قال تعالى:
تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 
[فصلت:2]، أي: القرآن الكريم المؤلف من مثل هذه الحروف تنزل من الرحمن الرحيم، أي: من الله عز وجل؛ إذ هو الرحمن الرحيم.
والرحمن هو: الذي رحمته عمت وغطت كل شيء، والرحيم: الذي خص رحمته بأوليائه. فلهذا كلمة الرحمن أعم، فالرحمن رحمان الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة. ولا بأس بهذا التأويل.
أو نقول: الرحمن عظيم الرحمة كثيرها، والرحيم الذي يرحم أولياءه وعباده. وقد جاء في الحديث: أن الله عز وجل قسّم الرحمة إلى مائة قسم، فادخر لأوليائه في الجنة تسعة وتسعين قسماً، وقسم واحد أنزله في الأرض، فإذا الخليقة البشرية تتراحم به، بل حتى الفرس ترفع حافرها رحمة بمهره ألا تطأه. فهذا جزء من مائة رحمة، وهذا الجزء من الرحمة هو الذي بين الناس، فقد غرزه الله في القلوب. فانظر إلى الدجاجة تعلم أفراخها كيف ينقرون الحب، وشاهد الشاة لما ترضع خروفها، فإنها تتطامن وتنزل إليه ليرضع.
وهذه الرحمة غرزها في القلوب وأوجدها في النفوس الله عز وجل، ولا أحد ينكر هذه الرحمة.
إذاً: هو الرحمن لا غيره، وهو الرحيم حقاً لا غيره، فآمنوا به ووحدوه، واسمعوا كلامه واتبعوه، واتبعوا شرعه واعملوا به، وطبقوه إن كنتم مؤمنين، فهو
تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[فصلت:2]، أي: هذا القرآن منزل من عند الله الرحمن الرحيم. إذاً: فالقرآن كله رحمة، وما من أمة آمنت بالقرآن وعملت بما فيه إلا رحمها الله؛ إذ كله رحمة في دنياها وفي أخراها.
قال تعالى:
كِتَابٌ 
[فصلت:3] وهو القرآن
فُصِّلَتْ آيَاتُهُ 
[فصلت:3]، وبينت ووضحت وشرحت بعضها البعض، ووالله لآيات القرآن مبينة، وبعضها يبين البعض الآخر، فهي مفصلة تفصيلاً كاملاً.
والآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة. وكل آية منها تدل على وجود الله، وأنه لا إله إلا هو، ولا رب سواه، وعلى أن من نزلت عليه رسول الله، وعلى أن من آمن بها دخل الجنة مع أولياء الله.
وآيات القرآن ستة آلاف ومائتان وأربعون آية، وهي مفصلة ومبينة، وتشرح بعضها بعضاً، وتبينها تبييناً كاملاً، فهي مبينات واضحة.
ثم قال:
قُرْآنًا عَرَبِيًّا
[فصلت:3]، أي: أنزلناه بلسان العرب، كما قال تعالى:
قُرْآنًا عَرَبِيًّا
[فصلت:3]. وهو كذلك. فالقرآن نزل بلغة العرب لا بلغة العجم على اختلافها وتنوعها، فهو قرآن عربي
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[فصلت:3] تلك اللغة، ويعرفون بيانها وبلاغتها وفصاحتها.
فلهذا ينبغي على المسلم أن يتعلم اللغة العربية. وهو يقبل منه إسلامه على ما هو عليه من أي لغة، ولكن ينبغي أن يتعلم اللغة العربية؛ ليعرف كتاب الله وما فيه، وليعلم شرع الله علماً صحيحاً، مأخوذاً من الكتاب ومن سنة محمد صلى الله عليه وسلم.
لو أن شخصاً قال: أنا لن أتعلم العربية فلن يكمل أبداً ولن يسعد. وانظر إلى البخاري ، فهو عجمي من بخارى، وقد كان يشرح المفردات القرآنية؛ رغبة في ذلك وحباً له.
وما دام القرآن عربياً فعلى المسلمين عرباً وعجماً أن يتعلموه، ويتعلموا لغته، والسر في ذلك يعلمه الله عز وجل، ومن الجائز أنه لو كان القرآن بلغة العجم أنه ما ينتشر ولا ينتقل من بلد إلى بلد، ولكن القرآن ساد العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ولكنه
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[فصلت:3] هذه اللغة، ويعرفون معانيها، ويعرفون بيانها وفصاحتها. فعلى المسلمين أن يعرفوا هذه اللغة، وأن يتعلموها، وهي سهلة ميسرة.
قال تعالى:
بَشِيرًا وَنَذِيرًا 
[فصلت:4]، فالقرآن بشير يبشر أولياء الله برضا الله وبحب الله لهم، وبجوار الله في النعيم المقيم في دار السلام دار الأبرار. فهو يبشر أولياءه بالنصر في الدنيا، والطهر والصفاء، والعز والكرامة في الدنيا والله العظيم، ونذيراً، فهو ينذر ويخوف الكافرين والملاحدة، والعلمانيين والمشركين، والضلال والهابطين، فهو ينذرهم من عذاب الدنيا وخزيها، ومن عذاب الآخرة وشقائها، والعياذ بالله. وهو والله لكما أخبر تعالى من أن القرآن بشير ونذير، فهو يبشر أهل الإيمان والتوحيد والعمل الصالح برضا الله، وما يتبعه من نعيم مقيم في الجنة، وما عليه المؤمنون الصادقون في الدنيا من طهر وصفاء، وحب ونقاء، وينذر أهل الشرك والكفر والفساد بخزي الدنيا وعذاب الآخرة. وتتبعوا آياته فستجدونها هكذا تنذر وتبشر، كما قال تعالى:
بَشِيرًا وَنَذِيرًا 
[فصلت:4]. فالقرآن يبشر المؤمنين وينذر الكافرين، ويبشر الصالحين وينذر المفسدين، ويبشر الطيبين وينذر الخبيثين، وهكذا. فهو
بَشِيرًا وَنَذِيرًا 
[فصلت:4].
إعراض الكافرين عن القرآن الكريم
قال تعالى:
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ 
[فصلت:4]. والله لقد كان كفار قريش هكذا في مكة. والآن أكثر العالم هكذا. والمسلمون نسبتهم (1%) في العالم، والعالم كله في الشرق والغرب معرضون ولا يسمعون.
وسبحان الله! فالقرآن الآن يقرأ في لندن .. في تل أبيب .. في نيويورك .. في موسكو .. في الصين، وهم ما يريدون أن يسمعوه، فهو يقرأ في الإذاعة ولا يصغون له، ولا يقولون: يجب أن نفهم هذا الكلام، ولا اذهبوا إلى العرب في كذا وكذا؛ حتى تعلموا. وهذا لأن الله كتب شقاوتهم، وأنهم أهل جهنم، والعياذ بالله. ومن كتب سعادته فهو يتعلم ويبحث، ويسافر ويتعلم.
وقوله:
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ
[فصلت:4]، أي: فأعرض أكثر من في مكة من قريش ومن العرب، والآن من العالم أكثرهم لا يسمعون القرآن، ولا يريدون أن يسمعوه. فقد كانوا في مكة إذا سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن يغلقون آذانهم، ولا يريدون أن يسمعوا. وأكثرهم لا يسمعون هذا القرآن؛ لبغضهم وكفرهم، وفسادهم وخبثهم، فهم ما يريدون أن يسمعوا هذا الكلام الإلهي.
هداية الآيات
قال: [ هداية الآيات ] الآن نسمع هداية الآيات.
[ من هداية ] هذه [ الآيات:
أولاً: تعين تعلم اللغة العربية على كل مسلم يريد أن يفهم كلام الله القرآن العظيم ] ويريد أن يعرف الإسلام، ويعبد الله به. فهذه الآية دلت على أن كل مسلم يجب عليه أن يتعلم اللغة العربية، وليس شرطاً تعلم الفصاحة والبلاغة والبيان، بل يتعلم اللغة حتى ينطق بها، ويفهم كلام الله عز وجل. فهذا واجب. ولولا هذا الوجوب لكانت العربية محصورة في الجزيرة، ولما انتشرت في الشرق والغرب. وشاهد هذا قول الأصوليين: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فهذا دليل أصولي من علم الأصول في الشريعة، وهو ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فهذه قاعدة عامة. فالماء لا يتم الوضوء بدونه، إذاً: يجب أن تحضر الماء، وكذلك واجب أن تستر عورتك في الصلاة، إذاً: يجب أن تحضر ثوباً وسروالاً تستر به، وهكذا. فهذه قاعدة عامة عند الأصوليين، وهي أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[ ثانياً: اشتمال القرآن على أسلوب الترغيب والترهيب، وهي البشارة والنذارة ] فهو يبشر فيرغب، وينذر فيخوف. وسبحان الله العظيم!
[ ثالثاً ] وأخيراً: [ بيان شدة عداوة المشركين للتوحيد والداعين إليه في كل زمان ومكان ] فهم ما يريدون أن يسمعوا توحيد الله؛ لأنهم ألفوا الشرك والخرافة والضلالة، ويريدون أن يبقوا عليها، ويكرهون الموحدين والدعاة إلى التوحيد إلى اليوم والله إلى يوم القيامة.