إسلام ويب

في يوم القيامة يمسك الله تعالى السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهزهن تبارك وتعالى ويقول: أنا الملك، وفي ذلك إثبات لصفة الأصابع لله تعالى كما يليق بجلاله، كما أن أرض المحشر في ذلك اليوم العظيم يبسطها الله عز وجل حتى تكون كالقرص، ويجمع عليها الخلق منذ آدم عليه السلام وإلى آخر من قامت عليهم الساعة.

صفة القيامة والجنة والنار

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد:

(كتاب: صفة القيامة والجنة والنار).

شرح حديث: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن إسحاق -وهو محمد بن إسحاق الصاغاني- قال: حدثنا يحيى بن بكير -وهو يحيى بن عبد الله بن بكير، ينسب غالباً إلى جده- قال: حدثني المغيرة الحزامي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105])].

والأخسرون أعمالاً هم الذين آثروا الكفر على الإيمان، فهذه الآية قد وردت في الكافرين: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ [الكهف:105] أي: للكافرين يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105] أي: لا نقيم لهم وزناً ولا قدراً ولا شرفاً، فمهما عظمت أبدانهم فإنهم لا يزنون عند الله - أي: في ميزان الحق - جناح بعوضة.

وضرب الله عز وجل مثلاً لهذا بأحقر المخلوقات وهي: الذبابة، بل وضرب بأحقر شيء فيها وهو جناحها الذي لا يكاد يرى.

ولذلك ورد في غير مسلم : (وإن الرجل العظيم السمين، الأكول الشروب) يعني: الضخم جداً في هيئته ومنظره، وطوله وعرضه، فهذا رجل إذا كان كافراً فإنه يأتي يوم القيامة وجناح البعوضة أثقل في الميزان منه، قال تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105].

شرح حديث: (جاء حبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ...) وإثبات صفة الأصابع لله تعالى

[حدثنا أحمد بن عبد الله بن رمح حدثنا فضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم التيمي عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء حبر -والحبر: بفتح الحاء على الأفصح، وهو العالم من علماء اليهود- إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! أو يا أبا القاسم!) لأنه ليس له أن يقول: يا نبي الله؛ لأن هذا إقرار منه بنبوة محمد، والقضية كلها متعلقة بالإنكار بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام.

قال: [(إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع)] وهذا يدل على أنه كان يجد هذا الكلام في كتب أهل ملته.

قال: [(والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق -أي: مما لم يذكر آنفاً- على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً مما قال الحبر).

أي: ضحكه عليه الصلاة والسلام ليس إنكاراً وإنما كان تعجباً، ولو كان هذا الكلام باطلاً لغضب النبي عليه الصلاة والسلام على الفور؛ لأن هذا كلام يتعلق بالذات العلية، فليس هناك مجال للضحك، ولا على سبيل السخرية، أو الإنكار؛ لأن المؤمن لا يضحك إذا انتهكت حرمة من حرمات الله عز وجل، حتى ولو على سبيل الإنكار، أو السخرية والاستهزاء فإنه لا يضحك، وإنما يغضب ويتمعر وجهه، والنبي عليه الصلاة والسلام قد تغير وتمعر وجهه، واحمر كأنما فقئ فيه حب الرمان مما هو أقل من ذلك مما كان باطلاً، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام من قول الحبر تعجباً وتصديقاً له، هذه الدلالة والقرينة الأولى.

والدلالة والقرينة الثانية قال: [(وتصديقاً له على ما قال، ثم قرأ النبي عليه الصلاة والسلام: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67])].

فالشاهد الثاني: قول الراوي: (وتصديقاً له) أي: وتصديقاً للحبر.

الشاهد الثالث: تلاوة النبي عليه الصلاة والسلام للآية، والتي معناها: ومع ذلك -أيها اليهود- فأنتم ما قدرتم الله حق قدره، وأنتم تعرفون أنه على كل شيء قدير، وأن كل شيء في قبضته وفي يمينه، ومع هذا فأنتم لم تؤمنوا به حق الإيمان.

ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام مصداق قول هذا الحبر من كتاب الله عز وجل فقال: [وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]].

فذكر من كلام الله عز وجل ما يشهد لكلام ذلك الحبر.

وبعض أهل العلم قال: هذا الضحك كان على سبيل الإنكار، واستشهدوا لذلك بلغة العرب، وأن الشخص إذا أنكر شيئاً ضحك منه استهزاءً أو سخرية أو غير ذلك.

والرد عليهم: إذا كان هذا في حق المخلوقين، فإنه لا يجوز ولا يحل في حق الأنبياء؛ خاصة الضحك إذا انتهكت الذات العلية، فضلاً عن هذه الشواهد السابقة التي ذكرتها، وكلها قاضية بأن الضحك كان للإقرار، ولذلك أخرج الترمذي في سننه عن ابن عباس: (أن حبراً من أحبار اليهود دخل على النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا محمد! إن الله يمسك السماوات.

وفي رواية: يجعل السماوات على هذه، وأشار الحبر إلى الخنصر، ويجعل الأرض على ذه، وأشار إلى البنصر، ويجعل الجبال على ذه وأشار إلى الوسطى، حتى عد هذه المخلوقات وختم يده إلى الإبهام).

والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر على هذا الرجل أنه أشار إلى أصابعه في معرض كلامه عن أصابع المولى عز وجل، لأن الأمر مستقر عند النبي عليه الصلاة والسلام وعند هذا الحبر، وعند الصحابة الذين حضروا هذا المشهد أن أصبع اليهودي هو أصبعه، وأصبع المولى عز وجل هو أصبعه، وإذا كان هناك اتفاق فهو في مجرد الاسم لا في كيفية هذا المسمى.

