إسلام ويب

إن الله تعالى يقلب الأمور من حال إلى حال، فكل يوم هو في شأن، فكم من إنسان كان عاصياً متمرداً، ثم غيّر الله تعالى حاله إلى الخير والطاعة، وكم من إنسان كان غافلاً ساهياً لاهياً، فنبهه الله من غفلته، فصار من الذاكرين الشاكرين، فسبحان من بيده مقاليد الأمور يصرفها كيف يشاء!

الشباب وأثره في الصلاح والإصلاح

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يفرج هم المهمومين، ويكشف كرب المكروبين، ويقضي الدين عن المدينين، وأن يدل الحيارى، ويهدي الضالين، ويغفر للأحياء وللميتين.

أيها المسلمون: ليس الهدف من مثل هذه الاجتماعات هو ضياع الأوقات، ولا التسلية، وإنما الهدف منها هو التعاون على البر والتقوى، وأن يقال لنا حين نقوم من هذا المجلس: (قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات).

والهدف منها أن الصالح يزداد في صلاحه، وأن الضال يصحح مساره وينتبه لنفسه قبل أن تزل الأقدام، وقبل أن يطلب الرجوع إلى الحياة فلا يستجاب له.

إن الهدف من هذا اللقاء هو كيف ننجو جميعاً من عذاب الله، وكيف نفوز بجناته جنات النعيم، والهدف أن نسلك جميعاً طريق الهداية وطريق الاستقامة الذي جعله الله صراطاً مستقيماً، ولو كان منحرفاً يمنةً أو يسرةً لكان في سلوكه صعوبة، لكن من فضل الله علينا وعلى الناس أن جعل الصراط مستقيماً، يقول ابن مسعود : (خط لنا النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً، وخط على جوانبه خطوطاً، وقال: هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وهذا صراط الله مستقيماً، ثم قرأ قوله جل في علاه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153])، فالعمر فرصة إما أن يستغل في الطاعات، وإما أن يستغل في المعاصي والمنكرات، فالإنسان يعيش عمراً واحداً، وهو مطالب أن يستغل هذه الساعات والدقائق واللحظات فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، والإنسان العاقل هو الذي يعرف قيمة الوقت، ويعرف قيمة الحياة.

هذه مقدمة بين يدي الآيات والأحاديث النبويات والقصص التي أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يترك بها أثراً علي وعلى كل من يسمعها.

إن مرحله الشباب مرحلة مهمة من مراحل العمر، وما يكون بعد الشباب من العمر إنما ينبني على الشباب، فهي أهم مرحلة من مراحل العمر، ولعلك تلاحظ هذا في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن العمر إجمالاً، ثم يسأل عن الشباب خاصة)، فليس الشباب قطعة من العمر؟ بلى هو قطعة من العمر، إذاً: فلماذا السؤال عن مرحلة الشباب خاصة دون غيرها؟ والجواب: لأنها أحلى مراحل العمر وأقواها، ويستطيع الشاب في فترة شبابه أن يعطي مالا يستطيع أن يعطيه في فترات قادمة، ولا في فترات ماضية، إن الكوكبة التي كانت حول النبي صلى الله عليه وسلم هم الشباب، وما قام هذا الدين إلا على أكتاف الشباب، وما استطاعت هذه الأمة أن تسود الأرض، وأن تغير معالم الأرض إلا بعمل الشباب وهممهم، لكن أي شباب نعني؟ إننا نعني الشباب الذي تربى على القرآن، الشباب الذي تربى على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، الشباب الذي اختار قدوته محمداً عليه صلوات ربي وسلامه وأصحابه، اختار أولئك الرجال وسار على دربهم، يقول الناظم:

لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح

وصناعة الأبطال علمقد دراه أولو الصلاح

من لم يلقن أصلهمن أهله فقد النجاح

لا يُصنع الأبطال إلافي مساجدنا الفساح

في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح

شعب بغير عقيدةورق تذريه الرياح

من خان حي على الصلاةيخون حي على الكفاح

ففي هذه الأماكن المباركة يصنع الأبطال والرجال، فالعمر فرصة، وكل يوم يمضي يقربنا من النهاية، و(الكيَّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والجاهل من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني).

يقول الحسن البصري : إن أقواماً غرتهم الحياة الدنيا فخرجوا منها بلا رصيد من الحسنات، يقولون: إننا نحسن الظن بالله، قال: كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

قال الله: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50]، إن سبب صلاح الشباب هم الشباب أنفسهم، وسبب ضياع الشباب هم الشباب أنفسهم.

الصحبة الصالحة ودورها في استقامة صاحبها

قال الله: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان:27-29]، فالصحبة لها دور كبير في استقامة الشاب وصلاحه وهدايته، فما مررنا على سجن من السجون، أو إصلاحية من الإصلاحيات، وتكلمنا عن الشباب وعن سبب مآسيهم إلا ذُكر لنا أن سبب الضياع الذي يعيشه الشباب هم الشباب أنفسهم، فكم زين شاب لشاب المعصية، فلما زلت الأقدام قال: إني بريء منك، وكم تخلى صاحب عن صاحبه بعد أن وقع الفأس على الرأس.

إن أحوج ما يحتاجه الشباب اليوم هي الصحبة والرفقة الصالحة التي تعينهم على الخير إذا فعلوه، وتذكرهم به إذا نسوه.

