إسلام ويب

لقد أصاب اليهود بسبب ظهور الإسلام وانتصار المسلمين من الحنق والغيظ الشيء الكثير، وخاصة بعد أن أجلى رسول الله بني النضير عن المدينة، فخرجوا منها أذلاء صاغرين، وبقيت منهم بقية عند إخوانهم في خيبر، فأرادوا أن ينتقموا من المسلمين، فذهبوا يؤلبون كفار قريش وغطفان وغيرهم لحرب المسلمين في المدينة، فاجتمع المشركون وتحزبت الأحزاب وساروا لحرب المسلمين، ولما علم الرسول بخروجهم إليه شاور أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق حتى يتحصنوا به، ويمنعوا المشركين من الوصول إليهم، فبدءوا بحفره حتى أتموه، وقد ظهرت أثناء الحفر آيات ومعجزات عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم.

غزوة الخندق أو الأحزاب

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

أما بعد:

لنقضي ساعة مع حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وقد انتهى بنا الدرس إلى ثاني أحداث السنة الخامسة من الهجرة النبوية -درسنا أربع سنوات وها نحن مع الخامسة- وتقدم منها: غزوة دومة الجندل والآن مع [غزوة الخندق أو الأحزاب] إن شئت سمها بغزوة الخندق، وإن شئت سمها بغزوة الأحزاب.

وعلة التسمية بالخندق، أن سلمان الفارسي رضي الله عنه أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحفر خندقاً بينه وبين المشركين ليتحصن وينجو من حرب الكافرين، وأما الأحزاب فلأنه تحزبت فيها أمم وجماعات على حرب الإسلام المسلمين، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل إن شاء الله رب العالمين.

قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [هذه الغزوة نزلت في بيان أحداثها الجسام سبع عشرة آية من سورة الأحزاب، وهذه عناصر تكوينها متسلسلة] عنصر بعد آخر [ليسهل فهمها والانتفاع بعبرها] ما العبر؟ المصريون يفهمون العبارة، وهي التي يعبر بها من شاطئ إلى شاطئ، وهذه الأحداث كلها عبر، يُعبر بها من شاطئ الخطر إلى شاطئ السلامة لمن أوتي البصيرة وكان ينتفع بالعبر.

سبب وقوع غزوة الخندق وتأليب الأحزاب

قال: [أولاً: سبب وقوعها:

إن السبب الأقوى والمباشر لحدوث هذه الغزوة هو: أن رؤساء بني النضير الذين نزلوا بخيبر يوم جلائهم] وتذكرون أنهم أقاموا حفلات رقص وطبول ومزامير، استقبلوا فيها اللاجئين وكأنهم فاتحون، وتلك سنة اليهود، فقد انتقل إلينا الفرح بالمزامير والطبول لا بالتكبير والتهليل، ورّثوا فينا كل خسيسة! لِم؟ لأنهم خدرونا وبعد ذلك فعلوا ما شاءوا.

وبنو النضير في شرق المدينة، من أجلاهم؟ إنه الله عز وجل، قال تعالى: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر:3]، ولِم حاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصرهم؟ لأنهم نقضوا العهد الذي كان بينه وبينهم بمؤامرة خسيسة، كانوا يريدون من ورائها قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما حاصرهم خمس عشرة يوماً حينئذ رضوا بالانسحاب والجلاء، فخرجوا من المدينة فاستقبلهم بنو عمهم اليهود في خيبر!

قال: [واحتفل بهم يهود خيبر، وأقاموا لهم الأفراح يوم استقبالهم، كما تقدم بيانه في استعراض غزوة بني النضير من السنة الرابعة من هجرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم. هؤلاء الرؤساء وهم حيي بن أخطب ] رأس الفتنة، وقد أصبح فيما بعد صهراً للنبي صلى الله عليه وسلم، واسم ابنته: صفية بنت حييعبد الله بن سلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق وغيرهم، رأوا بعد تفكير أن يثأروا لما أصابهم من الذل] والعار [والهوان، وينتقموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين] أي: فكروا كيف يثأروا لما أصابهم من الذل والهوان، وينتقموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