فالله تعالى له أصبع، ولليهودي وللنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحابه وللخلق أصابع، لكن شتان ما بين أصابع الخلق وأصابع المولى عز وجل.

فهذا اليهودي إنما أشار إلى أصابعه، ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأمر كان معلوماً ومستقراً أن البون شاسع بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، واليهود يعلمون ذلك، والنصارى يعلمون ذلك، ولذلك ما أنكر عليهم.

قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب.

وأجمع أهل العلم بالحديث على أن هذه الرواية رواية صحيحة لا مطعن فيها.

فإذا قلت: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خلق الله آدم على صورته)، وفي رواية: (على صورة الرحمن)، وكلاهما روايتان صحيحتان، فلا يعني أنك أنت على صورة الرحمن، أو أن الرحمن على صورتك، وإنما يعني هذا الحديث: أن الله تبارك وتعالى له صورة كما خلقك أنت على صورة، فلك صورة وللمولى عز وجل صورة، ولك يد وللمولى عز وجل يد، ولك ساق وللمولى عز وجل ساق، لكن شتان ما بين هذه الأسماء والصفات، وما بين أسماء وصفات المولى عز وجل.

فأنت سميع والله هو السميع، وأنت بصير والله هو البصير، لكن سمعه وبصره وسائر صفاته وأسمائه لا منتهى لها، وليست حادثة، وأما أنت فحادث بأسمائك وصفاتك، ولك نهاية، لكن الله عز وجل أول بلا ابتداء، آخر بلا انتهاء، أسماؤه وصفاته لا منتهى لها، كما أنها لا أول لها، فلم يكن رزاقاً بعد أن رزق فقط، ولكنه رزاق قبل أن يخلق الخلق ويرزقهم.

وهكذا نقول في كل اسم وصفة، فليست أسماؤه ولا صفاته حادثة أبداً، بل هي أولية بأولية الله عز وجل، آخرة بآخرية الله عز وجل، وهو الأول والآخر سبحانه وتعالى.

قال: [(إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى -أي: التراب الندي- على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن).

وهز المولى عز وجل لهذه المخلوقات يختلف عن هزنا نحن.

[(فيقول: أنا الملك.. أنا الملك، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام)] إلى آخره.

قال: [وحدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير بن عبد الحميد الضبي عن منصور بن المعتمر بهذا الإسناد، قال: جاء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث فضيل بن عياض، ولم يذكر: ثم يهزهن، لكنه زاد: (فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه -أي: أنيابه- تعجباً مما قال؛ تصديقاً له، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: وما قدروا الله حق قدره، وتلا الآية).

حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: سمعت علقمة يقول: قال عبد الله : (جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم! إن الله يمسك السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع).

إذا كانت الصفة متعلقة بالله عز وجل فيحرم على الخلق أن يقولوا فيها بتأويل أو بتكييف، وهو أن يتوهم أحدهم كيفية الصفة، والأصبع الواحدة لا تمسك شيئاً، وهذا في حق المخلوق، وأما المولى عز وجل -ولله المثل الأعلى- فإنه يمسك السماوات بأصبع واحدة، ويمسك الأرضين السبع بأصبع واحدة، والجبال والثرى بأصبع واحدة، وسائر الخلق بأصبع واحدة، ولا يعلم كيفية ذلك إلا الله، وهذا الكلام وهذا التسليم ينبغي أن يكون في كل صفة من صفات المولى عز وجل.

قال: [(والشجر والثرى على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك، قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه) أي: مما قال ذلك الحبر (ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قال: حدثنا أبو معاوية - وهو محمد بن خازم الضرير الكوفي - وحدثنا إسحاق بن إبراهيم المعروف بـابن راهويه وعلي بن خشرم قال: حدثنا عيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي- وحدثنا عثمان بن أبي شيبة أخو أبي بكر، حدثنا جرير، كلهم عن الأعمش سليمان بن مهران الكوفي، زاد في الإسناد: غير أن في حديثهم جميعاً: (والشجر على أصبع)] أي: ولم يقل: والشجر والثرى، وإنما قال: والشجر على أصبع، والثرى على أصبع. [وليس في حديث جرير : (والخلائق على أصبع)، ولكن في حديثه: (والجبال على أصبع).

وفي حديث جرير: (تصديقاً له وتعجباً مما قال)].

وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم حقيقة ذلك، ولو لم يكن يعلمه قبل أن يسمعه من ذلك الحبر لأنكره؛ لأن هذا كلام إن لم يكن فيه خبر السماء لكان كلاماً منكراً، فإذا ورد فيه خبر السماء، وصح عنه عليه الصلاة والسلام ذلك، فلابد من الإيمان والتصديق به، وإن كان فوق مستوى العقل، وهذا هو الابتلاء والاختبار في الإيمان.

شرح حديث: (يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ...)

قال: [حدثني حرملة بن يحيى - وهو التجيبي المصري - قال: أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس - وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب - أي: الزهري - حدثني ابن المسيب - يعني: سعيد - أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟)].

إذاً: فالأرض لا تقبض قبضاً تاماً كاملاً إلا في يوم القيامة، وأما قبضها وطيها جزئياً فإنه يكون قبل يوم القيامة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب السفر أول الليل، وقال: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، فلما سئل عن ذلك قال: إن الله يطوي الأرض بالليل).

وطي الأرض في الحياة الدنيا يختلف عن طيها وقبضها يوم القيامة.

وفي الحديث السابق تهديد ووعيد للحكام والزعماء والأمراء وغير ذلك، وهو أنهم في قبضة المولى عز وجل، فإن أحسنوا فلهم ذلك، وإن أساءوا فعليهم ذلك.

قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن عمر بن حمزة -وهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما-].

وعمر بن حمزة ضعيف إذا انفرد، فما بالك لو خالف؟! وهذا الكلام يعرفه طلاب علم الحديث: أن الراوي الضعيف تكون روايته عند المخالفة أشد نكارة؛ لأن الحديث الشاذ هو ما رواه الثقة مخالفاً لمجموع الثقات، أو ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه، وأما الحديث المنكر: فهو ما رواه الضعيف إذا خالف فيه الثقات، فإذا خالف مجموع الثقات فيكون حديثه أشد نكارة، وهذا ما فعله عمر بن حمزة العدوي .

إثبات صفات الله على الوجه اللائق به سبحانه

[قال: حدثني سالم بن عبد الله - وسالم بن عبد الله بن عمر عم عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر - قال: أخبرني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله).

والأرضين جمع: أرض، وهي الأرضون السبع.

قال: [ثم يقول: (أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)].

والنكارة في هذه الرواية هي في ذكر الشمال، والإمام مسلم قد روى في صحيحه عدة روايات تذكر أن كلتا يديه سبحانه يمين.

والعلماء يقولون: يحرم التخيل في صفات الله، فإذا كان في حق المخلوقين ممكن؛ فإنه في حق الله غير ممكن قط، وقد يستحيل في حق بعض المخلوقات أن تتخيله، كما خلق الله تبارك وتعالى الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إلى ستمائة جناح، وجبريل له ستمائة جناح، والنبي صلى الله عليه وسلم رآه على هيئته التي خلقه الله عز وجل عليها مرتين، وفي كل مرة يراه قد سد الأفق، وهذا أحد مخلوقات الله عز وجل يسد الأفق، حتى أن الناظر إليه لا يرى شيئاً من السماء.

فإذا كنت لا تستطيع أن تتصور جبريل بأجنحته الكاملة كما خلقه الله، فمن باب أولى أن تكف عن تصور صفات المولى عز وجل، ولله المثل الأعلى، كما قال الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وهذه الآية فيها إثبات ونفي، إثبات للصفات التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، ونفي لأمرين: نفي لمنهج الجهمية، وهو: التعطيل.

ونفي لمنهج الأشاعرة والمعتزلة وهو: التأويل.

والأمر كما قال ابن تيمية عليه رحمة الله: من عَبد الله عز وجل بالتمثيل فقد عبد صنماً، ومن عبده بالتعطيل فقد عبد عدماً.

فلا تمثيل ولا تعطيل؛ لأن من عبد الله تعالى ممثلاً له فكأنما يعبد صنم، ولذلك فإن الفرق المنحرفة كلها التي أثبتت الصفات لله عز وجل على نحو ما يفهمون من صفات الخلق إنما بلغوا بالله عز وجل في نهاية المطاف إلى أنه رجل حسن! فقالوا: له يد هي كأيدينا لكنها أجمل من أيدينا، وله عين كأعيننا، ولكنها أجمل من أعيننا.

وفي نهاية الأمر يلزمهم أن يقولوا: إن الله تعالى رجل قبيح! فإن بعض الفرق الضالة قالت: إن الله تعالى أنثى، حتى قال ذلك الكلام الكفري البواح بعض المعاصرين, وكتب ذلك في المجلات والصحف اليومية.

فقال هنا: (يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله)، واللفظ الصحيح الذي ورد في روايات أخرى: (ثم يطوي الأرضين بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟).

قال: [حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا يعقوب - وهو ابن عبد الرحمن القاري - حدثنا أبو حازم سلمة بن دينار الأشجعي عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم].

يعني: أن عبيد الله بن مقسم كان ينظر إلى عبد الله بن عمر وهو يحاكي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: يصف فعل النبي عليه الصلاة والسلام بفمه وبرأسه وبيده وبرجله، إذا كان يتكلم في قضية معينة.

قال: [عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي -أي: كيف يقلد النبي صلى الله عليه وسلم- قال: يأخذ الله عز وجل السماوات والأرضين بيديه فيقول: أنا الله).

والحكاية هي: أن عبد الله بن عمر رأى النبي عليه الصلاة والسلام يقول بيديه هكذا: (إن الله تعالى يقبض السموات والأراضين بيديه هكذا) فرآه يقبض أصابعه ويبسطها].

وليس في هذا تمثيل للقبض بالقبض، ولا للبسط بالبسط، وقد ورد ذلك في السنة كثيراً، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: (أترون القمر ليلة البدر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: أترون الشمس في رابعة النهار؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر في ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) أي: لا يحصل لكم ضيم ولا ريب ولاشك.

فبعض من أنكر هذا الحديث قال: لا يمكن أن يكون الله تعالى كالقمر، ولا كالشمس، فكيف يمثل النبي عليه الصلاة والسلام الله عز وجل بالشمس والقمر؟!

وفي حقيقة الأمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يمثل الذات العلية بالشمس ولا بالقمر، وإنما مثل الرؤية بالرؤية بجامع الوضوح، والمعنى: كما أنكم ترون هذا القمر ولا تشكون في رؤيته فكذلك ترون الله عز وجل يوم القيامة، والكاف هنا: للتشبيه، أي: تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، فكذلك القبض والبسط، فالمعلوم في لغة العرب: هو ضم الأصابع ومدها، لكن شتان ما بين قبض المولى عز وجل، وقبض خلقه، وبسط أصابع المولى عز وجل وبسط أصابع خلقه، والقبض والبسط في الحالين ليس فيه اتفاق هنا إلا في مجرد الاسم.

ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك، وقدر فارق.

والقدر المشترك بين قبضي وقبض المولى عز وجل هو الاسم، فأنا أقبض والمولى يقبض، لكن شتان ما بين قبض المولى الذي يليق بجلاله وجماله وكماله، وبين قبضي الذي هو قبض عاجز ضعيف، وكذلك البسط.

قال: [(ويقبض أصابعه ويبسطها، ثم يقول: أنا الملك! حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه)].

فهذا عبد الله بن عمر يقول: نظرت إلى المنبر وهو يتحرك من أسفل شيء منه.

وتحرك المنبر إما أن يكون من شدة خوفه على النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يبين هول الأمر، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر الله تعالى، أو ذكر أسماءه وصفاته كان يغضب غضباً شديداً، على عادة الخطيب إذا ذكر الجنة والنار أو شيئاً مما يهول السامع كان يستلزم ذلك أن يغضب، ويحمر وجه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل إذا ذكر الجنة والنار، أو ذكر شيئاً مما يهول السامع حتى يتحرك المنبر.

فإما أن تكون حركة المنبر متعلقة بانفعال النبي عليه الصلاة والسلام، فتحرك أصل المنبر من تحت حتى تحرك أعلى المنبر، أو أن الحركة بدأت من أعلى المنبر حتى وصلت إلى أصل المنبر، أو أن المنبر نفسه تحرك كمعجزة من معجزاته عليه الصلاة والسلام لما سمع هذا الكلام، فأراد ابن عمر أن يقول: إن هذا الباب العظيم باب أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى إذا سمعته الجمادات تحركت إجلالاً لله عز وجل، وأنتم تعلمون تكريم الجمادات وتحركها وإتيانها ومجيئها وذهابها بين يديه عليه الصلاة والسلام، وهذا من باب المعجزات.

قال: (حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟).

يعني: أن المنبر كان يتحرك حركة شديدة جداً، حتى قال ابن عمر: قد يسقط هذا المنبر، فيسقط من فوقه النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أن أنه كان يتحرك حركة شديدة كأنه يموج موج البحر.

شرح حديث ابن عمر: (يأخذ الجبار عز وجل سماواته وأراضيه بيديه ...)

قال: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم قال: حدثني أبي - وهو سلمة بن دينار - عن عبيد الله بن مقسم عن عبد الله بن عمر قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول: يأخذ الجبار عز وجل سماواته وأراضيه بيديه) ثم ذكر بمثل أو بنحو حديث يعقوب].

الكلام عن التفويض وبيان أنه ليس مذهب السلف

والإمام النووي ذكر في هذا الباب كلاماً في غاية الغرابة، لكنه ليس غريباً منه؛ لأن الإمام النووي أكثر ما انشغل في حياته بالرواية والفقه، الرواية من جهة الشرح والثبوت والرد، وكذلك كان فقيهاً بارعاً، ولذلك هو الفقيه المعتمد لدى الشافعية.

لكنه في دراسة علم الاعتقاد لم يتأهل التأهل الذي يسمح له في الدخول فيه، لكنه اضطر اضطراراً أن يتكلم فيما يتعلق بشرح الروايات المتعلقة بأحكام الاعتقاد، فأحياناً يوافق كلام الفلاسفة، وأحياناً يذكر الخلافات القوية فيقول: وهذا من الصفات، وأحياناً يقول: هذا من المشتبهات، فيذكر كلام أهل الباطل ويذكر كلام أهل الحق ويسكت.

وأحياناً يرجح، وأحياناً يذكر كلام أصحاب الفرق ويؤيده، وأحياناً يذكره ويعارضه.

فهذه الأحايين كلها في حق الإمام النووي تجعلنا نقول: إنه فعلاً لم يتضح له مذهب الحق فيما يتعلق بالأسماء والصفات.

وهذا ديدنه ليس في كتاب صحيح مسلم فحسب، بل في غير ما كتاب، ولذلك بعد أن ذكر أحاديث الباب قال: هذا من أحاديث الصفات، ونحن متفقون على أن هذا الحديث من أحاديث الصفات.

ثم قال: وقد سبق فيها المذهبان، المذهب الأول: التأويل، والثاني: الإمساك عنه مع الإيمان به، ومذهب السلف هو الإمساك عن كيفيته.

أنواع التأويل

والتأويل ينقسم إلى ثلاثة أنواع: تأويل العلم، وتأويل المعنى، وتأويل الكيف، ومذهب أهل البدع تفويض العلم والمعنى.

فمثلاً: قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، يقول أهل البدع: الله أعلم بالاستواء، فهم لا يخوضون في معنى الاستواء، والله تعالى لا يخاطبنا قط بما لا علم لنا به، وإنما يخاطبنا بكلام له معنى في لغة العرب، ولذلك نقول: الاستواء معلوم، ومعنى الاستواء: العلو والارتفاع، وأما كيف علا وارتفع؟ فهذا هو الذي لا نعلمه، فنفوض الكيفية إلى الله تعالى.

إذاً: علينا أن نعلم أن معاني الصفات معلومة، ولا نخوض في كيفيتها، لأنه إذا كنا لا نقوى ولا نقدر ولا نجسر أن نتكلم في الذات فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فلا يحل لنا أن نتكلم في الصفات كذلك.

إذاً: التفويض في العلم والمعنى منهج أهل البدع، والتفويض في الكيف منهج أهل الحق.

قال النووي: وقد سبق فيها المذهبان: التأويل، والإمساك عنه مع الإيمان به، أي: الإمساك عن التأويل في الكيف مع الإيمان به على حقيقته اللائقة بالله عز وجل، وهذا مذهب أهل السنة.

قال: مع اعتقاد أن الظاهر منها -أي: من الصفة- غير مراد. وهذا أيضاً كلام جميل، وإن كان السلف يسكتون عن هذا، لكن معناه: أننا نعتقد أن اليد إذا أطلقت في حق المولى عز وجل لا يراد بها اليد الجارحة التي هي للخلق، فنثبتها لله عز وجل على المعنى اللائق به سبحانه، ولا نخوض في كيفيتها، ونعتقد أن الظاهر من هذا اللفظ فيما نفهم نحن من أيدي المخلوقين، فليس مراداً في حق الله عز وجل.

