إسلام ويب

إن يوم القيامة يوم تشيب لهوله الولدان، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، وفي ذلك اليوم يقف الناس بين يدي الله عز وجل، وتدنو الشمس من العباد بمقدار ميل؛ فمنهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، وكل واحد يلجمه العرق بقدر ذنوبه، وفي ذلك اليوم تتطاير الصحف، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.

مقدمات يوم القيامة

الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه، ليوم القيامة والقارعة والزلزلة والحاقة والواقعة: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106] ويَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] أحمدك اللهم وأشكرك وأسألك أن تظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: (يا أيها الناس! اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه).

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:

نفختي الصعق والبعث

يقول ربنا جل وعلا وهو أصدق القائلين: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68 * وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الزمر:69].

القرآن كلام الله يصلح منبهاً بما سوف يكون يوم القيامة، وقبل ذلك مقدمات، وهي قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر:68] هذه النفخة الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض؛ إلا من شاء الله، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم -الذي كان أولاً وهو الباقي آخراً- بالديمومة والبقاء: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27] ثم يقول جل وعلا: لمن الملك اليوم؟! لمن الملك اليوم؟! لمن الملك اليوم؟! -ثلاث مرات- ثم يجيب نفسه بنفسه، فيقول: لله الواحد القهار، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي: النفخة الثانية نفخة البعث، قال الله جل وعلا: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68] لا إله إلا الله القادر على كل شيء! كيف أحوالنا إذا قمنا من القبور، ننفض التراب عن رءوسنا؟! قال الله جل وعلا: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68] أي: أحياء بعد أن كانوا عظاماً ورفاتاً صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، قال تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:1-14] كل هذه الأهوال سوف تحصل في ذلك اليوم الرهيب، الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع فيه الحوامل حملها، وتشيب الولدان وترى الناس سكارى وما هم بسكارى.

تناثر الصحف

ولكن لقد حان وقت الامتحان والعرض على الجبار الذي لا تخفى عليه خافية: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22] جاء لفصل القضاء بين العباد: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18] ففي هذه اللحظة يكون العرض على عالم السر والنجوى؛ ويتبين فيه الربح من الخسارة، والنجاح من الرسوب، في ذلك الامتحان العظيم؛ ومن يأخذ الشهادة: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [الحاقة:19] لا إله إلا الله! تلكم الشهادة -يا عباد الله- هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] ما هو المآل يا رب العالمين؟! ما هو مآل هذه الشهادة؟ ما مآل هذه الدرجات؟ ما مآل هذا الامتياز؟

مآله: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:21-24] بما أسلفتم من أداء الواجبات، ورضاء رب العالمين، فيا لها من سعادة أبدية، ويا له من فرح شديد بهذه النتيجة التي لا تحصل إلا لمن أدى الواجبات، وأتى بالحسنات، وعمل الأعمال الصالحات، وخرج من الدنيا، وقد حصل على حسن السيرة والسلوك مع الله في السر والعلانية.

لا يحصل هذا الفضل وهذه الكرامة إلا لمن خرج من الدنيا، وقد حصل على حسن السيرة والسلوك مع الله في السر والعلانية، فقد ورد في الأثر: [[لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية]] فهنيئاً ثم هنيئاً لمن كانت عاقبته يوم أن يلقى الله، ويا خسارة ويا خيبة من رسب في ذلك العرض الأكبر في ذلك الامتحان وأعطي كتابه بشماله فهو يقول: فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27] يقول ذلك ويتحسر وإن كان في الدنيا صاحب أموال وصاحب جاه كل ذلك لا يجدي لمن عصى الله، فهو ينادي مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29] الذي كنت أطارد وراءه، فأضيع حقوق رب العالمين: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:28] الذي حملني على الأثر والبطر والكبر والفساد في الأرض مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29] أي: عند ذلك، وبعد أن اطلع على نتيجة الخسران التي استحق بها الإهانة والإبعاد، أمر الله عز وجل الزبانية أن تأخذه بعنف من المحشر، فتغله بالأغلال في عنقه، ثم تسحبه إلى جهنم، فتصليه إياها وبئس المصير.

قال بعض المفسرين إذا قال الرب عز وجل: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه، فهذا جزاء من عصى الله وتعدى الحدود، ولم يقم بحق الله عليه من طاعته وعبادته: وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

اللهم أحينا مسلمين، ونجحنا يوم الامتحان الأكبر، وأعطنا الشهادة باليمين، وارفع درجاتنا في عليين، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والحمد لله رب العالمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه من كل ذنب، يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الوقوف بين يدي الله

الحمد لله الذي أمره بين الكاف والنون، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، يأمر إسرافيل بنفخ الصور فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [يس:51].

لك الحمد يا الله! الذي لا إله إلا أنت تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد، وأشكرك على نعمك، ونسألك اللهم من فضلك المجيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا ظهير ولا معين، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا عباد الله: اتقوا الله عز وجل، واعلموا أن أمامكم القيامة سوف نقف في ذلك اليوم الرهيب: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [السجدة:5] وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، سوف نقف حفاة عراة غرلاً، الذكر مع الأنثى في ساحة قد بدلت غير الساحة التي كنا نراها: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:48] برزنا لِعَالِم الخفيات لا يخفى عليه منا شيء: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].

شفاعة الرسول للناس يوم القيامة

في ذلك اليوم الرهيب يقول صلى الله عليه وسلم: {أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مما ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم السامع، وتدنو منهم الشمس، ويبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون}.

