إسلام ويب

إن دين الإسلام هو دين الأدب الرفيع والسلوك القويم، والله عز وجل هو الذي يربي نبيه المصطفى ومن معه من المؤمنين، ومن تأديبه سبحانه وتعالى للمؤمنين أنه يوجههم إلى الإعراض عن الكافرين، وعدم تبادل الشتائم والسباب معهم، وخاصة في حال ضعف المؤمنين وقلتهم في مقابل أولئك، ثم هو سبحانه يجازي المسيء يوم القيامة على إساءته، ويوفي المحسن أجره بفضله ومنته.

تفسير قوله تعالى: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ...)

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

وها نحن مع سورة الجاثية، وهي من آل حم المكيات، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [الجاثية:12-15].

معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ [الجاثية:12]، الله هو الذي سخر البحر، لا اللات ولا العزى ولا مناة، ولا كائن من هذه المخلوقات، بل الذي سخر البحر وسهله بعدما أوجده هو رب واحد، ألا هو الله، فكيف لا تعبدونه وتعبدون غيره؟ كيف لا تتوكلون عليه وتتوكلون على غيره؟ كيف لا ترهبونه وتخافونه وتخافون وترهبون سواه؟ كيف تحبون الأصنام والأحجار والدنيا والشهوات ولا تحبون الله؟

الله جل جلاله وعظم سلطانه الذي سخر لكم البحر، وسهله فأصبح قابلاً للسفن أن تكون فوقه، من فعل هذا؟ فليشيروا إلى مخلوق من المخلوقات، هذا فعل الله وحده، هذا الذي يستحق أن يعبد، هذا الذي يؤله، هذا الذي يحب، هذا الذي يطمع فيما عنده.

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ [الجاثية:12] وتيسيره وتسخيره، وإلا فالفلك ما تمشي ولا تجري، والفلك من صنعها؟ من خلق صانعها؟ من خلق أشجارها وأخشابها؟ الكل عائد إلى الله، إذاً: فوالله! لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله.

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [الجاثية:12] فالبحر سخره والسفن هيأها وأوجدها وسهل لها السير على البحر من أجل ماذا؟ لتطلبوا أرزاقكم، فالسفينة تحمل البضائع والسلاح من إقليم إلى إقليم، ومن بلد إلى بلد لتبتغوا من فضله، أي: الرزق، وذلكم من أجل أن تشكروا: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الجاثية:12] تشكرون الله على ما أنعم به، على ما تفضل به، على ما أعطاه لكم وهيأه وسخره لكم.

والشكر هو أن نحمد الله عز وجل على نعمه وأن نصرفها فيما يحبه ويرضاه، وألا نصرف منها شيئاً في معصيته ولا فيما يسخطه ويغضبه، هذا هو الشكر: صرف النعمة فيما من أجله خلقها الله عز وجل، فهذا امتنان الله، وبهذا عرف الله.

تفسير قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ...)

ثم قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13] كل ما في السماوات من النجوم والكواكب والشموس والأقمار والأمطار والرياح والهواء؛ كل ذلك في السماوات هو الذي سخره، والأرض كل ما فيها من بحار وأنهار وجبال وأودية وحيوانات ومواد على اختلافها وحبوب وثمار، كل ذلك هو الذي سخره، أما نحمده ونشكره؟ إنه يعطيك الشخص ريالاً فتشكره، يعطيك كأس ماء فتحمده، والذي أعطى هذا العطاء كله أما يحمد؟ أما يشكر ويثنى عليه؟ أما يقال له: الحمد لله؟

يقول تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13] نعمة من نعمه، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية:13]، هذه النعم التي هي تسخير الله تعالى البحر لتجري الفلك بأمره، وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه عز وجل، في هذه المخلوقات آيات وعلامات تدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يعبد إلا الله، وأنه لا يحب إلا في الله ولا يكره إلا في الله.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية:13]، من تفكر عقل، ومن عقل آمن، ومن آمن أيقن، ومن أيقن عمل الصالحات.

أولاً: فكر لتهتدي إلى أن هذا الخالق ليس إلا هو وحده، فلا يعبد إلا هو، فتؤمن بلا إله إلا الله، محمد رسول الله، وتوقن بأن الموت حق والبعث الآخر حق، وتؤمن بالجزاء على العمل فتعمل الصالحات وتتجنب السيئات.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [الجاثية:13] جمع آية، أي: علامة، والعلامة ما يدل على الشيء، فما الذي يدل على وجود الله؟ كم آية وكم علامة؟ لا تحصى العلامات، فوجودنا نحن دال على وجود الله، آية من آيات الله، وكذلك أسماعنا وأبصارنا، فكيف بهذه العوالم كلها، من أوجدها؟ من خلقها؟ ليس من أحد إلا الله، فهي كلها تقول: لا إله إلا الله، ومع هذا يعبدون الأصنام والصور والتماثيل، أو يعبدون الأهواء والشهوات والشياطين، ما فكروا، ولو فكروا لعقلوا، ولو عقلوا لفهموا وعملوا، ولكن ما فكروا ولا عقلوا.

تفسير قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ...)

ثم قال تعالى وقوله الحق: قُلْ [الجاثية:14] يا رسولنا، يا نبينا، قل يا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم للذين آمنوا بالله إلهاً لا إله غيره، وبك نبياً ورسولاً، وبالكتاب المنزل منا بأنه كتاب الله، وآمنوا بلقاء الله والبعث الآخر، قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14] وهم الكفرة الفجرة المشركون، ما معنى أنهم يغفرون لهم؟

يعفون، فإذا سبوهم أو شتموهم يعفون عنهم ولا يطالبونهم بشيء، سبه كافر، شتمه أبو جهل ، لا يرد عليه بشيء، بل يعفو عنه، لماذا؟ لأن المؤمنين ضعفة قليلون، والكفار كثيرون وأقوياء في مكة، فأذن الله لهم أن يعفو ويصفحوا، فإذا سب أبو جهل أو عقبة بن أبي معيط أحداً قال له: عفوت عنك، سامحتك، لأن المسلمين أقلية والكفار أكثرية، والسلطة والدولة تابعة للكافرين، والرسول والمؤمنون مجموعة قليلة، فلو كانوا يسبون كل من سبهم فستلتهمهم نار الفتنة والحرب وهم عاجزون.

ومن هنا يستفاد: أن المسلمين إذا كانوا مع الكافرين وكانوا ضعفة عاجزين فعليهم أن يستعملوا هذا التوجيه الإلهي، وهو إذا سب أو شتم المؤمن فإنه يقول: عفوت عنك، سامحتك، لا يرد السب بالسب ولا الشتم بالشتم.

اسمعوا قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا [الجاثية:14]، قل يا رسولنا للذين آمنوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14] أي: لا يؤمنون باللقاء والبعث والدار الآخرة، وأيام الله أيضاً أيام البلاء والعذاب والشدة، لله أيام خير وأيام شر، أيام عذاب وأيام رحمة، والأيام الآخرة هي يوم القيامة.

قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14] لأنهم كفار لا يؤمنون بالله ولا بالبعث الآخر ولا بالرسول ولا بالكتاب، ليعرضوا عن سبهم وشتمهم ولا يردوا عليهم شيئاً، لماذا؟ لأن رسول الله والمؤمنين أقلية مع أمة كاملة هناك بالآلاف، فلو كانوا يسبون من يسب ويشتم لاشتعلت نار الحرب، وما هم بأهل لها، ولما هاجروا إلى المدينة وكثروا وقووا نسخ الله مثل هذه الآية بالأمر بجهاد الكفار والمشركين.

فهذه الآية منسوخة، ومع هذا تستعمل عند الحاجة إليها، كما في شخص في بلاد الكفر يسب أو يشتم، فلا يحارب ولا يسب؛ لأنه ليس بأهل لذلك، فيعفو ويصفح أخذاً بهذه الآية الكريمة.

قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا [الجاثية:14] والغفران ما هو؟ الصفح وعدم المؤاخذة، لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14] والأيام -كما قلنا- تكون أيام خير وأيام شر، أيام حرب وفتنة وأيام سعادة وطمأنينة، وأيام الآخرة كلها إما نعيم مقيم أو عذاب أليم. ‏

معنى قوله تعالى: (ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون)

ثم قال تعالى: لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية:14] من هؤلاء القوم؟ الذين ماتوا على الكفر في مكة، ما قال: ليجزيهم، قال: ليجزي قوماً فقط؛ إذ كثير ممن كانوا يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين آمنوا وأسلموا، وهم في الجنة، فهو قال: لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية:14] من الظلم والشر والكفر، وذلك يوم القيامة.

فقوله تعالى: لِيَجْزِيَ قَوْمًا [الجاثية:14] إشارة إلى أن هؤلاء الذين يظلمون المؤمنين فيعفون عنهم ويصفحون، منهم من يسلم، بل أكثرهم أسلم ودخل الجنة، ومن مات على الشرك والكفر فسيجزيه الله بما فعل، هذا ما دلت عليه هذه الآية.

لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية:14] من الذنوب والآثام، من الشرك والكفر والظلم والاعتداء والإجرام، وبذلك اسودت نفوسهم وعفنت وتعفنت، فالله يجزيهم بجهنم، هي جزاؤهم.

تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ...)

ثم قال تعالى وقوله الحق: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [الجاثية:15] هذا اللفظ عام إلى يوم القيامة، من عمل من أبيض الناس وأسودهم، ومن شريف أو وضيع، من عمل صالحاً، ألا وهو بعد الإيمان واليقين أن يعبد الله تعالى بأن يطيعه في أمره ونهيه، ويطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ذلكم هو العمل الصالح، وضده العمل الفاسد؛ إذ كل العبادات التي تعبدنا الله بها أعمال صالحة للنفوس مزكية للأرواح مهذبة للأخلاق، معدة مهيأة للسعادة في الدنيا والآخرة، كل ما أمر الله به فهو عمل صالح.

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا [الجاثية:15] من أبيضنا وأصفرنا، من أولنا وآخرنا، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [الجاثية:15] أي: جزاء ذلك لنفسه، لا يتعداه إلى غيره، لماذا؟ لأن الأعمال الصالحة أدوات تطهير وتزكية كالماء والصابون، الأعمال الصالحة لتزكية النفس وتطهيرها مثلها الماء والصابون لتطهير الأبدان والأجسام والثياب، بم تطهر الأبدان والثياب؟ أليس بالماء والصابون؟ والأرواح بم تطهر؟ بالأعمال الصالحة، الأعمال التي شرعها الله وتعبدنا بها هي التي تزكي النفوس وتطهرها، واقرءوا قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] بم يزكيها؟ أفلح كل واحد منا إن كان قد زكى نفسه، كيف يزكيها يرحمكم الله؟ بم نزكي نفوسنا؟ أي: بم نطيبها، بم نطهرها، بأية مادة؟

تلك المادة هي العمل الصالح، وما العمل الصالح هذا؟ كل عبادة -قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً- أمر الله بها وأنزل بها كتابه وبينها رسوله، من الصلاة إلى الرباط إلى الجهاد إلى الأمر بالمعروف إلى النهي عن المنكر، إلى البر، إلى الخير.. كل عبادة هي عمل صالح على شرط أن تؤدى العبادة كما بينها الله ورسوله، فالصلاة تزكي النفس وتطهرها، لكن إن لم تؤد كما أداها الرسول صلى الله عليه وسلم بشروطها وأركانها فوالله! ما تنفع ولا تزكي.

والدليل أنا نقول: قم فصل أمام فقيه ولا تطمئن في ركوعك ولا سجودك، أو تكلم في صلاتك، أو لا تقرأ الفاتحة، فماذا يقول لك الفقيه؟ يقول لك: صلاتك باطلة، أليس كذلك؟ ومعنى باطلة: أنها ما تزكي نفسك، أتعبت نفسك فقط، والله! ما تزكي نفسك، فبطلانها هو عدم صلاحيتها لتزكية النفس، فالعمل الصالح ما شرعه الله في كتابه وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم من سائر العبادات، ولا تؤدي واجبها وتؤدي ثمرتها إلا إذا فعل المؤمن تلك الطاعة كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم كمية ومقداراً وكيفية وزماناً ومكاناً أيضاً، وإلا ما فتنفع، فهي عمل فاشل باطل.

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [الجاثية:15] أي: فالجزاء لنفسه هو، لا لـأبي جهل ولا لفلان وفلان.

معنى قوله تعالى: (ومن أساء فعليها)

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ [الجاثية:15] أي: عمل السوء فَعَلَيْهَا [الجاثية:15] فعلى نفسه تلك الأطنان والقناطير من الذنوب والآثام التي هي إساءة وسوء، كلها على نفسه، فإذا خبثت النفس وأنتنت وتعفنت لم يرض الله عنها أبداً، ولا يرضى أن تجاوره في الملكوت الأعلى قط.

قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ [الشمس:9-10] وخسر خسراناً أبدياً مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10] والتدسية: التخبيث والتلويث بأدران الذنوب والآثام، فلهذا المؤمن يعمل الصالحات ليل نهار، وإن زلت قدمه وغره العدو فقال كلمة سوء أو نظر نظرة محرمة فإنه يقول على الفور: أستغفر الله.. أستغفر الله، أتوب إلى الله؛ حتى يمحى ذلك الأثر من نفسه.

والجهال والضلال والمفسدون يأتون الذنب فوق الذنب، والإثم فوق الإثم حتى تصبح النفس منتنة غير قابلة للصلاح والعياذ بالله، ولا يتوب الله عليها، ولهذا فالتوبة فريضة على كل مسلم ومسلمة، والتوبة ليس لها وقت، بل على الفور، لا يجوز تأخير التوبة أبداً، ولا يقل: سأؤخر توبتي إلى العام المقبل، أو حتى أتزوج أو حتى أفعل كذا، بل التوبة تجب على الفور، إن زلت القدم فعملت السوء فتب إلى الله على الفور: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17] من قريب لا من بعيد، لما شعر أنه أذنب قال: أستغفر الله، ويعزم على ألا يعود إلى ذلك الذنب أبداً، ويندم على ما فعله، وبذلك يمحى أثرها من النفس، وتبقى النفس مشرقة مضيئة كما كانت.

قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ [الجاثية:15] أي: عمل السوء فَعَلَيْهَا [الجاثية:15]، فعلى نفسه آثار السوء، فتصبح النفس منتنة عفنة مدساة خبيثة، أيرضاها الله؟ والله! ما يرضى عنها ولا يقبلها في جواره في الملكوت الأعلى كأرواح المنافقين والكافرين والمشركين أبداً، فلهذا يجب أن نتوب من كل ذنب نقترفه، ولا نؤخر التوبة بحال من الأحوال.

معنى قوله تعالى: (ثم إلى ربكم ترجعون)

ثم قال تعالى: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [الجاثية:15] ثم إلى ربكم بعد نهاية حياتكم هذه يرجعكم هو جل جلاله إليه لتقفوا بين يديه وليحاسبكم على أعمالكم، وليجزيكم بها، وذلك يوم القيامة.

ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ [الجاثية:15] لا إلى غيره تُرْجَعُونَ [الجاثية:15]، لو كنا نرجع إلى غير الله فممكن أن نقول ما نقول، لكن لا نرجع إلى أحد غير الله تعالى، هو الذي يرجعنا إليه، وثم يتم الجزاء على الحسنات والسيئات، من عمل صالحاً دخل الجنة، ومن عمل الشرك والكفر والذنوب والمعاصي دخل النار، إلا أن المشركين والكافرين يدخلون النار فيخلدون فيها خلوداً أبدياً لا نهاية له، وأهل لا إله إلا الله والتوحيد إذا زلت أقدامهم فما تابوا وماتوا على المعصية يدخلون النار، ولكن يخرجهم الله منها بفضل إيمانهم وتوحيدهم، ما يستقرون في النار أبداً، بل يخرجون منها؛ وذلك لإيمانهم ولعملهم الصالح، ولكن زلت القدم وما وتابوا قارفوا الذنوب، وهم أهل لا إله إلا الله ما أشركوا بعبادة ربهم ولا عبدوا غير الله، فيدخلون النار فيطهرون ويدخلون الجنة.

ملخص لما جاء في تفسير الآيات

هكذا يقول تعالى وقوله الحق: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية:12-13] والله! ما تفكر عاقل إلا قال: آمنت بالله، آمنت بالله الذي خلق كذا وكذا.

قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14] هذه الآية منسوخة، ولكن تستعمل عند الحاجة إليها كما بينا، فإذا كان المؤمنين ضعفة في مكان والكافرون أقوياء فما يردون السيئة بالسيئة، بل يردون السيئة بالحسنة كما أمر الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا [الجاثية:14] لمن؟ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية:14] وجزاءهم يوم القيامة.

لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [الجاثية:14-15] به يثاب ويجزى بالجنة، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [الجاثية:15]، والجزاء متى يكون؟ يوم يرجعنا إليه: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [الجاثية:15].

قراءة في كتاب أيسر التفاسير

هداية الآيات

قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

[ هداية الآيات:

من هداية الآيات.

أولاً: تقرير التوحيد والبعث والجزاء والنبوة ].

من هداية هذه الآيات التي تلوناها وتدارسناها: تقرير التوحيد بأجزائه الثلاثة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والبعث الآخر. هذه أركان التوحيد العظمى، أيما إنسان يفقد واحدة منها فهو شر الخلق والعياذ بالله، أيما إنسان عاقل يؤمن بأن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق للجزاء على العمل في الدنيا؛ إلا كان من أكمل الناس وأفضلهم، هذه الأركان الثلاثة: النبوة، والتوحيد، والبعث الآخر؛ كل الآيات تقرر هذا، لكن الآيات الأولى في هذا فقوله تعالى: (سخر لكم كذا) على من نزل هذا؟ على محمد، إذاً: هذا تقرير للبعث والجزاء والنبوة المحمدية.

[ ثانياً: بيان علة الإنعام الإلهي على العبد، وهو أن يشكر الله تعالى بحمده والثناء عليه، وصرف تلك النعم في مرضاته تعالى لا في معاصيه الموجبة لسخطه ].

من هداية هذه الآيات: مطالبة العاقل المؤمن أن يشكر الله تعالى على نعمه التي أنعم بها عليه، من نعمة السمع والبصر والوجود والطعام والشراب، هذه النعم يجب أن نشكر الله تعالى عليها، وأن نحمده ونثني عليه، وألا نصرفها في سخطه، بل لا نصرف النعم إلا في مرضاته سواء كانت النعمة مالاً فلا ننفقه إلا فيما يرضيه، أو كانت النعمة بصراً فلا ننفقها إلا فيما يرضيه، أو كانت النعمة قوة بدن فلا ننفقها إلا فيما يرضيه.. وهكذا.

[ ثالثاً: مشروعية التسامح مع الكفار والتجاوز عن أذاهم في حال ضعف المسلمين ].

الآية دلت على جواز التسامح مع الكفار في حال ضعف المسلمين وعجزهم كما هم اليوم.

[ رابعاً: تقرير قاعدة: أن المرء لا يؤخذ بجريرة غيره ].

هنا قاعدة ثابتة ما يجهلها إلا الجاهلون، وهي: أن الإنسان لا يؤاخذ إلا بذنبه، ما يؤاخذ بذنب غيره أبداً، لا يؤاخذ الإنسان إلا بذنب نفسه، أما ذنب غيره فما يؤاخذ به ولا عليه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [الجاثية:15] لا على غيرها.

[ خامساً: تقرير أن الكسب يؤثر في النفس ويكون صفة لها، وبه يتم الجزاء في الدار الآخرة من خير وغيره، قال تعالى: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:139] ].

تقرير أن الكسب -أي: العمل- يؤثر في النفس كما قدمنا، إما أن تزكو وإما أن تخبث، فإن كان الكسب عملاً صالحاً زكت النفس وطابت وطهرت، وإن كان عمل السوء والعياذ بالله كالفسق والكفر يؤثر في النفس فتسود وتظلم وتصبح منتنة عفنة والعياذ بالله، وتدخل جهنم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الجاثية (3) للشيخ : أبوبكر الجزائري

https://audio.islamweb.net