إسلام ويب

من سنن الله تعالى في الكون أن الانفراج يكون بعد الشدة، والضياء يأتي بعد الظلام، والعسر يتبعه يسر، لذلك فإنه بعد ذلك الظلام الحالك الذي غطى سماء البشرية، بانتشار مظاهر الكفر والشرك والوثنية، وبعد أن نظر الله إلى الناس فمقتهم لما هم عليه من الكفر والشر والفساد إلا بقايا من أهل الكتاب، بعد ذلك كله أذن الله بانبلاج الصبح وسطوع النور بالرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

تباشير الصباح (البشارات بالرسالة المحمدية)

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

وبعد: فقد انتهى بنا الدرس إلى مقطوعة [تباشير الصباح] وهي الأنوار التي تلوح؛ لتكشف الغطاء وتزيل الظلمة وتتجلى فيها أنوار النبوة المحمدية.

قال المؤلف غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين والمؤمنات:

[إن من سنن الله تعالى في الكون] والسنن: جمع سنة، وهي الطريقة المتبعة [أن الانفراج يكون بعد الشدّة] وهو كذلك: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:5-6] فالانفراج حسب سنة الله في الكون يكون بعد الشدة [والضياء يكون بعد الظلام، واليسر يكون بعد العسر. إنه بعد ذلك الظلام الحالك الشديد الذي غطى سماء الحياة البشرية، حيث عتم ظلام الشرك والكفر والظلم والشر والفساد؛ إذ نظر الله تعالى إلى الناس فمقتهم عربهم وعجمهم؛ لما هم عليه من الكفر والشر والفساد إلا بقايا من أهل الكتاب] وقد تقدم خبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وبقايا أهل الكتاب هم اليهود والنصارى [في هذا الظرف بالذات أخذت تباشير الصباح تلوح بقرب انبثاق النور المحمدي، يلوح هنا وهناك في الآفاق المظلمة المدلهمة. وها هي ذي بين يديك أيها القارئ الكريم كواكب زهر تلوح في الأفق كوكباً بعد كوكب، مؤذنة بقرب انبلاج الفجر المحمدي: ] ‏

أولاً: دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام

قال: [فأولاً: دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام] إذ سألا ربهما أن يبعث في ذريتهما نبياً رسولاً يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، واستجاب الله لذلك [فقد أخبر تعالى عنهما أنهما سألاه أن يبعث في ذريتهما رسولاً منهم، جاء ذلك في قول الله تعالى من سورة البقرة: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:128-129]] أين قال إبراهيم وإسماعيل هذا؟ قالاه وهما يبنيان الكعبة. كانا يتقاولان هذه الأقوال وهما يبنيان الكعبة منذ ستة آلاف سنة وزيادة. ومن حفظ لنا هذه الدعوة؟ إنه الله! أنزلها علينا في كتابه، فكأننا مع إبراهيم وإسماعيل في مكة وهما يبنيان البيت.

قال: [كما أخبر هو بنفسه صلى الله عليه وسلم مقرراً هذه الحقيقة مؤكداً لها فقال: ( أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى )].

أخبر بهذا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( أنا دعوة أبي إبراهيم ) أي: كنتُ بهذه الدعوة. ودعوة إبراهيم آية من سورة البقرة. ( وبشارة أخي عيسى )، وهل بشر عيسى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ أي نعم. واقرءوا سورة الصف إذ فيها: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]، فكيف يكفر المؤمنون؟! لا يستطيعون! وهم يقرءون كتاب الله، وإن تعجبتم فاسمعوا قول الله تعالى من سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]، وكم ارتد من المسلمين بعد أن صبحوا تلاميذ وطلاباً لأستاذة هم شر البرية من اليهود والنصارى!!

