أما بعد:
فإننا نذكر الإخوة جميعاً بما أنعم الله به علينا في هذه الجلسة المباركة، وهذا اللقاء المبارك، وهو اللقاء الثالث في شهر صفر من عام (1414هـ) الذي يكون كل يوم خميس.
وهذه النعم الثلاث هي التي أشار الله تعالى إليها في قوله: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4].
فالإطعام من الجوع حاصل، والأمن من الخوف حاصل، وبقي علينا العبادة.
نحن -ولله الحمد- نرى أن بلادنا من خير البلاد الإسلامية، ولكن هل هذه النعم ستبقى، أو تزيد، أو تزول؟
الجواب جاء من عند الله عز وجل قال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] فإن شكرنا الله على هذه النعم، وقمنا بما يجب من حقوق الله، وحقوق عباد الله وأعظمها حقوق الوالدين.
أما حق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه داخل في حق الله، ولهذا تجدون الآيات الكريمات يذكر الله تعالى فيها حقه، ثم حق الوالدين، قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء:36].
فلماذا لم يذكر حق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعظم من حق الوالدين؟
لأنه داخل في حق الله تعالى، إذ أن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن إذا قمنا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أدينا الحق.
وأنا أرى في الساحة اختلافاً، وأرى قيل وقال، فهذا ينصر هذا القول، وهذا ينصر القول المضاد، وهذا ينتحل لهذا الرجل، وهذا ينتحل لرجل آخر، وكل شخص منهم يقف ضد الآخر، وهذا خطر عظيم، ما لنا ولزيدٍ أو لعمروٍ، نحن نتبع الحق أينما كان، ومن أي جهة كانت، وليس الحق مخصوصاً بشخصٍ معين دون شخصٍ آخر، ربما يأتي الحق من رجل كافر، وربما يأتي الحق من رجل فاسق، وربما يفوت الحق رجلاً مؤمناً يخطئ، وكل إنسان خطَّاء.
وقد تستنكرون أن أقول: إن الحق يأتي من رجل كافر! ولكنه يأتي من رجل كافر، ويجب قبوله، أليس الله تعالى يقول: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف:28] فقال الله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف:28] ولم يكذبهم في قولهم: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف:28] لأن قولهم: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف:28] حق فأبطل الله قولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف:28] ولم يبطل قولهم: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف:28] لأنه حق فيجب قبوله ولو كان من كافر، وهذا الرجل اليهودي الذي حدث النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، إلى آخر الحديث هل كذبه الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أو قال: لا نقبل منك لأنك يهودي؟ لا. صدَّقه، وضحك حتى بدت نواجذه تصديقاً لقوله، ثم قرأ قول الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67].
وإذا كان هذا هو الواقع؛ فالواجب علينا أن نتبع الحق أينما كان، وأن نأخذ به من أي مصدر كان.
فما بالنا ننتحل لزيد أو لعمرو ثم نقول: كل ما قاله فهو حق وصواب، وكل ما قاله الآخر فهو باطل وخطأ، فهذا لا يليق بالمؤمن إطلاقاً، اتبع الحق أينما كان، واعلم أن الإنسان قد يأتي بالحق الكثير ثم يخطئ مرة واحدة، أو يأتي بالخطأ الكثير ثم يصيب مرة واحدة، أو يكون خطؤه وصوابه متساويين، وفي الأحوال الثلاث كلها الواجب علينا: أن نأخذ بالحق وندع الباطل، وإذا رأينا من شخص خطأً ونحن نعلم حسن نيته فالواجب الاعتذار عنه لا التشنيع عليه؛ لأن التشنيع بأهل الحق من خصال النفاق، هم الذين إذا أمسكوا على أهل الإيمان خطأً واحداً بنوا عليه أخطاء كثيرة، وشنعوا عليه، وأشاعوا الفاحشة فيه.
أما المؤمن فإذا رأى من شخصٍ خطأً وهو يعرف منه حسن نيته، فإنه يعذره لحسن نيته، فليس كل إنسان يخطئ نعذره في خطئه، يمكن أن يخطئ متعمداً، لكن إذا علمنا حسن نية الرجل، وأن هذا خطأ فادح، وكل ابن آدم خطاء؛ فإن الواجب علينا أن نعذره، وألاَّ نتحدث ونشنع عليه أمام الناس، ثم الواجب علينا تارة أخرى أن نتصل به، ونقول: إنك قلت كذا، أو فعلت كذا، ثم نبين الخطأ، قد يكون الخطأ بفهمنا نحن، ويكون ما قاله هو صحيحاً، وقد يكون الخطأ منه، وإذا كان حسن النية رجع إلى الصواب حتى لو كان أكبر الناس، من لم يتواضع للحق فهو مستكبر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).
فالواجب علينا -أيها الإخوة- ألا يكون همنا القيل والقال، وقال فلان وقال فلان، وفلان على حق، وفلان على خطأ، الواجب علينا أن نتبع الحق أينما كان، وأن نأخذ به من أي مصدر كان، وإذا صدر من شخص خطأ -والإنسان معرض للخطأ- فإنه لا يجوز أن نشنع عليه بهذا الخطأ، بل نعتذر عنه أمام الناس متى علمنا حسن نيته، ثم نتصل به لمناقشته على ما نظن أنه خطأ؛ إذ قد يكون الخطأ منا لا منه، حتى تستقيم الأمة وتكون الكلمة واحدة، ولا يحصل تفرق ولا نزاع، وأنتم تعلمون -بارك الله فيكم- أنه إذا حصل التفرق والتمزق بين الأمة زالت هيبتها، وصارت فريسة للشيطان والهوى، لكن إذا عقدنا العزم على أن نكون يداً واحدة، وأن نكون قلباً واحداً، وأن نكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم مخبراً خبراً يجب أن يطبق: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وبهذا تتم أمورنا وتحسن أحوالنا، نسأل الله أن يتم لنا ذلك بمنه وكرمه.
عمر بن الخطاب
إلىأبو عبيدة بن الجراح
-أمين هذه الأمة- ومنـزلته عالية عند أمير المؤمنينعمر
، حتى أنه لما طُعنعمر
رضي الله عنه قال: [أبو عبيدة
حياً لخلفته على المسلمينأبو عبيدة
إلىعمر
فقال: [عبد الرحمن بن عوف
رضي الله عنه، وكان قد تغيب لحاجة له، فسمع بالخبر فجاء إلى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين! إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون: (البراء
وحديثجابر بن سمرة
، ففي حديثجابر
(جابراً
يقول: (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) فظن أن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول؛ لأنه قال: آخر الأمرين، والحق أنه ليس بناسخ؛ لأن مورد النصين مختلف، وذلك في لحم الإبل نيئاً أو مطبوخاً، وهذا فيما مست النار، ثم ترك ذلك، فيخطئ من يظن أن حديث الوضوء من لحم الإبل منسوخ، المهم أن أسباب الخلاف كثيرة. والمثال الذي ذكره الأخ السائل: وهو صلاة الإنسان منفرداً خلف الصف، للعلماء فيه أقوال متعددة: القول الأول: أن صلاته صحيحة سواء تم الصف الذي أمامه أم لم يتم، ولكنه ترك الأفضل، وهذا مذهبمالك
والشافعي
وأبي حنيفة
، ورواية عن الإمامأحمد
، انظر كيف أن أكثر العلماء على أن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة سواء تم الصف الأول الذي قبله أم لم يتم، يعتبر ثلاثة مذاهب ورواية في مذهب الإمامأحمد
، وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم: (ابن تيمية
رحمه الله، واختيار شيخناعبد الرحمن بن سعدي
فالمهم: أن العلماء والأئمة لا يمكن أن يخالفوا النص مع علمهم بأنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بتأويل أو بخفاء الدليل، أو بظن مرجح في غيره، أو بظن النسخ، فهذه أعذار أهل العلم في مخالفة ما يظهر من النصوص، وأنصح الأخ السائل والمستمعين -أيضاً- بقراءة ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) لشيخ الإسلامابن تيمية
رحمه الله، أو رسالتنا الصغيرة التي ألفناها في هذا الموضوع، وهي (أسباب اختلاف العلماء وموقفنا من ذلك)، ففي ذلك كفاية وفيها أمثلة -أيضاً- تزيدكم علماً، لأن فيها أمثلة لما خالف فيه بعض العلماء ظاهر النص، وأعذار أهل العلم في ذلك.الجواب: وضع القوانين المخالفة للشرع مكان الشرع كفر؛ لأنه رفع للشرع ووضع للطاغوت بدله، وهذا يدخل في قوله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] ولا حجة لمن قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) وهذه قوانين دنيوية نحن ما أتينا الصلاة والعبادات، والنكاح، والفرائض، لكن المعاملة بين الناس هي أمور دنيوية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) فنحن لا نكفر بذلك لأننا لم نرفع الشرع بل تصرفنا وفق الحديث (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؟!!
نقول: لقد ضلوا فيما فهموا؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) في أمر الصناعة، وأمر الحرفة، لو جاء النجار وقال: كيف يصنع الباب؟ هل هو أعلم أم الرسول؟ هل النجار الماهر بالصنعة أعلم كيف يصنع هذا الباب أم النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: النجار؛ لأن الرسول تحدث عن هذا في أمر صناعي، وذلك أنه لما قدم المدينة وجد الناس يصعدون إلى فحل النخل ويأخذون الطلع، ثم يصعدون إلى النخلة ويلقحونها، فكم تعب الإنسان؟ أربع مرات، صعود الفحل والنـزول منه، وصعود النخلة والنـزول منها أربع مرات تقتضي جهداً ووقتاً، فقال لهم: (لو لم تفعلوا لصلح) لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد من المرء أن يكون حازماً، وألا يضيع دقيقة واحدة من عمره إلا في فائدة، فظن أن المسألة ليس فيها فائدة؛ لأنه لم يعش في بلد زراعة ونخيل، أين عاش؟ في مكة في بلد غير ذي زرع، ولا يعرف من هذا شيئاً، فتركوا النخل بدون تلقيح ففسد النخل وخرج البلح شيصاً، فجاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله! فسد النخل، فقال لهم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) أي: أنتم أعلم في الحرفة والصنعة لا في الحلال والحرام، ولهذا نظم الرسول صلى الله عليه وسلم بيع النخل، فقد نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وأطول آية في القرآن تتعلق بالبيع والدين في أمور الدنيا.
فهؤلاء الذين ظنوا أن وضع القوانين المخالفة للشرع في الحكم بين الناس والرجوع إليها عند التنازع أخطئوا في فهم هذا الحديث، والواجب أن يبلغوا أنهم مخطئون؛ فإن أصروا على المخالفة وعلى رفع الحكم الشرعي ووضع القانون بدله فهذا
-والعياذ بالله- كفر.
وأما تعلم الإنسان للقوانين الوضعية، إذا كان يتعلمها من أجل أن يدفع الباطل بالحق؛ فهذا لا بأس به، وإذا كان يتعلمها من أجل أن يتبع ما فيها من القوانين المخالفة للشرع؛ فهذا حرام.
وفي هذا نقول: حتى المحاماة في بلد تحكم الشريعة فيه نقول: إذا كان المحامي يريد إيصال الحق إلى أهله؛ فلا بأس أن يمارس هذه المهنة، وإن كان يريد أن يغلب الناس في قوله ومحاماته بالحق أو بالباطل؛ فهذا حرام.
الجواب: أولاً: النذر مكروه، ويكره للإنسان أن ينذر سواءً على الشفاء، أو على النجاح، أو على حصول شيء ضائع له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن النذر).
ثانياً: إذا نذر نذر طاعة وجب عليه أن يوفي به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) وعلى هذا يجب على الأخ الذي نذر أن يصوم أيام البيض أن يصومها من كل شهر، إلا إذا كانت نيته أن يصومها من الشهر الذي يلي الشهر الذي شفاه الله فيه، فيكتفي بشهر واحد، أما إذا أطلق فيجب أن يصومها كل شهر.
الجواب: والله -يا أخي- إنني أرى أن الواجب على الجميع أن يكونوا إخواناً في الله وأن يكونوا على طريقة السلف ؛ كما قال تعالى ممتناً على المسلمين ومذكراً لهم: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103] وإذا كانوا متآخين على طريق السلف فهذا طريق المؤمنين، أما إذا كان هناك مبادئ وأفكار تخالف ما كان عليه السلف الصالح ؛ فإنه يجب أن تُعدل أو تبدل.
