إسلام ويب

جوامع الكلم من المعجزات التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يتكلم بالكلمات القليلة وهي محتملة معاني كثيرة. وفي كلمات موجزة بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يرضاه الله لنا وما يكرهه لنا ومن أهم ما يرضاه لنا التوحيد والوحدة والنصيحة.

ما أحبه الله لنا

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهدا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، يرضى الله لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تنصحوا لولاة أموركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).

معلوم: أن الله تبارك وتعالى لا يرضى لعباده إلا ما يصلحهم، ولا يكره لهم إلا ما يفسدهم، فكل ما رضيه الله تبارك وتعالى لنا ففيه الخير والصلاح والبركة؛ لأن الله تبارك وتعالى رحيم بعباده، لا يرضى لهم إلا ما فيه الخير والصلاح، قال تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7]، فالله تبارك وتعالى رضي لنا الإيمان والشكر وكره لنا الكفر، وفي ذلك خيرنا وسعادتنا.

يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن ربنا رضي لنا ثلاثة أمور عظيمة:

الأول: (أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) وهو التوحيد والإخلاص.

الثاني: (أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وحدة الأمة بالاستمساك بكتابها، وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، وفي مقابل الاعتصام بالكتاب والسنة: الفرقة والخلاف.

فالله تبارك وتعالى يحب من أمة الإسلام أن تكون أمة واحدة مجتمعة على كتاب ربها، وسنة رسولها صلى الله عليه وسلم.

الثالث: (وأن تنصحوا لولاة أموركم) وكذا لخليفة المسلمين وإمامهم، وكذا حكام الدولة الإسلامية يناصحوا بأن يستقيموا على منهج الله، وأن يحكموا شريعته، فإذا ما شذ شاذ نبهه منبه، ونصحه ناصح، ووعظه واعظ.

(وكره لنا ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).

هذه التي يكرهها الله تبارك وتعالى هي أمراض تضيع وقت الناس في أمور لا تغني، قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، فأما أن يكثر الإنسان من الأسئلة في الأمور التي لا تنفع فهو كما حدث من بني إسرائيل، قال تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [البقرة:108]، وكذلك إنفاق المال فيما لا يحل، أو تبذيراً وإسرافاً، فتضيع ثروة الأمة، وتكون الأمة ذليلة بعد أن كانت عزيزة.

وأما قيل وقال، فإضاعتها للأوقات أمر ظاهر، بل قد تكون طريقاً للحرام.

لب الدين وأساسه

فالقضايا الثلاث التي رضيها الله تبارك وتعالى تمثل في منهج الإسلام أصولاً يقوم عليها المجتمع الإسلامي، ووحدة المسلمين، وذلك عند وحدة المقصد والعقيدة، بأن يعبدوا رباً واحداً، وأن يخلصوا دينهم له تبارك وتعالى، وهذه كما ألمحت في أكثر من خطبة هي القضية الأساسية، لا في هذا الدين الذي أنزل إلينا، بل عند جميع الرسل الذين بعثهم الله تبارك وتعالى.

فالله تبارك وتعالى يريد من عباده أن يحققوا الهدف الذي خلقوا من أجله، والله تبارك وتعالى خلقنا لعبادته وحده لا شريك له، ثم بين لنا كيف نعبده، فأرسل لنا رسلاً، وأنزل علينا كتباً، فضل الناس عن هذه الحقيقة والقضية الكبرى، فعبدوا عبر التاريخ الأصنام والأوثان، وعبدوا الشمس، والقمر، والنجوم والجبال، والأشجار، والأحجار، والرجال والنساء، وما تركوا شيئاً إلا عبدوه، ولا تزال المسيرة إلى الآن، فملايين من البشر يعبدون غير الله تبارك وتعالى، بل أكثر الناس -كما أخبر الله تبارك وتعالى- ليسوا بمؤمنين، وإن زعموا أنهم مؤمنون، فتُعبد من دون الله آلهة شتى، ولا يزال بوذا يعبده مئات الملايين، والشيوعيون وإن زعموا أنهم لا يؤمنون بإله، ولكن واقع الأمر أنهم يعبدون مؤسس المذهب، فيطيعونه، ويحنون رءوسهم عندما يمرون أمام جثته في الميدان الأحمر في موسكو وهذه من صور العبادة.

