أجاب واستجاب للرسالة المحمدية كان أمة إجابة، ومن تمرد وأعرض كان أمة متمردة معرضة. بعد ظهور النبي عليه الصلاة والسلام لم تبق رسالة موسى ولا رسالة عيسى ولا رسالة أي من الأنبياء، فقد كانوا أنبياء في وقت مخصوص ولأقوام بأعيانهم، فلما رُفع عيسى لم يرسل بعده نبي خلال 650 عاماً إلى أن أرسل الله محمداً العربي الهاشمي المكي المدني الرسول العام الشامل لكل الخلق، ولم تبق نبوة ولا رسالة بعده، وكل من أنكر ذلك وكل من تشكك في ذلك خرج عن الإسلام بخرافات وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان، وكل من قال سوى ذلك يكون قد أنكر القرآن الكريم والسنة النبوية والرسالة المحمدية. قال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ : أكثر الناس لا يؤمنون بهذه الحقيقة ولا يعلمونها، ولذلك يقول ربنا لنبينا عليه الصلاة والسلام: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] وقال تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:13-14] هي قلة ممن آمن قبل، وفئة قليلة ممن آمن بعد. وسكان الأرض اليوم أربعة مليار نسمة، المسلمون منهم لا يتجاوزون ملياراً، والباقي كلهم بين عبدة عيسى ومريم وعبدة العجل والعزير وعبدة النيران والحيوانات وعبدة ماركس ولينين ، وعبدة ما لم ينزل الله به من سلطان من كل من ضل وأضل ولم يقدم لنفسه نفعاً ولا ضراً. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنك النبي الهادي لكل البشر، وأنك الرسول الخاتم لكل العوالم لا نبي بعدك ولا رسول، وأنزل عليك القرآن الكريم لتنذر به الناس ومن بلغ، أي: ومن سمع ذلك يجب عليه أن يدين بهذا وإلا كان كافراً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي) لو قُدّر وعاش موسى لما وسعه إلا أن يكون تابعاً لمحمد مسلماً ومؤمناً بدينه، وعيسى لا يزال حياً وهو في السماء الدنيا وسينزل في آخر الزمان فيحكم بدين محمد وبالكتاب المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك من كتب في تراجم الصحابة ترجم لعيسى على أنه من الصحابة وأنه من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الصحابي من آمن برسول الله ورآه في حياته ومات على ذلك، وعيسى اجتمع بنبينا في السماء الدنيا ليلة الإسراء ورحّب به وخاطبه بالرسالة. وسينزل الأرض ويكون على دين الإسلام فيأتم بأئمة المسلمين في صلاته، وسيحج حج المسلمين في مكة ومنى وعرفات.. فهو على ذلك صحابي محمدي كما ترجم له الحافظ العسقلاني في الإصابة وأطلق عليه تعريف الصحابي.
 

تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)
قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [سبأ:29]. هؤلاء عندما قال لهم نبي الله: يوم القيامة يجمع بيننا ربنا ثم يحكم بيننا بالحق، أنكروا هذا الجمع وأنكروا يوم القيامة وأخذوا يقولون: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[سبأ:29]. أي: متى سيكون ذلك؟ يقولون ذلك متشككين ومتلاعبين وهازئين. وَيَقُولُونَ يقول الكفرة والمشركون مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[سبأ:29] يخاطبون النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الذين يؤمنون به وباليوم الآخر: أين هذا اليوم الموعود؟ متى ستكون القيامة؟ وسئل النبي عليه الصلاة والسلام من جبريل: متى الساعة؟ قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: أستوي أنا وأنت في عدم معرفتها فهي من العلم المكنون الذي استأثر الله به، ولا يعلمه سواه، ولكن لها علامات، فسأل جبريل النبي عليه الصلاة والسلام: وما أماراتها؟ وكان من الأمارة الأولى والعلامة الأولى بعث النبي عليه الصلاة والسلام فهو نبي آخر الزمان ورسول آخر الزمان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (بعثت والساعة كهاتين) وأشار بالسبابة والوسطى.
 