الجواب: الضرورة مثل أن تكون الصورة في النقود، أو في التابعية التي لابد للإنسان من حملها، أو في رخصة القيادة؛ هذه من الضرورات.
فالإنسان لا تهمه هذه الصورة ولا يقع في نفسه أي تعظيم لها، حتى الصور التي في النقود كصور الملوك لا يشعر الإنسان بأنه يعظم هذه الصورة.
الجواب: معناه: إذا شرع في التأمين أو إذا بلغ موضع التأمين فأمنوا؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين) وهذا نص في الموضوع، واللغة العربية قد يطلق فيها الفعل، ويراد الشروع فيه؛ وبعض الناس قال: إن قوله: إذا أمن أي: إذا انتهى من التأمين، وليس كذلك، بل إذا بلغ موضع التأمين فأمنوا، وحديث أبي هريرة في صحيح مسلم يوضح ذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين).
الجواب: موضع دعاء الاستخارة إذا سلم من الركعتين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فليصل ركعتين ثم ليقل..) وذكر الدعاء.
الجواب: أما الأول: فيجب أن نعلم أن من كان مؤمناً ولو كان إيمانه ضعيفاً، فإننا لا نجزم له بدخول النار؛ لقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فهذا الرجل الذي معه كلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله، كان هذا الإخلاص التام مانعاً له من الخلود في النار، ومجوزاً أن يغفر الله له كما في الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] وهذه الآية -كما تعلمون- ذكرت مرتين في سورة النساء.
وأما أحاديث الرجاء كهذا الحديث وغيره فهل يحسن أن تتلى على العوام؟
الجواب: يحسن أن تتلى على العوام مع أحد أمرين: إما أن يُشرح للعوام معناها، وإما أن يذكر معها أحاديث الوعيد حتى لا يغلب عليهم الرجاء فيقعوا في الأمن من مكر الله، ولا الخوف فيقعوا في القنوط من رحمة الله، ولهذا قال عبد الله بن مسعود كلمة جيدة قال: [إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة] فالواجب على الإنسان إذا ذكر مثل هذه الأحاديث أن يشرح معناها حتى لا يتلبس على العوام.
الجواب: هذه الحاجة بينها الله عز وجل في كتابه فقال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] فالناس في حاجة إلى قتال الكفار الآن حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ولكن هل يجب القتال، أو هل يجوز القتال مع عدم القدرة عليه؟
الجواب: لا يجب، بل ولا يجوز أن نقاتل ونحن غير مستعدين له، والدليل على هذا أن الله عز وجل لم يفرض على نبيه وهو في مكة أن يقاتل المشركين، وأن الله أذن لنبيه في صلح الحديبية أن يعاهد المشركين ذلك العهد الذي إذا تلاه الإنسان ظن أن فيه خذلاناً للمسلمين.
كثير منكم يعرف كيف كان صلح الحديبية حتى قال عمر بن الخطاب : (يا رسول الله! ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعط الدنّية في ديننا؟) فظن هذا خذلاناً، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك أنه أفقه من عمر ، وأن الله تعالى أذن له في ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: (إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري).
انظر الثقة الكاملة في هذه الحالة الضنكة الحرجة، يعلن هذا ويقول: (لست أعصيه، وهو ناصري) سيكون ناصراً لي، وإن كان ظاهر الصلح أنه خذلان للمسلمين، وهذا يدلنا على مسألة مهمة، وهي: قوة ثقة المؤمن بربه، فهذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحال الحرجة يقول: (وهو ناصري).
وفي قصة موسى عليه السلام لما لحقه فرعون وجنوده وكان أمامهم البحر وخلفهم فرعون وجنوده، ماذا قال أصحابه؟ قالوا: إنا مدركون، قال: كلا. لا يمكن أن ندرك إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] سيهديني لشيء يكون فيه الإنقاذ، وحصل الإنقاذ وحصل هلاك فرعون وقومه.