قال: [فخرجوا إلى مكة] عاصمة الكفر يومئذ [لتأليب قريش] وإثارتها وجمعها [وتحزيب الأحزاب] في الشرق والغرب [لقتال النبي صلى الله عليه وسلم والقضاء عليه] وما هم -والله- بواصلين ولا مدركين [فوجدوا قريشاً مستعدة لذلك] لما أصابها من الخزي والعار والحرب والدمار [من أجل الهزائم التي لحقتها في غير ما ميدان وساحة قتال، وضللها هؤلاء اليهود] حملوها على الخطأ والضلال الجهل [إذ قالوا لها إنها على حق] وأن محمداً وأصحابه على الباطل بأساليب إن شئت أن تعرفها فاسمع إذاعة لندن [وأن دينها خير من دين محمد، وأنها أهدى منه سبيلاً في حياتها الدينية والاجتماعية والسياسية] إذاً: أثارها هذا الوفد وهزها. وهذا الكلام من أين وصلنا؟

قال: [وفي هذا نزل قول الله تعالى من سورة النساء: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ [النساء:51] اليهود [ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51]] والجبت كما قال في القاموس: الصنم، أو الكاهن، أو السحر، أو الساحر، وكل ما لا خير فيه هو من الجبت، والطاغوت: الشيطان أولاً، ثم الأصنام، وكل ما عبد من دون الله، وكل ما صرف عن عبادة الله يسمى طاغوتاً [ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء:51]] أي: يقولون لكفار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً [ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:52]] وقد أذلهم الله وأخزاهم حتى فسق العرب وخرجوا عن طاعة الله، فأخذ ذل اليهود ووضعه على وجوهنا.

أما أذلنا اليهود؟ ما السبب؟ فسقنا وفجورنا، وخروجنا عن طاعة الله ورسوله، أراد الرحمن أن يؤدبنا علنا نفيق، ولكن ما زلنا، وما زالوا يعلموننا ونأخذ عنهم كل أنواع الضلال، وهم الآن أعزة مع أن الله قال: وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:52]، ووجدوا الآن النصير، وقد جاء بيان هذا في كتاب الله، قال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112]، وحبل الله هو الإسلام، وهذا ليس عندهم، وحبل الناس هو بريطانيا وفرنسا وأمريكا. قولوا: صدق الله العظيم.

قال: [فخرجوا من عند قريش، وتركوها تعدُ العدة، وتجمع الرجال من قبائلها على اختلافهم مجمعة الخروج إلى المدينة لحرب محمد صلى الله عليه وسلم واستئصاله.

وذهب أولئك الرؤساء في الشر إلى قبائل غطفان يؤلبونهم على حرب محمد صلى الله عليه وسلم فاستجابوا لهم لظلمة نفوسهم] بالشرك والكفر [ولقوة تأثير كلام اليهود فيهم] اليهود يؤثرون بالكلام، وقد نوموا العالم بأسره إلى الآن [وخرجت قبائل غطفان بزعامة عيينة بن حصن وكل قبيلة معها سيدها: فمع بني فزارة عيينة ، ومع مرّة الحارث بن عوف المري ، ومع أشجع مسعر بن رخيلة الأشجعي ] كل رجل كان معه جيش، وجاءوا إلى المدينة لاستئصال أهلها. من دبر هذه المكيدة؟ إنهم اليهود.

[وخرجت قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب وواصل كل سيره] من الشرق والجنوب [فنزلت قريش بجمع الأسيال قريباً من دومة بين الجرف والغابة، وكان أفراد معسكرهم عشرة آلاف مقاتل من أحابيشهم، ومن تبعهم من كنانة وتهامة. ونزلت قبائل غطفان شرق المدينة إلى جنب أحد الشرقي] طريق المطار الآن [وفي هذا يقول تعالى من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:9-11].

