إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [11]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذا اللقاء عبارة عن تفسير بعض آيات من سورة النبأ والتي احتوت على ذكر ما أعده الله عز وجل من أنواع العذاب للكفار، فذكر تعالى أنهم لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، وأيضاً كما ذكر الله ما أعده لأهل عصيانه ذكر ما أعده لأهل طاعته من النعيم، لأن القرآن مثاني إذا ذكر فيه العقاب ذكر فيه الثواب.

    1.   

    تفسير آيات من سورة النبأ

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فإن هذا هو اللقاء الثاني لشهر جمادى الأولى، الموافق ليوم الخميس الحادي عشر من هذا الشهر، عام (1413هـ)، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل في هذه اللقاءات بركة ونفعاً لنا وللمسلمين.

    نُتمم ما نحن سائرون فيه من التفسير، وقد تكلمنا على قوله تعالى في سورة النبأ عن الطاغين، وأن جهنم كانت مآبهم، وأنهم لابثون فيها أحقاباً، لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً [النبأ:24-25].

    تكلمنا على قوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً[النبأ:24] وقلنا: إن الله سبحانه وتعالى نفى عنهم البرد الذي تبرد به ظواهر أبدانهم، والشراب الذي تبرد به أجوافهم.

    تفسير قوله تعالى: (إلا حميماً وغساقاً)

    ثم قال تعالى: إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً [النبأ:25] وهذا الاستثناء منقطع عند النحويين؛ لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، والمعنى: ليس لهم إلا هذا، الحميم: وهو الماء الحار المنتهي في الحرارة إلى ما ذكرناه سابقاً بأنهم يغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه، وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15]، وغساقاً؛ قال المفسرون: إن الغساق هو: شراب منتن الرائحة شديد البرودة، فيجمع لهم -والعياذ بالله- بين الماء الحار الشديد الحرارة، والماء البارد الشديد البرودة، ليذوقوا العذاب من الناحيتين: من ناحية الحرارة، ومن ناحية البرودة، بل إن بعض أهل التفسير قالوا: إن المراد بالغساق: صديد أهل النار وما يخرج من أجوافهم من النتن والعرق وغير ذلك.

    وعلى كل حال فالآية الكريمة تدل على أنهم لا يذوقون إلا هذا الشراب الذي يقطع أمعاءهم من حرارته، ويفطر أكبادهم من برودته -نسأل الله العافية- وإذا اجتمعت هذه الأنواع من العذاب كان ذلك زيادة في مضاعفة العذاب عليهم.

    تفسير قوله تعالى: (جزاءً وفاقاً)

    ثم قال تعالى: جَزَاءً وِفَاقاً [النبأ:26]، أي: يجزون بذلك جزاءً موافقاً لأعمالهم، من غير أن يظلموا، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44]، فهذا الجزاء موافق ومطابق لأعمالهم.

    تفسير قوله تعالى: (إنهم كانوا لا يرجون حساباً)

    ثم بين وجه الموافقة، أي: موافقة هذا العذاب للأعمال فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً [النبأ:27-28]، فذكر انحرافهم في العقيدة وانحرافهم في القول، إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً أي: كانوا لا يأملون أن يحاسبوا، بل ينكرون الحساب وينكرون البعث، يقولون: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، فلا يرجون حساباً يحاسبون به؛ لأنهم ينكرون ذلك، هذه عقيدة قلوبهم.

    أما ألسنتهم فيكذبون .. يقولون: هذا كذب .. هذا سحر .. هذا جنون، وما أشبه ذلك، كما تقرءون في كتاب الله ما يصف به هؤلاء المكذبون رسل الله، كما قال الله عز وجل: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات:52]، وقال الله تعالى عن المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم: وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ص:4]، وقالوا إنه شاعر: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور:30] وقالوا: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الحجر:6-7]، ولولا أن الله ثبت أقدام الرسل، وصبرهم على قومهم؛ ما صبروا على هذا الأمر، ثم إن قومهم المكذبين لهم لم يقتصروا على هذا، بل آذوهم بالفعل كما فعلوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم من الأذية العظيمة، بل آذوه بحمل السلاح عليه، فمن كانت هذه حاله فجزاؤه جهنم جزاءً موافقاً مطابقاً لعمله، كما في هذه الآية الكريمة: جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً [النبأ:26-28].

    تفسير قوله تعالى: (وكل شيء أحصيناه كتاباً)

    ثم قال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً [النبأ:29] كل شيء، يشمل ما يفعله الله عز وجل من الخلق والتدبير في الكون، ويشمل ما يعمله العباد من أقوال وأفعال، ويشمل كل صغير وكبير: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً أي: ضبطناه بالإحصاء الدقيق الذي لا يختلف، (كِتَاباً) أي: كتباً، وقد ثبت في الحديث الصحيح: (أن الله كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة)، ومن جملة ذلك أعمال بني آدم فإنها مكتوبة، بل كل قول يكتب، قال الله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، (رقيب) أي: مراقب، و(العتيد) أي: الحاضر.

    دخل رجل على الإمام أحمد رحمه الله، وهو مريض يئن من مرضه، فقال له: يا أبا عبد الله! إن طاوساً -وهو أحد التابعين المشهورين- يقول: إن أنين المريض يكتب، فتوقف رحمه الله عن الأنين، خوفاً من أن يكتب عليه أنين مرضه، فكيف بأقوال ألسنتنا التي لا حد لها، ولا ممسك لها، ألفاظ تترا طوال الليل والنهار، ولا نحسب لها أي حساب، ونسأل الله تعالى أن يعاملنا بعفوه.

    كل شيء يكتب، حتى الهم يكتب إما لك وإما عليك، من هم بالسيئة فلم يعملها عاجزاً عنها فإنها تكتب عليه، وإن هم بها وتركها لله فإنها تكتب له، فلا يضيع شيء.

    تفسير قوله تعالى: (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً)

    قال تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً [النبأ:30]، هذا الأمر للإهانة والتوبيخ، أي: يقال لأهل النار: ذوقوا العذاب، إهانة وتوبيخاً، فلن نزيدكم إلا عذاباً، ولن نخفف عنكم، بل ولن نبقيكم على ما أنتم عليه، لا نزيدكم إلا عذاباً، في قوته، ومدته، ونوعه، وقد قرأتم آية أخرى أنهم يقولون لخزنة جهنم: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ [غافر:49]، تأمل هذه الكلمة من عدة أوجه:

    أولاً: أنهم لم يسألوا الله سبحانه وتعالى وإنما طلبوا من خزنة جهنم أن يدعوا لهم، لماذا؟ لأن الله قال لهم: اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، فرأوا أنفسهم أنهم ليسوا أهلاً لأن يسألوا الله ويدعوه، بل بواسطة.

    ثانياً: أنهم قالوا: ادْعُوا رَبَّكُمْ [غافر:49] ولم يقولوا: ادعوا ربنا؛ لأن وجوههم وقلوبهم لا تستطيع أن تتكلم أو تتحدث بإضافة ربوبية الله لهم، أي: بأن يقولوا ربنا، عندهم من العار والخزي ما يرون أنهم ليسوا أهلاً لأن تضاف ربوبية الله إليهم بل قالوا: ( رَبَّكُمْ ).

    ثالثاً: أنهم لم يقولوا: يرفع عنا العذاب، بل قالوا: يخفف؛ لأنهم آيسون -نعوذ بالله- آيسون من أن يرفع عنهم.

    رابعاً: ثم انظر -أيضاً- هل قالوا: يخفف عنا العذاب دائماً؟ قالوا: يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ [غافر:49] يوماً واحداً، يتبين لكم إذا تصورتم هذه الحال ما هم عليه من العذاب والهوان والذل: وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى:45] أعاذنا الله وإياكم منها.

    ثم ذكر الله عز وجل ما للمتقين من النعيم؛ لأن القرآن مثاني، إذا ذكر فيه العقاب؛ ذكر فيه الثواب، وإذا ذكر الثواب؛ ذكر العقاب، وإذا ذكر أهل الخير؛ ذكر أهل الشر، وإذا ذكر الحق؛ ذكر الباطل، مثاني حتى يكون سير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء؛ لأنه إن غلب عليه الرجاء؛ وقع في الأمن من مكر الله، وإن غلب عليه الخوف؛ وقع القنوط من رحمة الله، وكلاهما من كبائر الذنوب، كلاهما شر، لا الأمن من مكر الله، ولا القنوط من رحمة الله، لذلك تجدون القرآن يأتي بهذا وبهذا، ولئلا تمل النفوس من ذكر حال واحدة، والإسهاب فيها دون ما يقابلها، وهذا من بلاغة القرآن الكريم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الزكاة على معدات العمل

    السؤال: رجل عنده مغسلة ملابس، وقال له بعض الناس: إن عليك أن تزكي على المعدات التي لديك فهل هذا صحيح؟

    الجواب: الزكاة تجب في عروض التجارة وهي ما أعده الإنسان للتجارة تدخل عليه وتخرج منه، كلما رأى مكسباً باعها، وكلما لم يحصل مكسب أمسكها، ومعدات المغاسل لا تعد للتجارة؛ لأن صاحب المغسلة يريد أن تبقى عنده فهي من جملة ما يقتنيه الإنسان في بيته من فرش وأواني ونحو ذلك، فليس فيها زكاة، ومن قال له: إن فيها زكاة فقد أخطأ، وعلى صاحب المغسلة بعد كلامي هذا أن يبلغ من أفتاه بما قلت، لئلا يفتي غيره بمثل ذلك، لكن المواد التي تذهب، إن كان هناك مواد يشتريها وتذهب مع الغسل، فهذه قد يكون فيها التجارة، كما لو كانت مواد منظفة، فمثل هذه تجارة؛ لأنه يتكسب بها، أما الأشياء الباقية فإنه ليس فيها زكاة.

    الموعظة في الأعراس وحكم الدف للرجال

    السؤال: ذكرت في برنامج نور على الدرب في إذاعة نداء الإسلام عندما سُئلت عن الكلام في الزواج، وأن هذه الزواجات هي أفراح، وأن الكلام فيه نظر، وذكرت أن الدف يستخدم في العرس بدون تخصيص للنساء، فاستغل بعض ضعفاء النفوس ذلك بأنه عام للرجال والنساء، ثم إنني -يا فضيلة الشيخ- أرى أن الكلام في الزواج الغير الممل الطويل مما تيسر يكون فرصة إذا حضر كثير من الناس الذين قد لا يحضرون الصلاة مع الجماعة، وقد يكونون ضعفاء الإيمان فيحصل لهم من الفائدة والخير الشيء الكثير، كما ذكر كثير من الناس أنه التزم بسبب كلمة لأحد الإخوة ألقيت في الزواج، وكان لا يصلي من قبل في جماعة، فما رأي فضيلتكم جزاك الله خيراً؟

    الجواب: رأيي في هذه المسألة ما ذكرته في نور على الدرب أن بعض الناس يفرض نفسه في أيام الزواج ليتكلم ويسهب ويطيل ويمل ويبقى كثير من الناس ربما يكرهون الحديث بالخير من أجل صنيع هذا الرجل، فالناس طرفان ووسط، من الناس من يرغب التذكير ولو طال، ومن الناس من لا يرغبه مطلقاً، ومن الناس من يرغبه إذا قصر، ويمل منه إذا طال، ومن الناس من يرغبه من شخص ولا يرغبه من شخص آخر، فالناس يختلفون.

    والمعروف أن الناس في الزواج يأتون ليظهروا الفرح والسرور وإدخال السرور على المتزوج، ورؤية بعضهم بعضاً، وربما لا يرى بعضهم بعضاً إلا في هذه المناسبة، ويكون عنده من الكلام ما يحب أن يتفرغ له، فيصبح هذا الذي تكلم وأطال مملاً للناس.

    ثم إننا نعلم أنا لسنا أحرص على إبلاغ الناس وإرشادهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومع هذا ما علمنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه كانوا يقفون ليعظوا الناس في مثل هذه المناسبات، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة وقد زفت امرأة لرجل من الأنصار: (ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار قوم يعجبهم اللهو) وهذا يدل على أن المسألة مسألة فرح لا مسألة وعظ، لكن لو رأى الإنسان منكراً فهنا يحب عليه أن يقوم وينكر ويتكلم بما يفيد الحاضرين حول هذا المنكر، أو كان شخصاً معروفاً مشهوراً يتطلع الناس إلى كلامه ويحبون أن يسمعوا منه، فقام رجل من الناس وقال: يا فلان! حدثنا، أو سأله سؤالاً ففتحوا باب الأسئلة والمناقشة فهذا طيب، أما أن تجعل هذه المناسبات موضع مواعظ بدون أن يكون الناس يتحرون هذا الشيء، وعلى غير هدي السلف الصالح، فهذا شيء مما ينظر فيه، وتعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة حتى لا يملهم.

    وأما بالنسبة لمسألة الدف، فالدف لا نفتي للرجال باستعماله، وإن كان بعض العلماء يرى أن الرجال يجوز أن يستعملوه كالنساء، حتى الإمام أحمد رحمه الله نص على ذلك، على أنه للرجال والنساء كما نقله عنه صاحب الفروع ، ولكن مع ذلك لا نفتي بأن الرجال يستعملونه، لما يخشى فيه من العواقب الوخيمة، بل ننهى عن هذا؛ لأنه يحصل فيه من تجمعات غير جيدة.

    أما النساء فهن في وسط الأحواش، وفي داخل القصر، وفي الغالب أنه لا يحصل فيه مضرة، ثم إننا ننكر أشد الإنكار أن يقع تصوير بالآلة الفوتوغرافية لهذا المحفل أو بالفيديو، وننكر هذا أشد الإنكار.

    والغناء لا بد أن يكون غناءً ترحيبياً، كما جاء في الحديث: (أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم) وما أشبه ذلك.