والنصارى -وهم مئات الملايين- يعبدون عيسى من دون الله، وهو الذي جاء ليقول للناس: أنا عبد الله، أنا نبي الله، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، ومن المسلمين من سار نفس المسيرة، وهو يزعم أنه يشهد أن لا إله إلا الله، ولكنه يعبد القبور والأولياء والصالحين، ويدعو من دون الله رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ويدعو من دون الله علياً والحسن والحسين ، فأقوام ممن يدعون الإسلام يفعلون ذلك، وما أولئك بالمؤمنين.

إن القضية الكبرى أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لنا أن نعبده ولا نشرك به شيئاً)، وقال الله تبارك وتعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36]، وهذا ميثاق أخذه الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]، وكل رسول يبعث كان يقول للناس: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

فالقضية مهمة، وهي: أن يكون دينك لله تبارك وتعالى، وأن تقصده عز وجل بإرادتك وحبك ورجائك وخوفك، ورغبتك، ورهبتك، وأن تصلي له تبارك وتعالى لا لغيره، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فتستعين بالله، وإذا دعوت فيكون دعاؤك وطلبك من الله تبارك وتعالى، ولا تدع معه أحداً، قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

فالتوحيد لب الدين وأساسه، والذي لا يحققه فليس له من الإسلام نصيب، وليس من أهل الجنة، فلا يجوز النار ويدخل الجنة إلا موحد، قد أخلص دينه لله، ووحده تبارك وتعالى.

الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق

القضية الثانية: أن نعتصم بحبل الله، كما أمر الله تبارك وتعالى قوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103].

فقوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ حبل الله: هو كتابه، وطرفه في أيدينا والطرف الآخر عند الله تبارك وتعالى، فمن استمسك به نجا، ونال رضوان الله تبارك وتعالى.

وكتاب الله تبارك وتعالى عقيدة المسلمين، وشريعتهم المسلمين، فيه أخلاقهم وصفاتهم وعلاماتهم!

كتاب الله تبارك وتعالى يمثل المنهج الذي رضيه الله تبارك وتعالى للمسلمين ولهذه الأمة، فيصبحوا بكتاب الله ربانيين، وعلماء، وموحدين، وإذا استمسكوا به اجتمعت كلمتهم، وتوحدت صفوفهم، واتحدت عقيدتهم، وتوحدت تصوراتهم وأعمالهم وقبلتهم، فهو يوجههم إلى رب واحد، ورسول واحد ودين واحد، ومنهج واحد.

وقد ذم الله تبارك وتعالى اليهود لتفرقهم، بعد أن أنزل إليهم كتابهم التوراة، فقال تعالى: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:4]، جاءتهم البينة من عند الله في كتابه، ثم اختلفوا، والنصارى جاءهم الإنجيل يقرر التوحيد والحق، ويشرع لهم ما يصلحهم في دنياهم وآخرتهم فاختلفوا فيه، وجعلوا عيسى إلهاً من دون الله فتفرقوا.

وهذه الأمة بيوت الله مليئة بكتابه، والإذاعات تتلوه ليل نهار، وعلماء المسلمين يعظون به، والأمة ممزقة مختلفة: فئة تنادي بالبعثية، وفئة تنادي بالوطنية، وفئة تنادي بالديمقراطية، وفئة تنادي بالشيوعية، ويقولون: نحن مسلمون، وأين كتاب الله؟ دينه وشرعه؟ وأين تحكيم هذا الدين في رقاب العباد ونفوسهم، ومجتمعات المسلمين؟

أين الاعتصام بكتاب الله، امتثالاً لقوله سبحانه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]؟! فيرضى لنا ربنا أن نعتصم بحبله ولا نتفرق، ولا يرضى تبارك وتعالى لنا أن نتفرق ونختلف، ونضع كتاب الله تبارك وتعالى وراء ظهورنا، إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه يشكو في يوم القيامة أمته إلى ربه كما قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]، فكأنه يقول: إن قومي هجروا كتابك الذي أنزلته ليكون لهم نوراً وضياءً وحياةً، هجروه واستبدلوا به تعاليم فلان وفلان، ونظرية فلان في الاقتصاد، ونظرية فلان في التربية، ومبدأ فلان في المناهج والعقائد، وتفرقوا شذر مذر، كما هو واقع في أمتنا في هذه الأيام.

مناصحة ولاة الأمور

القضية الثالثة التي يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله رضيها لنا: أن نناصح ولاة أمور المسلمين، كخليفة المسلمين وإمامهم، وحكامهم، فنقول لهم إذا ضلوا: لقد ضللتم، وإذا أخطئوا: لقد أخطأتم، وإذا انحرفوا: لقد انحرفتم، استقيموا على كتاب الله، وحدوا صفوفكم وكلمتكم، وتحاكموا إلى شريعة الله، وإلى دينه فبذلك يثبت ملككم، وحكمكم، وبذلك ترضون عنكم ربكم، وإلا فإنكم إلى زوال، فقد زال من قبلكم من ملوك وحكام، كانوا يملئون الدنيا ضجيجاً وإزعاجاً، فزالوا وزالت آثارهم، وبقيت عليهم آثامهم.

ولقد كان علماء المسلمين وفقهاؤهم ووعاظهم ينصحون للأمة عبر التاريخ، وينصحون لحكام المسلمين؛ فاستقامت الأمة دهراً طويلاً وثبتت، على الرغم من الصعاب والمصائب، والأعاصير التي هبت عليها.

فهذه ثلاث قضايا تصب في: وحدة العقيدة، ووحدة الهدف -بالاعتصام بكتاب الله- ووحدة التشريع، ووحدة الأمة، ثم وحدة قيادة المسلمين، ووحدة القيادة تكون بمنهج الله، وبدينه، فالتوحيد والاعتصام والمناصحة ثلاث قضايا رضيها لنا ربنا، وتصلح بها أمتنا لو كان في الأمة رجال يعرفون كيف الصلاح، وكيف السبيل إلى العزة والقوة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.

الأمور التي كرهها الله لنا

كراهة إضاعة الوقت بقيل وقال

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله ورسوله، لقد أوتي الرسول صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فيجمع المعاني العظيمة في الكلمات القليلة، وهذا الحديث من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كما رأينا يتحدث عن قضايا خطيرة في حياة الأمة الإسلامية.

في الشطر الثاني من الحديث يخبر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله يكره لنا أن تشغل أوقاتنا بقيل وقال، قال فلان كذا، وقالت فلانة كذا، وفلان روى، وفلانة روت، ونتناقل الأحاديث نشغل بها الساعات الطويلة فنبتعد عن القضايا المهمة بالحديث في سفاسف الأمور، كما هو حادث في هذه الأيام، أخبار تنقل من المشرق والمغرب، لا ندري منها الصحيح من الباطل، والقوي من السقيم، نشغل بها أنفسنا ونعيش في دوامة لا ندري ما الصحيح منها وما غير الصحيح، فنتناقل الأحاديث والأقوال نشغل بها أنفسنا.

كراهة إضاعة المال

كذلك إضاعة المال بلاء أصيبت به الأمة الإسلامية، نضيع أموالنا في طعامنا وشرابنا، ولباسنا، وإنفاقنا، بل منا من ينفق ماله في الحرام، ويبخل إذا ما طلب منه أن ينفق في الحلال، وهذا إضاعة المال في غير محله، ونحن محاسبون مسئولون عنه يوم القيامة، فستسأل عن مالك يوم القيامة، من أين اكتسبته وفيم أنفقته؟ فهل اكتسبته من حلال وأنفقته فيه أم تبذرت به وأنفقته في حرام؟ كل ذلك ستسأل عنه الأمة، ويسأل عنه كل فرد منها.

كراهة كثرة السؤال

أما كثرة السؤال فبلاء يصيب في كثير من الأحيان طلبة العلم، بل يصيب في بعض الأحيان عوام الناس، فيسألون عن المتشابهات والأمور الغامضة، ولا يتجهون إلى تعلم الأحكام الشرعية الواضحة، فيشغلون أنفسهم في أمور قد لا تقع، بل قد يشغلون أنفسهم بأمور متخيلة بعيدة.

بنو إسرائيل شكوا إلى موسى أنهم وجدوا رجلاً قتيلاً لا يعرفون قاتله، فقال لهم: اذبحوا بقرة، فقالوا كما أخبر الله عنهم: قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة:67]، كان الواجب عليهم أن يذبحوا أي بقرة كانت، فإذا بهم يسألون ويستفصلون، ويتعنتون: ما لونها؟ ما هي؟ كبيرة أم صغيرة؟ تشتغل أم لا وفي كل سؤال يشدد الله تبارك وتعالى عليهم.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يطوف، أو يسعى بين الصفا والمروة، ثم يخطب في المسلمين فيقول: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فيقوم رجل من المسلمين ويقول: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم مغضباً، وقال: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم).

فعندما يقول الله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، ويأتي البيان فنلتزم به، وعندما لا يأتي بيان نحو: (كتب عليكم الحج)، ولا يبين لنا عدداً، فإذا حج الإنسان مرة واحدة فإن هذا يكفي، فهذا الصحابي يقول: أفي كل عام؟ لو قال الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم في كل عام، لأصبح واجباً على المسلمين جميعاً أن يحجوا في كل عام والناس لا يستطيعون ذلك، ثم قال: (ذروني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة أسئلتهم واختلافهم على أنبيائهم).

وقد يكون المقصد من الحديث: سؤال الناس ما عندهم من أموال من غير حاجة، وفي الحديث: (الذي يسأل الناس من غير حاجة، يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)، أي: وجهه كله عظم، كما يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان الناس يتعففون عن السؤال، ولا يسألون إلا عندما لا يجدون سبيلاً.

مات رجل كان يسأل الناس من أهل الصفة، وهو فقير لا يجد بيتاً ولا مأوى، وكان يأخذ من الناس، فوجدوا بعد موته ديناراً؛ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كية) أي: كية في النار؛ لأنه كان يسأل وله دينار واحد، ومات آخر من أهل الصفة وهو فقير يسأل الناس، ويقبل طعامهم، فوجدوا عنده دينارين، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كيتان) أي: كيتان في النار يوم القيامة؛ لأنه يسأل وله شيء من المال يغنيه عن ذل السؤال.

(وجاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل، فرآه الرسول صلى الله عليه وسلم جلداً قوياً، فأخذ متاعاً للرجل كان على رأسه أو شيئاً من ذلك، وقال: من يشتري هذا؟ فاشتراها صحابي بدرهمين، فقال: أنفق درهماً على عيالك، واشتري بالدرهم الثاني فأساً، ولا أرى وجهك إلى أيام، فذهب الرجل واحتطب في أيام وباع، واحتطب وباع، وجاء بعد أيام عشرة أيام وفي يده بضعة دراهم، فقال: هذا خير من أن يسأل أحدكم الناس أعطوه أو منعوه).

هكذا ربى الإسلام أبناءه أن يكونوا رجالاً، وأن يحاولوا قدر طاقتهم أن يتعففوا، ومدح الله تبارك وتعالى المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافاً.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب سميع الدعوات، أقول قولي هذا وأقم الصلاة.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مع حديث لرسول الله للشيخ : عمر الأشقر

https://audio.islamweb.net