اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحجرات [11-12] للشيخ : المنتصر الكتاني


تفسير سورة الحجرات [11-12] - (للشيخ : المنتصر الكتاني)
السخرية والاستهزاء والغيبة والنميمة والتجسس أدواء قاتلة وأمراض اجتماعية مزمنة، يسعى القرآن العظيم بتعاليمه السامية إلى اقتلاع هذه الأدواء من جذورها، فهو يحذر منها أشد التحذير، لما فيها من إنهاك للروابط الأخوية وهتك لأستار الله على المسلمين.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ...)

 معنى قوله تعالى: (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان)
قال تعالى: بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11]. فما أقبح أن ينتقل المرء من مؤمن إلى فاسق؛ لأن لمز أخيك المسلم، والهزء بأخيك المسلم يجعلك تكون فاسقاً، ولا يليق بمسلم أن يقبل مثل هذا اللقب.فذاك جزاء من يفعل مثل هذا، ولما كانت الألقاب ليست بالأمر الهين كان الجزاء بها عقوبة قائلها بغير صدق، فلو قال إنسان: هذا زانٍ وكان الأمر كذلك فهو قد لقبه بما يستحق، وإن كان الأمر على غير ذلك فإنه يكون قاذفاً، وحد القذف أن يجلد صاحبه ثمانين جلدة، وهو كبيرة من الكبائر، وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11].فما أقبح وأهون أن ينتقل المرء من الإيمان إلى الفسوق؛ لأنه ارتكب أفعال الفساق الخارجين عن العدل والحق، العصاة لله فيما به أمر، والعصاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما به أمر، أو عنه نهى.فالله تعالى ينفر المؤمن من هزئه بإخوانه المسلمين بأن يقول الناس عنه: إنه فاسق؛ لأنه هزأ بأخيه ولمزه وتنقصه.قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11]، فهؤلاء الذين يفعلون ذلك وقد نهاهم الله عنه وأعلن شين ذلك وقبحه دعاهم ربهم إلى التوبة، فإن تابوا تاب الله عليهم وغفر ذنوبهم وكفر عنهم سيئاتهم، فإن لم يتوبوا فأولئك هم الظالمون.ومن كان ظالماً استوجب عقوبة القاضي بالتأديب والتعزير وعقوبة الله باللعنة ودخول النار وتعذيبه بها جزاءً وفاقاً على ما آذى به أخاه المسلم وأنكر أخوته وأنكر حقه، والجزاء بحسب العمل.فالله حكم عليه بالظلم إذا لم يتب، والظلم تترتب عليه عقوبات في الدنيا، وعقوبات في الآخرة، فعلى الحاكم أن يتولى عقوبة الظالم، وإن شاء الله تعالى بعد ذلك زاده عذاباً على عذاب، وإن تاب وأناب غفر الله وهو خير من يغفر وخير من يعفو جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ...)

 معنى قوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضاً)
قال تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات:12]، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة، فقيل: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ فقال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) أي: قد كذبت عليه ببهتان.والغيبة: هي ذكرك أخاك المسلم بما يكره مما هو قائم به، إلا إذا كان قد جاهر بالفسق وبالمعاصي، ففي الحديث النبوي: (اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس)، كأن يجاورك جار أنت تعلم فسقه وتعلم فساده، فلك أن تحذر أهل الحي والجيران منه فتقول عنه: هذا فاسق. ولا تكون هذه غيبة. وقد قال الحسن البصري رضي الله عنه: من ارتكب المعاصي وجاهر بها سقطت حرمته من الغيبة؛ لأنه أعلن المنكرات بنفسه ولم يرع حرمة، لأن الحرام هو حرام في حد ذاته، فإذا أعلن فقد أصبح حرامين، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من ارتكب إثماً فليستتر). فالستر في الآثام مطلوب في حد ذاته، أما إذا جوهر به فذلك إثم آخر، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (من ارتكب الحرمتين فاقتلوه)، وقد كنت أفتيت مرة وأنا في الشام بأن الآكل في رمضان علناً في الشوارع يقتل، لأنه ارتكب الحرام الأول بأن انتهك حرمة رمضان، فأفطر في رمضان بدون عذر ولا سبب من سفر أو مرض، ثم بعد ذلك جاهر بهذه الجريمة وأعلنها بين الناس، ولسان حاله يقول: من أنتم؟ وما دينكم؟ وما رمضان؟وقد كنت مرة في آخر أيام رمضان ذاهباً إلى المدينة، فوقفت بالسيارة لأملأها بالوقود، فإذا بي أجد اثنين مفطرين في رمضان، فتقدمت إليهما وقلت لهما: أأنتما من اليهود؟ فقالا: نعم، فقلت: كيف تدخلان مكة وأنتما يهوديان؟! وهذا منهما استهتار، وبعد ذلك قرأت فتوى لمفتي الشام الشيخ عبدين يقول: إن منتهك حرمة رمضان جهاراً نهاراً قد ارتكب حرمتين: الجهر بالمعصية والكبيرة، وانتهاك حرمة الشهر، فمن فعل ذلك فقد ارتكب الحرمتين، وفيها يقول عليه الصلاة والسلام: (من ارتكب الحرمتين فاقتلوه).

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحجرات [11-12] للشيخ : المنتصر الكتاني

http://audio.islamweb.net