تفسير قوله تعالى: (قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ...)
قال تعالى: قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ [سبأ:30]: يوم خلق الله الخلق ويوم كوّن النطفة في رحم أمها جنيناً، ويوم أمر الله الملك بنفخ الروح كتب الله أهو شقي أم سعيد، أغني أم فقير، أمؤمن أم كافر، ما أجله.. فالآجال قد أُحصيت قبل خلق الخلق، وقدّرت المقادير قبل خلق الدنيا بآلاف السنين، وطويت الصحف على اللوح المحفوظ الذي قال الله عنه: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق:29] واللوح الذي من قبل الملائكة الذي قال عنه: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39] قد قدّر الله ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق بآلاف السنين، فمن كانت له حياة مهما كانت ومهما لقي من العذاب والمحن لا بد أن يبلغها، ومن قُدّر عليه شيء لا بد أن يصل إليه خيراً أم شراً. قال الله تعالى: قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ [سبأ:30]. أي: لكم يوم موعود ستموتون فيه، فاليوم المذكور هنا يوم الوفاة، وهو يوم القيامة الصغرى، واليوم الموعود هو يوم القيامة الكبرى، اليوم الذي يُبعث فيه الخلق إلى الله وينتصبون قياماً للعرض عليه لحسابهم، ليدخل الجنة من فاز وليدخل النار من خاب. قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ ميعاد: موعد، أي وقت محدد معلوم مقدر في الأزل في اللوح المحفوظ، لا يتقدم عن وقته ساعة ولا يتأخر ساعة، فنحن نرى أنه قد يتعرض الإنسان لكل أنواع الموت فلا يموت، قد يقع من الطائرة وهي في أجواء الفضاء فلا يموت، قد يغرق في البحر ويردم عليه الردم ثم يخرج حياً؛ وقد يموت الإنسان من عثرة، أو من وقوع إناء عليه. قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً أي: لا تتأخرون -ولو طلبتم- ولو ساعة من زمن والتاء للطلب. وَلا تَسْتَقْدِمُونَ أي: ولو طلبتم أن تموتوا، ولا بد من اليوم الموعود عند الله المكتوب في اللوح المحفوظ الذي كُتب على الجبين يوم زُرعت الروح للجنين وهو في بطن أمه؛ فلا تستعجلوا العذاب، الكلام مع الكفار الذي يستعجلون بالآخرة ولا يؤمنون بها، أما المؤمنون فهم منها وجلون خائفون ومن يوم العرض على الله ترتعد فرائصهم، وهؤلاء لا يقولون ذلك إلا كفراً بها وعدم إيمان بها، وسيرون ذلك عند الغرغرة.
 

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ...)
قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31].لو ترى -يا محمد- حال هؤلاء المنكرين للبعث الذين يستعجلون يوم القيامة ولا يحسبون لها حساباً ولا يهابون يوم العرض على الله وهم في النار خالدون، يقول الله عن هؤلاء الذين أصروا على الكفر: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ . لن هنا يقال عنها لن الزمخشرية، أي أنها للنفي المؤبد، يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: لن نؤمن بهذا القرآن الذي أُنزل عليك، لن نؤمن به كتاباً من الله، ولن نؤمن به وحياً، لن نؤمن به كلاماً من الله. وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي: ولا بما سبقه قبل أن ينزل، فلا يؤمنون بالتوراة ولا بالإنجيل ولا بجميع الرسالات والكتب السماوية؛ فهم كفرة يتحدون بكفرهم، وهم مشركون مصرون على كفرهم يتجاهرون بذلك ويعلنونه.قال تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام عن هؤلاء: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: لو ترى هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك بالله محبوسين عند ربهم وموقوفين للعرض وللحساب ولمناقشة الكتاب؛ لو تراهم يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ أي: يتجادلون يقول بعضهم لبعض كلاماً يرجع له الآخر بالقول ويجادله يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ . هذا الذي كانوا يرجعون به في الجدال وفي الخصام وفي النزاع بعد أن جمعتهم النار، فهم يرجعون القول ويتجادلون ويتخاصمون ويتنازعون. يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي: يقول الأتباع الفقراء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي: لأوليائهم وسادتهم وزعمائهم وخبرائهم: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ أي: لولا ما نشرتم بيننا من الكفر وأمرتمونا به وسعيتم به بيننا وصددتمونا عن الله وكتاب الله ورسالة الأنبياء.. لولا ذلك لكنا مؤمنين.
 

تفسير قوله تعالى: (قال الذين استكبروا للذين استضعفوا ...)
قال تعالى: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ:32]. عندما قال الأتباع للمتبوعين: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ أجابهم هؤلاء القادة والزعماء الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي: تعاظموا في الدنيا ورأوا لأنفسهم شأناً وعظمة وكبراً لأنهم سخروا من الأتباع وجروهم إلى اتباعهم وأضلوهم عن الله وعن دين الله وعن رسل الله؛ فأخذ هؤلاء الكبراء يجيبون: أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ استفهام إنكار تقريعي، أي: أنحن الذين منعناكم؟ هل ربطنا أيديكم بالأغلال، أم جعلنا على أرجلكم أكبالاً؟ هل أجبرناكم إلى أن كفرتم ودخلنا في عقولكم؟ ليس الأمر كذلك بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ أي: أنتم مجرمون في الأصل لأنا قلنا كلاماً نحن في أنفسنا لم نتحقق منه ولم نأت عليه بدليل ولا برهان، إنما استغفلناكم وأخذنا أموالكم وركبنا أكتفاكم وأصبحنا قادة وزعماء على حسابكم، وكنتم أنتم قد أطعتم النزوات والشهوات وكنتم مجرمين في قبولكم، إذ اتبعتم ما لا دليل عليه ولا منطق فيه ولا برهان يؤكده، ما ذلك إلا لطبيعتكم المجرمة التي قبلت هذا بلا دليل ولا برهان.
 

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا ...)
قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:33].عاد الضعفاء وأجابوا الكبراء وقالوا لهم: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا : أي: هي أباطيلكم التي دأبتم في الليل والنهار تعلنونها وتجرونا إليها وتلبسون علينا الحقائق. والمكر: الحيل والأباطيل، أي: تحايلتم علينا بأن قلتم لنا اكفروا بالله واجعلوا له أنداداً، أي: أشباهاً مما تشركون به. قال تعالى: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ : أسر: من الأضداد، يكون معناها الجهر ويكون معناها السر، وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ أي: جهروا بالندامة، وهذا الكلام يدل على أنهم جهروا بها فأخذ بعضهم يوبخ بعضاً وكفر الأتباع بالزعامات والسيادات وتبرأ الكبراء من الصغراء، والنار قد جمعت الجميع، ولن يفيدهم ذلك هيهات! لقد أضاعوا فرصة الحياة وأضاعوا فرصة الشباب التي قال عنها في الحديث: (شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وعافيتك قبل مرضك) فهؤلاء قد تركوا الفرص كلها مدة حياتهم فما آمنوا يوماً ولا قالوا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، حتى إذا رأوا الحقائق أخذ بعضهم يشتم بعضاً وأخذ بعضهم يتبرأ من بعض؛ والكل جمعتهم النار. قوله تعالى: وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا أُخذ كل كافر صغيراً وكبيراً وجُعل في أعناقهم أغلالاً من حديد سحبوا منها على وجوههم في النار وقيل لهم: امكثوا خالدين أبداً دائماً سرمداً. والأغلال: جمع غُل، وهو الحبل الذي في العنق يُسحب به إلى النار. والأعناق: جمع عنق. قوله: هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: فلا يلومون إلا أنفسهم هم الذين أشركوا بالله وكفروا بالله في دار الدنيا، كذّبوا أنبياءهم، كذّبوا كتب ربهم، ووقعوا فيما كانوا به يكذّبون، فلعن بعضهم بعضاً وتبرأ بعضهم من بعض، وأحاطت الملائكة بالتابع والمتبوع فجعلوا الأغلال في أعناقهم وسحبوهم منها إلى النار، وهل جزاء الكافر المشرك الظالم لنفسه إلا أن يعذّب عذاباً أبداً سرمداً. جاء الأنبياء بهذا يعلمون ويبلغون وينذرون الكافرين ويبشّرون المؤمنين، ولكن هؤلاء أبوا في إصرار وتحدوا وقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ:31] أي: لا يؤمنون بكتاب سماوي البتة، فكما كفروا بالتوراة والإنجيل من قبل كفروا بالقرآن بعد ولم يؤمنوا برسالة سماوية ولا بكتاب من عند الله، وإذا بالدنيا تذهب ثم تأتي ملائكة الموت فرأوا الحقائق التي كانوا ينكرونها، فيجرون بالسلاسل في الأعناق، وذلك جزاء الكافرين.
 

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة سبأ [27-33] للشيخ : المنتصر الكتاني

http://audio.islamweb.net