إسلام ويب

أن العلم أخصر الطرق إلى الجنة، وذلك لاستقامته، وبقدر جهل الإنسان يكون انحرافه في طريقه والبطء في مسيره، فلا يصل إلى الغاية كما يصل غيره ممن هو أعلم، وإذا أطلق العلم في كلام الله، وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمراد به هو العلم الشرعي، وهو العلم بالوحيين كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن هذا العلم ليس له نصاب كالمال، وعليه فالزكاة في كثيره وقليله، وزكاته بتبليغه وبذله لينتفع به الناس.

باب في ذكر الخوارج

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قال المصنف رحمه الله: [ باب في ذكر الخوارج.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي بن أبي طالب، قال: ( وذكر الخوارج فقال: فيهم رجل مخدج اليد، أو مودون اليد، أو مثدون اليد، ولولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، قلت: أنت سمعته من محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، ثلاث مرات ).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن عامر بن زرارة، قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن لقيهم فليقتلهم، فإن قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم ) ].

المدخل الذي دُخل منه الخوارج

وذلك بسبب عدم تدبرهم، وإنما ظهر واشتهر وأصبح شراً مستطيراً ظهور الخوارج على أمة الإسلام، وقراءتهم للقرآن وعنايتهم بذلك، وإكثارهم من ذلك أكثر من غيرهم لأنهم لا يدركون معانيه ولا يتدبرون فيها؛ ولهذا ما من بدعة ظهرت في الأمة إلا وأصلها العجب، وأكثر الخوارج الذين يقرءون القرآن ويمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية أصولهم لا تعود إلى العرب، فلديهم إما عجمة ذاتية، أو عجمة موروثة، فيأخذون من القرآن ما يوافق أهواءهم، فخالفوا أمر الله جل وعلا في كثير من المواضع.

قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: ( قلت لـأبي سعيد الخدري: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في الحرورية شيئاً؟ فقال: سمعته يذكر قوماً يتعبدون، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصومه مع صومهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، أخذ سهمه فنظر في نصله فلم ير شيئاً، فنظر في رصافه فلم ير شيئاً، فنظر في قدحه فلم ير شيئاً، فنظر في القذذ فتمارى هل يرى شيئاً أم لا ) ].

الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بهم

ولهذا نقول: إن الإنسان ينبغي أن ينظر إلى الحق والدليل لا ينظر إلى ذات الإنسان من جهة عبادته، فلا أكثر تعبداً من الرهبان ولا من الأحبار، فينقطعون حتى لا يتزوجون، ينقطعون للآلهة، ومع ذلك هم أضل الناس، فهي عاملة في الدنيا، ناصبة في نار جهنم، ولهذا نقول: لا يغتر الإنسان بما يظهر من ورع الإنسان وعبادته وصلاته ونحو ذلك، وإنما ينظر إلى مقامه في السنة، ولهذا الإمام أحمد عليه رحمة الله يقول في بشر كما ذكر القاضي ابن أبي يعلى في الطبقات قال: لا يغركم تنكيسه لرأسه، وإنما انظروا إلى مقامه من السنة. لا ينظر إلى تدين الإنسان وتعبده حتى ينظر إلى مقامه من الأمر والنهي وتعظيم الوحي.

قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن بعدي من أمتي -أو سيكون بعدي من أمتي- قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شرار الخلق والخليقة )، قال عبد الله بن الصامت: فذكرت ذلك لـرافع بن عمرو أخي الحكم بن عمرو الغفاري، فقال: وأنا أيضاً قد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد، قالا: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليقرأن القرآن ناس من أمتي يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ).

حدثنا محمد بن الصباح، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم، وهو في حجر بلال، فقال رجل: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. فقال: ويلك ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل؟ فقال عمر: دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا في أصحاب أو أصيحاب له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) ].

الرغبة في الدنيا أساس كل بدعة

وهذا فيه إشارة أيضاً إلى أن أهل البدع إنما يظهرون لأجل الدنيا، ولهذا قال للنبي عليه الصلاة والسلام: اعدل. لما أخذ النبي عليه الصلاة والسلام يقسم التبر من الذهب وبقية الغنائم، أراد العدل في ذلك، ولا شك أن هذا ضرب من ضروب التشكيك في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا نقول: إن طوائف البدع من الخوارج وغيرهم إنما يظهرون لأجل الدنيا لا لأجل الدين، وإن وجدت شبهة فيطوعونها ثم تكون ديناً، ولهذا القاعدة: أنه ما من شبهة إلا ونشأت على شهوة، فأول بذرة الشبهات تنشأ بالشهوات، ثم تكون شبهة، ثم تصبح مذهباً متبوعاً، وهذه قاعدة، ولكن تتحول بعد ذلك عبر أجيال إلى عقيدة، ولكن أصلها وبذرتها شهوة، إما شهوة مالية، أو غريزة من الغرائز التي يجبل أو يفطر على اكتسابها الإنسان.

قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن الأعمش، عن ابن أبي أوفى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الخوارج كلاب النار ).

حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثنا الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ينشأ نشء يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع )، قال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( كلما خرج قرن قطع أكثر من عشرين مرة حتى يخرج في عراضهم الدجال ) ].

وهذا فيه إشارة إلى أن الفرق الضالة تمرض، ولكن لا تموت، وتبقى وتتحول إما إلى أسماء أو تندمج مع غيرها، ثم تعود بعد ذلك.

قال: [ حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يخرج قوم في آخر الزمان، أو في هذه الأمة يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم أو حلوقهم، سيماهم التحليق، إذا رأيتموهم أو إذا لقيتموهم فاقتلوهم ).