ستقولون: يا شيخ كيف تقول هذا؟! فأقول: أما تتلمذ مئات الآلاف لأستاذة روس وأمريكان وإنجليز وفرنسيين؟ وبعدُ: ألا يطيع التلميذ أستاذة؟! لأنه إذا عصاه لا يتعلم! قال الله: إن تطيعوا فريقاً فريق الدكاترة والمختصين من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:100-101]، هذا كلام الله جل جلاله وعظم سلطانه: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]، ولهذا متى تكون المناعة؟ تكون عندما تبعث الحكومة المسلمة البعثة الطلابية إلى روسيا أو أمريكا أو اليابان لتعلم الصناعة والمهن المادية لحاجة المسلمين إليها، وتبعث مع البعثة عالماً ربانياً، فيبيتون في بيت واحد، ويصلون الصلوات في ذلك البيت، ويتلون كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد قلنا هذا الكلام منذ أربعين سنة، فهل أخذ به العرب والمسلمون؟ لا. لِم؟ لأنهم نائمون، ويقولون في مثل هذا الكلام: هذا من مظاهر التخلف والرجعية. ويذهب المراهقون وينغمسون في بؤر الكفر والباطل ليتعلموا، فيأتون ممسوخين إلا من رحم الله. هل هذا الكلام كلام حق أم خرافة؟

إن الله غارز الغرائز وطابع الطبائع هو الذي يخبر ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا [آل عمران:100]، ولم يقل: إن تطيعوا الذين أوتوا الكتاب؛ لأن الطاعة التي تؤثر هي طاعة الأساتذة والخبراء والفنيين والمستشارين، هؤلاء هم الذين تؤثر طاعتهم، فسبحان الله العظيم! لم يقل الله: إن تطيعوا الذين أوتوا الكتاب، وإنما قال: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا [آل عمران:100] أي: مختصاً همه تكفيرنا وإبعادنا عن نور الله ورحمته، يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [آل عمران:100] أي: أنكم لم تكونوا كافرين من قبل بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100].

ثم يقول: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] أي: كيف يتأتى لكم أن تكفروا؟! وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]، هذا كلام عربي واضح المعنى: وقد عرف العدو هذا فأبعدنا عن القرآن، فلا تتلى علينا آياته ولا نجتمع لها ولا نسمعها ولا نحاول أن نتفكر فيها، وأُبعدت السنة كذلك؛ وحينئذ ذبحوا وسلخوا وصوروا وفعلوا العجب. فهل عرف هذا علماء المسلمين وأهل الفقه فيهم؟!

ولهذا أقول -والله شاهد-: يجب على الحكومة المسلمة من إندونيسا إلى موريتانيا -وليس عندنا تخصيص- إذا ابتعثت بعثة أن تنتقي الطلبة انتقاء خاصاً، فيكونوا من أصحاب العقيدة والبصيرة، ممن تجاوزوا سن المراهقة أيضاً، حتى لا يذوبوا في الأهواء والشهوات، أي: ممن بلغ الواحد والعشرين؛ لأن نظامنا يقول: لاعب ابنك سبعاً وأدبه سبعاً واصحبه سبعاً، فإذا بلغ الواحد والعشرين ذهب حيث شاء؛ فقد أمنت عليه.

هذه البعثة الطلابية سواء كانوا يتعلمون الكيمياء أو الهندسة أو الفيزياء أو المكنيك وسواء كانوا عشرين أو مائة أو ألفاً فإنهم يوضعون في منزل واحد؛ ليدرسوا في الكلية ويخرجون منها إلى منزل فيه يجتمعون ويتلون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقيمون الصلاة، وبينهم عالم رباني يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، كما هي دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

هل فعل المسلمون هذا؟ لا. إلا من رحم الله، كيف العائدون عندهم؟ كيف هم إلا من سلم الله؟! من عاد مريضاً ودخل مثل هذا المستشفى (المسجد) كل ليلة يتعلم الكتاب والحكمة يصح ويسلم، وتستنير بصيرته، ويعود إلى كماله، ولكن إذا عاد فإنه يعود إلى المقاهي والملاهي ومجالس الليل، فكيف يصبح؟ يزداد كرباً وهماً.