كلنا نقف في ذلك اليوم لا تحسبوه للصحابة ولرسول الله، كلنا سوف نقف في ذلك اليوم حفاة عراة، وإن عمرنا سنيناً، وإن متنا قبل ذلك فسوف نقف في ذلك اليوم، يقول صلى الله عليه وسلم: {يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم السامع، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لأبيهم آدم: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة؛ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجر فعصيت، نفسي نفسي نفسي!} أبونا آدم يتبرأ في ذلك الموقف، وقد كانت معصيته بسيطة، نهاه الله فأكل من الشجرة، ونحن نضيع الصلوات، الصلاة إثر الصلاة، وإذا نُصِحْنا قلنا: (التقوى هاهنا) مكابرة ومعاندة لا اقتداءً برسول الله حين قال: {التقوى هاهنا وأشار إلى صدره} لكنه نعم المتقي، ونعم المطيع لله، أما أنت أيها العاصي، فكذبت وادعيت ما لم تأتِ به، وسوف تلقى هذه الكلمة في صحيفتك يوم تنشر يوم القيامة، وبعضهم يقول: التقوى هاهنا وهو لا يصلي مع جماعة المسلمين، أو وهو يحلق اللحية، أو وهو يتغشى المحرمات ويقول: الله غفور رحيم.

أبونا آدم أكل من الشجرة فمعصيته بسيطة ويقول: {نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح؛ فيأتون نوحاً فيقول مثلما قال آدم: نفسي نفسي نفسي! -أولو العزم من الرسل يتبرءون في ذلك الموقف الرهيب- اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقول: نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى الكليم عليه السلام، فيقول: نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون إلى عيسى كلمة الله وروحه ألقاها إلى مريم، فيقول: نفسي نفسي! اذهبوا إلى محمد} لا إله إلا الله! يا لها من نعمة كبيرة على من جعله الله من أمة محمد، ولكنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم رسم لنا منهاجاً منيراً، ووضح لنا طريقاً مستقيماً، إذا سلكناه أوصلنا إلى الله، ولكنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم يقول: {يرد أناس من أمتي الحوض، فإذا أرادوا أن يشربوا مُنعوا فأقول: يا رب أمتي أمتي! فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك}.

هل شرعت لهم الفيديو يا محمد؟!

هل خلَّفت لهم التمثيليات والمسلسلات التي سهروا معها الليالي وتركوا الصلوات؟!

هل ألَّفت لهم الأغاني في الأشرطة يا محمد؟!

هل قلت لهم: احلقوا اللحى وقولوا: التقوى هاهنا؟!

يقول: لا يا رب.

إن محمداً صلى الله عليه وسلم تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فمن هو الهالك؟ هو الذي اجترأ على محرمات الله، وتعدى حدود الله؛ فبعداً لك أيها العاصي!

فيقول عيسى عليه السلام: اذهبوا إلى محمد فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم.

عباد الله: اجتهدوا حتى تنالوا هذه البشارة، إن قلبي ممتلئ بها من الليل، إنني إذا قرأت هذه البشارة استنار قلبي واطمأنت نفسي، ولكن إذا رأينا التقصير -يا عباد الله- والله مطلع على ما تبقيه فرائضنا: {اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتونني فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد من قبلي، ثم يُقال: يا محمد يا محمد! ارفع رأسك وسل تعطى، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب! فيُقال: يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة} يا رب نسألك أن ترحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، اللهم وفقنا لاتباع نهج محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعلنا من أمة محمد المطيعين لك يا رب العالمين.

{يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب } أي: من أبوابها الثمانية منهم أبو بكر يدعى من أبواب الجنة الثمانية، ثم قال: {والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى} متفق عليه.

حقيقة الدنيا

عباد الله: اغتنموا الأوقات، ارجعوا إلى رب الأرض والسماوات، أصلحوا السرائر لعالم الخفيات، ارجعوا إلى الله بخالص الأعمال، قوموا لله بما يرضيه، لا تغرنكم الحياة الدنيا؛ فإنها دار وصفها الله في كتابه أنها دار غرور ومتاع قليل ولعب ولهو وممر وطريق إلى الآخرة، وكما هو الواقع دار مملوءة بالأكدار والمصائب والآلام والأحزان، دار ما أضحكت إلا وأبكت، ولا سرت إلا وأساءت، دار النهاية، قوة ساكنيها إلى الضعف، ونهاية شبابهم إلى الهرم، ونهاية حياتهم الموت، انظروا إلى أهل الملايين هل يدفن شيء معهم في قبورهم إلا ما قدموه من صالح الأعمال؟

عباد الله: ذللوا دنياكم لآخرتكم، واستخدموها في الذي يرضي الله عنكم، واتقوا الله وبادروا بالأعمال الصالحة قبل هجوم هاذم اللذات، وما أدراك ما هاذم اللذات؟ إنه الموت مفرق الجماعات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عنهم شذ في النار.

عباد الله: إن الله أمركم أن تصلوا على رسوله فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً).

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وفي مقدمتهم في الفضل الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين!

اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من عبادك الراشدين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم تجاوز عن سيئاتنا، وأدخلنا الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا، واجمعنا وإياهم في جناتك جنات النعيم، واغفر لوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم وأعزنا بالإسلام عاجلاً غير آجل، وأذل الشرك والمشركين، اللهم أرنا ذل أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم من به صلاح للإسلام والمسلمين فأيده بنصرك المبين، ومن به خذلان للإسلام والمسلمين، فأهلكه بعزتك وقدرتك، وأنزل به بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها.

اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين! رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أهوال القيامة للشيخ : عبد الله حماد الرسي

https://audio.islamweb.net