أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:10-16].
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الزمر:10]. هذه الآيات تضمنت توجيهات ربانية وإرشادات إلهية للرسول وأمته، إذ قال تعالى وهو يخاطبه صلى الله عليه وسلم: قل يا رسولنا: يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ [الزمر:10]. فأعلم الله! الذين آمنوا واتقوا ربهم بأن لهم في الدنيا حسنة وأرض الله واسعة، وجملة أرض الله واسعة تشير إلى أنهم مضطرون إلى الهجرة؛ لكونهم كانوا يضايقون في مكة، ولا يسمح لهم بالعبادة فيها، فشرع الله تعالى لهم الهجرة وأوجبها عليهم، فإذا منع العبد من عبادة ربه بسبب من الأسباب يجب أن يهجر ذلك المكان إلى مكان آخر؛ ليعبد الله تعالى فيه، فإننا إنما خلقنا لعبادة ربنا، وقد خلق كل شيء من أجلنا،قال تعالى في الحديث القدسي: ( يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك وخلقتك من أجلي ). أي: من أجل أن نذكره ونشكره بعبادته، فإذا صرفنا عن هذه العبادة يجب أن نهجر ذلك المكان وننتقل إلى مكان آخر.
والتقوى: التي يتقي بها الإنسان عذاب الله بعد الإيمان طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بفعل الأوامر واجتناب النواهي، وغير المؤمن لا يتقي ولا تقبل له تقوى.
وقوله: اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الزمر:10]. أي: خافوه وارهبوه واخشوه وأطيعوه، فالله تعالى لا يُتقى بالجبال العالية، ولا بالحصون ولا بالجيوش، وإنما يُتقى بطاعته وطاعة رسوله، وبذلك نقي أنفسنا من عذاب الله وسخطه علينا.
ثم قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ [الزمر:10]. أي: الذين أحسنوا عبادة ربهم وأجادوها وأتموها على الوجه المطلوب لهم حسنة في الدنيا، وبالفعل لقد خرجوا من مكة فجاءوا إلى المدينة وما هي إلا سنيات أقل من عشر سنين حتى صاروا سادة الدنيا.
وقوله: وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ [الزمر:10]. أي: إذا اضطهدتم في مكة فهاجروا إلى المدينة.
فيا عبد الله! إذا كنت في قرية، أو في مدينة، أو في بلد، أو في إقليم، فلم تستطع أن تعبد الله فيه، وجب عليك الهجرة، إلى مكان تتمكن فيه من عبادة الله عز وجل، يقول تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:100].
ثم قال: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]. وهذه بشرى لمن هاجروا وثبتوا وصبروا على طاعة الله ولم يفارقوها أبداً، فهؤلاء أجرهم بدون حساب، ألا وهو الجنة دار السلام، دار الأبرار والنعيم المقيم.
وهذه بشرى زفها تعالى لعباده المؤمنين، وأنواع الصبر ثلاثة:
أولاً: صبر على عبادة الله بأن يلازمها ولا يفارقها.
ثانياً: صبر عن معصية الله، فيبتعد عنها ويتركها.
ثالثاً: صبر على البلاء، فيثبت ويستعن بالله عز وجل والله وسيثبته، فلا يجزع ولا يسخط ولا يغضب ولا يترك عبادة الله؛ لأنه أصيب ببلاء كمرض أو فقر أو كذا.
والرسول صلى الله عليه وسلم حين كان ينزل عليه هذا كان في حاجة إليه؛ لأنه كان في ضغط عجيب واضطهاد لا حد له، إذ كان المشركون يسخرون ويستهزئون به، ويحاولون قتله، فيوحي الله إليه بهذا ليثبت ويصبر.
والإسلام معناه: إسلام القلب والجوارح لله، فتسلم قلبك فلا يتقلب إلا في طلب رضا الله، وتسلم جوارحك لله فلا تنظر إلا لله ولا تأكل إلا لله ولا تشرب إلا لله، ولا تبني ولا تهدم إلا لله، ولا تتزوج ولا تطلق إلا لله، وهذا هو الإسلام. فتأكل وتشرب من أجل أن تعبد الله، وتتزوج من أجل أن تصون نفسك عن معصية الله، وتطلق لأنك تأذيت أو آذيت مؤمنة، وحياة المؤمن وقف على الله، وقد جاء ذلك مبيناً في سورة الأنعام: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].
فليكن جلسونا لنتعلم كتاب الله لله فقط، وإذا انصرفنا انصرفنا إلى عبادة لله، وينبغي أن نأكل ونشرب بنية أن تقوم حياتنا لله، هذا هو معنى الإسلام.
فلم يرض الله تعالى بهذا وقال له: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر:14]. أي: فلا أعبد معه غيره أبداً، بكل ما تعبدني الله به من كلمة لا إله إلا الله إلى الصلاة والزكاة والرباط والجهاد، فلا أدعو غير الله، ولا أستغيث بغير الله، ولا أستعيذ بغير الله، ولا أركع ولا أسجد إلا لله.
ثم قال له: قُلْ [الزمر:15]. هذه توجيهات ربانية عجيبة، تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يطيق ما لا يستطيعه أحد، فلا يستطيع أحد أن يصبر صبره صلى الله عليه وسلم، ومن شك في ذلك؛ فليقم يدعو في قرية فقط ويثبت على كلام الناس في عرضه، وعلى السب والشتم، بل والقتل أيضاً.
وقوله: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ ، هم ليسوا الذين خسروا بعيراً أو ناقةً أو دابةً أو شاةً أو ديناراً أو درهماً.
ولكنهم: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]. فخسر نفسه حين ألقيت في الجحيم فلا تخرج منه أبداً، وخسر أهله فلا يجد ولداً ولا ابناً ولا أماً ولا أباً، ولا زوجةً هذا هو الخسران الواضح البين الذي لا شك فيه.
وقوله تعالى: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:16]. أي: هذا الذي سمعتم يخوف الله به عباده؛ ليؤمنون ويسلموا، فينجو ويسعدوا، ويخلدوا في الجنة دار النعيم المقيم، وهيهات أن تجد مؤمناً صادق الإيمان يسمع هذا ولا يخاف الله، ولا يخشاه، ولا يتقه ولا يطيعه.
والله تعالى أسأل أن يرزقنا الإيمان وصالح الأعمال، وأن يتوفنا مسلمين وأن يلحقنا بالصالحين.
[ من هداية هذه الآيات:
أولاً: بيان عناية الله تعالى برسوله والمؤمنين إذ أرشدهم إلى ما يكملهم ويسعدهم ] حتى يهتدوا الهداية الكاملة، ويكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة، فقد نزلت هذه الآيات بعناية الله لتحمل المؤمنين على الصبر والطاعة ليكملوا ويسعدوا، وليثبت رسوله على تبليغ دعوته حتى يبلغها، وقد ثبت وسعد صلى الله عليه وسلم.
[ ثانياً: وجوب التقوى والصبر على الأذى في ذلك ] والتقوى هي: الصبر على طاعة الله ورسوله، وتقوى الله ليس بالجيوش الجرارة ولا بالحصون العالية ولا بالسحر وإنما هي بطاعته وطاعة رسوله، بفعل الأوامر وترك النواهي، ولا يوجد آلة أخرى أبداً للتقوى غير هذه.
[ ثالثاً: تقرير التوحيد بأن يعبد الله وحده ] ولا يعبد معه لا عيسى ولا أمه، ولا جبريل ولا ميكائيل، ولا عبد القادر ، ولا البدوي ، ولا إدريس، ولا أحداً من الجن أو الإنس أو الملائكة، فلا يُعبد إلا الله، فليس عندنا إلا الله نحبه ونخافه فإذا قال لنا: صوموا صمنا، وإذا قال لنا: أفطروا أفطرنا، وإذا قال لنا: بروا بوالديكم بررنا، وإذا قال لنا: أدو المعروف أديناه، وإذا قال لنا: لا تغتابوا لن نغتاب، وإذ قال لنا: لا تأكلوا الحرام لن نأكله، فهذه هي عبادتنا التي تعبدنا الله بها، ودلت عليها الآيات.
[ رابعاً: فضل الإسلام وشرف المسلمين ] وأقسم لكم بالله لو نأخذ واحداً منكم الآن ونضعه في كفة ميزان، ونضع كل من في الصين واليابان والأمريكان وأوروبا من الكافرين في كفة، والله لرجحت كفة هذا المؤمن عند الله عز وجل بهم، فمؤمن واحد صادق الإيمان يوضع في كفة ميزان والعالم الكافر كله في الكفة الأخرى سترجح كفة المؤمن بهم جميعاً.لقد كان المؤمنون يدفعون بأنفسهم ويضحون بها من أجل أن يؤمنوا، وكانوا يموتون أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وهم صابرون، ليبقى الإيمان في قلوبهم فيكملوا ويسعدوا في الدارين.
[ خامساً: تقرير البعث والجزاء ببيان شيء من أهوال الآخرة وعذاب النار فيها ] والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة وهو من أعظمها، فنؤمن بأننا بعد موتنا نسأل ونستجوب ونجزى بعملنا في هذه الدنيا، وقد قررته هذه الآيات، وأركان الإيمان ستة هي: الإيمان بالله، وبملائكته، وبكتبه، وبرسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره شره والشاهد: هو وباليوم الآخر،وهو آخر يوم، لن يبقى بعده نهار ولا ليل أبداً ، وستنتهي هذه الحياة نهائياً.
[ سادساً: كل خسران في الدنيا إذا قيس بخسران الآخرة لا يعد خسراناً أبداً ] وخسران الدنيا هو: إما فقد ولد، أو موت زوجة، أو ذهاب مال أو وظيفة وهكذا، وهذا لا يقاس بخسران الآخرة، إذ يُلقى الخاسر فيها في عالم لا يرى فيه أباً ولا أماً ولا أخاً ولا أختاً، مليارات السنين وهو يُعذب في طعامه وشرابه ولباسه أبد الدهر، فلا خسران أعظم من هذا، ولهذا قال تعالى: (( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )).
من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر