إسلام ويب

الوجوب من الأحكام الشرعية، وله صيغ مذكورة عند الأصوليين، وقد يستدل عليه بكناية الشارع عن العبادة ببعض ما فيها، ومما يتعلق بالوجوب قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإنها قاعدة مهمة تتعلق بفروع كثيرة.

الدلالة على الوجوب من غير صيغة

بعد أن بين ما يرادف الواجب من الصيغ قال: [وإن كنى الشارع عن عبادة ببعض ما فيها] أي: نحو: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ [الفتح:27] [دلّ على فرضه].

وهذه القاعدة سبقت لنا أن الشارع إذا عبر عن العبادات ببعضها دلّ على أن هذا البعض واجبٌ فيها إما ركن وإما واجب، ووجه ذلك أنه لا يعبر بالشيء عن الشيء إلا لأهميته فيه، مثال ذلك: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، قال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، (دلوك الشمس) يعني: زوالها، (إلى غسق الليل)، يعني: ظلمته، وأشد ما يكون الليل ظلمة عند منتصف الليل. إذاً المعنى: أقم الصلاة من منتصف النهار إلى منتصف الليل، وهذا الجزء من الزمن ينتظم أربعة أوقات للصلوات: وقت الظهر، وقت العصر، وقت المغرب، وقت العشاء، وكلها مشتبكة، بمعنى: أنه إذا خرج وقت صلاة فهو دخول وقت الصلاة الأخرى، فإذا خرج وقت الظهر فهو دخول وقت العصر، وإذا خرج وقت العصر فهو دخول وقت المغرب، وإذا خرج وقت المغرب فهو دخول وقت العشاء.

ثم فصل فقال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78] فخصّ؛ لأن الفجر لا يتصل بها وقت صلاة لا قبل ولا بعد، ولهذا كان القول الراجح: أن صلاة العشاء ينتهي وقتها في نفس الليل، ولا يوجد لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله وسلم دليلٌ على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبداً، وعلى هذا فيكون النصف الأخير من الليل ليس وقتاً لصلاة مفروضة، كما أن النصف الأول من النهار ليس وقتاً لصلاة مفروضة.

وعبر الله تعالى عن صلاة الفجر بالقرآن، فدلّ هذا على أن القراءة واجبة فيها، ومثله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]، عبر عن الصلاة بالركوع والسجود، فدلّ هذا على أن الركوع والسجود واجبان في الصلاة.

المهم أنه متى عبر الشرع ببعض العبادة عن جميعها دل هذا على أن ذلك البعض واجب.

فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم:17] على القول: بأن المراد بذلك الصلاة يكون فيه دليل على وجوب التسبيح في الصلاة في الركوع وفي السجود.

كذلك قال: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، عبر بالتحليق والتقصير عن العمرة، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] ، وإنما عبر عن العمرة بالتحليق والتقصير؛ لأن التحليق والتقصير يكون بهما الإحلال، ولا إحلال إلا بعد فعل العمرة، فذكر الله تعالى آخر جزء من العمرة؛ لأنه إذا فعل آخر جزء فقد تمت، فهل أحد يقول: إن المراد لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] بدون عمرة أو لا؟ لا يمكن، إذ إن دخول الإنسان إلى مكة ثم يحلق رأسه ويقصر هذا ليس بشيء، فالمراد (معتمرين)، فعبر عن العمرة بالحلق والتقصير، فدلّ ذلك على أن الحلق والتقصير واجبان من واجبات العمرة، وهو كذلك، خلافاً لمن قال: إن الحلق أو التقصير إطلاق من محظور وليس بعبادة، فإن هذا القول ضعيف جداً، ولذلك لو أن أحداً تطيب بدلاً عنهما لا يجزئه، ولو قلنا: إنها إطلاق المحظور لكان أي شيء يطلق هذا المحظور -الذي هو محظور الإحرام- يكتفى به عن الحلق والتقصير.

على كل حال الصواب الذي لا شك فيه أن الحلق والتقصير نسك، وأنهما واجبان من واجبات العمرة، وواجبان من واجبات الحج.

ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

قال: [دل على فرضيته، وما لا يتم الوجوب إلا به ليس بواجب مطلقًا، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور لمكلف فواجب].

هاتان قاعدتان: القاعدة الأولى: ما لا يتم الوجوب إلا به. والقاعدة الثانية: ما لا يتم الواجب إلا به.

القاعدة الأولى: ما لا يتم الوجوب إلا به ليس بواجب، سواء كان مقدوراً لمكلف أم غير مقدور.

والثانية: ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقول المؤلف: (وهو مقدور لمكلف)، لا حاجة إليه في الواقع؛ لأن الواجب الذي هو أصلي لا يجب إلا مع القدرة، على كل حال ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

الأمثلة: الزكاة واجبة، لكن لا تجب إلا بملك نصاب، فلا يجب على الإنسان أن يتجر ليملك النصاب فتجب عليه الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب إلا بعد ملك النصاب، وملك النصاب لا يتم الوجوب إلا به.

وما لا يتم الوجوب إلا به خارج عن التكليف، فهل يجب مثلاً على غير المكلف أن يحاول التكليف لتجب عليه العبادات؟ لا يمكن؛ لأنه ليس بمقدور له، لو أراد أن يبلغ خمسة عشر سنة وهو له ثلاث عشرة سنة ما استطاع.

لكن لو قال قائل: يمكن أن يدهن محل العانة بدواء ينبت الشعر، فهل يبلغ بذلك؟ فالجواب: لا يبلغ بذلك، يعني لو أن إنساناً حاول أن تنبت عانته فدهن محلها بدهن فخرجت وله عشر سنوات، فهل نقول: هذا بلغ؟ لا؛ لأنه لا بد أن يكون النبات طبيعياً لا بعلاج.

إذاً نقول: ما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، هل يجب على الإنسان أن يتجر ليكسب مالاً فيحج به؟

الجواب: لا؛ لأن هذا مما لا يتم الوجوب إلا به، فليس بواجب.

أما ما لا يتم الواجب إلا به فإنه واجب، مثال ذلك: إنسان وجب عليه شيء، لكن لا يتم تنفيذ هذا الواجب إلا بشيء آخر، فيكون هذا الشيء الآخر واجباً، مثال ذلك: رجل وجب عليه الوضوء لدخول وقت الصلاة؛ لكن ليس عنده ماء إلا أن الماء يباع في الأسواق وعنده دراهم، فيجب عليه أن يشتري ماءً يتوضأ به؛ لأنه لا يتم الواجب -وهو الوضوء- إلا بالشراء، والوضوء واجب عليه الآن؛ لأن الماء موجود، فيجب عليه أن يشتري ماءً يتوضأ به.

إنسان ليس عنده إلا ثوب حرير، وثوب الحرير محرم لبسه لكنه لبسه بالضرورة، ومعه دراهم يمكنه أن يشتري ثوب قطن أو صوف، فهل يلزمه ذلك؟ نعم؛ لأنه لا يتم ترك المحرم إلا بالشراء، وترك المحرم واجب، وحينئذٍ نقول: يجب عليك أن تشتري ثوباً من القطن أو من الصوف لتلبسه بدلاً عن الحرير.

فصارت القاعدة الآن: ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

أما قول المؤلف رحمه الله: (وهو مقدور لمكلف) فهذا شرط في كل واجب.

قال: [يعاقب بتركه، ويثاب بفعله].

العبارة هذه فيها تسامح؛ لأن قوله: (يعاقب بتركه) ليس على إطلاقه، فإن الإنسان قد يترك الواجب ولا يعاقب عليه؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، والعبارة السليمة أن يقول: يستحق العقاب على تركه، لا أن يقول: (يعاقب) لجواز أن يعفو الله عنه.

وقوله: (يثاب على فعله) أيضاً فيها تسامح، إلا أن يقال: هذا الأصل، الأصل أن فعل الواجب يثاب عليه، لكن قد يفهم الإنسان الواجب رياءً وسمعة، فهل يثاب على ذلك؟ لا، بل يعاقب على ذلك، فهل نقول في عبارة المؤلف: تسامح في هذه المسألة؟ قد نقول: لا، ليس فيها تسامح؛ لأن هذا هو الأصل، أن الإنسان يثاب على فعل الواجب، وإذا وجد رياء أو نحوه فهذا طارئ.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مختصر التحرير [31] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

https://audio.islamweb.net