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأحزاب:9] وهذا شعارنا دائماً اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [الأحزاب:9] والذكر يتطلب الشكر، فمن ذكر شكر، ومن لم يذكر كفر وغطى ولم يشكر، قال تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40]، ما فائدة ذكر النعمة؟ الشكر، ومن لم يذكر -والله- لا يشكر أبداً، والمفروض إذا شبعت -فقط- في الغداء أن تذكر ذلك الشبع فتشكر قائلاً: الحمد لله! وإذا نمت -فقط- القيلولة واسترحت وما خفت وما أزعجت اذكر هذه النعمة وقل: الحمد لله.

قال تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ [الأحزاب:9] عشرة آلاف زاحفة كلها على إبادتكم واستئصالكم أنتم ونبيكم، اذكروا هذا وقولوا: الحمد لله .. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا [الأحزاب:9] اقتلعت الخيام، وأطفأت النار، وكفأت القدور، وما أطاقوا أن يثبتوا أبداً، فأمر القائد أبو سفيان القوم بالرحيل بعد خمس وعشرين ليلة.

ثم قال تعالى: وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب:9]، وهم في الخندق وفي سلع إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ [الأحزاب:10] ليس من السماء بالطائرات وإنما من أعلى البلاد وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب:10].

إذاً: كان سبب وقوع هذه الغزوة هو تأليب اليهود المهزومين من بني النضير لقريش وسائر العرب لحرب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

حفر الخندق حول المدينة

قال: [ثانياً: الخندق، إجراء وقائي] كلمة (إجراء) مصدر أجرى يجري إجراء وقائياً؛ للوقاية من الحرب.

[وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سمع بتحركات اليهود وتحزيبهم الأحزاب لقتاله فداه أبي وأمي] والعالم أجمع [فاستشار رجاله] بعد أن بلغه التحركات من كل جهة، والاستشارة واجبة أو لا؟ نعم [فاقترح سلمان الفارسي حفر خندق حول جبل سلع] وسلمان هذا من أرض فارس عباد النار المجوس، ابتلاه الله حتى أصبح كتلة من النور، وقد كان والده موقد نار المجوس القائم عليها، فأُلهم وعرف أن النار لا تعبد مع الله، فرحل إلى بلاد الروم، ودخل أرض الشام فتنصر، ثم تنقل من بلد إلى بلد حتى بلغه أن نبي آخر الزمان سيظهر في أرض سبخة ذات نخيل يقال لها: يثرب، فخرج فألقي القبض عليه وبيع، اشتراه رجل وجاء به إلى المدينة، والله يسوق أقداراً لأقدار .. ثم قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ( سلمان منا آل البيت ) لأنه مؤمن بر تقي.

قال: [تكون ظهور المسلمين إلى جبل سلع، ووجوههم إلى الخندق، فيمنعون كل مقتحم للخندق يريد الوصول إليهم] أما الذراري والنساء فتركوهم في الآطام والحصون في المدينة [وأن يوضع النساء والأطفال في حصون المدينة وآطامها، فاجتمعت الكلمة على حفر الخندق] ما اختلفوا؛ لأن المستشير سيدهم يتلقى علومه من رب العرش تعالى.

[فاجتمعت الكلمة على حفر الخندق، وأخذ المسلمون يحفرون ومعهم نبيهم صلى الله عليه وسلم يحفر معهم] بالفأس والمعول، عرفتم لِمَ ينهزم العرب؟! لأن رؤساءهم بعيدون عن خوض المعركة معهم [وقد وزع صلى الله عليه وسلم الحفر عليهم، فجعل لكل عشرة أنفار أربعين ذراعاً] أي: عشرين متراً. وهذه عدالة! [واشتغلت الفئوس والمساحي] والفئوس جمع فأس، والمساحي جمع مسحاة [في الحفر، والرجال في نقل التراب وإبعاده] يحفرون الأرض، وينقلون التراب بعيداً [وكان بين الذين ينقلون التراب الحبيب صلى الله عليه وسلم] كان ينقل التراب على كتفه، أو في زنابيل ويرميه بعيداً [حتى علا جلده الطيب الطاهر] التراب.