    حديث الشجاع الذي لا يدع شاذة ولا فاذة وكيفية إصلاح السريرة

    السؤال: ذكرتم فضيلة الشيخ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الشجاع الذي لا يدع شاردة ولا واردة قالوا: إنه من أهل الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه من أهل النار) وذكرتم عن إصلاح السريرة، فكيف يكون إصلاح السريرة؟

    الجواب: الحديث الذي ثبت في البخاري في قصة الرجل الذي كان لا يدع شاذة ولا فاذة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (هو من أهل النار)، وما علمت أن أحداً قال: إنه من أهل الجنة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هو من أهل النار، فَكَبُر ذلك على الصحابة، وقالوا: كيف يكون هذا الرجل من أهل النار؟ فقال أحدهم: والله لألزمنه وأنظر ماذا تكون حاله، وفي النهاية قتل الرجل نفسه، فجاء الذي لزمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! أشهد أنك رسول الله: فقال: بم؟ فأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار)، وهذا يدل دلالة واضحة على أن العبرة والمدار هو على ما في القلب من النية، ويدل على هذا قوله تعالى: أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات:9-10]، وقوله تعالى: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:8-9] أي: تختبر.

    إصلاح السريرة يكون بصدق الإخلاص مع الله عز وجل، بحيث لا يهتم بالخلق، مدحوه أو ذموه، نفعوه أو ضروه، يكون قلبه مع الله تعبداً، وتألهاً، ومحبة وتعظيماً، وقلبه مع الله تقديراً وتدبيراً، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، يرضى بما قدر الله له، إذا وقع الأمر يقول: عسى أن يكون خيراً، يستشعر دائماً قول الله عز وجل: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19].. وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216] وما أشبه ذلك من تعلق القلب بالله، أهم شيء أن يكون قلبك مع الله دائماً، وإذا كان مع الله دائماً صلحت سريرتك؛ لأنك لا يهمك الخلق، الخلق عندك مثل نفسك، بل أقل ما دمت متعلقاً بربك سبحانه وتعالى معتصماً به مهتدياً بهداه، معتصماً بحبله، فلا يهمنك أحد.

    الواجب على من وكلت إليه قضية لدراستها

    السؤال: إذا كان الإنسان لديه معاملة يدرسها، ثم أخلص في دراستها وأبدى رأيه الصحيح، ثم من لـه الصلاحية خالف ذلك، أي: خالف الدراسة الحقيقية فأمر بحفظها أو تغيير تلك الدراسة، هل تبرأ ذمته أم لا؟

    الجواب: إذا وكل للإنسان دراسة قضية، فالواجب عليه أولاً تقوى الله سبحانه وتعالى، وأن يعلم أنه كما كان الآن محكَّماً في هذه القضية فسيقف أمام حكم عدل عز وجل، فليتق الله في نفسه في هذه القضية، ثم إذا تبين له حكم في هذه القضية وجب عليه أن ينفذه، إن كان موكلاً إليه النظر والتنفيذ، وإن كان موكلاً إليه النظر فقط وإبداء الرأي فعليه أن يبدي رأيه في هذا، والإثم على من ينفذ إذا لم ينفذها.

    حكم إمامة من به حَدَث دائم

    السؤال: ما رأيكم في إمامة من به حَدَث دائم؟

    الجواب: الذي نرى أن إمامة من به حدث دائم صحيحة، وأنه يصح أن يكون إماماً لمن ليس حدثه دائم، وذلك لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، وما دام هذا الرجل تصح صلاته، وهي مقبولة عند الله فتصح صلاته لغيره أيضاً، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للناس أن يصلوا خلف من لا يستطيع القيام وهو ركن في الفريضة، بل أمرهم أن يجلسوا تبعاً لإمامهم فكذلك هذا.

    فالصحيح أن القاعدة التي تؤيدها الأدلة الشرعية فيما نرى: أن كل من صحت صلاته صحت إمامته، حتى الفاسق حالق اللحية، وشارب الدخان، تصح إمامته، والذي يغتاب الناس تصح إمامته، فهذه القاعدة هي التي نرى أن الأدلة الشرعية تدل عليها، ولا يستثنى من ذلك إلا ما استثناه الشرع، كإمامة المرأة للرجال، فإن كون المرأة إماماً للرجال حرام ولا تصح، وتفسد الصلاة، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فإذا ولينا أمرنا في الصلاة امرأة فلا فلاح لنا، إذاً فالقاعدة هي: كل من صحت صلاته صحت إمامته، إلا ما دل الشرع على منعه كإمامة المرأة للرجال.

    معنى الاستواء في اللغة

    السؤال: عثمان الدارمي في رده على بشر المريسي أورد أن الاستواء يأتي بمعنى الجلوس، ما رأي فضيلتكم؟

    الجواب: الاستواء على الشيء في اللغة العربية يأتي بمعنى الجلوس، قال الله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف:12-13]، والإنسان على ظهر الدابة جالس أم واقف؟ هو جالس، لكن هل يصح أن نعديه إلى استواء الله على العرش؟ هذا محل نظر، فإن ثبت عن السلف أنهم فسروا ذلك بالجلوس فهم أعلم منا بهذا، وإلا ففيه نظر، وإلا نقول: كيفية الاستواء مجهول، ومن جملة الجهل ألا ندري أهو جالس أو غير جالس، ولكن نقول: معنى الاستواء العلو، هذا أمر لا شك فيه، استوى على العرش يعني: علا علواً خاصاً غير العلو العام الذي على جميع المخلوقات.