فالمهم: أنه يجب على المسلمين الجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ولا يستطيعون جهاد الكفار، حتى ولا جهاد مدافعة في الواقع. جهاد المهاجمة -لا شك- أنه الآن غير ممكن حتى يأتي الله عز وجل بأمة واعية تستعد إيماناً ونفسياً ثم عسكرياً، أما ونحن على هذا الوضع فلا يمكن أن نجاهد أعداءنا، ولذلك انظر إلى إخواننا في جمهورية البوسنة والهرسك ماذا يفعل بهم النصارى؛ يمزقونهم أشلاءً، وينتهكون حرماتهم، وقيل لنا: إنهم يذبحون الطفل أمام أمه، ويجبرونها على أن تشرب من دمه، نعوذ بالله! شيء لا يتصور الإنسان أنه يقع، ومع ذلك فإن الأمم النصرانية تماطل وتتساهل وتعد وتُخلف؛ والأمة الإسلامية ليس لها إلا التنديد القولي دون الفعلي، من بعضها لا من كلها، وإلا فلو أن الأمة الإسلامية فعلت شيئاً ولو قليلاً مما تقدر عليه لأثر ذلك، لكن مع الأسف أننا نقف وكأننا متفرجون لاسيما بعض ولاة الأمور في الأمة الإسلامية، الشعوب معها شعور، معها حركة قلبية، لكن لا يكفي هذا، والله إن الإنسان كلما ذكر إخوانه هناك تألم لهم ألماً شديداً، لكن ماذا نعمل؟ نشكو إلى الله عز وجل، ونسأل الله تعالى أن يقيم علم الجهاد في الأمة الإسلامية حتى نقاتل أعداءنا وأعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا.
فالآن الخلاصة في الجواب: أن الجهاد واجب (حتى لا تكون فتنة) أي: صد عن سبيل الله، ولا يستطيع أعداء المسلمين أن يدعوا لدينهم، ويكون الدين كله لله، ولكن هذا بشرط أن يكون عندنا قدرة، وليس عندنا الآن قدرة، حتى ولا قدرة الدفاع مع الأسف، فكيف بقدرة المهاجمة، ولما كان المسلمون على الحق، ويعتمدون على رب العزة والجلال، ويمسكون المصحف بيد والرمح بيد، ويقدمون المصحف على الرمح فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وبدأ الناس يأتون إليهم من كل جانب إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً [النصر:1-2].
فبدأ الناس يقبلون على الإسلام؛ لأن الإسلام دين الفطرة، والقيم العالية، والأخلاق الفاضلة، فلو عرض للناس، وصور لهم نظرياً وتطبيقياً؛ ما أرادوا سواه، لكن -مع الأسف- المسلمون اليوم أكثر همهم ماذا عندك من المال؟ وكيف قصرك وبيتك؟ وكيف سيارتك؟ هذا أكثر حال الناس -مع الأسف- ولهذا تجد الغش في المعاملات، والكذب، والخداع، والمكر وكل شيء؛ لأن الناس شغلوا بما خلق لهم عما خلقوا له، نحن خلقنا للعبادة، وخلق لنا ما في الأرض جميعاً؛ فشغلنا بما خلق لنا عما خلقنا له، نسأل الله أن يحيينا وإياكم حياة طيبة، وأن يبدل الحال بخير منه.
الجواب: أعتقد أنك لو صليت في الحجر وظهرك إلى الكعبة لعدك الناس مجنوناً، لكن من الناحية النظرية لو أن الإنسان في الحجر وصلى إلى الجهة الشرقية منه أو الغربية لكفى؛ لأنه يصلي إلى جدار، والحجر من الكعبة.
أما أن يجعل الكعبة وراء ظهره، ويتجه إلى الشمال فإنه لا يجزئه؛ لأن جدار الحجر الشمالي ليس من الكعبة إذ أن الحجر ليس كله من الكعبة، بل من الكعبة مقدار ستة أذرع ونصف تقريباً.
وأما إذا جعلت الكعبة عن يسارك أو عن يمينك إلى الجدار الشرقي أو الغربي من الحجر الداخلي في حدود الكعبة، فإن ذلك يجزئك إن كانت الصلاة نفلاً، ولا يجزئك في الفريضة هذا هو القول المشهور عند أصحاب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ولكن القول الصحيح أنها تجزئ الفريضة والنافلة إلا أنه ليس من المستحسن أن تدع الكعبة القائمة عن يمينك أو شمالك وتصلي إلى جدار من الحجر.
