إسلام ويب

تفسير سورة فصلت (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من كتب الله عليه الشقاوة الأبدية والضلالة السرمدية لا ينتفع بسماع الحق ورؤية آيات الصدق، أما إذا رأى اللهو والباطل فإنه يخوض فيه خوضاً، وقد بين الله حال أهل مكة وأن أكثرهم سيعرضون عن الدعوة ويرفضون الحق، وذلك لما في قلوبهم من الظلمة والقسوة، ولما في عقولهم وآذانهم من الصدأ والوقر، فلا يقبلون بشارة بأجر أو فضل، ولا يخشون نذارة من عقاب الله الحكم العدل.
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    ها نحن الليلة مع سورة فصلت، وهي من الحواميم، وهي الثانية منها، وهي مكية، وآياتها أربع وخمسون آية. والسورة المكية معناها: أنها نزلت في مكة المكرمة، والمدنية نزلت بالمدينة.

    وهيا نحن نصغي ونستمع لهذه الآيات الخمس مجودة مرتلة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:1-5].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: حم [فصلت:1]، هذان حرفان، وهما الحاء والميم، وتكتب الحاء لاصقة بالميم، وتقرأ حم [فصلت:1]. وهذه هي المعروفة بالحروف المقطعة، ومنها ما هي حروف أحادية كـ ن و ق و ص ، ومنها الثنائية كـ حم و يس و طه ، ومنها الثلاثية كـ طسم ، والرباعية كـ المر ، ومنها الخماسية كـ كهيعص .

    وأهل العلم مجمعون على أن يقولوا في هذه الحروف المقطعة: الله أعلم بمراده بها، ويفوضون أمر فهمها لربنا عز وجل، وأنها سر من أسرار الله في كتابه. وتكلم من تكلم في معناها، وقال من قال، ولكن لا قيمة لما قالوا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبينها ولم يفسرها. فيجب الائتساء بالمصطفى، فنقول: الله أعلم بمراده بها.

    من فوائد الحروف المقطعة

    هناك فائدتان استنبطتا واستخرجتا من هذه الحروف، ونحن نرددها دائماً للسامعين والسامعات.

    الفائدة الأولى: لما أعرض المشركون عن سماع القرآن كما تسمعون، وكانوا يغلقون آذانهم، وكانوا لا يجلسون مجلساً فيه القرآن، ولا يريدون أن يسمعوه، ثم لما كانت هذه الحروف تفتح بها السور مثل طسم كان يضطر أحدهم إلى أن يسمع؛ لأنه ما سمع هذه الحروف قط في تاريخه، وما كانت العرب تقولها ولا تعرفها، فيضطر إلى أن يصغي ويسمع، فإذا أصغى واستمع دخل القرآن بنوره في قلبه. وهذه فائدة عظيمة.

    الفائدة الثانية: لما ادعى المشركون أنهم يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وقالوا: إن هذا القرآن شعر، وقالوا فيه ما قالوا، فقد قالوا عنه: أساطير وحكايات، فتحداهم الله عز وجل، فأخبرهم أن هذا القرآن مركب من هذه الحروف مثل: حاء .. ميم .. عين .. صاد .. كاف .. قاف، فركبوا أنتم مثله قرآناً، وتحداهم بأن يأتوا بمثل القرآن ومعهم الجن أيضاً، فعجزوا وما استطاعوا أبداً أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولو ناصرتهم وأعانتهم الجن.

    فلما عجزوا عاد ثانياً وتحداهم بأن يأتوا بعشر سور فقط من مثل القرآن، فقال: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [هود:13]. ووالله إنهم عجزوا أيضاً، فتحداهم بسورة واحدة مركبة من هذه الحروف طسم .. حم .. عسق ، فما استطاعوا وعجزوا. إذاً: فقولوا: آمنا بالله ما دمتم عجزتم على أن تأتوا بسورة فقط. والقرآن مائة وأربعة عشر سورة أنزلها الله على رسوله، فآمنوا بأنه كلام الله ووحيه وكتابه، أنزله على رسوله، فأنتم عاجزون على أن تأتوا بسورة من مثله.

    هاتان الفائدتان نذكرهما دائماً نقلاً عن أهل العلم من السلف الصالح؛ فلنستفيد منهما. وأما تفسير حم [فصلت:1] فالله أعلم بمراده، ولا نقول أكثر من هذا.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3087748520

    عدد مرات الحفظ

    773847146