    حكم التسمية بأسماء الله

    السؤال: ما حكم أن يسمى الشخص بأسماء الله كأن تقول لفلان: العزيز لا على أنه صفة وإنما على أنه اسم؟

    الجواب: أقول لك في الجواب على هذا: أسماء الله نوعان: نوع مختص به، لا يجوز أن يسمى به غيره، مثل: الله، الرحمن، الجبار، المتكبر، هذه لا يجوز أن يسمى بها أحد من الخلق؛ لأن هذه الصفة لا يتصف بها غيره.

    والنوع الثاني: لا يختص بالله ويجوز أن يسمى به غيره، فهذا إن كان ملاحظاً فيه الصفة بمعنى أنه يراد أن هذا الاسم يراد به ما يدل عليه من المعنى فهذا لا يجوز، كما لو سمينا شخصاً بعزيز وقصدنا بهذا أن له الغلبة والعزة والارتفاع بين الناس فهذا لا يجوز، أما إذا قصد به أنه مجرد علم لا يقصد به شيء من المعنى فهذا لا بأس به، وأنتم تعرفون أن في الصحابة من كان يسمى حكيم، ومن يسمى الحكم، وما أشبه ذلك.

    الضابط في التكفير

    السؤال: أريد أن توضح لي قضية التكفير، التكفير المطلق والتكفير المعين؟

    الجواب: التكفير والتفسيق والتبديع كلها أوصاف مرتبة على معان إذا وُجِدت وُجِدت هذه الأوصاف، فإذا وجد السبب أو المعنى الذي من أجله يستحق من وجد فيه أن يوصف بهذا الوصف فإنه ينطبق عليه، فلا يجوز لنا أن نقول: فلان كافر حتى نتحقق من أمرين:

    الأمر الأول: ثبوت أن هذا العمل من الكفر، فإن لم نعلم وشككنا فالأصل أن المسلم باق على إسلامه ولا يحل أن نكفره، مثال ذلك: لو قال قائل: إن الذي يشرب الخمر كافر فهذا حرام، ما نقول كافر حتى نعلم أن الشرع نص على كفره.

    والأمر الثاني: أن نتحقق من انطباق هذا الوصف على هذا الشخص، أي: انطباق هذا المعنى الذي علق عليه الشارع الحكم عليه بالتكفير، لابد أن نعلم أنه منطبق على هذا الشخص بحيث تتم فيه شروط التكفير، ومن الشروط أن يكون عالماً، وأن يكون قاصداً، فإن كان غير عالم فإننا لا نكفره؛ لأنه لم تقم عليه الحجة بعد، كما قال الله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59]، وقال تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163] إلى قوله: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، وقال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:15]، والآيات في هذا المعنى متعددة، فإذا كان الإنسان لا يعلم أن هذا الشيء من الكفر فإننا لا نحكم بكفره.

    الشرط الثاني: أن يكون الشخص مريداً لما قال من كلمة الكفر، أو لما فعل، فإن كان مكرهاً أو سبق لسانه على قول كلمة الكفر فإنه لا يكفر، ودليل ذلك قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم -وذكر أنه- كان على راحلته عليها طعامه وشرابه فأضلها فضاعت عنه وجعل يطلبها ولم يجدها ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك استيقظ وخطام ناقته متعلق بالشجرة، فأخذ به فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) كلمة: أنت عبدي وأنا ربك، كفر لكن هل قصدها؟ لا. وإنما سبقت على لسانه، إذاً لابد من هذين الشرطين، العلم، والثاني: الإرادة والقصد، فإن لم يرد ولم يقصد فلا.

    ومن ذلك أيضاً قصة الرجل الذي كان ظالماً لنفسه فجمع أهله وأمرهم أن يحرقوه إذا مات، وأن يذروه في اليم لئلا يعذبه الله فجمعه الله عز وجل وسأله: (لماذا فعلت هذا؟ قال: ربي خوفاً من عذابك، فغفر الله له)، فإن هذا الرجل كان جاهلاً في كون الله تعالى يقدر على أن يجمعه ويحاسبه، إذاً لابد من أمرين:

    الأمر الأول: أن نعلم بأن هذا الشيء مكفر.

    الأمر الثاني: أن نعلم انطباق الشروط أو إتمام الشروط على من قام به، فلابد من أن نعلم أن شروط التكفير قد انطبقت عليه، ومنها: العلم، والقصد، ولهذا يفرق بين كون المقالة أو الفعالة كفراً، وبين كون القائل لها أو الفاعل لها كافراً، قد تكون المقالة أو الفعالة كفراً، ولكن القائل لها أو الفاعل لها ليس بكافر لعدم انطباق الشروط عليه.

    ومن ثم نحن نحذر غاية التحذير من التسرع في إطلاق الكفر على قوم لم يتبين فيهم الشروط، أي: شروط التكفير؛ لأنك إذا كفرته فلازم تكفيرك إياه أن تشهد بأنه في النار، فأنت الآن شهدت بالحكم وبما يقتضيه الحكم، المسألة خطيرة جداً، ثم إن الحكم بالتكفير يستلزم بغضه والبراءة منه والبعد عنه وعدم السمع له والطاعة إن كان أميراً، وما أشبه ذلك مما يترتب على هذه المسألة التي يجب على الإنسان أن يكف لسانه عنها.

    الذكر الذي يقوله المأموم إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده

    السؤال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، هل يقول المؤتم: ربنا ولك الحمد أم يقول: سمع الله لمن حمده؟

    الجواب: المؤتم إذا قال إمامه: سمع الله لمن حمده لا يقول: سمع الله لمن حمده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) فقال: إذا كبر فكبروا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين التكبير وبين التسميع، فالتكبير نقول كما يقول، والتسميع لا نقول كما يقول؛ لأن قوله: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) بمنـزلة قوله إذا قال: سمع الله لمن حمده فلا تقولوا: سمع الله لمن حمده، ولكن قولوا: ربنا ولك الحمد، بدليل سياق الحديث الذي قال: إذا كبر فكبروا.

    ومن قال من أهل العلم أنه يقول: سمع الله لمن حمده ويقول: ربنا ولك الحمد فقد أخطأ، وليس أحد يقبل قوله على الإطلاق ولا يرد قوله على الإطلاق حتى يعرض على الكتاب والسنة، ونحن إذا عرضنا هذا على السنة وجدنا الأمر كما سمعت.

    إخراج زكاة الزروع نقداً ونصاب الزكاة

    السؤال: إذا باع المزارع ثمر النخل، ونسي أن يخرج الزكاة، فهل يشتري زكاة أو يخرجها نقوداً، وما هو نصاب الزكاة؟

    الجواب: إذا باع الإنسان ثمرة نخله أو زرعه فإنه يخرج الزكاة من قيمتها؛ لأن هذا أقرب إلى العدل وهذا أنفع للفقراء في وقتنا، فمثلاً إذا بعته بعشرة آلاف ريال تخرج نصف العشر يعني: خمسمائة ريال.

    مدى انطباق أحكام المسافر على من سافر للدراسة

    السؤال: أنا من مدينة جدة ، وأدرس في جامعة الإمام فرع القصيم وتستلزم الدراسة أربع سنوات فهل أكون مسافراً أو أكون مقيماً؟ وإذا كنت مسافراً فهل إذا رجعت إلى مدينة جدة للزيارة هل أكون هناك مسافراً أم مقيماً؟

    الجواب: أما على رأي الجمهور فإنك مقيم غير مقيم، مقيم في وجوب إتمام الصلاة، وفي لزوم الصوم في رمضان، وفي الاقتصار على يوم وليلة في المسح على الخفين، غير مقيم في الجمعة فلا يكمل بك عدد الجمعة، ولا يصح أن تكون فيها إماماً، ولا يصح أن تكون فيها خطيباً هذا هو المشهور عند فقهاء المذاهب، ولكن الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية أن الناس ينقسمون إلى قسمين فقط: مستوطن ومسافر، ومثل المستوطن من أقام إقامة مطلقة غير مقيدة بعمل ولا زمن، وعلى هذا فيكون إقامتك في القصيم للدراسة مع أن النية الجازمة بأنك سوف تغادر القصيم إذا انتهت الدراسة تكون مسافراً على هذا الرأي، وإذا رجعت إلى بلدك فإنك مقيم؛ لأنك رجعت إلى محل استيطانك، فعليك أن تتم في بلدك ولك أن تقصر في هذا البلد الذي أنت تقيم فيه للدراسة.

    وأما بالنسبة للصوم فنرى ألا تتأخر في صوم سنة إلى سنة أخرى؛ لأن ذلك يتراكم عليك وربما تعجز عن قضائه في المستقبل.

    حكم لبس اللون الفسفوري وشراء الثياب الشفافة للزوجة ولبسها أمام زوجها

    السؤال: ظهر مؤخراً في الدروس التي تقام في البيوت أن بعضهم يقول: إن لبس اللون الفسفوري -أي: الأصفر المشرب بخضرة- لا يجوز للمسلم أن يَلبسه أو يُلبسه أطفاله، ولا يجوز للمرأة أن تشتري ثياباً رقاقاً تلبسها لزوجها فقط، ولا يجوز أن تأخذ من شعرها شيئاً سواء قصدت التقليد أو لم تقصد؟

    الجواب: أولاً: الأصل في اللباس الحل، إلا ما قام الدليل على تحريمه، ولا أعلم دليلاً يحرم هذا اللون الفسفوري على المرأة، وأما الثياب الرقيقة عند الزوج فلا بأس بها، ولا حرج، لقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:5-6]، أما في مكان لا يختص فيه الزوج فإنه لا يجوز أن تلبس الرقاق سواء كان ذلك في السوق أو فيما بين النساء.

    وأما بالنسبة للشعر فللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

    القول الأول: تحريم أخذ شيء من شعر المرأة مطلقاً إلا في حج أو عمرة.

    والثاني: أنه يكره أن تأخذ شيئاً من شعرها.

    والثالث: الجواز مطلقاً، يعني يجوز أن تأخذ من شعرها ما شاءت ما لم يكن هذا على وجه يشبه شعر الكافرات، فإنه لا يجوز التشبه بالكافرات، وعلى كل حال نرى أنه لا ينبغي التشدد في هذا الشيء، وألا يرخص للنساء مطلقاً، يقال: الأولى أن يبقى الرأس على ما هو عليه، هذا هو الذي نراه في هذه المسألة.

    التحذير من الفتوى بغير علم

    السؤال: نريد كلمة توجيهية للنساء اللاتي يقمن الدروس الخاصة في البيوت فإنهن يفتين بكثرة وبطلاقة، فبعضهن عندهن معلومات وليس عندهن علم أو رسوخ في العلم؟

    الجواب: لابد للإنسان من رجل أو امرأة أن يتقي الله فيما يقول عن شريعة الله، والمفتي يتحدث عن الله، فالواجب أن يتقي الله عز وجل فيما يتكلم به، وألا يفتي إلا عن علم أو عن غلبة ظن بعد الاجتهاد.

    حكم الأصم الأبكم من حيث التكليف

    السؤال: الأصم الأبكم هل هو مكلف مثل غيره من المسلمين؟

    الجواب: الأصم الأبكم من فقد حاستين من حواسه، وهما السمع والنطق، ولكن بقي عليه النظر، فما كان يدركه من دين الإسلام بالنظر؛ فإنه لا يسقط عنه، وما كان لا يدركه؛ فإنه يسقط عنه، أما ما كان طريقه السمع إذا كان لا يدركه بالإشارة فإنه يسقط عنه، وعلى هذا فإذا كان لا يفهم شيئاً من الدين فإننا نقول: إذا كان أبواه مسلمين أو أبوه أو أمه فهو مسلم تبعاً لهما، وإن كان بالغاً عاقلاً مستقلاً بنفسه فأمره إلى الله، لكنه ما دام يعيش بين المسلمين فإننا نحكم لـه ظاهراً بالإسلام، يُعلم بعض الأشياء بالإشارة، وأنا أعرف الذين في معهد الصم والبكم في الرياض يعرفون بالإشارة أسرع من النطق؛ لأن هناك أناساً يترجمون لهم بالإشارة فيفهمون منهم مباشرة.

    التحذير من التجاوز فيما ورد من أسماء الله وصفاته

    السؤال: فضيلة الشيخ! في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يمل حتى تملوا) هل تثبت هذه الصفة لله عز وجل ألا وهي الملل؟

    الجواب: أجيبك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) ما بالك تبحث عن ثبوت الملل لله عز وجل أو عدم ثبوته؟ أنت تعلم أن الرسول خاطب الصحابة في ذلك، وتعلم أن الصحابة أحرص منا جميعاً على معرفة صفات الله تعالى، وهل أوردوا على الرسول هل يمل أو لا يمل، أو قالوا: سمعنا وصدقنا وآمنا أن الله لا يمل حتى نمل؟! فما كان في الملل من نقص فهو لنا وليس لله، فالله تعالى كامل الصفات.

    فيجب أن نتوقف عن البحث والنقاش في هذا الأمر، وأقول لك ولغيرك ولمن سمع كلامي هذا إن صفات الله عز وجل يجب أن يحترز الإنسان منها غاية الاحتراز، ولا يتجاوز ما ورد، فإن تجاوز ما ورد هلك؛ لأنه سوف يقع في أحد أمرين:

    إما التمثيل ولزوم النقص في صفات الله، وإما التعطيل، أحد هذين الأمرين، وسبحان الله العظيم الصحابة مائة وأربعة وعشرون ألفاً، والتابعون أكثر وأكثر، وأئمة المسلمين سكتوا عن هذا فيأتي متأخرون من العلماء، ويأتي الإخوة الطلبة الشباب الذين يريدون أن يتعمقوا -زعموا- في صفات الله، فينقبون عن مثل هذه المسائل، كم أصابع الله؟! كيف عينه؟! كيف وجهه؟!