قال: فعلى قول المتأولين الذين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار -يعني يقولون: الأصابع معناها: القدرة- فنقول لهم: والقدرة ما معناها؟ فالذين يقولون: إن الأصابع هي القدرة، واليد هي القدرة، فمعنى ذلك هو تعطيل الصفة، وهذا منهج الجهمية في تعطيل الصفات، فعلى قول المتأولين الذين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار، أي: خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل.

والبعض الآخر يقول: إنها لمبالغة الاحتقار، فيقول أحدهم: بأصبعي أقتل زيداً، وفي الحقيقة: أنه لا يقتل زيداً بأصبعه، وإنما يقتله بيده كلها، فيقال هذا الكلام لاحتقار زيد ابتداءً.

والأمر الثاني: المراد بالذات قوتك، وهذا الكلمة تجوز في حقك، ولا تجوز في حق المولى عز وجل، لأن القانون الذي يحكم صفات الخلق يختلف عن القانون الذي يحكم صفات الله عز وجل.

قال: ويحتمل أن المراد أصابع بعض المخلوقات، مع أن الفاعل حقيقة هو الله سبحانه وتعالى الذي يحمل هذه المخلوقات.

وظاهر الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم صدق الحبر في قوله: إن الله تعالى يقبض السماوات والأرضين والمخلوقات بالأصابع.

شرح حديث: (خلق الله التربة يوم السبت ...)

وفي حديث آخر: [(خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروهات يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل).

قال إبراهيم -وهو ابن سفيان راوي صحيح مسلم -: وحدثنا البسطامي -وهو الحسين بن عيسى - وسالم بن عمار وإبراهيم بن بنت حفص وغيرهم عن حجاج بهذا الحديث].

يعني: يريد أن يقول: إنني شاركت مسلماً في رواية هذا الحديث، فـمسلم يرويه عن سريج، وهارون، وأنا أرويه عن مسلم عن سريج وهارون، لكني اختصرت طريق مسلم ، وارتقيت درجة فرويته بعلو، فأنا شريك لـمسلم في هذه الطبقة.

قال أبو هريرة : (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي كالصاحب له، فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت)].

يعني: خلق الله الأرض يوم السبت، (وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروهات يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل).

أما قوله: (خلق المكروه يوم الثلاثاء) فالمكروه: هو ما يقوم به المعاش، ويصح به التدمير كالحديد وغيره من جواهر الأرض، وكل شيء يقوم به صلاح شيء فهو تقنه، ومنه: إتقان الشيء، وهو إحكامه.

وهذا الحديث نازع في ثبوته كثير من المحدثين، وقالوا: إن الحديث ضعيف، وآخر المحدثين الذين حكموا على هذا الحديث بالضعف هو شيخنا الألباني رحمه الله مع أنه ثابت في الصحيح، وحجتهم في ذلك: ضعف أيوب بن خالد أحد رواة إسناد هذا الحديث.

وفي الحقيقة: هذا الحديث كنت توقفت سنوات طويلة في ثبوته أو رده، حتى ترجح لدي أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يأخذه عن كعب الأحبار ، لأن حجة من قال برد هذا الحديث وعدم ثبوته: أن كعب الأحبار أخذه من كتب أهل الكتاب، وأخذه عنه أبو هريرة رضي الله عنه، وهذا الإسناد صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد أبي هريرة وقال له: (خلق الله التربة يوم السبت). إلى آخر الحديث.

فهذا الحديث صريح في الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه من قوله لا من قول كعب الأحبار .

لكن يبقى فيه علة أخرى وهي: ضعف أيوب بن خالد ، لكن أيوب متابع، فقد تابعه غير واحد، وإن كانت المتابعات لا ترقى إلى مستوى التحسين بذاتها، إلا أن مجموع المتابعات يجعل النفس تطمئن إلى ثبوت هذا الحديث.

وقد انتهزت الفرصة في مكالمة تلفونية بيني وبين الشيخ أبي إسحاق اليوم بعد صلاة العصر، فقلت له: ما قولكم في حديث: خلق التربة والأرض والجبال وغيرها؟ قال: قد أثبته في المجلد الثاني من تفسير ابن كثير وبينت أن المرفوع منه حديث صحيح.

فلما وافقني الشيخ أبو إسحاق أحببت أن أخبركم باتفاقي معه واتفاقه معي في ثبوت هذا الحديث المرفوع، وأما ما يأتينا من طريق كعب المتعلق بالغيب فلا نأخذه، خاصة إذا انفرد به، والله تعالى أعلم.

البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة

الباب الثاني: في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة.

[حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد -وهو القطواني- عن محمد بن جعفر بن أبي كثير حدثني أبو حازم -وهو سلمة بن دينار - عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد).

قوله: (أرض بيضاء عفراء) هي الأرض التي تميل إلى الحمرة، فليست بيضاء نقية، وليست حمراء كالنار، وإنما هي كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد.

يعني: كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الأرض يوم القيامة تبدل عن حالها، وتتغير عن وضعها في الدنيا، فالأرض في الدنيا فيها جبال، وأنهار، والعالي والنازل وفيها غير ذلك، وأما يوم القيامة فمبسوطة تماماً كالرغيف، فلا هي حمراء تماماً، ولا هي بيضاء تماماً، كما أنها ليس بها علامات لأحد، يعني: أنت تعرف بيتك في الدنيا بأنه في محل كذا وكذا، وإذا أردت أن تصف بيتك لأحد من الناس فإنك تصفه بعلاماته وأماراته، لكن يوم القيامة ليس في الأرض علامات ولا أمارات، والإنسان أول ما يبعث يقف على الأرض لا يعرف أين هو، وإنما يساق إلى المحشر والحساب والجزاء.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (ليس فيها علم لأحد) أي: ليس فيها سكنى ولا علامة ولا بناء ولا أثر.

قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن الشعبي -وهو عامر بن شراحيل -عن مسروق بن الأجدع عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48] فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: في الظلمة دون الجسر)].

أي: سألت عائشة : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فأجابها النبي عليه الصلاة والسلام: في الظلمة دون الجسر، وهو الصراط.

وهذا يدل على عظم الصراط الذي يمر عليه الناس أجمعين، والعجيب أن أحد أساتذة الأزهر الكبار وهو أستاذ الحديث الذي له منزلة عظيمة في قلوب الشباب كان يشرح عن الصراط والميزان وغير ذلك، فقال: إن الله عز وجل خاطبنا بما نعقل وبما نفهم، فالميزان ليس ميزاناً حقيقياً، وإنما هو مجاز عن المحاسبة، والمقصود منه: أن الله تعالى يحاسب العبد إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

فقد تصور الشيخ أن وزن الأعمال من المعنويات لا من المحسوسات! لكن إذا أمرك الله عز وجل أن تؤمن به كان واجباً عليك أن تقول: سمعنا وأطعنا، وإلا فهل رأيت الله عز وجل؟ فإن قلت: لا، يلزمك أن تقول: أنا لا أتصور الله عز وجل، وبالتالي يكفر المرء ويخرج من الإيمان بالكلية.

فالذي نقوله في ذات الإله عز وجل نقوله في كل أمر غيبي، أننا نؤمن به على مراد الله عز وجل به؛ لأنه أخبرنا به، فالميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة ميزان حقيقي لا يشبه موازين الخلق، فالله تبارك وتعالى إما أن يزن الأعمال بعامليها، وإما أن يزن الأعمال على اعتبار أنها معنويات؛ لأنه على كل شيء قدير، أو يجعل المعنوية في صورة محسوس فيزنه، وهذا كلام علماء السلف فيما يتعلق بوزن الأعمال.

فنحن في هذا الوقت نزن الهواء، فهو شيء محسوس يوزن، وكان الذين من قبلنا يقولون: الهواء شيء معنوي لا حسي، ونحن وصلنا إلى أن الهواء شيء محسوس، وبالتالي بدأنا نوزنه، فما المانع أن نسلم لله لأول وهله، ونقول: إن الله تعالى على كل شيء قدير؟!

والموت في ذاته شيء معنوي، ومع هذا فإن الله تعالى يجسده يوم القيامة، فإذا فرغ من موت الخلق وصعقهم جميعاً أمر الموت، وهذا يدل على أن الموت يخاطب فيعقل، والله تعالى جعل الموت كبشاً يذبح على الصراط، فكيف نقول: إن الله تعالى لا يزن الأعمال؛ لأنها من المعنويات، بل هو على كل شيء قدير.

باب نزل أهل الجنة

قال: [باب نزل أهل الجنة].

والنزل: هو المكان المعد للضيف، أو للعسكر أو غيرهما ممن يستحق الضيافة والتكريم.

قال: [حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدثني أبي عن جدي حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده)].

ومعنى (يكفؤها): يحركها ويميلها، ولله المثل الأعلى، فإنه يجعل الأرض يوم القيامة كخبزة واحدة فيها الخلق، يكفؤها ويميلها بيده.

قال: (كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر).

والكاف هنا للتشبيه؛ لأن خبز السفر غير خبز الحضر، وهذا الكلام قاله النبي عليه الصلاة والسلام على اعتبار أن ذلك معلوم لدى العرب المخاطبين: أن أحدهم لما يخبز خبزاً في الحضر فإنه يعتنى به، ويرققه ويساويه، بينما خبز السفر يكون ثخيناً؛ من أجل يبقى مدة طويلة من الزمان.

فيحفرون حفرة في الأرض، فتضرم فيها النيران حتى تنطفئ، ثم يوضع العجين على النار، فتسويه حرارة النار، أو يسوى الخبز بالحر الشديد، فهذا الذي يسميه العرب: خبز السفر، بينما يكون خبز الحضر خبزاً أبيض.

قال عليه الصلاة والسلام: [(تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر؛ نزلاً لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم!)].

واليهود كانوا يسمون الله تعالى بالله والرحمن، ولذلك جاء عن عمر رضي الله عنه لما سألوه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا يطمعون في ردته، وفي إزاحته عن الإسلام، قال: أي يمين فيكم تعظمون؟ قالوا: الرحمن. قال: والرحمن أقسم بما يعتقد اليهود، وهو كذلك في معتقد عمر بن الخطاب، ثم دخلت القضية التي هي محل النزاع.

ولذلك قال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110] فأثبت الله تعالى أن الله والرحمن من أسمائه الحسنى.

قال: [(فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم)] أي: لما سمع أن الأرض تكون يوم القيامة كخبزة أحدكم في سفره، فقال: [(بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة، فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك حتى بدت نواجذه)] يعني: يريد أن يقول لهم: لقد سمعت من الحبر مثل الكلام الموحى إلي، وفي هذا قبول الحق من كل من أتى به حتى وإن كان يهودياً.

قال: [(ألا أخبرك بإدامهم؟)] الإدام يعني: الطبيخ، [(قال: بلى، قال: إدامهم بالام ونون)]، وبالام كلمة فارسية معربة، والنون هو الحوت، [(قالوا: وما هذا؟ فقال: ثور ونون)] إذاً: الثور هو البالام، لكن على عادة اليهود أنهم يعمون المصطلحات والمسائل.

قال: [(يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً)].

بعض أهل العلم ترجح لديه أن زيادة كبد الحوت، أو زيادة كبد البالام الذي هو الثور هي القطعة الزائدة الممتدة إلى الكبد، فهذه القطعة الزائدة يأكل منها سبعون ألفاً، ولذلك فإن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن طعام أهل الجنة، وقد كان من أحبار اليهود يغترس أرضاً يزرعها وينميها ويصلحها، فلما سمع بمقدمه أتاه وقال: (يا محمد إني سائلك عن ثلاث مسائل فإن أجبت فأنت نبي، فإنه لا يعرفها إلا نبي، أو رجل أو رجلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سل ما شئت يا ابن سلام، فقال له: ما أول علامات الساعة؟ وكيف ينزع الولد؟ وما طعام أهل الجنة؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أول علامات الساعة نار تحشر الناس من المغرب إلى المشرق).

وفي رواية: (من المشرق إلى المغرب، وإذا غلب ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه، وإذا غلب ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها -أي: في الشبه- وأما طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. قال: صدقت فآمن)، فآمن عبد الله بن سلام، وكان من بين عشرة من أحبار اليهود وعظمائهم في زمن النبوة.

ولذلك سيأتي معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود).

والنبي عليه الصلاة والسلام إنما أراد: لو آمن بي هؤلاء العشرة الزعماء القادة الأحبار الذين هم فلان وفلان وفلان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام من بني النضير وبني قينقاع وغيرهم من أحبار اليهود؛ لآمن اليهود في زمن النبوة جميعاً، حيث إنه لم يؤمن منهم إلا عبد الله بن سلام فقط لما أجابه النبي عليه الصلاة والسلام عن أسئلته، وقال: (يا رسول الله! ادع اليهود وسلهم عني قبل أن تخبرهم بإسلامي، فإنهم قوم بهت)، أي: قوم ظلم وبغي وعدوان، وإنكار وجحود.

فهذه أخلاق اليهود يعترف بها حبر من أحبارهم، وهو عبد الله بن سلام الإسرائيلي، فدعاهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (ما تقولون في عبد الله بن سلام ؟ قالوا: هو حبرنا وابن حبرنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، وسيدنا وابن سيدنا، فخرج عليهم عبد الله بن سلام يشهد الشهادتين فقالوا: أنت سفيهنا وابن سفيهنا)، فهذا تغير سريع جداً حتى تعلموا أن هنالك أناساً سرعان ما تضطرب في الموقف الواحد، فيقولون الكلام وضده في وقت واحد، فاليهود الآن يتلاعبون بالعرب شرقاً وغرباً، حكاماً ومحكومين، يتلاعبون بهم بالليل والنهار حتى صاروا ألعوبة وأضحوكة في أيديهم وعلى ألسنتهم؛ لأن هذه أخلاقهم، والمخدوعون في السلام هم الذين صدقوهم.

قال: [(ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى. قال: إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكلون من زائدة كبدهما سبعون ألفاً)].

ذهب بعض أهل العلم إلى أن هؤلاء السبعون هم الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب، ولذلك خصوا بأطيب النزل، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.

وبعضهم قال: العدد هنا لا مفهوم له، والمراد من ذكر هذا العدد بيان الكثرة، لا أن العدد سبعون بغير زيادة ولا نقصان.

قال: [حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا قرة حدثنا محمد -وهو ابن سيرين -عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو تابعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم)].

وكعب الأحبار لم يؤمن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما آمن في زمن عمر ، كما أنه ليس مقصوداً؛ لأنه كان في زمن النبوة صغيراً في السن.

وأما أحبار اليهود في زمن النبوة من بني النضير فهم: أبو ياسر بن أخطب أخو حيي بن أخطب ، وكعب بن الأشرف ، ورافع بن أبي الحقيق، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطمع في إسلامهم، ولو أنهم أسلموا لأسلم بني النضير جميعاً، كما أن الأحبار من بني قينقاع هم: عبد الله بن حنيف وفنحاص ، ورفاعة بن زيد .

ومن بني قريظة: الزبير بن باطيا كان من أحبار اليهود في زمن النبوة، وكعب بن أسد وشمويل بن زيد فهؤلاء العشرة كان النبي عليه الصلاة والسلام يطمع في إسلامهم، ولو أنهم أسلموا لأسلم جميع اليهود في زمانه عليه الصلاة والسلام، ولكن شاء الله عز وجل ألا يسلم من بين هؤلاء إلا واحد فقط، وهو يزن أمة اليهود جميعاً في ميزان الله عز وجل، وهو عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (لو تابعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم): يدل على أن الزعيم إذا سقط سقط من خلفه، وإذا زل زل من خلفه، وإذا نجا نجا من خلفه، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يرسل الرسائل إلى الأمراء والملوك والزعماء فيقول: (أما بعد: سلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين) أي: مرة لإسلامك، ومرة لإسلام من معك، كما قال لـهرقل : (أسلم تسلم يؤتك الله أجرك وأجر الأريسيين) يعني: الفلاحين، وهم أهل الشام الذين كانوا تحت إمارة الرومان في ذلك الزمان.

فلو أنك أسلمت لأسلم من معك، فأخذت أجرك وأجر من دخل بدخولك الإسلام.

أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

الأسئلة

حكم القرض الذي جر نفعاً

السؤال: هل: (غبن المسترسل ربا) حديث أم لا؟

الجواب: أنا لم أسمعه من قبل، والقاعدة الفقهية تقول: كل قرض جر منفعة فهو ربا.

فقولهم: (جر نفعاً) احتراز من القرض الحسن، وإن كان الثواب أعظم نفعاً، فلو أني قلت لك: خذ هذه الألف الجنيه لمدة عام على أن تردها ألف جنيه ومائتين جنيه، فالمائتين هذه هي من النفع، وهذه المعاملة معاملة ربوية بحتة، وتسمى عند الفقهاء بربا النسيئة، أي: بربا التأخير في مقابل الزيادة، أو الزيادة في مقابل التأخير، يعني: الزيادة في المال في مقابل تأخير الزمن، فهذا يسمى: ربا النسيئة، بخلاف ربا الفضل كأن تبيع -مثلاً- كيلو تمر بكيلو ونصف أو أكثر، ولذلك (أمر النبي عليه الصلاة والسلام بلالاً أن يبيع رطلين من تمر رديء وأن يشتري بثمنهما تمراً جيداً، فذهب بلال فباع الرطلين من التمر الرديء برطل من التمر الجيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بعت وكيف اشتريت؟ قال: يا رسول الله! بعت الرطلين برطل جيد، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أوه! عين الربا، اذهب فبع تمرنا واشترِ بثمنه تمراً جيداً).

وفي حديث عبادة قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح)، فهذه أصناف الربا الستة التي ذكرها عليه الصلاة والسلام.

والشاهد: أنه قال: (يداً بيد)، وهذا أخذ منه العلماء اشتراط اتحاد المجلس والتقابض.

إذاً فالشرط الأول: اتحاد المجلس.

والشرط الثاني: التقابض في المجلس يداً بيد، قال: (مثلاً بمثل)، وهذا شرط المثلية، فلا يصح بيع الجرام من الذهب بخمس جرامات.

قال: (فمن زاد) أي: من عند نفسه، (أو استزاد) يعني: طلب الزيادة، فهذا الكلام موجه للبائع والمشتري على السواء، (فمن زاد - أي: من جهة البيع - أو استزاد - يعني: من جهة الشراء - فقد أربى) أي: فقد وقع في الربا.

فربا النسيئة هو الذي تدل عليه الآيات في آخر سورة البقرة وغيرها، وربا الفضل ورد في السنة، وهما حرامان، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أيما عبد أكل ديناراً من رباً وهو يعلم؛ فالجنة عليه حرام).

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أكل ديناراً من رباً وهو يعلم؛ فكأنما واقع أمه في الإسلام)، وغير ذلك مما ورد في كتاب الله عز وجل من أن الربا حرب بين العبد وبين الله عز وجل.

حكم البيع بالتقسيط

السؤال: ما حكم بيع التقسيط؟

الجواب: البيع بالقسط أو بالتقسيط جائز، وهو من صور الملكية، فيجوز مثلاً شراء ثلاجة بألف جنيه عاجلاً، وبألف ومائتين مؤجلة على أن تدفع كل شهر مائة جنيه مثلاً.

والشيخ الألباني حرم ذلك، لكن جماهير العلماء سلفاً وخلفاً على أن هذه الصورة حلال وجائزة، ولا شيء فيها.

وهذه الزيادة يسميها الفقهاء: مساومة في مجلس البيع، فالبيع لا يتم إلا بصورتين: إما حالاً أو آجلاً، وذلك في مجلس العقد، فيجوز بيع الثلاجة بألف ومائتين جنيه تقسيطاً على أن تضاف (6%) عن كل قسط يتأخر، وهذا لا يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: (نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيعتين في بيعة).

فيجوز شراء ثلاجة بألف ومائتين مقسطة في سنة، وألف وأربعمائة في سنتين، وألف وخمسمائة في ثلاث سنوات.

حكم الزكاة في المال غير الفائض عن الحاجة

السؤال: أنا قادم على الزواج ووجبت علي الزكاة -يعني: بلغ النصاب، وحال عليه الحول- فهل يحسب ما ينفقه في متطلبات الشقة والأثاث، وغير ذلك؟

الجواب: أنا مدرك أنك ممن تقرأ فقه السنة للشيخ سيد سابق رحمه الله حيث قال: لا تجب الزكاة إلا في المال الفائض عن الحاجة.

وفي الحقيقة: هذا كلام في غاية الغرابة للشيخ سيد سابق رحمه الله، ولا أدري من أين أتى به، وأنا قد وقعت في تقليده لما كنا نشرح كتاب الزكاة في مسجد الهادي، لكن تبينت أن هذا القول هو قول الشيخ سيد سابق فقط، وأما أهل العلم فيقولون: إن الزكاة تجب في المال كله، سواءً كان صاحب المال في حالة دين، أو صاحب بيت أو غير ذلك، فالأخ الكريم السائل -الله تعالى يخلف عليه بخير- يؤدي الزكاة عن هذا المبلغ كله إذا حال عليه الحول وبلغ النصاب قبل أن يشتري الحاجات شراءً طبيعياً بغير تهرب ولا مكر، فإذا بلغ المال النصاب وحال عليه الحول يخرج زكاة ماله، ثم يجهز شقته وأثاثه لاستقبال زوجته، ثم بعد ذلك يسأل عن صداق المرأة؛ لأنه دين عليه.

حكم زكاة الدين

السؤال: هل يجب على صاحب المال أن يؤدي زكاة ماله حتى وإن كان بيد الآخرين؟

الجواب: زكاة المال المدين ينظر فيه: هل هذا المال مضمون الأداء أو غير مضمون، فإن أموالاً عند بعض الناس تكون في حكم المعدوم، فالذي له مال عند الآخرين مضمون الأداء، ومضمون الرجوع له مرة ثانية، يجب عليه أن يؤدي زكاة ماله في كل عام.

وإذا لم يكن مضمون الأداء فلا زكاة عليه، فإن رجع إليه فقد اختلف أهل العلم فيه: هل يؤدي زكاة السنوات الماضية، أم يكفيه سنة واحدة؟ والذي يترجح لدي أنه يدفع عنه زكاة ماله في العام الذي رجع فيه؛ لأن هذا هو العام الذي قد ضمن فيه صاحب المال ماله، والله تعالى أعلم.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب ‏صفات المنافقين وأحكامهم - من كتاب صفة القيامة والجنة والنار للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

https://audio.islamweb.net