[وكان ذلك منه صلى الله عليه وسلم تشجيعاً لهم على العمل ومواصلته، حتى إنه كان إذا تقاولوا يقول معهم] والتقاول هو الإتيان بقصائد أو بكلام يشجع على العمل وينسي التعب [فقد كانوا يرتجزون برجل من المسلمين يقال له: جعيل ] الجعل معروف، وجعيل بالتصغير، ثم سماه النبي صلى الله عليه وسلم عمراً [فيقولون:

سماه من بعد جعيل عمراً. فيقول صلى الله عليه وسلم: عمراً] - هذا هو التقاول.

[وإذا قالوا: وكان للبائس يوماً ظهراً، يقول هو صلى الله عليه وسلم: ظهراً] - والبائس: الفقير. فكان يطايب كلامهم صلى الله عليه وسلم ويختمه بالموافقة.

[ولما رأى صلى الله عليه وسلم ما بهم] أي: ما أصابهم وحل بهم [من التعب والجوع، قال: ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة )، فقالوا هم مجيبين له] والمهاجرة جمع مهاجر. فعندما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجملة الطيبة -وهي تساوي الدنيا وما فيها-: ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ) -فعيش الدنيا وسخ ينتهي- قالوا هم مجيبين له:

[نحن الذين بايعوا محمداًعلى الجهاد ما بقينا أبداً

وكان صلى الله عليه وسلم ينقل التراب معهم ويردد قول عبد الله بن رواحة :

والله لولا الله ما اهتديناولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينـاوثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا عليناإذا أرادوا فتنة أبينا] هذه كلمات عبد الله بن رواحة وقد استشهد في مؤتة رضي الله عنه، وكان من أوائل من استشهد فيها.

آيات ظهرت أثناء الحفر وبعده

قال: [ثالثاً: آيات تظهر أثناء الحفر وبعده:] آيات: أي علامات كبرى تدل دلالة قطعية على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى صحة هذا الدين الإسلامي، وسعادة أهله وشقاء أعدائه.

قال: [وتجلت] ظهرت عالياً كتجلي النهار [أثناء حفر الخندق آية من آيات النبوة المحمدية؛ وذلك أن كُدية] وهي أرض صلبة [قد اشتدت عليهم وهم يحفرون، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنا نازل] أي: إليها [داخل الخندق، ثم قام وبطنه معصوب بحجر] من شدة الجوع.

هيا نحمد الله، والله لو نقضي ليلنا كله قائلين: الحمد لله.. الحمد لله، ما وفينا حق هذا الطعام والشراب، ولكن قلّ من يقول الحمد لله في صدق؛ وذلك لظلمة الجهل، وعارضة النسيان، وعدم الذكر.

قال: [إذ لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون طعاماً، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب الكُدية المستعصاة فعادت كثيباً أهيل. هذه آية ظاهرة].

[وأخرى: قال جابر بن عبد الله ] وهو صاحب الجمل الذي باعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاه النبي الثمن والجمل، وقد بلغ جابر يوماً أن صحابياً يحدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، فركب ناقته من المدينة مسافة أربعين يوماً ليسمع الحديث منه مباشرة بدون واسطة، وأهل المدينة الآن بالآلاف بل مئات الآلاف لا يسمعون حديثه صلى الله عليه وسلم ولا يريدونه، والدليل: أين حلق أهل العلم في المدينة؟ وأين سكان المدينة؟ لو أخذوا بمبدأ العودة إلى الله، والله ما وجدت مكاناً تزاحم فيه في المسجد؛ إذ كلهم بنسائهم ورجالهم يتلقون الحكمة والعلم في بيوت ربهم، ولكن يوم أن يريد الله أن يرفع هذه الأمة يفتح هذا الباب، والآن ما زلنا هابطين.

إذاً: قال جابر بن عبد الله [قلت: يا رسول الله!] لِمَ لا يقول يا محمد؟ لقول الله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63]، فلا ينادى صلى الله عليه وسلم إلا بـ(يا رسول الله! ويا نبي الله!) فقط، وقد قال الله تعالى أيضاً: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال:64] و يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ [المائدة:41].

قال: [ائذن لي إلى البيت] يعني: ائذن لي في أن أذهب إلى بيتي [فأذن لي، فأتيت امرأتي] زوجته [فقلت لها: إني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً] ما هذا الذي رآه؟ الحجر يربط به بطنه [ما كان في ذلك صبر] يعني لا أستطيع أن أصبر عليه [فهل عندك شيء؟] من الطعام [قالت: عندي شعير وعناق جدي صغير].

وقد ذهب الذين كانوا يأكلون الشعير، وقد كانت فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، امرأة علي -والله- تطحن بيدها الشعير حتى تورم كفاها، وجاءت يوماً تشتكي إلى أبيها عله يعطيها خادمة، فما وجدت عنده، ولما انتصف الليل ونام الناس جاء صلى الله عليه وسلم إلى بيت فاطمة فوجدها نائمة على فراشها مع بعلها علي رضي الله عنهما، فدخل بينهما في الفراش وأعطى يمينه علي ويسراه فاطمة ، وهذا الذي يملك صلى الله عليه وسلم فقط، فلا ناقة ولا بعير ولا خادم .. ولا دينار ولا درهم .. ثم قال لهما: ( ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه كان عوناً لكما على حياتكما؟ قالا: بلى دلنا يا رسول الله، قال: إذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين يكون ذلك عوناً لكما على تعب الحياة وألمها ).

وفرحا رضي الله عنهما بهذه العطية النبوية وواظبا عليها، ووسع الله عليهما، وسئل علي في حرب صفين: هل تركت يا علي ذلك الذكر الذي أعطاك رسول الله إياه؟ فقال: والله ما تركته حتى ليلة صفين. وهي الليلة التي يشيب لهولها الأطفال. وأنتم الآن أحرار، فما المانع أن تأخذوا بهذا الذكر، ووالله إنه لخير من الدنيا وما فيها.

وغداً إن شاء الله -إن أحياني الله- أسائلكم هل فعلتم أم لا؟

[قال: فذبحت العناق وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة] هو ذبح العناق وهي طحنت الشعير.

وكانت والدتي رحمة الله عليها تذهب إلى دار خالي لتطحن الشعير فأنام على فخذها فيغطيني الدقيق -والله العظيم- ولما أخذت أحفظ والفانوس إلى جنبها وهي تطحن، كان يغلبني النوم فأنام وعليّ غبار الدقيق، وأنتم الآن -الحمد لله- بالكهرباء لا تطالعون ولا تقرءون.

قال: [ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر] أي صار كسرة بمعنى نضج [والبرمة بين الأثافي] والبرمة هي: قدر من طين ليس من حديد ورصاص، والأثافي، جمع أثفية: حجر يوضع فوقه القدر [كادت تنضج، فقلت: طُعِّيمٌ لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: كم هو؟ فذكرته له] الصاع والعناق [فقال: ( كثير طيب، قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي )] هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم [فقال: قوموا، فقام المهاجرون والأنصار ومن معهم] فلما دخل جابر على امرأته قال: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم أيضاً [قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: ( ادخلوا ولا تضاغطوا )] أي: لا تتزاحموا في الباب [فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكسر الخبز ويغرف من البرمة حتى شبعوا] وهم جيش كامل [وبقي بقية، فقال لي] أي: للمرأة [(كلي هذا وأهدي؛ فإن الناس أصابتهم مجاعة)] وهذه آية من آيات النبوة، فصاع من شعير من -أربع حفنات- وعناق جدي يطعم جيشاً كاملاً! أية معجزة أعظم من هذه؟! هذا عطاء الله الذي يقول للشيء كن فيكون!

[وثالثة] أيضاً من آيات النبوة: [قال سلمان رضي الله عنه: ضربت في ناحية من الخندق، فغلظت عليّ صخرة] يعني: ضرب يحفر [ورسول صلى الله عليه وسلم قريب مني -فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان عليّ- نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة! ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، قال سلمان : فقلت له: بأبي أنت وأمي ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب، قال: ( أوقد رأيت ذلك يا سلمان ؟! قلت: نعم. قال: أما الأولى، فإن الله فتح عليّ باب اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح عليّ باب الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح عليّ بها المشرق )] الله أكبر! وقد حصل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 69 للشيخ : أبوبكر الجزائري

https://audio.islamweb.net