الجواب: تحجير الأماكن في المساجد يرى بعض العلماء أنها جائزة مطلقاً سواءً كان الإنسان في المسجد أو خارج المسجد، وهذا هو المشهور عند الحنابلة في كتب الفقه، أنه يجوز للإنسان أن يتحجر ومتى جاء دخل في مكانه، ولكن الصحيح أن هذا حرام، وأنه لا يجوز أن يتحجر؛ لأنه يمنع غيره مما هو أحق به منه؛ ولأن ذلك يؤدي إلى أن يتراخى هو أيضاً في الحضور؛ لأنه إذا اطمأن أن مكانه في الصف الأول تهاون ولم يأت إلا متأخراً؛ ولأنه يترتب عليه -أحياناً- أن يؤذي المصلين بتخطي رقابهم إذا لم يكن للمسجد مدخل من الأمام، هذا الذي نراه في هذه المسألة.
أما إذا كان الإنسان في المسجد بأن يضع شيئاً يحجز به المكان وهو في المسجد فهذا لا بأس به بشرط ألا يلزم منه التخطي لرقاب الناس، وعلى هذا إذا حجزت مكاناً في الصف الأول، ثم وصل الثاني إلى مكانك وحاذاه؛ فإنه يجب عليك أن تتقدم لئلا تتخطى رقاب الناس، ما لم يكن للمسجد مدخل من الأمام تدخل منه، فالصحيح في هذه المسألة التفصيل، وهو: أن من كان في المسجد فلا حرج عليه؛ لأنه حصل له التقدم، ولكن ربما يقوم بعض الناس حيث يرى أن ابتعاده عن الناس أخشع له في صلاته، أو ربما يكون ممن يجهرون بالقراءة فلا يحب أن يبقى في الصف الأول فيشوش على الناس، أو يحب أن يكون له مذاكرة في درس من الدروس يجب أن يكون بعيداً عن الصف، أو غير ذلك من الأغراض، فإذا أقيمت الصلاة تقدم إلى مكانه.
الجواب: أولاً: لا بد أن نعرف من هم المرجئة ؟
المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان عمل القلب، ولكن قولهم هذا باطل لا شك فيه؛ لأن النصوص تدل على أن الإنسان إذا عصى الله عز وجل نقص إيمانه، وأما العذر بالجهل فهذا مقتضى عموم النصوص، ولا يستطيع أحد أن يأتي بدليل يدل على أن الإنسان لا يعذر بالجهل، قال الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:15] وقال تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] ولولا العذر بالجهل لم يكن للرسل فائدة، ولكان الناس يلزمون بمقتضى الفطرة ولا حاجة لإرسال الرسل، فالعذر بالجهل هو مقتضى أدلة الكتاب والسنة، وقد نص على ذلك أئمة أهل العلم: كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، لكن قد يكون الإنسان مفرطاً في طلب العلم فيأثم من هذه الناحية أي: أنه قد يتيسر له أن يتعلم؛ لكن لا يهتم، أو يقال له: هذا حرام؛ ولكن لا يهتم، فهنا يكون مقصراً من هذه الناحية، ويأثم بذلك.
أما رجل عاش بين أناس يفعلون المعصية، ولا يرون إلا أنها مباحة ثم نقول: هذا يأثم، وهو لم تبلغه الرسالة هذا بعيد، ونحن في الحقيقة -يا إخواني- لسنا نحكم بمقتضى عواطفنا إنما نحكم بما تقتضيه الشريعة، والرب عز وجل يقول: (إن رحمتي سبقت غضبي) فكيف نؤاخذ إنساناً بجهله وهو لم يطرأ على باله أن هذا حرام، بل إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قال: نحن لا نكفر الذين وضعوا صنماً على قبر عبد القادر الجيلاني وعلى قبر البدوي لجهلهم وعدم تنبيههم.
والمرجئة لم أعلم أن أحداً أخرجهم من الإسلام، وهم لا شك أنهم مخطئون، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، كما يدل على ذلك نصوص كثيرة، وأن عدم عمل الصالحات ينقص من الإيمان.
من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر