إسلام ويب

كانت غزوة مؤتة إحدى الغزوات العظيمة، فقد أمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجيش ثلاثة أمراء على الموالاة، وكان عدد الجيش ثلاثة آلاف مقاتل في مواجهة جيش الروم وأنصاره من نصارى العرب، والذين بلغ عددهم المائتي ألف، فكانت معركة حامية الوطيس، استشهد فيها كثير من المسلمين بمن فيهم الأمراء الثلاثة الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والاستبسال، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد، فانسحب بالجيش الإسلامي، وعاد أدراجه.

تابع غزوة مؤتة

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

أما بعد:

فقد انتهى بنا الدرس إلى عاشر أحداث السنة الثامنة وهي [غزوة مؤتة].

قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [هذه إحدى الغزوات العظيمة في الغزو الإسلامي] حيث يغزو المسلمون ديار الكفر لإدخالهم في رحمة الرب؛ ليكملوا ويسعدوا في دنياهم وأخراهم [وكانت في جمادى الأولى من سنة ثمان] من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم [فقد حدد الرسول صلى الله عليه وسلم زمانها ومكانها، وعين أمراءها] الذين قلدهم مسئولية الجهاد.

[فعين زيد بن حارثة مولاه أميراً عليها] وقد علمتم أنه لم يذكر صحابي باسمه العلم في القرآن الكريم إلا زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفتم أيضاً -زادني الله وإياكم معرفة- سر ذلك وسببه، وهو: أنه لما أراد الله أن يبطل عادة التبني وينهيها، ويصبح المتبنى ليس بابنٍ أبداً لمن تبناه، فله أن يتزوج امرأته أو تتزوج امرأته -إن طلقها أو مات عنها- من تبناه، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش القرشية المخزومية لمولاه زيد بن حارثة؛ ولشدة حياء النبي صلى الله عليه وسلم عندما خطب زينب فهمت أنه خطبها لنفسه، وهي بنت عمته، وأخوها هو عبد الله بن جحش أول من حمل راية الجهاد، ففرحت وسرت بذلك، وما هي إلا ساعات حتى تبين لها أنه خطبها لـزيد ليس لنفسه صلى الله عليه وسلم، فكربت وحزنت وقالت: لا أتزوج مولى من موالي العرب. شريفة تتزوج مولى، كيف يصح هذا؟!

ووقف إلى جنبها عبد الله أخوها وشقيقها، وقال: لن يكون هذا، ولن أزوج أختي بمولى من موالي العرب، ولكن الله يأبى إلا أن يتم مراده، فنزل قول الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]، فما كان من زينب رضي الله عنها وأخيها عبد الله إلا أن اطرحا بين يدي الله، وسلما الأمر له عز وجل، وتزوجت زينب زيد بن حارثة شهيد مؤتة رضي الله عنه وأرضاه.

إذاً: لما ذل زيد لله وخضع، رفع الله درجته، فذكره باسمه في القرآن، أما زينب فجزاها الله أيضاً بأكثر؛ إذ كانت تقول لنساء النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منكن واحدة إلا وتولى عقد نكاحها أبوها أو أخوها أو وليها وأنا تولى عقد نكاحي ربي من فوق سبع سماوات: إذ قال تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37] لم يا رب؟! لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب:37]، فالذي يبتلى في سبيل الله، ويفوض الأمر إليه، ويستسلم له، ويطرح بين يديه يرفعه.

قال: [فإن أصيب فـجعفر بن أبي طالب ] جعفر الطيار [فإن أصيب فـعبد الله بن رواحة ] وهؤلاء القادة الثلاثة أو الأمراء استشهدوا في غزوة مؤتة.

[وكان عدد أفراد هذه السرية ثلاثة آلاف مقاتل] ليقاتلوا مائتي ألف [ولما عين الحبيب صلى الله عليه وسلم زيداً أميراً] ومعنى الحبيب: المحبوب، المفروض حبه، ومن لم يحبه فهو كافر ملعون مقيت من أهل جهنم؛ لأن الله إذا أحب شيئاً عليك أن تحبه، فإن أحب وكرهت -أنت- فما أنت بعبده الصادق؛ بل أنت عدوه، فأحبوا رسول الله بحب الله تعالى له [وجد جعفر في نفسه شيئاً] لما عين النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة -المولى ليس بالشريف- وجد جعفر بن أبي طالب وجد في نفسه شيئاً، أي: كيف يولي علينا مولى من موالينا! وهذه هي الفطرة البشرية [وقال: ( يا رسول الله! ما كنت أذهب أن تستعمل علي زيداً ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: امض؛ فإنك لا تدري أي ذلك خير )، وعندها بكى الناس] لأنهم عرفوا [وقالوا: هلا متعتنا بهم يا رسول الله؟!] أياماً أو أعواماً [وكان إذا قال صلى الله عليه وسلم: ( فإن أصيب فلان فالأمير فلان ) أصيب كل من ذكره] ثبت هذا بالتجربة. فإذا عين صلى الله عليه وسلم قادة وقال: إذا أصيب فلان ففلان يقوم مقامه، فالغالب أنهم يصابون. ومن هنا: اندهش المؤمنون وبكوا، وقالوا: هلا أمتعتنا بهم يا رسول الله؟!

قال: [وتجهز الجيش] من المدينة [وودعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، ولما ودع عبد الله بن رواحة بكى، فقال له الناس: ما يبكيك؟ فقال: ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم] يعني: لم أبك لخوفي من الموت أو فراقكم أو تركي دنياكم [ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية] من كتاب الله [وهي] قول الله تعالى من سورة مريم [ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71]، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود] أي: لست أدري كيف لي بالصدر بعد أن نرد، فما كل من ورد صدر.

[فقال المسلمون: صحبكم الله وردّكم إلينا صالحين] وإذا ودعت أخاك وهو في سفر صالح للجهاد أو العمرة أو للحج أو طلب العلم فقل: (صحبكم الله)، ومن صحبه الله لا يخاف، ولا يهان، ولا يذل أبداً، أما السفر الفاسد فلا وداع فيه ولا كلام ولا رضا به أصلاً (وردكم إلينا صالحين) أي: غير فاسدين مأجورين غير آثمين، فائزين غير خاسرين.

قال: [ولما تهيأ القوم للخروج] من المدينة إلى أرض الشام [أتى عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه] لأن هذه الترتيبات ليست في ساعة، وإنما في ثلاثة أو أربعة أيام على الأقل [فودعه ثم قال:

أنت الرسول فمن يحرم نوافلهوالوجه منه فقد أزرى به القدر

فثبت الله ما آتاك من حسـنفي المرسلين ونصراً كالذي نُصروا

إني تفرست فيك الخير نافلـةفراسة خالفت فيها الذي نظروا] فودع الحبيب صلى الله عليه وسلم بثلاثة أبيات.

[قال: ثم خرجوا] من المدينة [حتى نزلوا معان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء] مكان من الأرض [في مائة ألف من الروم] يعني: بلغ المجاهدين المؤمنين الثلاثة آلاف أن هرقل ملك الروم قد نزل بالمنطقة الفلانية في مائة ألف من الروم الصليبيين المسيحيين [ومائة ألف من العرب المتنصرة من لخم وجذام والقين وبلي] أربع قبائل كانوا تنصروا في الجاهلية.

قال: [فأقام المسلمون بمعان ليلتين ينظرون أمرهم] هل يقاتلون مائتي ألف؟ وأخذوا يفكرون [وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، نخبره الخبر وننتظر أمره] رسالة يحملها شخص وفي عشرة أيام تصل، فيأمرهم بالقتال أو العودة [فشجعهم عبد الله بن رواحة الأنصاري وقال: يا قوم! والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون: إنه الشهادة، وما نقاتل بعدد ولا قوة، ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين، فانطلقوا، فما هي إلا إحدى الحسنيين].

قال: [فقال الناس: صدق والله، وساروا فتلقتهم جموع الروم والعرب بقرية من البلقاء يقال لها: مشارف] تم اللقاء هناك [وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الناس عندها، وكان على ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري ، وعلى ميسرتهم عبادة بن مالك الأنصاري ] والميمنة والميسرة نظام عسكري في القتال وكذلك المقدمة والمؤخرة، لأن القتال لم يكن بالرصاص وإنما وجهاً لوجه، بالقوى البدنية.

قال: [فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فقاتل زيد براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط] احترق [في رماح القوم -أي: مات- ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل بها وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابهاطيبة وبارداً شرابها

والروم روم قد دنا عذابهاعليّ إذ لاقيتها ضرابها

ثم عقر فرسه وهو أول فرس عقر في الإسلام] أي: قتل فرسه، وهذه القضية اختلف أهل العلم فيها: هل يجوز أن يقتل الإنسان فرسه أو لا يجوز؟

الكلب يجوز -بلا خلاف- قتله، لكن الفرس لِم قتله جعفر ؟ كأنه عرف أنه سيقتل، ولم يُرد أن يبقى فرسه يستعين به العدو؛ لأن الفرس له ميزته، فالفارس أفضل من عشرين واحداً على الأرض من المشاة، فرأى أن يعقره حتى لا ينتفع به الأعداء، ومن الصحابة من رضي بذلك ولم ينكر، ومنهم من رأى عدم جواز العقر.

والآن عندنا المجاهدون الأبطال الذين كأنهم ما صاموا ولا صلوا، يجعل المتفجرات في جسمه ويقذف بنفسه في صفوف المسلمين! وقالوا: شهيد!! يعني: فرس ما أجاز المسلمون عقره وقتله، وذاك من حماسه يحمل المتفجرات ويرمي بنفسه في العدو، وهو موقن باحتراقه وموته، هل يجوز هذا؟ أفتى به علماؤهم وقالوا جهاد!! ووالله ما هو بجهاد، ولا صح ولا جاز هذا أبداً، سواء كان في اليهود أو في المسلمين، فما جاء الإسلام بهذه الأباطيل والشطحات والثورات، وإنما جاء بأنوار الله عز وجل؛ لتضيء مشارق الدنيا ومغاربها، العدل والقسط والحق، والإيمان والصدق، والعلم والمعرفة.

قال: [وقاتل حتى قطعت يده اليمنى، فأخذ الراية باليسرى، وقاتل حتى قطعت يده اليسرى، فاحتضن الراية بعضديه حتى قتل] لأن الراية لها شأنها، فإذا سقطت انهزم الجيش وتفرق، وكانت عادة عندهم في ذلك الزمان، فالراية إذا ما زالت مرفوعة فالمقاتلون مصممون، وإذا سقطت انتهى القتال، فقطعت يده اليمنى التي كانت تحمل الراية فحملها باليسرى، ووقف يقاتل، فضربت اليسرى فضم الراية إلى عضدية وبقيت مرفوعة والقتال دائر ومستمر حتى قتل رضي الله عنه.

قال: [فوجد به بضع وثمانون رمية وضربة، وطعنة في جوار الله تعالى ورضوانه] ضربة بالسيف، ورمية بالسهم، وطعنة بالرمح [وأخذ الراية عبد الله بن رواحة ، ثم تقدم فتردد بعض التردد] أخذ الراية وتقدم ثم تردد هل يتقدم أو يقف! [ثم قال يخاطب نفسه:

أقسمت يا نفس لتنزلنهطائعة أو لتكرهنه

إن أجلب الناس وشدوا الرنهما لي أراك تكرهين الجنه

قد طال ما كنت مطئمنههل أنت إلا نطفة في شنه] قطرة ماء في شنه يابسة.

[ثم نزل عن فرسه، فجاء ابن عم له بعرق لحم، فقال: شد بهذا صلبك، فقد لقيت ما لقيت!] من شدة التعب والعطش والجوع [فأخذه فانتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر] أي: الهجمة [فقال لنفسه: وأنت في الدنيا!! ثم ألقاه وأخذ سيفه وتقدم، فقاتل حتى قتل، فإلى رحمة الله ورضوانه].

وهنا تعقيب: قد يقولون -وستقولون-: هذا الشيخ يريد أن يعطل الجهاد، وهو يقرأ في كتاب الجهاد! فأقول: هل في استطاعتكم أن تصبحوا أو تمسوا وأنتم كرجل واحد؟ ستقولون: لا نستطيع. إذاً: لا جهاد! لا جهاد مع فرقة وخلاف وتكبر، ولكن مع حب الله، فإن أصبحتم هكذا وقلتم: الله أكبر! وزحفتم على أي جانب في الحياة سقط أمامكم، أما ونحن هكذا: السب والشتم والنقد والطعن والدنيا والتكالب عليها، والفسق، والفجور والظلم .. نجاهد ماذا؟!

أنُدخل النصارى فيما نحن فيه؟ وماذا استفادوا؟ الشرك والخرافات والضلالات والإجرام، وقلّ من يموت على حسن الإسلام! نقاتل من؟!

إذاً: ماذا نصنع؟

الطريق رسمناه -بفضل الله ومنته علينا والحمد لله- وهو أن نرجع رجوعاً صادقاً إلى إيماننا وإسلامنا وإحساننا، والطريق -أيضاً- على أهل كل قرية في بلاد العرب والعجم، وعلى أهل كل حي في مدن العرب والعجم أن يجتمعوا كل ليلة من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء في مسجد حيهم أو قريتهم كاجتماعنا هذا، فيصلون المغرب ويجلس النساء من وراء الستارة، والأطفال صفوفاً كالملائكة، والفحول أمامهم، ويجلس لهم عالم رباني يعلمهم ليلة آية وأخرى حديثاً طوال العام، فيتعلمون الكتاب والحكمة، ويوماً بعد يوم لا تمضي السنة إلا وأهل القرية كأنهم رجل واحد، ولا تمضي السنة إلا وأهل الحي كأنهم رجل واحد، وتنتهي مظاهر الفساد، ومظاهر الظلم والخبث، ومظاهر الشرك والباطل، ومظاهر الوساوس والخداع، ويصبح المسلمون أمة ربانية لو رفعت يدها إلى الله سائلة إزالة الجبال لأزالها، ويومها تعشقها الدنيا، ويريد الكفار أن يكونوا مثلها، ويرحبون بها. هذا إذا أردتم أن تدخلوهم في رحمة الله.

فهمتم هذه اللغة؟! ستسألون عنها يوم القيامة، فلا سبيل إلا هذا، وهو سبيل رسول الله ورجاله وأصحابه، أما والجهل مخيم على قلوب الأمة، لا تفكر إلا بالدنيا وما فيها، ثم تجاهد أنت وتريد أن تقيم الدولة الإسلامية، فعلى من تقيمها؟ وأين أهلها الذين يذعنون لها ويقبلون بها؟! فيؤتون الزكاة وهم فرحون، ويقيمون الصلاة وهم خاشعون، أين هم؟!!

قال: [واشتد عليهم الأمر وكان قطبة القائد قد قتل قبل ذلك، قتله مالك بن زافلة قائد العرب المتنصرة، ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بني العجلان، وقال: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف الناس، ثم أقبل بهم قافلاً في طريقه إلى المدينة النبوية] أنقذهم إنقاذاً، واستلهم استلال الشعرة من العجين، يعني: ثلاثة آلاف إلا شيء -إذ مات منهم عدد- استلهم من مائتي ألف! وانحاز بهم وعاد إلى المدينة!

إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالواقعة

قال: [إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالواقعة] لا تلفاز ولا لاسلكي والرسول صلى الله عليه وسلم يفصّل لهم الأحداث كما جرت، وهذه آية من آيات النبوة.

[وبالمدينة يخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم بجريان المعركة بالتفصيل كأنه يشاهدها عن كثب، فيقول -بعد أن رقي المنبر- ونادى بالصلاة جامعة] ليعلن لهم عما تم وجرى في الحرب [( باب خير، باب خير، باب خير، أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم لقوا العدو، فقتل زيد شهيداً، فاستغفر له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيداً، فاستغفر له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة )، وصمت حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان من عبد الله ما يكرهون، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( فقاتل القوم حتى قتل شهيداً ) ثم قال: ( لقد رفعوا إلى الجنة على سرر من ذهب فرأيت في سرير ابن رواحة أزوراراً عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل: مضيا وتردد بعض التردد ثم مضى )] مشاهدة بلا حجاب ولا ستار أبداً.

[ولما قتل ابن رواحة أخذ الراية ثابت بن أرقم الأنصاري ، وقال: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم، فاصطلحوا على خالد بن الوليد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد فعاذ بالناس )، فمن يومئذ سمي خالد سيف الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مر بي جعفر البارحة في نفر من الملائكة له جناحان مختضب القوائم بالدم )] فمن ثم قيل فيه: جعفر الطيار ؛ لأنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه الملائكة، وله جناحان مخضب القوائم بالدم، أي: قائمة الجناح.

امرأة جعفر تحدث (زيارة النبي لبيت جعفر وأمره بصنع الطعام لأهله)

[امرأة جعفر تحدث] أتحدثنا امرأة جعفر بن أبي طالب ؟ كيف استطعنا أن نسمع حديثها ونحن لا نراها، وبيننا وبينها ألف وأربعمائة سنة؟ هذا من فضل الله علينا، والحمد لله.

[وقالت أسماء بنت عميس زوج جعفر الطيار بن أبي طالب رضي الله عنهما: أتاني النبي صلى الله عليه وسلم وقد فرغت من اشتغالي وغسلت أولاد جعفر ودهنتم] وكانوا يدهنون بالزيت حتى لا يكون الجفاف [فأخذهم] الرسول صلى الله عليه وسلم [وشمهم، ودمعت عيناه، فقلت: يا رسول الله أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: ( نعم، أصيب هذا اليوم )، ثم عاد إلى أهله، فأمرهم أن يصنعوا لآل جعفر طعاماً، فهو أول ما عُمِل في دين الإسلام. ولما رجع الجيش ودنا من المدينة لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عبد الله بن جعفر فحمله بين يديه] لما خرج المسلمون يستقبلون المجاهدين، خرج معهم الأطفال والنساء والرجال، وكان لـجعفر ولد اسمه عبد الله -فاتح إفريقيا بكاملها- حمله النبي صلى الله عليه وسلم بين يديه [فجعل الناس يحثون التراب على الجيش ويقولون: يا فُرّار، يا فُرّار، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ليسوا بالفُرار ولكنهم الكرّار إن شاء الله )] والفرار جمع فار، والكرار جمع كار، فالمسلمون لم يفرحوا بعودة الثلاثة آلاف، بل قالوا: أنتم فررتم، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ليسوا بالفرار، بل هم الكرار ). إي والله!

نتائج وعبر من غزوة مؤتة

[نتائج وعبر] علنا نستفيد لو كنا أهلاً للاستفادة.

[إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نذكرها فيما يلي:

أولاً: فضيلة الأمراء الثلاثة: زيد وجعفر وابن رواحة ] أفلا يكون لهم فضل، والذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

[ثانياً: مشروعية توديع المسافر إلى سفر صالح كالجهاد والحج ونحوهما] لا للعبث واللعب واللهو والباطل.

[ثالثاً: عظم خشية عبد الله بن رواحة وخوفه من النار] أخذنا هذا من بكائه عند توديع المسلمين للجيش، قال: ما بكيت حباً للدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71]، فإذا وردت كيف أصدر؟ أي: من أين لي أن أصدر؟ وهذا من عظم خوف الله وخشيته.

[رابعاً: بيان حقيقة كشف عنها ابن رواحة ، وهي أن المسلمين لا يقاتلون بعدد ولا قوة، وإنما يقاتلون بالدين، فإن كانوا صالحين مستقيمين انتصروا وإلا انكسروا] وها هم إخواننا في الجزائر يقاتلون بالدين لا بالعدد ولا بالعدة، وفي فلسطين كذلك، إذاً: هل ينتصرون؟!

أين الدين -أولاً- الذي يقاتلون به؟ أنسيتم أنه لا يحل قتال إلا براية؛ راية إمام يبايعه المسلمون نساءً ورجالاً، يقودهم على منهج الله، وهذا الإمام هو الذي يبعث بهم إلى الغزو والجهاد. ليس أن كل جماعة تقوم وتقاتل فتقتل في المسلمين، وتقول: جهاد، وسوف ننتصر!

والله الذي لا إله غيره! ما صح جهاد ولا انتصر أهله إلا إذا كانت رايته: لا إله إلا الله! تحت إمام بويع واتبعه الناس زمناً وهم يعبدون الله وراءه مستقيمين، ليس الجهاد لإقامة دولة، وإنما من أجل أن يعبد الله تعالى وحده بما شرع.

[خامساً: مشروعية مخاطبة النفس وترويضها على الطاعات] وقد خاطب جعفر نفسه في ثلاثة أبيات قبل أن يدخل المعركة.

[سادساً: آيات النبوة المحمدية تتجلى في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أهل المدينة بسير المعركة ووصفه لها، كأنها يديرها ويشاهد سير القتال فيها، ولم يخطئ في شيء منها ولو قلّ، ولم يكن يومئذ أخبار سلكية ولا سلكية ولا عرض تلفاز ولا فيديو، فكان إخباره أعظم آية على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي من الله عز وجل.

سابعاً: بيان فضل خالد ، وسبب تلقيبه بسيف الله] فقد أنقذ ثلاثة آلاف من مائتي ألف بحنكته وسياسته ورشده وشجاعته!

[ثامناً: بيان تألم رسول الله صلى الله عليه وسلم لموت الأمراء وخاصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.

تاسعاً: مشروعية صنع الطعام لأهل الميت لانشغالهم بالمصيبة وحزنهم على فقيدهم، وأن أول طعام صنع لهذا الغرض هو ما صنعه الرسول صلى الله عليه وسلم لآل جعفر فكان سنة قولية وعملية] إلى يوم القيامة.

[عاشراً: مشروعية حمل الطفل الصغير، وشمه وتقبيله رحمة به، وشفقة عليه].

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ..



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 90 للشيخ : أبوبكر الجزائري

https://audio.islamweb.net