اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الفاتحة - (2) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة الفاتحة - (2) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
الفاتحة هي السبع المثاني، ولهذا اتفق علماء الإسلام على كونها سبع آيات، لكنهم اختلفوا في كيفية هذا العد بسبب خلافهم في البسملة هل هي آية منها أو لا، كما اتفقوا على مشروعية الاستعاذة أول القراءة واختلفوا في مشروعية الاستعاذة عقب القراءة، وبعد الاستعاذة والبسملة تأتي آية الحمد المقررة بأن الحمد كله لا يستحقه إلا الله سبحانه وتعالى، لأنه سبحانه وحده من جمع صفات الكمال والجلال.
ذكر بعض أحكام البسملة
عرفنا -زادكم الله علماً ومعرفة- مسبقاً أن الفاتحة سميت بذلك لأنها فاتحة كتاب الله، وعرفنا أن عدد آيها سبع آيات. ‏
 حكم البسملة في سورة الفاتحة
أما هل (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من سورة الفاتحة أو ليست آية منها؟ فقد عرفنا أن الخلاف فيها شديد، ونحن نخرج منه بإذن الله بأن لا نتمذهب فنتعصب لمذهبنا فنقول: نحن مالكية لا نقول بمشروعيتها، أو نقول: نحن شوافع يجب أن نقرأها، بل نحن نسلك مسلك الصحابة والتابعين، فإنها قضية اجتهادية، فنقول: نحن نقرأ بسم الله الرحمن الرحيم كلما قرأنا الفاتحة، فإن جهرنا بالقراءة كما في صلاة المغرب والعشاء والصبح، وكنا أئمة نصلي بالمؤمنين نسرها ولا نجهر بها، ولكن نقولها: بسم الله الرحمن الرحيم، فنوافق ما صح عن أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وصاحبيه الشيخين: أبو بكر وعمر، إذ قال أنس بن مالك رضي الله عنه: ( صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووراء أبي بكر ووراء عمر فكانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين ) ونبسمل سراً؛ لما ثبت أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ يوماً وجهر بالبسملة وسمعوها.ثم بهذا المسلك السليم لا توجد فرقة بيننا، ولقد اشتدت الفرقة في بعض الظروف، حتى إن فلاناً لا يصلي وراء فلان؛ لأنه يخالف مذهبه، وهذه النزغات سببها عدونا إبليس، فهو يريد أن يثير الفتن والمتاعب والشغب، ويفرق كلمة المسلمين.كما علمنا أنها -أي: الفاتحة- نزلت مرتين، مرة مصحوبة ببسم الله الرحمن الرحيم، ومرة بدونها، فمن هنا من قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية من سورة الفاتحة، نقول له: صدقت يا أخاه، ومن قال: لا، افتتحت بها فقط كسائر السور وليست بآية، ولكن مشروع الافتتاح بها، قلنا: نعم؛ لأنها نزلت أيضاً بدونها، ومن ثم لا يكفر بعضنا بعضاً؛ لأن من يتعمد إسقاط آية من كتاب الله كفر بالإجماع، كما أن من يتعمد زيادة كلمة واحدة في كتاب الله كفر بالإجماع، فللخروج من هذا المضيق نقول بنزول الفاتحة مرتين، وقد ثبت أنها مرة نزلت مصحوبة ببسم الله الرحمن الرحيم، ومرة بدونها، فأصبحنا إخواناً على سرر العلم والمعرفة متقابلين، لا حقد، ولا حسد، ولا عجب، ولا كبر.وعرفنا -زادكم الله معرفة- إذا قلنا: بسم الله الرحمن الرحيم آية، فأين الآيات الست الباقية؟ فعددنا: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] آية أولى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] الآية الثانية، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] الآية الثالثة، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] الآية الرابعة، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] الآية الخامسة، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] السادسة، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] السابعة؛ لأن البسملة عددناها آية.هيا نسقط: بسم الله الرحمن الرحيم ولا نعدها آية، فنقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أولى، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثانية، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ثالثة، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ رابعة، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ خامسة: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ سادسة، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ سابعة.في هذا العلم بركة أو لا؟ ما تفرحون؟! ذكرت لكم سابقاً فوائد استفدناها، ففرحنا أمسية كاملة، فكيف ما نفرح بهذا العلم، والله تعالى يقول: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، فكوننا نفرح بالدينار والدرهم، أو بالولد والزوجة، أو بالدار والبستان، هذا له قيمة؟! قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58] والعلم فضل الله ورحمته.
من أحكام الاستعاذة

 حقيقة كون البسملة آية في سور القرآن كلها
هنا سؤال: هل بسم الله الرحمن الرحيم آية في كل سورة؟ الجواب: الذي عليه جمهور المؤمنين أن البسملة بعض آية قطعاً في سورة النمل فقط بالإجماع؛ لأنها جزء آية من سورة النمل، وهي في قول الله تعالى في كتاب سليمان عليه السلام إلى الملكة بلقيس ، إذ الكتاب هكذا: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:30-31] برقية هذه أو لا؟ عجب! برقية أدت العجب: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ لمَ ما قدم بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: هذه رسالة إلى كافرة، وممكن إذا سمعت بالله أن تهين اسم الله عز وجل، فجعل اسمه وقاية: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مضمونه: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ، وما قال: وائتوني خاضعين أذلاء منكسرين، فهو لا يريد إذلال البشر وإخضاعهم إلا لله، وأتوني مسلمي القلوب والوجوه لله.أما رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والرؤساء فنصها: ( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم )، فما خاف أن يهان اسم الله كما خاف سليمان، فلهذا قدم بسم الله الرحمن الرحيم، وهذه الآن سنتنا، اسمعوا: ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر )، أي: ناقص، تعرفون الأبتر؟ مقطوع الذنب كالكبش الأبتر.فعلينا معاشر المؤمنين والمؤمنات! أن نستفتح أعمالنا ببسم الله، فالآكل يقول: بسم الله، والشارب يقول: بسم الله، والكاتب يقول: بسم الله، والخطيب يقول: بسم الله .. وكل شئوننا نفتتحها ببسم الله، متبركين بذلك، ومستمدين القوة والقدرة على العمل وإنجازه بذلك بحسب الحال.أما هل بسم الله الرحمن الرحيم جزء من كل سورة في القرآن؟ فنقول: هي مفتتحة ببسم الله، والرسول هو الذي أمر أصحابه أن يجعلوها في بداية كل سورة كالمفتاح لها، وهنا القراء منهم من يقرأ ولا يفصل بين السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم، فنقول: سواء كان ابن كثير أو أبو عمرو أو غيرهم فهذا شأنهم، فنحن ما ألزمناه؛ لأننا ما قلنا: آية في أول كل سورة، فإذا أرادوا اختصار الوقت، والرغبة في السورة لم يبسملوا، فيقرءون مثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]، قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] وهذا شأنهم.وبعض القراء يفصل، وبعضهم لا يفصل، وهم أمناء على هذا، ونحن لا نلوم الفاصل ولا الواصل، لكننا هل نحن نصل بأن نقرأ السورة ونصلها بالأخرى أو نفصل؟ الجواب: نحن نفصل هنا ولا نصل، نعم نصل المعروف وأهله، لكن هنا، في هذه القضية إذا قرأنا وانتهت السورة نفتتح الأخرى ببسم الله الرحمن الرحيم، ومن وصل هنا لا شيء أبداً عليه، ولا نلتفت إلى أنه فصل أو وصل.
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين)
قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].وقرئ (الحمدَ لله ربَّ العالمين) قراءة لكن ليست مشهورة ولا مقروءة فنترك هذا، وقرئ (الرحمنَ الرحيمَ)، وقرئ (الرحمنِ الرحيمِ)، وقرئ (الرحمنُ الرحيمُ)، لكن ليس هناك حاجة إلى توسعة الدائرة؛ أما النعت عندهم فيجوز رفعه على الابتداء، ونصبه على المدح، وجره بحسب ما تقدم، ولكن لا ندخل هذا في نفوسنا، فقط من أجل لو قرأ قارئ: (الحمد لله ربَ العالمين) (الرحمنَ الرحيمَ) لا تقل: كفر! أو تقول بالهراوة: لم تفعل؟ أو قرأ (الرحمنُ الرحيم) لا تغضب؛ لأنه يجوز، النعت تقطعه ويكون خبراً، والمبتدأ: هو.ونحن لا نريد الخلاف، ولا نرغب فيه، ولا نشيعه أبداً، فإذا ذكرنا قضية كهذه ليس معناه أني أجزت لكم أن تقولوا هذا وتشوشوا على الناس، فقط إذا قرأ قارئ وقطع أو نصب على المدح لا تغضب وتقول: هذا حرام ولا يجوز وحرَّف كلام الله، هذا يقوله من لم يعلم، أما من علم مثلنا الآن ما يغضب ولا يعيب عليه، هل أدركتم هذه القضية؟إذاً: لو سمعنا قارئاً يقول: (الرحمنُ الرحيمُ) أو (ربُّ العالمين)، أو نصب على المدح: (ربَ العالمين) (الرحمنَ الرحيم) إذا كان من أهل العلم نقول: هذا من أهل العلم، هذا عرف أن هذا يجوز، أما العامي أنى له أن يعرف هذا؟على كل حال نحن -كما اتفقنا- إذا جاءت مسألة أفدنا بها طلبة العلم؛ لأنهم هم المسئولون من جهة، وهم الذين عليهم أن يحافظوا على وحدة المؤمنين ووحدة قلوبهم، فإذا عرفوا أسباب الخلاف استطاعوا أن يخرجوا منه، وإذا ما عرفوا يوقدون النار إذاً.
 استحقاق الحمد
ومما يدل على أنه لابد لمن يُحمد أن يكون له ما يستحق به الحمد ما أرشدنا إليه ربنا فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ لم، ما مقتضي الحمد، ما موجبه؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، مالك الكون كله ومدبره والحاكم فيه ما يحمد؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الذي أغدق رحماته وصبها على أهل الأرض والسماء ما يحمد؟ وهكذا مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، فعرفنا أننا لا نحمد إلا من يستحق الحمد، فإن حمدنا من لا يستحق كذبنا، وقلنا الزور، وشهدنا به، وأثمنا.كذلك لا نبالغ، ولا نغالي، ولا نكثر، واذكروا قول حبيبكم صلى الله عليه وسلم عندما قال: ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وإنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا: عبد الله ورسوله )، ما تقولوا: مولانا محمد أبداً، أنا عبد الله، قولوا: عبد الله ورسوله، هكذا طالبهم، أما أن ننفخ فيما لا ينبغي، حتى قال القائل: لولاك ما كان كذا وكذا، فلا.المهم معاشر المستمعين والمستمعات! نحمد الله على كل حال، والحمد رأس الشكر، وأن العبد إذا أنعم الله عليه بنعمة، مهما كانت في عظمها وعلو شأنها وكثرة منافعها فقال: الحمد لله على تلك النعمة، والله إلا كان قوله: الحمد لله أفضل من تلك النعمة، وبهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الفاتحة - (2) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net