قصة شاب تائب

شاء الله في علاه أن نجتمع بإنسان في منطقة عمل، وهو ينتمي إلى تيار وأنا أنتمي إلى تيار آخر، فليس هناك أي نقطة توافق بيني وبينه، فإما أن يؤثر علي وإما أن أؤثر عليه، لكن دائماً الحق يعلو ولا يعلى عليه، والمفترض أن صاحب الاستقامة هو الذي يؤثر ولا يؤثر عليه الآخرون، فهو من جدة وأنا من الظهران، ونعمل في نفس العمل في منطقة جيزان، فأمرنا أنا وهو بالاجتماع هناك حتى نؤدي هذا العمل، فاجتمعت به ومنظري يختلف عن منظره، وتوجهاته تختلف تماماً عن توجهاتي، وأفكاره تختلف تماماً عن أفكاري، فقلت في نفسي: كيف ستكون هذه المدة مع هذا الشاب؟ وقال هو في نفسه: ثلاثة أشهر فترة عمل مع هذا، لا أدري كيف ستمر الأيام وتنقضي! فقد جمعنا مكتب واحد، ومكان نوم واحد، وسيارة واحدة نذهب ونجيء معاً.

وكنت لا أقبل بالصلاة إلا في المسجد، وتجد في بعض المؤسسات يجعلون غرفة مصلى تقام فيها الصلاة، مع أن المسجد قريب منهم، فإذا لم يتعود الإنسان أن يحث الخطا إلى المساجد فما قيمة هذه الأقدام؟!

وإن لم تتعود أن تخطو وتسير إلى المسجد في الجمعة والجماعات فما قيمة هذه الأقدام؟! وأول صلاة حضرت وأنا وإياه في المكتب قلت له: هيا نصلي، قال: الغرفة قريبة، قلت: لا، أنا لا أصلي في الغرف، أنا لا أصلي إلا في المسجد، قال: كلهم يصلون في الغرفة، قلت: أنا لا أصلي إلا في المسجد، فإن المسجد لا يبعد أكثر من مائة متر أو مائتي متر، فكيف نستثقل الخطا إلى المساجد؟! إنك ما خطوت لله خطوة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة، وستعرف هذا يوم توضع الموازين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة)، فأجر الخطوات إلى الطاعات لا يضيع أبداً، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195].

فسبحان الله! بدأ هذا الشباب يخطو معي إلى المسجد في كل صلاة، وبدأ يتعود على الذهاب إلى المسجد، ولأنه يسكن معي في غرفة واحدة فهو مضطر إلى أن يقوم لصلاة الفجر، وسبحان الله ما أثقل صلاة الفجر عليه! فقد كان يستغرق وقتاً طويلاً حتى ينتبه من رقدته وغفلته، فكم هي ثقيلة الطاعات على ضعاف الإيمان، وكم هي سهلة على من سهلها الله عليه، فبدأ يتعود على الاستيقاظ لصلاة الفجر، وبدأ يتعود على الذهاب إلى المسجد، وبدأت حياته تتغير، وقد كان صاحبي على موعد مع حياة جديدة بدايتها انطلاقة من المسجد.

وهكذا ينطلق الشباب مع الهداية من المساجد، واعلم أن أي هداية ليس مبناها المسجد فليست بهداية حقيقية، وأي هداية لا تربطك ببيت الله فليست بهداية حقيقية:

لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح

في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح

وقد كنا في شهر شوال بعد رمضان، ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن يتبع رمضان بست من شوال، (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)، فهذه الطاعة أيام معدودة: ستة أيام، والبعض قد يصوم شهراً كاملاً ثم يستثقل هذه الأيام الستة، وقد كنا في أحد المكاتب فقال قائل في ذلك المكتب: اليوم تفطرون معنا، فقلت: لم نبدأ الصيام بعد.

وسنبدؤه غداً، فقال صاحبي: صيام أيضاً! ذهاب إلى المسجد، واستيقاظ لصلاة الفجر، والآن تريد أن تلزمنا بالصيام أيضاً! قلت: وما الذي يؤخرك عن الصيام؟ أما صمت رمضان؟ قال: بلى، قلت: إذاً ما الذي يمنعك أن تنال مثل هذا الأجر، لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [التوبة:42].

فسبحان الله نستثقل أمور الطاعات ولا نستثقل أمور الدنيا! متى سنعرف أننا لم نعط العمر إلا لنصرفه في الطاعات والقربات، والتقرب من الله رب الأرض والسماوات.

فبدأنا الصيام من اليوم الثاني، ولك أن تتخيل منظر صاحبي وهو يستيقظ قبيل الفجر بنصف ساعة حتى يشرب كأساً من الحليب، ويأكل شيئاً من الطعام؛ استعداداً للصيام!

فبدأ صاحبي يتعود على إقامة الصلاة، وعلى التقرب إلى الله بالقربات: من صيام، وقراءة قرآن، فأتممنا من الصيام خمسة أيام، ثم جاءتنا مهمة عمل إلى جدة، فاضطررنا إلى السفر وقطعنا الصيام، فتبقّى علينا صيام يوم واحد، فقلت: نصومه إن شاء الله إذا رجعنا من السفر، فمكثنا في جدة ما شاء الله أن نمكث، ثم رجعنا فإذا بصاحبي يذكرني، ويقول: يا شيخ! باقي علينا صيام يوم، فقلت: سبحان الله! الذهاب إلى المسجد، والذهاب إلى الطاعات، والانشغال بالقربات غيرت من حياة صاحبي، وهذا ما يحتاجه الشباب اليوم، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].

وفي تلك المنطقة ارتبطنا بكلمات ودروس ومحاضرات، فبدأ صاحبي يقول لي: إذا ذهبت إلى المساجد بعد نهاية الدوام للكلمات وللقاء الشباب فإني سأراففك، فقلت: أبشر بالذي يسرك، والله! لن أخطو خطوة إلّا وأنت معي.

كنا ننتهي من الدوام، وأحظر ثيابي معي، وأغير في مكان العمل، ثم ننطلق إلى أقرب مكان يكون لنا فيه ارتباط، فبدأ صاحبي يخالط الأخيار والصالحين، فرأى منظرهم يختلف، ورأى أن كلامهم يختلف ورأى أن سيماهم تختلف عن الآخرين، فكلامهم ومظهرهم كله مرتبط بهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلّا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، فكم هي الأوامر التي تخالف اليوم، وكم هي السنن التي تهمل في حياة الناس اليوم، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15].

ومع الوقت قال لي صاحبي: أنا أريد أيضاً أن أجهز نفسي قبل الذهاب إلى الكلمات والدروس والمحاضرات، فألبس ثياباً نظيفة، وأريد أن أتعطر وأتطيب حتى أخالط الآخرين، فقلت: لك ما تريد، فصار يحضر ثيابه، ثم نغير ونبدل وننطلق إلى أقرب مكان يكون لنا فيه ارتباط، وكان ذلك في قرية من القرى، وكان الارتباط عندنا من صلاة المغرب حتى صلاة العشاء، ثم أصروا عليّ وقدموني لصلاة العشاء، وعندما كنت أسوي الصفوف إذا بصاحبي في ميمنة الصف يخط ثوبه في الأرض شبراً، ورأيته يكبكب ثوبه ويرفعه إلى ركبته، فلما انتهينا وانطلقت أنا وإياه راجعين إلى مكان إقامتنا قال لي بصريح العبارة: يا شيخ! ثيابي تفشل، هكذا بالحرف الواحد، قلت: غيرِّ، من الذي يحول بينك وبين التغيير، فغير صاحبي ثيابه، وغير نمط الحياة رأساً على عقب.

وبعد أيام وجدته يحمل في جيبه مشطاً صغيراً، وكل يوم يمشط لحيته المكونة من شعيرات صغيرة لا تكاد تظهر، فقلت له: لماذا هذا المشط؟ قال: أريد أن تكون لي لحية أحسن من لحيتك، وكان يسألني: ماذا يقولون في دعاء الاستفتاح؟ وماذا يقولون في السجود؟ وماذا يقولون في الركوع؟

سبحان الله! عمره على وشك الثلاثين ولا يعرف من الدين شيئاً، وهكذا كثير من الناس يعيشون ولا يعرفون من دينهم شيئاً، فأخذ صاحبي يتعلم كل يوم أموراً جديدة تحيي قلبه، وتغير في حياته، وبعد كل صلاة يخرج الناس من المسجد وهو يجلس في مصلاه، فيفتح حصن المسلم الذي فيه أذكار الصلاة، وأذكار المساء، وأذكار الصباح، وأذكار النوم، وبدأ صاحبي يتعلم كيف يكون الاتصال بالله جل في علاه، فالله يقول: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152]، ويقول: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فبدأت حياة صاحبي تتغير رأساً على عقب، وبدأ صاحبي حياة جديدة شعارها العودة إلى الله، شعارها هداية واستقامة ودعاء وتضرع إلى الله، وسؤال الثبات على هذه الاستقامة، فقد جمعتنا غرفة واحدة، فكم من ليلة استيقظ في ساعات الليل الأخيرة فأجده فارشاً سجادته وصافاً قدميه بين يدي الله، لقد جرب صاحبي طعم الطاعة، وقد سألته بعد حين وقلت له: كيف كنت تعيش؟ قال: والله لقد كنا أمواتاً فأحيانا الله، وإن الحياة من قبل لا قيمة لها ولا طعم ولا لون، فقد كنا كالأنعام بل كنا أضل.

وقال: إن عمله كان يبدأ من الساعة السادسة صباحاً حتى الثانية ظهراً، ثم يرجع فيأكل ثم ينام بلا صلاة ولا طاعات ولا واجبات، فينام حتى الحادية عشر أو الثانية عشر ليلاً، فيفوت صلاة العصر والمغرب والعشاء، ثم يمكث الساعات الطوال أمام الشاشات والقنوات حتى يحين موعد العمل، ثم يذهب إلى العمل، فأي حياة هذه؟ وما قيمة الحياة بهذه الصورة؟! أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:43-44]، فلما استقام صاحبي تغيرت حياته، وصار ملازماً للمسجد مع صفوف المصلين، وتغيرت حياة صاحبي يوم بدل الأغنية بالقرآن، وتغيرت حياة صاحبي لما بدل الرفقة السيئة بمصاحبة الأخيار، فأصبح مثلاً يضرب في تلك البلاد، فوالله إنه من شدة حيائه وخوفه صار مضرباً للمثل هناك، فما يتناقل الناس في تلك المنطقة إلا أخبار فلان، فقد كان ميتاً وإن كان يشرب ويأكل ويروح ويغدو مع الناس، لكن الناس بلا هداية كالأموات، فالذي يعيش بلا هداية ميت لا قيمة له، كما قال الله: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، فشتان يا إخوان! بين أصحاب الجنة وبين أصحاب النيران، أيستوي الأعمى والبصير؟ أتستوي الظلمات والنور؟ أيستوي الأحياء والأموات؟ لا يستوون.

أحبتي! إن نعمة العقل نعمة عظيمة يمتلكها كل إنسان، ولا يستعملها إلا القليل، أما يعرف الإنسان ما يضره وما ينفعه؟!

أما آن عما أنت فيه متاب

وهل لك من بعد الغياب إياب

تقضت بك الأعمار في غير طاعة

سوى عمل ترجوه وهو سراب

فلم يبق للراجي سلامة دينه

سوى عزلة فيها الجليس كتاب

كتاب حوى كل العلوم وكل ما حواه من العلم الشريف صواب

وفيه الدوا من كل داء فثق به فوالله ما عنه ينوب كتابُ

فانطلق صاحبي يحفظ القرآن، ويحفظ الأحاديث الصحاح، وهذا بعد أن كان يمضي الساعات الطوال أمام الشاشات والقنوات فيما قال لي، فقلت له: كيف كنت تخطط الأوقات؟ قال: أحضرت معي جهاز فيديو وخمسين شريطاً، فكنت أقضي الساعات وأنا أشاهد هذه الأفلام، قلت: أين الفيديو؟ قال: بعته، قلت: وأين الأشرطة؟ قال: كسرتها، وهذا من صدق توبته، فالصادق في توبته يتخلص من آثار المعصية، وإخوانكم في هذا المخيم يجمعون أشرطة الشر ويستبدلونها بأشرطة الخير، فاحمد الله تعالى أنك تجد من يعينك على الطاعة، فهذا فضل من الله جل في علاه أن هيأ لك من يقوم بمثل هذه المخيمات، ويبذلون من أوقاتهم ومن أموالهم الشيء الكثير، لماذا هذا؟ وماذا يريدون مني ومنك؟ وما المقصد من هذا الاجتماع؟ إن المقصد من ذلك أن نسير أنا وأنت على طريق الاستقامة، ولن نلتقي هنا إلا لكي يكون ملتقانا الجنة، فقد تكون هذه أول وآخر مرة تراني فيها، لكن اللقاء هناك في جنات النعيم، أسأل الله أن يجمعني وإياكم في دار كرامته.

من أخبار عبد الواحد بن زياد

اخترنا لكم قصصاً وآيات وأحاديث وأخباراً من أخبار أولئك الذين اشتاقت نفوسهم إلى ما عند الله، أولئك الذين يسيرون في الأرض ويرددون قوله جل في علاه: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22]، فهم سماويون لا أرضيون ولا دُنيويون ولا طينيون، يمشون في الأرض وقلوبهم معلقة في السماء، قال الله عنهم: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان:63-65]، فهذا ليل ونهار عباد الرحمن الذين يريدون أن يفوزوا بجنات الرحمن، فاسمع إلى أخبار المشتاقين إلى جنات النعيم ثم قل أين نحن من هؤلاء.

ففي مجلس من مجالس الذكر والقرآن وهو مجلس عبد الواحد بن زياد يقول عبد الواحد : كنا نتذاكر فضل الشهادة في سبيل الله، وفضل الشهداء، والدرجة الرفيعة التي أعدها الله للمجاهدين في سبيله، وقد جاء في الحديث: (إن للشهداء في سبيل الله مائة درجة في الجنة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض)، فتأمل هذا الفضل العظيم الذي هو صفقة بينه جل جلاله وبين عباده الصالحين، فقد اشترى منهم الأنفس والأموال على أن يكون الثمن هو الجنة، فهذا وعد سابق، وعهد صادق، وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111]، ففي مجلس عبد الواحد بن زياد قال: كنا نتذاكر الشهادة في سبيل الله، وفضل الشهداء والمجاهدين، ثم قرأ قارئ في المجلس: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]، فقام غلام في السادسة عشرة من عمره فقال: يا عبد الواحد ! آلله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة؟ قلت: نعم يا صغيري! وكان يتيماً ورث عن أبوية مالاً كثيراً، قال: فإني أشهدك يا عبد الواحد ! أني بعت نفسي ومالي لله على أن يكون الثمن الجنة، فمع أن هذا الغلام في السادسة عشرة من عمره إلَّا أن أفعاله أفعال الرجال، وأما اليوم فابن السادسة عشرة والثامنة عشرة يقال عنه: مراهق، وفي السابق لم يكونوا يعرفون هذه المصطلحات التي لا تمت إلى الإسلام لا من قريب ولا من بعيد، فمن كان في هذه السن فهو شاب مكلف لا بد أن يقوم بالطاعات، وأن يترك النواهي والمحرمات، فقام الصغير وقال: يا عبد الواحد ! آلله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة؟ قلت: نعم يا صغيري! قال: فإني أشهدك أني بعت نفسي ومالي لله على أن يكون الثمن الجنة، قلت: يا صغيري! أخاف حين تسمع صليل السيوف، ورمي السهام والرماح أن تفر، قال: بئس حامل القرآن أنا إذا فررت من الموت في سبيل الله، يقول عبد الواحد : فلما كان الصباح كان أول من أتى إلي يحمل ماله كله معه، فقال: يا عبد الواحد ! هذا مالي كله جهَّز به المجاهدين في سبيل الله، وجهَّز نفسه، وأعد عدته وخرج مع من خرج، يقول عبد الواحد : لقد رأيت منه العجب العجاب، لقد كان قواماً بالليل، صواماً بالنهار، وكان في خدمتنا، فيوقر الكبير، ويرحم الصغير، ويعطي هذا، وفي خدمة هذا، فقلت: سبحان الله! على ماذا تربى هذا اليتيم؟ إن الذي تربى عليه هذا اليتيم هو القرآن، فهو الذي صنع هذا الشاب الصغير، وصنع قبله أقواماً، وسيصنع القرآن بعده أجيالاً وأجيالاً، إنه القرآن المنزل من عند الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ فأثر القرآن سيظل باقٍ في هذه الأمة شاء أعدائها أم أبوا، فكلما ظنوا أنهم قد استأصلوا شأفة هذا الدين رددت الأمة آيات القرآن، فرجعت فيها الروح أقوى مما كانت، ولم يتعرض دين من الأديان لمؤامرات بالليل والنهار كما تعرض لها هذا الدين، ومع هذا بقي هذا الدين شامخاً عزيزاً؛ لأن الله تكفل بحفظه، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فاستعد الشاب وخرج، فلما صفت الصفوف رأيت فارساً مغواراً، ومجاهداً صنديداً، ومقاتلاً عنيداً، وما توقعت أن هذا يخرج من هذا الغلام الصغير، وكل يوم والمعركة تزداد، وهو في كرّ وفرّ، فتراه في الميمنة وتراه في الميسرة، ويتحمل أعباء كثيرة لا يتحملها إلا صناديد الرجال وعمره ست عشرة سنة، يقول عبد الواحد : وفي يوم زاد علينا أذى الكفار، واجتمعت علينا صفوف كثيرة، وعند الظهيرة توقف القتال وأخذتنا إغفاءه واستراحة كما يستريح المحارب، يقول: فأغفى غلامي إغفاءة ثم استيقظ وهو يقول: واشوقاه للعيناء المرضية! فقال أصحابي: وسوس الغلام، قلت: ما بك يا صغيري! قال: يا عبد الواحد ! رأيت رؤيا فاكتمها عليّ حتى ألقى الله، قلت: وماذا رأيت يا صغيري؟ قال: رأيت أني في روضة من رياض الجنة وفيها من الحور العين ما الله به عليم، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق انطلق، فانطلقت حتى إذا أتيت على نهر من ماء غير آسن عليه من الحور العين ما نسّاني ما خلفت ورائي، فإذا هن يشرن إلي ويقلن هذا زوج العيناء المرضية هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق انطلق، فانطلقت أمامي حتى أتيت على نهر من لبن لم يتغير طعمه، فإذا على جوانبه من الحور العين ما نسّاني ما خلفت، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق انطلق، فانطلقت أمامي حتى إذا أتيت على نهر من خمر لذة للشاربين فإذا عليه من الحور العين ما نساني ما خلفت، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، هذا زوج العيناء المرضية قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق، انطلق فانطلقت حتى إذا أتيت على نهر من عسل مصفى، فإذا عليه من الحور العين ما أنساني ما خلفت ورائي، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق أمامك، فانطلقت أمامي فأتيت على خيمة من لؤلؤ مجوفة مرتفعة في عنان السماء، فإذا على بابها من الحور العين ما نساني ما خلفت، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: هي في الداخل بانتظارك، فدخلت فرأيت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، رأيت تلك التي نصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها، ورأيت تلك التي لو ضحكت لغطى نور وجهها نور الشمس والقمر، رأيت تلك التي لو بصقت في بحر لجي لأصبح عذباً فراتاً، ورأيت تلك التي أنستني ما خلفت ورائي، فأردت أن أضمها فقالت: انتظر يا حبيبي! أنت فيك روح الحياة، تفطر عندنا اليوم! وقد كان صائماً رحمه الله في أرض القتال، فتجدهم في أرض المعركة في صوم وتقرب إلى الله بالطاعات، قال: ثم أفقت يا عبد الواحد ! فواشوقاه للعيناء المرضية! اكتم رؤياي يا عبد الواحد ! حتى ألقى الله، يقول عبد الواحد : فما هي إلا لحظات حتى ظهرت سرية من الكفار فانطلق إليها الغلام يصول يمنة ويسرة فقتل منهم تسعة وكان هو العاشر، فجئته فإذا هو يتشحط في دمه وعلى وجهه ابتسامة، وهو يقول: أهلاً بالعيناء المرضية، أهلاً بالعيناء المرضية.

فعلى ماذا تربى هذا الغلام؟ لقد تربى على كلام الرحمن، وتربى على تلك الآيات التي تربي الأنفس وتمنيها بما عند الله جل في علاه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ [الدخان:51-59]، فجنات الرحمن تحتاج إلى فئة صادقة مؤمنة لم تغرها الحياة الدنيا، بل تريد ما عند الله جل في علاه، فهذه هي أخبارهم، فما هي أخبار الشباب اليوم؟! فهم كانوا يبيتون سجداً وقياماً، فعلى ماذا يبيت الشباب اليوم؟! وهم تغنوا بالقرآن الكريم، فبماذا يتغنى الشباب اليوم؟! وهم ملئوا الآذان بآيات الرحمن فبماذا ملأ الشباب الآذان اليوم؟ وهم كانت أمنيتهم واحدة وهي: أن ينالوا رضا الله وجنات النعيم، فما هي أمنيات الشباب اليوم؟! إن سبب صلاح الشباب هم الشباب أنفسهم، وإن سبب ضياع الشباب اليوم هم الشباب أنفسهم، فاخترنا لكم قصصاً من الماضي وقصصاً من الحاضر، وهذه القصص مطعمات بآيات لو تنزلت على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله.

قصة توبة الشاب حسان

فمن هذه القصص: أن جماعة كانوا على ضلالة، وكانوا يتعاونون على الإثم والعدوان، وينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر، حتى منَّ الله على واحد منهم بالاستقامة، فاستقام وصلح حاله، فأراد لصاحبيه الهداية والاستقامة، فاجتهد عليهما حتى هدى الله الثاني، ثم الثالث، فبعد أن كانوا مفاتيح شر أصبحوا مفاتيحاً للخير، وتعاهدوا فيما بينهم أن يعوضوا الأيام الماضية في المعاصي والمنكرات، وأن يستغلوا ما بقي من العمر في الطاعات والقربات، فاتفقوا فيما بينهم أن يجتمعوا كل يوم قبيل الفجر بساعة حين يتنزل الرحمن نزولاً يليق بجلاله، فينادي: هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء:1-2]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2]، فالله تعالى يعطي الفرص مرات ومرات، والله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فقد كان الثلاثة مجتمعين على المعاصي، ثم بدل الله حالهم واجتمعوا على الطاعات، وقرروا فيما بينهم أن يجتمعوا كل يوم قبيل الفجر بساعة ثم ينطلقون إلى مسجد من المساجد، فيصلون فيه إما فراداً وإما جماعة ما شاء الله أن يصلوا، واستمروا على هذه الحال مدة طويلة، وفي يوم من الأيام تأخر الذي كان عليه الدور أن يمر على الشباب حتى لم يبق على صلاة الفجر إلا نصف ساعة، فلما جاءهم وقفت بجانبهم سيارة تكاد تنفجر من صوت الموسيقى والألحان، وما كأن هذا الوقت ساعة مباركة وساعة استجابة، فأشار إليه الأول فلم يستجب لهم، وأشار إليه الثاني فلم يعطهم بالاً، وأشار إليه الثالث فلم يلتفت إليهم، فانطلق بسرعة حين انطلقت الإشارة، فقالوا فيما بينهم: ما رأيكم لو نسعى في هداية هذا الشاب؟ فننطلق خلفه عل الله يكتب هدايته في هذه الليلة المباركة؟ فأخذوا يلحون على الله بالدعاء أن يهدي هذا الشاب، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، وأي نعمه أعظم من نعمة الهداية والاستقامة، فانطلقوا خلفه، وبدءوا يشيرون إليه بالأنوار العالية عله يتوقف، فظن صاحبنا أن القضية عراك، وظن أنها قصة تحدٍ في ساعات الليل الأخيرة، فتوقف متحدياً، ونزل من السيارة، وكان شاباً طويل القامة، عريض المنكبين، مفتول العضلات، فقال: ماذا تريدون؟! فابتسموا في وجهه وقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال: من أراد العراك لا يبدأ بالسلام، وهؤلاء لا يريدون العراك، قال: ماذا تريدون؟ قالوا: أما تعلم في أي ساعة أنت الآن؟ الساعة الآن قبيل الفجر، وهي ساعة السحر، وهي من أعظم الساعات، ولا يرد الله فيها الدعاء، أما عندك حاجة تطلب الله إياها الآن؟ قال: أما تعرفون من أنا؟ أظنكم لا تعرفوني! قالوا: من أنت؟ قال: أنا حسان الذي لم تخلق النار إلا لي! قالوا: اتق الله، فإن باب الرحمة واسع، والرحمن يقبل من أتاه، (من أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً).

فبدءوا يذكرونه بواسع رحمة الله، وأن الله يقول: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، ويقول في الحديث القدسي: (يا ابن آدم ! إنك ما دعوتني ولا رجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم ! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم ! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي)، وهو الذي يقول: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:70]، فالله بابه مفتوح بالليل والنهار، وهو الذي يقبل توبة التائبين، ويغفر ذنوب المذنبين فارتم ببابه، واسأله الرحمة، فأخذ حسان يبكي ويقول: أيقبلني بعد أن أذنبت وفعلت كذا وكذا وكذا؟! فلم يبق باب من أبواب المعاصي إلا دخلته، ولم تبق مصيبة من المصائب إلا ارتكبتها ثم هو يقبلني؟! قالوا: نعم، ويبدل السيئات حسنات، قال: أنا الآن سكران، وأنا الآن على معصية، فاحتضنوه وأخذوه إلى أقرب دار لهم، فاغتسل حسان، وتطيب وتعطر، ولبس أحسن الثياب، ثم انطلق معهم ليشهد أول صلاة منذ سنوات مضت، يقول لهم: لي سنوات لم أعرف لله أمراً ولا نهياً، وسنوات لم أركع لله فيها ركعة واحدة، فاغتسل وتطيب ودخل المسجد، وقد كان حسان على موعد مع الهداية، فانطلق الإمام يقرأ: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، فأخذ الإمام يقرأ بصوت حنون، ويردد تلك الآيات، ويرغب الناس فيما عند الله جل في علاه، ويبشرهم بجنات النعيم، ثم قرأ الإمام أرجى آية في كتاب الله: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53]، فما إن قرأها الإمام حتى ارتفع الصياح في المسجد، وامتلأت أركانه نحيباً وشهيقاً وبكاءً عالياً، والإمام يقرأ وحسان يزيد في البكاء، فلما انتهى الإمام من صلاته التف حوله المصلون يهنئونه بالتوبة والرجعة والعودة إلى الله، فـحسان الذي كان يقول: ما خلقت النار إلا لي كان على موعد مع الهداية، وكان ذلك على يد هؤلاء الشباب، فالشباب هم سبب صلاح الشباب، والشباب هم سبب ضياع الشباب.

وبدأ حسان يحكي مأساته: فعلت كذا وفعلت كذا، ولي أب وأم كبيران في السن لم أرهما منذ شهور طويلة، وهما بحاجة إلى أن أكون بجانبهما، فأريد أن أرى أبي، وهو يصلي في المسجد الفلاني، ويمكث في ذلك المسجد حتى شروق الشمس، فانطلقوا به إلى ذلك المكان، فوصلوا وقد أشرقت الشمس وارتفعت، فإذا بشيخ كبير خارج من المسجد، فقال: هذا أبي، هذا أبي، ضعف بصره، وانحنى ظهره، وخطواته متثاقلة، وكم هو هذا الأب بحاجة إلى مثل هذا المفتول العضلات؛ حتى يكون في خدمته ورعايته، فجاءوا فسلموا عليه، وقالوا: معنا حسان ، فما أن سمع الأب اسم حسان حتى قال: حسان؟! الله يحرق وجهك بالنار يا حسان ! عذبك الله كما عذبتني يا حسان !، فأخذ حسان يبكي وارتمى على الأرض، فقالوا لأبيه: إن حسان قد جاءك تائباً منيباً راجعاً إلى الله، قال الأب: حسان يتوب؟! قالوا: نعم، وقد صلى الفجر في جماعة، وغير الحياة وبدل، وانظم إلى قافلة التائبين والعائدين إلى الله، فأخذ الأب يبكي واحتضن ابنه باكياً وفرحاً بتوبة حسان وعودته إلى ربه جل في علاه، والتف الثلاثة من حولهما يبكون فرحاً بتوبة حسان ، وأصبح منظرهما في الشارع مؤثراً، شيخ كبير يحتضن مفتول العضلات ويبكي على هدايته.

ثم انطلقوا إلى المرأة العجوز وأخبروها فأخذت تبكي بكاءً شديداً فرحاً بتوبة حسان ، أقول: لله أفرح بتوبة حسان مع أن الله تعالى لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين، (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيها لكم يوم القيامة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد دون ذلك فلا يلومن إلا نفسه).

فانطلق حسان مع التائبين، وأقبل على بيوت الله يتربى في المساجد وفي حلقات القرآن حتى تغير حاله رأساً على عقب، فـحسان الذي كان يقول: ما خلقت النار إلا لي صار حاله في كل يوم يتبدل، فصار يقبل على الله أكثر من الأيام الماضية، حتى قال في نفسه يوماً: إن عليه من الذنوب والمعاصي ما الله به عليم، ولا يكفر هذا إلا أن أسيل كل قطرة من قطرات دمي رخيصة في سبيل الله، ولا يكفر هذا إلا أن أقدم النفس رخيصة من أجل الذي أعطاني كل شيء، فجاء إلى الأب الشيخ الكبير وقال له: يا أبي! أنا أريد أن أنطلق إلى ساحات الجهاد، وأريد أرفع كلمة الله، وأريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وأريد أن أبذل كل قطرة من قطرات دمي في سبيل الله، قال الأب: يا حسان ! لقد فرحنا بعودتك وباستقامتك وتريد أن تحرمنا الآن منك! قال: يا أبي! إن كنتم تحبوني فلا تحولوا بيني وبين الموت والشهادة في سبيل الله، فقال الشيخ الكبير: لك ما أردت إذا وافقت العجوز، فانطلق إليها مقبلاً رأسها وقدميها وقال: أماه! ائذني لي أن أنطلق إلى أرض الجهاد، فإن علي من الذنوب ما لا يكفره إلا أن تسيل كل قطرة من قطرات دمي رخيصة في سبيل الله، فقالت الأم: يا حسان ! لقد فرحنا بك وبعودتك واستقامتك أفتتركنا الآن وترحل؟! قال: أماه! إن كنتم تحبوني فدعوني أنطلق، دعوني أنطلق، قالت بشرط: على أن تكون شفيعاً لنا عند الله يوم القيامة.

فعلى ماذا تربي الأمهات الأبناء اليوم؟ هل تربيهم على حب الله ورسوله؟ وهل تربيهم على بذل كل غالٍ ونفيس لأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؟! فالله المستعان.

فانطلق حسان إلى ساحات القتال والجهاد، وإلى ساحات العزة والكرامة والشرف، وهناك يشعر المؤمن بعزة الإسلام، فالجهاد هو الذي يبدل حال هذه الأمة من ذل إلى عز، ومن ضعف إلى قوة، قال ابن كثير في قوله جل في علاه: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] قال: هو الجهاد الذي يحيي هذه الأمة، ولن يحييها إلا أن تعد نفسها وتبذلها من أجل مرضاة الله، وفي أيام وأشهر قليلة تعلم حسان فنون القتال، فتعلم وأعد نفسه حتى يكون جندياً من جنود الله، وما هي إلا أشهر حتى كان حسان في الاقتحامات وفي المواجهات، ويقولون عنه: ذاك الشجاع المقدام، المفتول العضلات، الطويل القامة، لقد رأينا منه العجب العجاب من صيام وقيام وخدمة، وهكذا حال أولئك الذين يريدون ما عند الله جل في علاه، فإن الحياة ترخص في نظرهم، ويتمنون أمنية واحدة وهي: أن يفوزوا بجنات النعيم، وجوار الرحمن الرحيم.

يقول الشباب: وفي يوم من الأيام كنا على قمة جبل نصد هجوماً عنيفاً علينا، فكان القصف بالطائرات، وأصوات المدافع والدبابات، وكانت ترمي قمة الجبل، فسبحان الله! أخطأت القذائف كل الأهداف ولم تصب إلا حسان ، فرأيناه يسقط من قمة الجبل إلى سفحه بين الصخور، فهرعنا خلفه وأسرعنا إليه في سفح الجبل، فإذا به قد تكسرت عظامه، والدم يقطر من كل جنب منه، فقلنا: كيف أنت يا حسان ؟ فقال بابتسامة: اسكتوا، والله! إني لأسمع صوت الحور العين ينادينني من خلف الجبل.

فهذا هو حسان الذي كان يقول: ما خلقتْ النار إلا لي دخل الرحمة من أوسع أبوابها، وبعد أن كان يناديه منادي الشيطان أصبحت تناديه الحور العين، وأصبحت الحور العين ترقص فرحاً وطرباً وشوقاً للقاء حسان ، لقد غيَّر حسان ؟ حاله، وبدل واستقام فاستقبله الله بأوسع الأبواب: باب التوبة وباب الرحمة، وباب المغفرة، أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:19-24]، فالقضية قضية صبر على الطاعة، والقضية قضية صبر عن المعاصي والمنكرات، والقضية قضية صبر على الأذى في سبيل رب الأرض والسماوات الذي قال: وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان:12-22] أي: إن صبرتم على طاعتي فسعيكم مشكور، وإن صبرتم عن معصيتي فسعيكم مشكور، وإذا صبرتم على الأذى في سبيلي فسعيكم مشكور.

فـحسان الذي كان يقول: ما خلقت النار إلا لي تناديه الحور العين من خلف الجبل:

يا خاطب الحور الحسان وطالباً

لوصالهن بجنة الحيوان

لو كنت تدري من خطبت ومن طلبـ

ـت بذلت ما تحوي من الأثمان

أسرع وحث السير جهدك إنما

مسراك هذا ساعة لزمان

حمر الخدود ثغورهن لآلئ

سود العيون فواتر الأجفان

والبرق يبدو حين يبسم ثغرها

فيضيء سقف القصر بالجدران

ريانة الأعطاف من ماء الشبا

ب فغصنها بالماء ذو جريان

والقدّ منها كالقضيب اللدن في

حسن القوام كأوسط القضبان

لا الظهر يلحقها وليس ثديها

بلواحق للبطن ولا بدوان

لكنهنّ كواعب ونواهد

فثديهنّ كأحسن الرمان

والمعصمان فإن تشأ شبهما

بسبيكتين عليهما كفان

كالزبد ليناً في نعومة ملمس

أصداف درٍ دورت بوزان

الريح مسك والجسوم نواعم

واللون كالياقوت والمرجان

وكلامها يسبي العقول بنغمة

زادت على الأوتار والألحان

يا سلعة الرحمن لستِ رخيصة

بل أنت غالية على الكسلان

يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ

خطاب

عنك وهم ذوو إيمان

يا سلعة الرحمن سوقك كاسد

ولقد عرضت بأبخس الأثمان

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:20-23].

واخترنا لكم ختاماً ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان يصف الصفوف ثم قال لأصحابه: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)، فتتطاير تلك الكلمات إلى أذن ذلك الشاب الذي طالما بات وهو يسأل الله الجنة، (فقال: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخٍ بخٍ، قال: وما حملك على قول بخٍ بخٍ، قال: إلا أن أكون من أهلها، قال: أنت من أهلها، وكان بيده تمرات فرماها وقال: والله! إنها لحياة طويلة إن أنا عشتُ حتى أكل هذه التمرات)، ثم انطلق ولسان حاله:

ركضاً إلى الله بغير زاد

إلا التقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد

إن التقى من أعظم السداد

وكل زاد عرضة النفاذ غير التقى والبر والرشاد

فمن أراد الوصول فعليه بالأصول، فإن لم تكن الأمنية التي نحيا من أجلها هي ما أعده الله فلا خير في هذه الحياة، فهذا ما اخترناه لكم ولكل واحد منا الخيار، فالطريق واضح: إما جنة وإما نار، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3]، وإن نعمة العقل نعمة عظيمة لو استخدمناها الاستخدام الصحيح، فهذه أخبار السابقين واللاحقين، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يلحقنا بهم في جنات النعيم.

اللهم! تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واعف عنا إنك أنت العفو الكريم، وتب علينا يا مولانا! إنك أنت التواب الرحيم.

أستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبة أجمعين.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من حال إلى حال للشيخ : خالد الراشد

https://audio.islamweb.net