وا حر قلباه ممن قلبه شبم

أين أمة الإسلام؟! عليها السلام!

كتب أحدهم لي يقول: أنت أمت الناس وقضيت عليهم، وآخر يقول: من قال إن الناس هلكوا فهو أهلكهم!

وأنا أقول: قصدي هو أن أبكي فقط. فإذا كان كلامي هذا غير صحيح فسامحني الله، وإذا كان صحيحاً أجرني الله، وأنتم عليكم البلاغ.

ونعود لما كنا نتكلم عليه سابقاً: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنا دعوة أبي إبراهيم ) بمعنى: أن إبراهيم دعا ربه فاستجاب الله له، ألا تسمى هذه دعوة؟! بلى. دعوة. وهل هو أبوه؟ نعم. فالجد الأعلى أب، وقد قال الله عز وجل: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج:78]. فيا بني إسماعيل! ويا أيها العدنانيون! ويا أيها القرشيون! إن أباكم إبراهيم. ويجوز أن تقول هذا أبي لكبر سنه -ولا حرج- وهذا ابني لصغر سنه.

ثانياً: أخذُ الميثاق له صلى الله عليه وسلم من الأنبياء والمرسلين

قال: [ثانياً: أخذُ الميثاق له صلى الله عليه وسلم] من أخذ الميثاق للنبي صلى الله عليه وسلم؟ إنه الله! وممن أخذه؟ من الأنبياء والمرسلين قبل وجود محمد صلى الله عليه وسلم، فما من نبي إلا ويأخذ عليه عهد وميثاق أنه إذا بعث النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم يجب أن يؤمن به ويتبعه.

قال: [لقد أخذ لله الميثاق على كل نبي نبأه، ورسول أرسله: أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصره متى بعث] وعاصره، ولو كان رسول موجود عندما بعث نبينا صلى الله عليه وسلم كان يجب أن يأتي إليه ويمشي معه وينصره، ولهذا أبطل أهل العلم فكرة أو فرية أن الخضر حي موجود؛ لأن الخضر نبي، فلو كان حياً موجوداً ألا يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليبايعه ويقاتل معه؟!

خرج أحدهم وفي يده الحناء، فقالوا إخوانه: ما هذا؟ فقال: الخضر زوجني، وآخر يقول: الخضر كان معنا البارحة، ولك أن تشم رائحة الطيب التي طيبنا بها.

إنهم يستغلون العوام والجهال ويفعلون الأعاجيب! أين الخضر ؟ لو كان هنا لقادنا الآن وقاتلنا في سبيل الله! كيف كان الخضر موجوداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يأتي إلى المدينة ولا يمشي وراء رسول الله ولا ينصره؟ أين يعيش هذا في اليابان؟!

قال: [ولازم هذا أنه عرّفه باسمه وصفاته] هذا النبي عندما يلزمه الله ويوصيه ويأخذ عليه ميثاق أن ينصر النبي الخاتم ويقف إلى جنبه ويؤمن به لا بد أن ينعته له وإلا كيف سيعرفه [جاء هذا في قوله تعالى من سورة آل عمران: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81]] وهذا عام في كل نبي، فأيما نبي وجد في الشام أو العراق أو باكستان أو خرسان وبعث نبي آخر، فهذا النبي الموجود يؤمن بذلك النبي ويقف إلى جنبه ويؤيده وينصره؛ لأن دعوتهما واحدة، وهي دعوة الله عز وجل. فاللفظ القرآني عام: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ثم قال لهم: أَأَقْرَرْتُمْ قَالُوا أَقْرَرْنَا إذاً: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].

إذاً: ما من نبي ولا رسول يبعث إلا ويؤخذ عليه الميثاق أنه إذا بعث رسول أو نبي أن يكون وراءه؛ يؤيده وينصره، أم أنهم يتخاصمون ويحسد بعضهم بعضاً؟! هل يقول أحدهم: اذهب أنت إلى الشام ودعني أنا في فلسطين؟! حاشاهم! لن يكون هذا؛ لأن الله طهرهم وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، وهذا المرض يكون في غيرهم: الكبر والحسد والاستيلاء على المنطقة، وأن يكون أتباعه أكثر من أتباع الآخرين، كما يفعل العلماء عندنا اليوم، أما هؤلاء فمصطفون مختارون، كل همهم رضا الله وما يطلبه الرحمان منهم.