حدثنا سهل بن أبي سهل، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي غالب، عن أبي أمامة رضي الله عنه يقول: ( شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوا كلاب أهل النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفاراً، قلت: يا أبا أمامة هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].

باب فيما أنكرت الجهمية

قال المصنف رحمه الله: [ باب فيما أنكرت الجهمية.

حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، ووكيع (ح)

وحدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا خالي يعلى، ووكيع، وأبو معاوية، قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: ( كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق:39] ).

حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تضامون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، قال: فكذلك لا تضامون في رؤية ربكم يوم القيامة ).

حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن أبي صالح السمان، عن أبي سعيد، قال: ( قلنا: يا رسول الله! أنرى ربنا؟ قال: تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب؟ قلنا: لا، قال: فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب؟ قالوا: لا، قال: إنكم لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤيتهما ) ].

وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي، فالله عز وجل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين، قال: قلت: ( يا رسول الله أكلنا نرى الله يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر مخلياً به؟ قلت: بلى، قال: فالله أعظم، وذلك آية في خلقه ).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره، قال: قلت: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟! قال: نعم، قلت: لن نعدم من رب يضحك خيراً ).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين، قال: ( قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، وما ثم خلق، عرشه على الماء ).

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز المازني، قال: ( بينما نحن مع عبد الله بن عمر، وهو يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر! كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في النجوى؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه، ثم يقرره بذنوبه، هل تعرف، فيقول: يا رب أعرف، حتى إذا بلغ منه ما شاء أن يبلغ، قال: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: ثم يعطى صحيفة حسناته وكتابه بيمينه، قال: وأما الكافر أو المنافق فينادى على رؤوس الأشهاد- قال خالد: في الأشهاد شيء من انقطاع- هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] ) ].

محاسبة المؤمن على ذنبه يوم القيامة

وفي هذا دليل لبعض العلماء من السلف الذين يقولون: إن الإنسان حتى لو تاب من ذنب فإن الله عز وجل يقره على ذنبه، يسأله عنه ثم لا يعذبه عليه، يعني: أنه لا يمحى من صحيفته بالكلية، ومن العلماء وهم الجمهور يقولون: إن الإنسان إذا تاب من ذنب فإن الله عز وجل يمحو عنه ذنبه كله، فوجوده حينئذ كعدمه ولا يسأل عنه، ومنهم من يقول: بل يسأل، وهذا مقتضى الإحصاء على العباد، فيسأل عن ذنبه، ويُذكر إياه، ثم لا يعذبه الله عز وجل على ذلك.

قال: [ حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا أبو عاصم العباداني، قال: حدثنا الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم، وإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. قال: وذلك قول الله سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:58]، قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم ).

حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر عن أيمن منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر من عن أيسر منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل ).

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، قال: حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس الأشعري، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ) ].

الصلاة على النبي عند ذكره

ينبغي للإنسان عند ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تكرر أن يصلي عليه عليه الصلاة والسلام، وهل يجب ذلك في كل مرة كما قراءتنا هنا أم لا؟ نقول: هذا على حالين: الحالة الأولى: أنه لا يرد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام إلا في موضع واحد فهذا يجب، ويجب مرة، ويستحب فيما بعد ذلك ويتأكد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وصف الذي يُذكر عنده ولم يصل عليه بالبخل.

والبخل على نوعين: نوع محرم، وهو الذي يمنع الإنسان من الزكاة، فمن يمنع الزكاة يأثم بذلك، ونوع مكروه وليس بمحرم، وهو الإنسان الذي يمنعه البخل من الإنفاق إذا رأى مسكيناً أو اعترضه محتاج، أو الإنفاق أيضاً في سبيل الله عز وجل في أمور الصدقات العامة، فهذا نوع من البخل المكروه، لهذا نقول: تسقط زكاة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره مرة، ثم يستحب بعد ذلك، فينتقل الإنسان إلى الاستحباب، وتركه حينئذ مكروه.

وقوله هنا: ( جنتان )، المعلوم أنها جنان، وجاءت بالجمع، فنقول: إن كل جنة من الجنتين هي على مراتب وهي جنان أيضاً.

قال: [ حدثنا عبد القدوس بن محمد، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، قال: ( تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] وقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر- يعني: إليه- ولا أقر لأعينهم ).

حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت تشكو زوجها، وما أسمع ما تقول، فأنزل الله قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1].

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق: رحمتي سبقت غضبي ).

حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ويحيى بن حبيب بن عربي، قالا: حدثنا موسى بن إبراهيم، عن كثير الأنصاري الحرامي، قال: سمعت طلحة بن خراش، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: ( لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ ) وقال يحيى في حديثه فقال: ( يا جابر ما لي أراك منكسراً. قال: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً، قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحاً، فقال: يا عبدي تمن علي أعطك، قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، فقال الرب سبحانه: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ من ورائي، قال فأنزل الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] ) ].

مشروعية تفقد المسلم لحال إخوانه ومواساتهم

وفي هذا أنه يستحب للإنسان إذا رأى على وجه أحد حزناً أو هماً أن يسأله عن ذلك، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يسأل من يلقى من أصحابه إذا رآه منكسراً أو حزيناً أو مهموماً، فربما كان لديه حاجة فيقوم بقضائها، أو هم يقوم بالتفريج عنه، أو كربة يقوم بتنفيسها، فهذا لا شك أنه لا يقوم بذلك إلا غني الخلق، عظيم الكرم في الأدب والسلوك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم.

قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يضحك إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما دخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على قاتله فيسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد ) ].

الإسلام يجب ما قبله

وفي هذا أن الإنسان لا يؤاخذ في الدماء في حال كفره إذا أسلم، ولهذا بعدما قتل أسلم ثم قاتل، وكذلك في قصة وحشي لما قتل حمزة ودخل الإسلام لم يقتص منه النبي عليه الصلاة والسلام لما فعله في حال كفره، بل بقي مسلماً، ثم بعد ذلك أبلى بلاء حسناً، وقتل مسيلمة، وجعل هذا مكان هذا، فكان صحابياً جليلاً عظم إسلامه عليه رضوان الله.

قال: [ حدثنا حرملة بن يحيى، ويونس بن عبد الأعلى، قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض ).

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا الوليد بن أبي ثور الهمداني، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، قال: ( كنت بالبطحاء في عصابة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرت به سحابة فنظر إليها، فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب، قال: والمزن، قالوا: والمزن، قال: والعنان، قال أبو بكر قالوا: والعنان، قال: كم ترون بينكم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري، قال: فإن بينكم وبينها إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً وسبعين سنة، والسماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك تبارك وتعالى ).

حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قضى الله أمراً في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فـ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]، قال: فيسمعها مسترقو السمع بعضهم فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها إلى الذي تحته، فيلقيها على لسان الكاهن أو الساحر، فربما لم يدرك حتى يلقيها فيكذب معها مائة كذبة، فتصدق تلك الكلمة التي سمعت من السماء ).

حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: ( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ).

حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره )، ثم قرأ أبو عبيدة: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:8].

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يمين الله ملأى لا يغيضها شيء، سحاء الليل والنهار، وبيده الأخرى الميزان، يرفع القسط ويخفض، قال: أرأيت ما أنفق منذ خلق الله السموات والأرض فإنه لم ينقص مما في يديه شيئاً ).

حدثنا هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح، قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني أبي عن عبيد الله بن مقسم، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: ( يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده، وقبض بيده، فجعل يقبضها ويبسطها، ثم يقول: أنا الجبار أين الجبارون أين المتكبرون؟ قال: ويتميل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن يساره حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ).

حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا صدقة بن خالد، قال: حدثنا ابن جابر، قال: سمعت بسر بن عبيد الله يقول: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان الكلابي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، قال: والميزان بيد الرحمن يرفع أقواماً ويخفض آخرين إلى يوم القيامة ).

حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا عبد الله بن إسماعيل، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليضحك إلى ثلاثة: للصف في الصلاة، وللرجل يصلي في جوف الليل، وللرجل يقاتل- أراه قال- خلف الكتيبة ) ].

تفاوت العباد في وزن أعمالهم يوم القيامة

هنا الميزان له كفتان، من العباد من يحاسب الله عز وجل ويزن له، ومنهم من يدخله الله عز وجل الجنة بغير حساب، ومنهم من يجعل الله عز وجل له كفتين يزن بهما وهم جمهور الخلق، ومنهم من ليس له إلا وزن بكفة واحدة وهي السيئات من المشركين الكفرة؛ لأنه ليس لديهم حسنات، ومنهم من له كفة واحدة، وهي كفة الحسنات، الذين غفر الله عز وجل لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى يجعل العباد في ذلك على مراتب.

قال: [ حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا إسرائيل، عن عثمان -يعني: ابن المغيرة الثقفي- عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموسم فيقول: ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ).

حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الوزير بن صبيح، قال: حدثنا يونس بن حلبس، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء: ( عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29]، قال: من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً ويخفض آخرين ) ].

استغلال وسائل الإعلام في الدعوة بين السلب والإيجاب

وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألا رجل يحملني إلى قومه )، يعني: يبلغ، وفي هذا أنه يجوز للإنسان أن يعتضد ولو بمشرك ليوصل صوته، وهذا يخرج عليه الخروج في بعض القنوات السيئة لإيصال الحق فيها، ولكن نقول: إن خروج الإنسان في القنوات الفضائية التي ليست على منهج صحيح على نوعين:

النوع الأول: ما يدحض به الإنسان الشر الذي تروج له أمثال هذه القنوات، حتى لا يكون خروجه إقراراً لها، فحينئذ إذا كانت تروج للشرك ينقض الشرك، إذا كانت تروج للبدعة ينقض البدعة، ويدعو أيضاً إلى غيرها من توحيد الله سبحانه وتعالى، وأركان الإسلام وغير ذلك من أصول الإسلام وفروعه.

النوع الثاني: أن يخرج الإنسان في شيء من القنوات ووسائل الإعلام، ولكنه يدعو إلى شيء من الإسلام، لكن لا يخالف ما عليه مجرى تلك القناة، كانت تدعو إلى الشرك ترك الشرك ودعا إلى غيره، أو كانت تناقض في جانب من الجوانب فيدعو إلى غيره، حينئذ وجوده ترويج ولو دعا إلى حق، حينئذ يتوسط الإنسان في هذا الجانب، فيدعو إلى الحق الذي توافقه تلك الوسيلة الإعلامية أو تخالفه، وهذا من السياسة الشرعية في ذلك.

فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد من هؤلاء المشركين أن يحملوه إلى ما يخالف به قومهم من الوثنية، فلا يريد هو أن يرجع إلى شيء يريدونه، فيدعو إلى ما دون ذلك من مكارم الأخلاق وإكرام الضيف والخلق وحسن الجوار وغير ذلك من شيم العرب، بل أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمل ويدعو إلى التوحيد، وكذلك بيان خطر الشرك.

ولهذا نقول: إن الإنسان في خروجه في القنوات الفضائية أو في وسائل الإعلام يكون على هذين الحالين، حال مشروعة، وحال ممنوعة حتى لا يلبس الإنسان دينه بشيء من الباطل، ولا يلبس دين الناس بشيء من الترويج للباطل.

كثير من القنوات الفضائية يخرج فيها صالحون يدعون إلى شيء من تعاليم الإسلام، ولكن بما لا يخالف منهج القناة، أو منهج الوسيلة الإعلامية تلك، فيدعو إلى مكارم الأخلاق، والآداب، وسير الصحابة، وسير الأنبياء، والمغازي وغير ذلك، فكأنه يحصر الإسلام في جانب تربية وسلوك وأدب، ويغيب الجانب الأعظم في ذلك وهو التوحيد، وكذلك أركان الإسلام، والأمور العظيمة التي لا يجعلون للإسلام بصلة بها كما تدعو إليه المدارس العقلية المستفيضة اليوم، يقولون: إن الإسلام هو تربية وسلوك وتهذيب للنفوس، وهو أمور فردية، وهؤلاء يعينون على تشكيل هذه المدرسة من حيث لا يشعرون، وتغييب هذا الجانب الأعظم هو من الأمور الخطيرة، فينبغي للإنسان ألا ينظر إلى الحق بذاته، بل ينظر إليه بسياقه، يعني: ما سبق منه وما لحق، ومنزلته فيه، فربما الشيء الحسن إذا نظرت إليه بسياقه ذممته ورددته ولو كان حقاً في ذاته، وربما الشيء السيئ الذي لا ترتضيه بذاته لو نظرت إليه في سياقه لاستحسنته، وهذا من تمام الحكمة أن ينظر إليها الإنسان سواء في هذه المسألة أو في غيرها.

باب من سن سنة حسنة أو سيئة

قال المصنف رحمه الله: [ باب من سن سنة حسنة أو سيئة.

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً ).

حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبي، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحث عليه، فقال رجل: عندي كذا وكذا، قال: فما بقي في المجلس رجل إلا تصدق عليه بما قل أو كثر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استن خيراً فاستن به، كان له أجره كاملاً ومن أجور من استن به، ولا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن استن سنة سيئة فاستن به، فعليه وزره كاملاً ومن أوزار الذي استن به، ولا ينقص من أوزارهم شيئاً ) ].

الإنسان يؤتى أجر الأتباع ولو لم يعلم مقداره، فإذا اقتدى به من بعده ولو بعد وفاته إلى قيام الساعة فيؤتى الأجر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.

قال: [ حدثنا عيسى بن حماد المصري، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع، فإن له مثل أوزار من اتبعه، ولا ينقص من أوزارهم شيئاً، وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع، فإن له مثل أجور من اتبعه، ولا ينقص من أجورهم شيئاً ) ].

وهذا ما ينبغي للإنسان أن يحذر خاصة في وسائل الإعلام الحديثة التي أصبحت متاحة للجميع، أن يعلم أن الآثام في أمور الغيبة، في نشر الشر، في الرأي الشاذ، أو غير ذلك، أن يحذر من نشره وإذاعته بين الناس إلا بعد تمحيصه، ولهذا مع عظم أبواب الخير إلا أن أبواب الشر أيضاً عظيمة، فربما يبوء الإنسان بآثام الآلاف وهو في بيته، فيقتدي به الناس بقول الشر، لهذا ينبغي للإنسان أن يحذر وأن يبالغ بذلك، فهذا من النوازل التي ينبغي للإنسان أن يرعاها حق رعايتها، فالزمن السابق لا يستطيع الإنسان أن يخاطب الآلاف، أو يخاطب جماهير أهل بلده إلا بشق الأنفس، وربما أخذ منه ذلك عقوداً، والآن أسهل ما يكون، والتبعة في ذلك مع سهولتها عظيمة عند الله، لهذا ينبغي للإنسان أن يحتاط لدينه حتى لا يحمل أوزار الخلق.

قال: [ حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة فعليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ).

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن الحكم، عن أبي جحيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سن سنة حسنة عُمل بها بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً ) ].

والمراد بالموت أن تموت في بيئته لا أصل الموت، فسنة النبي عليه الصلاة والسلام لا تموت موتاً عاماً في الأرض، بل هي باقية؛ لأن هذا من لوازم حفظ الدين، ولكن المراد بالموت في قوله: ( من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي ) يعني في بلده أو بيئته أو نحو ذلك، فيقوم بإحيائها، فسنة النبي عليه الصلاة والسلام لا تموت من جميع الأرض، لكن قد تموت في بيئة وعشيرة أو بلدة أو قبيلة أو دولة، فيقوم الإنسان بإحيائها.

كذلك ثمة لطيفة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( قد أميتت بعدي )، وهي أن السنة بذاتها لا تموت إلا ويسلط عليها ظالم يميتها، ولهذا قال: ( من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي )، يعني: أماتها مميت؛ إما بعالم سوء، أو سلطان ظالم، فيقوم الإنسان بإحيائها، لأن السنة تقوم وتنتقل مع الفطر السليمة، تبقى مع الفطر السليمة ما لم يبغ عليها.

قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن ليث، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من داع يدعو إلى شيء إلا وقف يوم القيامة لازماً لدعوته، ما دعا إليه، وإن دعا رجل رجلاً ) ].

باب من أحيا سنة قد أميتت

قال المصنف رحمه الله: [ باب من أحيا سنة قد أميتت.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، قال: حدثني أبي، عن جدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعة فعُمل بها كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئاً ).

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيئاً، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص من آثام الناس شيئاً ) ].

باب في فضل من تعلم القرآن وعلمه

قال المصنف رحمه الله: [ باب في فضل من تعلم القرآن وعلمه.

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا شعبة، وسفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: شعبة ( خيركم )، وقال سفيان: ( أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه ).

حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه ).

حدثنا أزهر بن مروان، قال: حدثنا الحارث بن نبهان، قال: حدثنا عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خياركم من تعلم القرآن وعلمه )، قال: وأخذ بيدي فأقعدني مقعدي هذا أقرئ.

حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ).

حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن بديل، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن لله أهلين من الناس، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ).

حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، قال: حدثنا محمد بن حرب، عن أبي عمر، عن كثير بن زاذان، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ القرآن وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد استوجب النار ) ].

والمراد بأهل القرآن الذين ضبطوا الحروف والحدود، وأما من ضبط الحروف وأضاع الحدود فلا يدخل في هذا الباب، والحفظ إذا أطلق في كلام العرب المراد بذلك هو ضبط اللفظ وإدراك المعنى.

قال: [ حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تعلموا القرآن واقرءوه وارقدوا، فإن مثل القرآن ومن تعلمه فقام به كمثل جراب محشو مسكاً يفوح ريحه كل مكان، ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك ).

حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن واثلة أبي الطفيل: ( أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من موالينا، قال عمر: فاستخلفت عليهم مولى، قال: إنه قارئ لكتاب الله تعالى، عالم بالفرائض، قاض، قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ) ].

وفيه أن الولايات تكون بحسب علم الإنسان وإقامته للشريعة، ولا علاقة للأنساب، ولا للحرية وغير ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرسل عاملاً إلا وهو عالم بما أرسله به عليه الصلاة والسلام، بل حتى في الأمور اليسيرة كان الخلفاء الراشدين عليهم رضوان الله تعالى لا يجعلون أحداً يعمل عملاً إلا وقد أتقنه من جهة الفقه فيه، ولهذا جاء في الترمذي وغيره أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله قال: لا يبع في سوقنا إلا من فقه في ديننا، وهذا في بيع الأسواق، وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للوالي ومن استرعي رعية أن يأمر الناس بالتفقه فيما يمارسون من أعمال، أهل الأموال يتفقهوا في أمور الأموال، وأهل الماشية يتفقهون في أحكامها، وأهل الزراعة يتفقهون في أحكامها، حتى لا يخالفوا أمر الله سبحانه وتعالى.

قال: [ حدثنا العباس بن عبد الله الواسطي، قال: حدثنا عبد الله بن غالب العباداني، عن عبد الله بن زياد البحراني، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم باباً من العلم عمل به أو لم يعمل خير لك من أن تصلي ألف ركعة ) ].

باب فضل العلماء والحث على طلب العلم

قال المصنف رحمه الله: [ باب فضل العلماء والحث على طلب العلم.

حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ).

حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، أنه حدثه قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الخير عادة، والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ).

حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا روح بن جناح أبو سعد، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ).

حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، قال: ( كنت جالساً عند أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء أتيتك من المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، قال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) ].

وذلك أن العلم أخصر الطرق إلى الجنة، وذلك لاستقامته، فالإنسان بقدر زيادة جهله يكون الانحراف في طريقه والبطء في مسيره، فلا يصل إلى الغاية كما يصل غيره ممن هو أعلم، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة )، والعلم إذا أطلق في كلام الله، وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد به هو العلم الشرعي، العلم بالوحيين كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم )، العلم هو علم الوحي، وقد ذكر الله عز وجل مادة العلم في كتابه العظيم أكثر من سبعمائة مرة.

قال: [ حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا حفص بن سليمان، قال: حدثنا كثير بن شنظير، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب ).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله فيتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ).

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، قال: ( أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ قلت: أنبط العلم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع ).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن حميد بن صخر، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره ).

حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا صدقة بن خالد، قال: حدثنا عثمان بن أبي عاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يرفع، وجمع بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام هكذا، ثم قال: العالم والمتعلم شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس بعد ).

حدثنا بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا داود بن الزبرقان، عن بكر بن خنيس، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من بعض حجره، فدخل المسجد، فإذا هو بحلقتين، إحداهما يقرءون القرآن ويدعون الله، والأخرى يتعلمون ويعلمون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كل على خير، هؤلاء يقرءون القرآن ويدعون الله، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلمون، وإنما بعثت معلماً فجلس معهم ) ].

باب من بلغ علماً

قال المصنف رحمه الله: [ باب من بلغ علماً.

حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا ليث بن أبي سليم، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة الأنصاري، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )، زاد فيه علي بن محمد: ( ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم ) ].

وفي قوله: ( نضر الله امرأ سمع مقالتي ) النضارة المراد بها نضارة الوجه، وذلك لأن الأصل أنه يلزم من السماع الاتباع، فكانت النضارة لمن سمع ثم اتبع، أما من سمع من غير اتباع فهذا في وجوهم شؤم، وذلك كحال المشركين المعرضين الذين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الله فأعرضوا، فلا يشملهم ذلك، ولكن المراد بذلك هو السماع والاتباع.

قال: [ حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد السلام، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى، فقال: نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ).

حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا خالي يعلى (ح)

وحدثني هشام بن عمار، قال: حدثنا سعيد بن يحيى، قالا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن الوليد، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أحفظ من سامع ). ].

المال له نصاب لزكاته، والعلم ليس له نصاب، فما يصل للإنسان يخرجه، لماذا؟ لأن المال ينفد، وأما العلم فلا ينفد، فزكاته نماء له، وذلك أنه يثبت، بخلاف المال وإن نقص في الظاهر فالله عز وجل يزيده في البركة، لكن العلم يختلف، الله عز وجل يزيده ظاهراً وباطناً، ولهذا لم يجعل الله عز وجل للعلم نصاباً في إنفاقه، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام على ما تقدم: ( بلغوا عني ولو آية ).

قال: [ حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان أملاه علينا، حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثنا محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أو عن رجل آخر هو أفضل في نفسي من عبد الرحمن، عن أبي بكرة، قال: ( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فقال: ليبلغ الشاهد الغائب، فإنه رب مبلغ يبلغه أوعى له من سامع ).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة (ح)

وحدثنا إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا النضر بن شميل، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده معاوية القشيري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا ليبلغ الشاهد الغائب ).

حدثنا أحمد بن عبدة، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: حدثني قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين التميمي، عن أبي علقمة مولى ابن عباس، عن يسار مولى ابن عمر، رضي الله عنهما، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ليبلغ شاهدكم غائبكم ).

حدثنا محمد بن إبراهيم الدمشقي، قال: حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن معان بن رفاعة، عن عبد الوهاب بن بخت المكي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) ].

والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالوعي؛ ولهذا قال: ( سمع مقالتي فوعاها )، يعني: حتى لا يزيد فيها ولا ينقص، ولهذا ينبغي للإنسان أن ينتبه عند سماعه لمعنى أو للفظ حتى لا يزيد فيه وينقص؛ لأن هذا دين، وبلاغه على غير وجهه إحداث وابتداع وتبديل.

باب من كان مفتاحاً للخير

قال المصنف رحمه الله: [ باب من كان مفتاحاً للخير.

حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، قال: حدثنا محمد بن أبي حميد، قال: حدثنا حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه ).

حدثنا هارون بن سعيد الأيلي أبو جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لهذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وويل لعبد جعله الله مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير ) ].

باب ثواب معلم الناس الخير

قال المصنف رحمه الله: [ باب ثواب معلم الناس الخير.

حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا حفص بن عمر، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن أبي الدرداء، قال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنه ليستغفر للعالم من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر ).

حدثنا أحمد بن عيسى المصري، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من علم علماً فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل ).

حدثنا إسماعيل بن أبي كريمة الحراني، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده ).

قال أبو الحسن: وحدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي، قال: حدثنا يزيد بن سنان- يعني: أباه- قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن فليح بن سليمان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه.

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن وهب بن عطية، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا مرزوق بن أبي الهذيل، قال: حدثني الزهري قال: حدثني أبو عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته ) ].

والعلم أنفع من الولد، ولهذا يقول أبو الفرج بن الجوزي في الكتاب: هو الابن المخلد، يعني: ينشر الإنسان خيره في الناس فهو يبقى أخلد من الولد، ويبقى للإنسان ويتصل نسبه به ولو إلى آخر الزمن، فينسب الكتاب إليه، بخلاف الابن مع تسلسله فإنه لا يلحق بجده الأعلى مباشرة لطول السلسلة، أما الكتاب فهو مخلد وباق على هذا الأمر، ولهذا العلم أنفع للإنسان من ولده، في ذاته في إقامة دين الله عز وجل، وفي غيره من جهة نشره للناس أعظم بركة وأجل أثراً.

قال: [ حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب المديني، قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم، عن صفوان بن سليم، عن عبيد الله بن طلحة، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً، ثم يعلمه أخاه المسلم ) ].

إنما تستغفر الحيتان للعالم وهي في البحر لأنه بالجهل يقع الفساد في الأرض، فالله عز وجل قد أخبر أن الفساد يحدث في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وما تكسبه أيدي الناس بسبب الجهل، فينتفي ذلك الشر الذي يقع ويحصل في البر والبحر بدفعه بالعلم، فتأمن حتى البهائم من شر بني آدم، وكذلك من أسباب وعوارض الذنوب من المصائب التي تلحق بالأمم، فما يحدث في الأمم من مصائب وكوارث هي بما كسبت أيديهم، فالعلم يدفع كسب الشر، ويدعو إلى كسب الخير، ويدعو حينئذ إلى لوازم هذا من نزول الخير بالعلم، وكذلك من دفع الشر بدفع الجهل.

باب من كره أن يوطأ عقباه

قال المصنف رحمه الله: [ باب من كره أن يوطأ عقباه.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شعيب بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، قال: ( ما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل متكئاً قط، ولا يطأ عقبيه رجلان ) ].

وهنا في قوله: ( لا يطأ عقبيه رجلان )، فيه إشارة إلى التواضع، وأنه ينبغي للإنسان ألا يمشي أمام الناس، سواء كان عالماً لأنه لن يكون أجل من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام إذا مشى إما أن يمشي وسط أصحابه، أو يمشي خلفهم، ولا يتقدم وكأنهم يشيعونه أو يعظمونه إلا ومعه بعضهم، فإن الانفراد بذلك نوع من أنواع الكبر الذي يجلب إلى قلب الإنسان، فيزيد ويتكاثر حتى يضل ويزيغ، وربما يطلب ذلك لو فقده، والإنسان لا يطلب الأتباع وإنما يطلب الحق، فإذا جاء الأتباع حمد الله، وإذا لم يأتوا صبر وثبت.

قال: [ قال أبو الحسن: وحدثنا خازم بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي، قال: حدثنا حماد بن سلمة.

قال أبو الحسن: وحدثنا إبراهيم بن نصر الهمداني صاحب القفيز، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة.

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا معان بن رفاعة، قال: حدثني علي بن يزيد، قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة قال: ( مر النبي صلى الله عليه وسلم في يوم شديد الحر نحو بقيع الغرقد، وكان الناس يمشون خلفه، فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه، فجلس حتى قدمهم أمامه لئلا يقع في نفسه شيء من الكبر ).

حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر بن عبد الله، قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مشى مشى أصحابه أمامه وتركوا ظهره للملائكة ) ].

باب الوصاة بطلب العلم

قال المصنف رحمه الله: [ باب الوصاة بطلبة العلم.

حدثنا محمد بن الحارث بن راشد المصري، قال: حدثنا الحكم بن عبدة، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحباً مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقنوهم ) قلت للحكم: ما اقنوهم؟ قال: علموهم.

حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، قال: حدثنا المعلى بن هلال، عن إسماعيل، قال: ( دخلنا على الحسن نعوده حتى ملأنا البيت، فقبض رجليه، ثم قال: دخلنا على أبي هريرة نعوده حتى ملأنا البيت فقبض رجليه، ثم قال: دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ملأنا البيت وهو مضطجع لجنبه، فلما رآنا قبض رجليه، ثم قال: إنه سيأتيكم أقوام من بعدي يطلبون العلم، فرحبوا بهم، وحيوهم، وعلموهم. قال: فأدركنا والله أقواماً ما رحبوا بنا ولا حيونا ولا علمونا إلا بعد أن كنا نذهب إليهم فيجفونا ).

حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، أخبرنا سفيان، عن أبي هارون العبدي، قال: ( كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري قال: مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: إن الناس لكم تبع، وإنهم سيأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيراً ) ].

وكلما يعظم علم الإنسان تعظم التبعة، وذلك إما بالابتلاء أو بأداء الرسالة، وحاجة الناس سواء في دينهم ودنياهم، فيجب على الإنسان أن يقضي حاجة الجاهل في العلم، وحاجة المحتاج في الدنيا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، ومن الأخطاء أن يظن الإنسان أن مهمة العالم دينية فقط، بل هي دينية دنيوية، يحفظ هذا ويحفظ هذا، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد:25]، الله عز وجل أنزل مع الكتاب الميزان للإنصاف، يقوم الأنبياء وورثة الأنبياء بالدعوة إلى إنصاف الناس في مظالمهم وحاجاتهم والعدل في حقهم، وألا يبخسوا شيئاً، فهذا من رسالة العالم.

باب الانتفاع بالعلم والعمل به

قال المصنف رحمه الله: [ باب الانتفاع بالعلم والعمل به.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: ( كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع ).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً، والحمد لله على كل حال ) ].

إخلاص النية في طلب العلم والعمل به

وفي هذا أنه ينبغي للإنسان أن يلتمس آثار العلم، فالعلم له آثار على ذات الإنسان، فإذا لم ينفعه فليعلم أنه يسيء إلى نفسه بالزيادة بالعلم، ويقيم الحجة عليها، وهذا ضرر على الإنسان، ولهذا نقول: إن من آثار العلم العمل، ومن أعظم العمل هو العبادة، ونقول: إن الإنسان إذا ازداد علماً وقل عملاً فهذا أمارة على سوء نيته، وإذا زاد علماً وزاد عملاً فهذا أمارة على سلامة النية وحسن المقصد، وأتم الخلق الذين يزدادون علماً، ويزدادون عملاً، ويزدادون بلاغاً، وهؤلاء الكمل من الخلق، وعلى رأسهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم من يليهم من أهل العلم والأولياء.

قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يونس بن محمد، وسريج بن النعمان، قالا: حدثنا فليح بن سليمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر أبي طوالة، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة- يعني: ريحها ).

قال أبو الحسن: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا فليح بن سليمان فذكر نحوه ].

وهذا من زيادات أبي الحسن القطان راوية السنن عن ابن ماجه.

قال: [ حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا حماد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو كرب الأزدي، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار ).

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار ) ].

وإذا امتلأ قلب الإنسان بطلب العلم ليصدر أو يعظم أو يجل أو يوهب وغير ذلك، فإنه إذا لم يعظم أو يصدر أو يوهب انتكس وضل، وانتكاسة العالم أعظم من انتكاسة غيره، فتبعة العالم على الأمة عظيمة، ولهذا كان ثوابه عظيماً وعقابه عظيماً كذلك، إن اهتدى ووفق وسدد كان أمره عند الله عز وجل عظيماً، ويحشر مع الأنبياء والصديقين؛ لأنه من ورثة الأنبياء، وإذا ضل في هذا الباب حُشر مع أعلم الخلق وأضلهم إبليس؛ لأنه أكثر الخلق علماً، وأكثرهم ضلالاً، جمع تمام العلم مع تمام الضلال، والذي يجمع تمام العلم مع تمام العمل هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والإنسان إذا استكمل هذين الوصفين قرب من مقام النبوة، وإذا نقص هذان الأمران فيه قرب من صفات إبليس عافانا الله عز وجل وإياكم من ذلك.

قال: [ حدثنا محمد بن الصباح، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن عبد الرحمن الكندي، عن عبيد الله بن أبي بردة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرءون القرآن ويقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا ).

قال محمد بن الصباح: كأنه يعني الخطايا.

حدثنا علي بن محمد، ومحمد بن إسماعيل، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، قال: حدثنا عمار بن سيف، عن أبي معاذ البصري (ح)

وحدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، عن عمار بن سيف، عن أبي معاذ البصري، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تعوذوا بالله من جب الحزن، قالوا: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال: واد في جهنم، تعوذ منه جهنم كل يوم أربع مائة مرة، قيل: يا رسول الله من يدخله؟ قال أعد للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء ).

قال المحاربي: الجورة. ].

ويكفي في ذلك ما جاء في الصحيح من حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أول من تسعر بهم النار، ومنهم القارئ الذي يقرأ القرآن ليقال قارئ، فيؤمر به فيلقى في النار، وكذلك المجاهد في سبيل، والذي تعلم العلم رياء، لهذا مع عظم العاقبة لمن أحسن، ثمة عاقبة سيئة أيضاً، وهذا من كمال عدل الله سبحانه وتعالى؛ لأنه بهداية العالم تهتدي الأمة، فاستحق ثواباً عظيماً، وبضلاله تضل الأمة فاستحق العقاب الشديد.

قال: [ قال أبو الحسن: حدثنا إبراهيم بن نصر، قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا عمار بن سيف، عن أبي معاذ، قال مالك بن إسماعيل، قال عمار: لا أدري محمداً أو أنس بن سيرين.

حدثنا علي بن محمد، والحسين بن عبد الرحمن، قالا: حدثنا عبد الله بن نمير، عن معاوية النصري، عن نهشل، عن الضحاك، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، قال: ( لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا عليهم، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: من جعل الهموم هماً واحداً هم آخرته كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك ).

قال أبو الحسن: حدثنا خازم بن يحيى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: حدثنا عبد الله بن نمير، عن معاوية النصري وكان ثقة، ثم ذكر الحديث نحوه بإسناده.

حدثنا زيد بن أخزم، وأبو بدر عباد بن الوليد، قالا: حدثنا محمد بن عباد الهنائي، قال: حدثنا علي بن المبارك الهنائي، عن أيوب السختياني ].

السَختِياني والسِختِياني صحيحة كلها.

قال: [ عن خالد بن دريك، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من طلب العلم لغير الله، أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار ).

حدثنا أحمد بن عاصم العباداني، قال: حدثنا بشير بن ميمون، قال: سمعت أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن حذيفة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار ) ].

هداية الأمة بهداية العلماء وضلالها بضلالهم

لأن الإنسان إذا أراد أن يصرف وجوه الناس إليه، فالتفتت إلى جهة أخرى التفت معها وتحول إليها، والعالم كالنجم كما في المسند وغيره من حديث أنس بن مالك قال: ( مثل العلماء كمثل النجوم في السماء يهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر )، والمراد بهذا أن النجم ثابت لا يجري ولا يسير، وإن حيل بينه وبين رؤية الناس غيم أو قتر يبقى في مكانه لا يتغير حتى لا يضل الناس، ولا يقول: إني سأخرج يميناً أو يساراً أو نحو ذلك، وهذا فيه تسويل للنفس من الشيطان، بل يبقى مكانه، فإذا زال الغيم والقتر رآه الناس، وبقي ثابتاً على هذا الأمر، ولهذا شُبهوا بالنجوم؛ لأن الناس يهتدون بهم، ويبقى ظاهراً ما أراده الناس، علماً على الخير وعلى الشر، كما يهتدون بالنجوم في معرفة الفصول والأزمنة في دخول وتقلبات الأحوال، كذلك يعلم الناس الخير من الشر بهؤلاء العلماء.

قال: [ حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: أخبرنا وهب بن إسماعيل الأسدي، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من تعلم العلم ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم ) ].

باب من سئل عن علم فكتمه

قال المصنف رحمه الله: [ باب من سئل عن علم فكتمه.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أسود بن عامر، قال: حدثنا عمارة بن زاذان، قال: حدثنا علي بن الحكم، قال: حدثنا عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من رجل يحفظ علماً فيكتمه إلا أتي به يوم القيامة ملجماً بلجام من النار ).

قال أبو الحسن -أي: القطان-: وحدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا عمارة بن زاذان، فذكر نحوه.

حدثنا أبو مروان العثماني محمد بن عثمان، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أنه سمع أبا هريرة يقول: والله لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت عنه- يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم- شيئاً أبداً، لولا قول الله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ [البقرة:174] إلى آخر الآيتين.

حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، قال: حدثنا خلف بن تميم، عن عبد الله بن السري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كتم حديثاً فقد كتم ما أنزل الله ).

حدثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدثنا الهيثم بن جميل، قال: حدثنا عمر بن سليم، قال: حدثنا يوسف بن إبراهيم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ) ].

ومن كتم العلم عند حاجة الناس إليه والتباسهم بغيره فهو مستحق للعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وفيه أيضاً شبه من بني إسرائيل، فإنهم يسمعون الشر ويسكتون سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [المائدة:41]، ولابد لهذا السكوت من ثمن، كما يتكلم أهل الشر بالشر ليؤخذوا ثمناً، كذلك أيضاً يسكت الساكت ليأخذ الثمن، ومن هذا الثمن إما أن تكون السلامة، أو الحظوة، أو الجاه، أو المال، أما مبلغ الحق الذي يبلغه أراده الناس أو لم يرده الناس فهذا هو الذي يستحق وصف وريث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

قال: [ حدثنا إسماعيل بن حبان بن واقد الثقفي أبو إسحاق الواسطي، قال: حدثنا عبد الله بن عاصم، قال: حدثنا محمد بن داب، عن صفوان بن سليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كتم علماً مما ينفع الله به في أمر الناس في الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار ).

حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص بن هشام بن زيد بن أنس بن مالك، قال: حدثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ) ].

والأحاديث في هذا الباب مع ثبوت معناها إلا أن الأئمة على إعلالها، فيقول الإمام أحمد عليه رحمة الله: لا يصح في الباب شيء. يعني: في ذكر نوع الوعيد بإلجامه بلجام.

نقف على هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أبواب السنة [4] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

https://audio.islamweb.net