البشارات الإلهية بمحمد صلى الله عليه وسلم في التوراة

قال: [ثالثاً: بشارات الكتب الإلهية به] الكتب التي أنزلها الله على رسله ما من كتاب منها إلا ويحمل البشرى بلغة قومه الذين نزل فيهم.

قال: [ففي التوراة] التوراة أعظم كتاب، فيها ألف سورة، والقرآن فيه مائة وأربعة عشر سورة، والتوراة أنزلها الله على موسى الكليم عليه السلام [يروي البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قوله] أي قول: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله هذا من عبّاد الصحابة، كان من أعبد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوه عمرو بن العاص أكبر سياسي عرفه العالم الإسلامي رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين [قال: وجدت في التوراة] تصفحتها فوجدت فيها ما يلي: [في صفة النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله سبحانه وتعالى: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين] والحرز هو الذي يمنع الخطر والدهاء والبلاء والشر، فهو حرزنا صلى الله عليه وسلم، ووالله لو اتبعناه ما أصابنا سوء ولا نزل بنا بلاء، ولكن تركنا كلامه كما نترك كلام كالعجوز، ودائماً يعبر بهذه العبارة، لقد عشنا هذا وعرفناه في العالم الإسلامي، فإذا سمع الناس كلمة: قال الرسول جعلوها كقول فلان أو فلانة، فليس عندهم وزن أبداً لكلام النبي صلى الله عليه وسلم.

إن الرسول إذا قال قولاً فيجب أن يكون هذا القول أعلى من مقال الملك أو رئيس الجمهورية، يجب أن نحفل به ونهتم، ولكن جعلنا قول الرسول كقول أي فلاح أو تاجر، أما إذا قال الرئيس أو قال الأمير فإننا نحفل ونهتم.

قال: [أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل] الله أكبر! نبينا اسمه في التوراة: المتوكل، وهل عرفت الدنيا متوكل على الله أكثر من محمد صلى الله عليه وسلم؟! [ليس بفظ ولا غليظ] والله يقول في القرآن: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]. فلا يجتمع معك أبو بكر ولا عمر .

قال: [ولا صخاب في الأسواق] والصخاب: هو الذي يصيح في السوق، وتعرفون أن الأسواق يصيح أهلها وينادون على بضاعتهم بأعلى صوتهم، أما إذا قلت له: قل: لا إله إلا الله فإنه يستحي! وهذه الجائزة حرمها العالم الإسلامي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من دخل السوق وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وإليه المصير وهو على كل شيء قدير، ورفع بها صوته كتب الله له ألف ألف سنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفعه ألف ألف درجة )، مليون حسنة، ومليون درجة، ومليون سيئة تمحى. ألا نستطيع ذلك؟! أنخاف ونستحي؟! إذا الناس مشغولون بالبضائع، هذا يعرض كذا وهذا يعرض كذا وأنت تقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وإليه المصير وهو على كل شيء قدير) يجعلهم يجفلون ويقفون حتى يرحل الشيطان ثم يعودون إلى ما هم عليه. من منا أخذ هذه الجائزة؟

ويستفاد من: (ولا صخاب في الأسواق) أنه يكره رفع الصوت في السوق، فليس هناك داعٍ لهذا، فما كتب الله لك سوف يكون، فلا تصرخ بأعلى صوتك؛ لأن نبينا لم يكن موصوفاً بهذه الصفة، وعلينا أن نكون أيضاً مثله في آدابنا وأخلاقنا وكمالاتنا.

قال: [ولا يدفع السيئة بالسيئة] ولكن يدفع السيئة بالحسنة، فإن قيل له: يا قصير! أو يا طويل! قال: جزاك الله خيراً، أو لكمه بيده خطأً أو داسه بنعله فلا يقول: أأعمى أنت يا ملعون! وإنما يقول: عفا الله عناك آذيتني، فيدفع السيئة بالحسنة، ولا يدفع السيئة بالسيئة، هذه صفات نبينا في التوراة، وقد تجلت في حقائق الحياة وشاهدها القريب والبعيد. أما قال له ذاك الأحمق: اعدل فينا يا رسول الله! فقال: ( ويحك إذا لم أعدل أنا فمن يعدل ) ، ثم قال: ( رحم الله أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا وصبر ).

قال: [ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء] أي: لن يتوفاه الله ويقبض عنه الوحي حتى يبلغ رسالة الله، والملة العوجاء هي ملة إبراهيم، لأنهم عبثوا بها وعوجوها وكسروها وجعلوا فيها الآلهة والأوثان، فمن يقومها؟ من بُعث لتقويمها؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم [ويفتح عيوناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً بأن يقولوا: لا إله إلا الله] وتحقق هذا الذي في التوراة بالحرف الواحد.

قال: [وفيها -أي في التوراة- أيضاً: تجلى الله من طور سيناء] وطور سيناء في سيناء، وقد عادت -إن شاء الله- إلى العرب أو لا تريدونها؟! قالوا: لا نريد سيناء ولا نريد أريحا، تريد ولكن نريد تل أبيب؟ إذاً: تفضلوا خذوه، قالوا: لا أستطيع! إذاً لم لا تريد أن تأخذ سيناء أو أريحا؟ يعني: تموت جوعاً ولا تأخذ القليل! إذا أُعطيت رغيفاً فكل واحمد الله عز وجل، واسأله أن يعطيك دجاجة مشوية، أما أن تقول: لا، لا أبغي!! ..

ستقولون: يا شيخ! لا تلمنا؛ لأننا غير موفقين.

أقول: ليس من هذه الأيام بل من خمسة وأربعين عاماً، فلو كنا موفقين ما عاش إخواننا يضطهدون وينكل بهم ويعذبون هذه السنين، ولو كنا بصراء لعرفنا كيف نسلك مسلك الراشدين، الرسول صلى الله عليه وسلم عندما نزل المدينة وهي مطوقة ببني قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، والعرب جهلة بينهم لا يعرفون شيئاً، عقد معهم الاتفاقيات، وعقد معهم صلحاً مكتوباً عندنا نصوصه.

إن العرب لما رأوا أنفسهم مستضعفين مستعمرين في تلك الأيام وعرضت عليهم الدول واليهود القسمة قبلوها وأخذوا قطعة من الأرض -نصفها في ذلك الوقت-. فربوا أبناءكم وإخوانكم على الإيمان والإسلام والشجاعة فإذا أصبحوا أولياء الله سوف يتحقق لهم مراد الله.

قالوا: لا. لا نريد القسمة، وإلى الآن والعلماء يقولون: كيف نرضى بقسمة البلاد، يا عبد الله! أي طين أو أي تراب لله، الملك كله لله، العبرة بأن يعبد الله عز وجل، ما هو بتربة إسرائيل ولا فلسطين ولا بريطانيا، نحن لسنا محصورين في رقعة أبداً، ولا نقاتل من أجل بقعة، بل نقاتل من أجل أن يعبد الله عز وجل، فهيا نعبد الله ونقيم دينه وشرعه وحينئذ لن نرضى بأن نبقى في فلسطين، حرام، يجب علينا أن نجتاز خط البحر ونُدخل رحمة الله في اليونان وفي الطليان ونمشي ننشر النور، هذا الكلام لا يفهمونه؛ لأنهم ليسوا أهلاً لأن يفهموه، قالوا: نريد دولة إسرائيل فقط، ونحن عندنا كذا دولة عربية فهل عُبد الله فيها؟ هل أقيمت شرائع الله وحدوده؟ هل وهل.. أي فرق إذاً؟. يقولون: لا نفهم هذا الكلام يا شيخ، أنت عميل! عميل أمريكا.

قالوا: أني أشتغل مع السي آي إيه (المخابرات الأمريكية)، والله قالوا هكذا: يشتغل مع السي آي إيه (المخابرات الأمريكية).

لا إله إلا الله! أين يُذهب بعقول البشر العقلاء؟

قال: [وأشرف من ساعير، واستعلى من جبال فاران] وجبال فاران هي جبال مكة [فتجليه سبحانه وتعالى من طور سيناء المراد به إنزاله التوراة على موسى، وإشرافه من ساعير المراد به إنزاله الإنجيل على عيسى، واستعلاؤه من جبال فاران إنزاله القرآن الكريم على المبشر به محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ جبال فاران هي جبال مكة المكرمة].

هذا كله تقرير للنبوة المحمدية، وتباشير سبقت ولادته بقرون..

قال: [وجاء في التوراة أيضاً: أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك] يخاطب الله موسى [وأجعل كلامي في فمه] من الذي يتكلم بكلام الله؟ محمد صلى الله عليه وسلم [فيكلمهم بكل أو أوصيه به، فالذي يجعل الله تعالى كلامه في فمه لن يكون إلا محمداً صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو الذي يقرأ القرآن على ظهر قلب] وليس هناك من يقرأ الإنجيل أو التوراة بالغيب أبداً، ولا حفظه أحد، إلا ما كان من عزير عليه السلام فهو نبي، يروى أنه لما فسق بنو إسرائيل -كالعرب الآن والمسلمين- فأباحوا الربا والزنا والباطل والشر وتركوا الصلاة كما هو حال المسلمين سواءً بسواء؛ سلط الله عليهم البابليين، والبابليون سكان بابل، كانوا أمة جبارة، فغزوا فلسطين ودخولها، وذبحوا واستعمروا وحولوا بيت المقدس إلى مخراة، أي: حيث يخرأون، فإذا أراد العسكري أن يبول مشى إلى بيت المقدس ليبول فيه. وهذا إهانة للفساق الفجار! من هم؟ أبناء الأنبياء والرسل لما فسقوا عن أمر الله وخرجوا عن طاعته أدبهم، سلط عليهم البابليين، فأخذوا التوراة من أيديهم؛ لأنهم ليسوا أهلاً لها.

فلما أخذوا التوراة ما بقي فيهم من يقرأ ولا يعرف فبكوا وبكوا. وهذ يعني أن فيهم الصالحون كالمسلمين فيهم أولياء لله. لكن هل العبرة بخمسة أو عشرة؟! لا. العبرة بالأكثرية.

فجاء -كما يروى- عزير وهو نبي. فقال: اكتبوا. فقالوا: هذا ابن الله إذاً. كيف يستطيع أن يملي التوراة أو يحفظها؟! إنه ابن الله!! فكفروا كفراً آخر، قال الله عز وجل: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30]، ما السبب في هذه النسبة؟ قالوا: كيف يعرف كلام الله ويمليه؟!

إذاً: من يحفظ كلام الله؟ رسول الله! حفظه وتكلم به، وهذه الصفة في التوراة كما جاء فيها: "أقيم لها نبيناً من وسط إخوتهم مثلك يا موسى وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به" فالذي يجعل الله تعالى كلامه في فمه لن يكون إلا محمداً صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو الذي يقرأ القرآن على ظهر قلب [ولا ينطق إلا بما جاء فيه ودعا إليه من الحق والهدى والخير].

هذه بشرى في التوراة، واليهود يعرفون هذا، والله يعرفونه، ولكن ليس كل اليهود، فالكلام لا يُأخذ دائماً على إطلاقه، ولكن نعني: أن العلماء أصحاب المنابر يعرفون هذا، ولا يعترفون به لليهود ويؤولنه، فيقولون: هذا شخص آخر وأنتم لا تفهمون، حفاظاً على المراكز، وحفاظاً على أمل وحلم إعادة مملكة بني إسرائيل، وإلا اليهود يعرفون رسول الله، فـعبد الله بن سلام ما إن رأى الرسول حتى اندهش وشهد بأنه رسول الله عن ثلاثة أسئلة فقط وجهها للنبي صلى الله عليه وسلم وأجاب عنها.

البشارات الإلهية بمحمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل

قال: [وجاء في الإنجيل] إن النعوت والصفات والبشارات تلوح في أفق الكتب في التوراة والإنجيل، والإنجيل موجود يقرأه القسس والرهبان، ولكن يغمضون أعينهم عن الحق ويؤولونه. والعرب كذلك أولوا -أيضاً- القرآن، قال لي أحد أهل العلم مرة: كيف تقولون إن الأولياء لا يعلمون الغيب؟

قلت: لا يعلم الغيب إلا الله، فقال: لا. القرآن يشهد بذلك، أما قال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27] أو ولي. قال: وهذه محذوفة فقط ولكن المقام يقتضيها!! إنه تحريف وتأويل؛ حتى يقال فلان يعلم الغيب، أو فلان يكاشف، فالكشف عندهم موجود، تجده ينظر إليك ويقول: أنت جئت لكذا، وهذا يقع بالتخمين ويصادف أنه جاء ليستدين أو ليستقرض أو لغير ذلك .. فيقول الحاضرون: خلاص كاشفه الشيخ!! ويصبح هؤلاء آلهة.

فلهذا تجده يحلف بالله سبعين مرة ولا يحلف بالشيخ أبداً، وتجد القاضي يصدر حكمه على فلان بأن يحلف لفلان فيقول: مستعد! ويحلف بالله أنه ما أخذ شاته ولا بعيره ولا لا.. ولكن لو قال له: احلف بسيدي فلان؟ قال: لا أستطيع.

وعندنا حكاية -لطيفة- والرسول كان يقص مثل هذا ليسلي على أصحابه:

صدر حكم على إنسان في قضية بينهما في مال أو بستان أو نعجة أو غير ذلك .. فقال له: تحلف بسيدي فلان؟! فقال: نمشي لنحلف، فلما وصلا إلى الضريح، قال له: أدخل رأسك في النافذة واحلف بحق سيدي فلان. فأدخل ذاك رأسه وأراد أن يقول: وحق سيدي فلان ما أخذت من فلان كذا! وكان عند الآخر هراوة، فما إن أدخل ذاك رأسه حتى ضربه بالهراوة وتركه يتشحط في دمه وهرب، فلما سئل كيف ضرب هذا؟! قال: ضربه سيدي فلان؛ لأنه كذب عليه.

هذه أمة القرآن!! وتقولون: كيف يأكلون الربا؟ وكيف يبيحون كذا ..؟ لأنهم ما عرفوا الله ولا رسوله، أنجعل من شخص لا يعرف الله ولياً لله؟! لن يكون ولياً إلا إذا عرف الله فأحبه وخافه، ورهبه وعرف ما يحب وما يكره، وأخذ يتملق إليه في كل ساعة بذكره وعبادته. هذا الذي تعجب منه إذا عصى الله وخرج عن أمره.

إذاً: ما الحيلة يا عباد الله؟! يجب أن نعود إلى بيوت ربنا كما كنا على عهد نبينا، هكذا كما نحن الآن -وطوال الحياة- من المغرب إلى العشاء، فأهل القرية أو المدينة يجلسون في بيت ربهم؛ ليتعلموا ليلة آية وليلة حديثاً -طوال الحياة- فيعلمون ويعملون ويكملون، وإن تجلى لك يومئذ فسق أو باطل أو هزيمة فقل: هذا ليس بدين، ولا هذا كلام رب العالمين.

فالجاهل لا يخاف الله أبداً، إذا احتاج إليك يشرب دمك، وإنما يخشى الله من عرف الله، وكيف نعرف الله؟ بدراسة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما فعل رسول الله بين رجاله وأصحابه، كان الواحد منهم لا يحمل القلم ولا يعرف كيف يكتب ولا يقرأ، ولكن أصبحوا قضاة، وأصبحوا دعاة، وأصبحوا رجالات حرب، عن طريق التلقي. إنها دعوة إبراهيم: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129] أما نحن ففي المقاهي والملاهي والمقاصف واللعب والضحك طوال العام، فالحمد لله أنّ لدينا بقايا هدىً موجودة.

قال: [في تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهود] في صحراء اليهود [قائلاً: تربوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات] أي: استعدوا، وربوا أنفسكم على الحق والكمال، وتهيئوا لحمل الرسالة؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات، أي: الذي يملك بإذن الله الأرض [فقوله: "قد اقترب ملكوت السماوات" إشارة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبشارة به وبقرب بعثته؛ إذ هو الذي ملك وحكم بقانون السماء الذي هو شرع الله تعالى] هذه بشارة عيسى في الإنجيل.

قال: [وجاء فيه أيضاً:

قدم لهم مثلاً: قائلاً: "يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله وهي أصغر جميع البذور، ولكن متى نمت فهي أكبر البقول" فهذه البشارة هي عينها التي في القرآن؛ إذ قال تعالى في سورة الفتح: وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]].

وأعطيكم فائدة: فلعل من السامعين من يعيش على مذهب غير مذهب الكتاب والسنة. قال الإمام مالك : من أصابه غيظ إذا ذكر أبو بكر أو عمر أو عثمان أو عائشة أو صحابي فإنه كافر. لِم قال ذلك الإمام مالك ؟ لأن الله يقول: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] من هؤلاء الذين يغيظ بهم الكفار؟ أليسوا أصحاب رسول الله؟! أما قال الله عز وجل: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] فكل من يغتاظ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعهم أو دعي إلى محبتهم فهو كافر. هذه فتيا مالك . ومن مالك هذا؟ إنه إمام المسجد النبوي، عاش في القرن الثاني مباشرة بعد المائة الأولى، أدرك ثلاثمائة صحابي، وستمائة تابعي، أي: تعلم على يد تسعمائة من الصحابة والتابعين.

فقولوا للذي إذا ذكر أبو بكر تغير وجهه وغضب: ويحك! ويحك! أغاظك الله بعبده ووليه! تب إلى الله عز وجل، واخرج من هذه الدائرة الضيقة، وادخل في رحمة الله، عليك أن تسأل أهل العلم، لِم تصر على الباطل والحنث العظيم؟ انج! اطلب نجاة نفسك، أنقذ نفسك وأهلك من ولد وامرأة، لِم الإصرار على الباطل؟ ولا لوم لأنا لم نبلغهم.

قال: [وجاء فيه أيضاً:

أنطلق؛ لأني -إن لم أنطلق- لم يأتكم (البارقليط_ قال: سأذهب وأطلع إلى السماء ولم يقل أموت. والبارقليط هو أحمد صلى الله عليه وسلم [فأما إن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء ذاك الذي يوبخ العالم على خطيئته] وقد عرفنا من أول درس أن العالم كان هابطاً، فالبشرية كلها ملتصقة بالأرض، وكان الظلم والشر والفساد، وقليل من المؤمنين هنا وهناك من أهل الكتاب. هذه شهادة عيسى عليه السلام.

قال: [فهذه بشارة كاملة بالنبي الذي يوبخ العالم على خطيئته، إذ بعث صلى الله عليه وسلم والعالم كله في ظلمات الشرك والكفر، وقد مقت الرب تبارك وتعالى الناس عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقد تقدم بيان ذلك].

قال: [وجاء في الزبور] والزبور هو كتاب داود عليه السلام. وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن داود كان يقرأ القرآن قبل أن تسرج بغلته، ألهمه الله حفظ الزبور، البغلة تسرج له لأنه نبي...

وصلى الله على نبينا محمد.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 9 للشيخ : أبوبكر الجزائري

https://audio.islamweb.net