    أما تعلم أن الإمام مالك رحمه الله لما قال لـه شخص يا أبا عبد الله!: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] كيف استوى؟ أطرق برأسه حتى جعل يتصبب عرقاً خجلاً من هذا السؤال واستعظاماً له، وتعظيماً للرب عز وجل، ثم رفع رأسه وقال: يا هذا! الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، ثم أمر به أن يخرج، فأخرج من المسجد.

    هذه المسائل أيها الشباب! مسائل الصفات لا تحرصوا على التعمق فيها حتى لا تقعوا في الهلاك، قولوا: سمعنا وآمنا وصدقنا وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، نحن ما دمنا نعمل فالله تعالى يثيبنا ولا يمل حتى نمل، والملل إذا كنت ترى أنه نقص فيك فلا تثبت لله صفة نقص، فهو ملل يليق به، ونعلم أنه لا يستلزم نقصاً في حق الله إن كان ثابتاً له، وأحذرك وأحذر السامعين من التنطع والتعمق في هذه المسألة الخطيرة، عليكم بما كلفتم به من الأعمال، ودعوا ما لم تكلفوا به، ابحث كيف تصلي..كيف تتوضأ..كيف تصوم..كيف تتصدق، واترك صفات الله عز وجل، خذها كما جاءت ولا تنقب عنها؛ لأن أمامك أناساً أعلم منك، وأحرص منك على معرفة الله، وأشد حباً منك للخير وللعلم ما ناقشوا الرسول فيها.

    حكم التوسع في شرح أسانيد الأحاديث

    السؤال: هناك أمر بين بعض طلبة العلم هو أن بعضهم يحفظ الأسانيد ويرويها ويجلس يشرح في هذه الأسانيد فترة طويلة، ويذكر الرواة ويذكر ما في هذا الحديث حتى أني مرة سمعت في حديث: (إنما الأعمال بالنيات) من بعد صلاة المغرب إلى أذان العشاء ولم يشرح الحديث نفسه فما رأيكم في هذه الطريقة المتبعة عند بعض طلبة العلم؟

    الجواب: الذي نرى أن هذه الطريقة عقيمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (رب مبلغ أوعى من سامع) فالمهم من السنة هو فقهها ومعرفتها، والرجال والسند ما هو إلا طريق، فإذا كانت الرجال من رجال البخاري ومسلم وهو في الصحيحين مثلاً، فطول الكلام فيه قليل الفائدة وإضاعة للوقت، أما إذا كان الرجال في كتب لم تشتهر بين المسلمين، فهنا يجب أن يبحث الإنسان فيهم، وإذا كان مدرساً قال عن هذا الرجل: تكلم فيه الناس، وأكثرهم ضعفه، أو أكثرهم قواه، وينتهي ثم يتكلم على فقه الحديث، وما اشتمل عليه من فوائد وأحكام، هذه الطريقة الصحيحة التي تنفع الناس، أما كوني أعرف أناساً لهم مئات السنين قد ماتوا وما حالهم، وما قيل فيهم، والفائدة قليلة؛ لأن هذا الحديث في البخاري ومسلم اللذين تلقتهما الأئمة بالقبول، بل تلقاهم الناس جميعاً بالقبول، فهذا إضاعة وقت في الحقيقة، وخير من هذا إذا كان يريد كذلك أن يأخذ التقريب أو التهذيب أو تهذيب التهذيب أو غيره من كتب الرجال ويقرأ ويشرح ويدع الأحاديث جانباً.

    فنصيحتي لإخواني الذين يدرسون في الحديث أن يهتموا بفقه الأحاديث، أما الرجال فلا يبحثوا إلا فيما دعت الضرورة إليه، وإذا كانوا قد تصدوا للتدريس فليتكلموا بما حصل عندهم في هذا الرجل فيقول مثلاً: هذا الرجل تكلم فيه الناس أكثرهم ضعفه وأكثرهم قواه والراجح أنه قوي، أو الراجح أنه ضعيف، إذا كان أهلاً للترجيح أو التضعيف.

    فضيلة أجر السلام للمبتدئ به

    السؤال: فضيلة الشيخ! سمعت بعض الإخوة يقول: إنك إذا ألقيت السلام على بعض الناس وقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فلك بهذا ثلاثون حسنة فكل من رد عليك السلام فلك مثل أجر المسلم؛ لأنك أنت دللتهم على الخير، هل هذا كلام صحيح؟

    الجواب: الذي يظهر لي أن السلام والرد عبادة واحدة، ولكل من قام به أجره، فأنت إذا ألقيت السلام فلك أجر المبتدئ بالسلام، ولك على كل جملة منه عشر حسنات، وهو إذا رد فله كذلك، ولا شك أن البادئ بالسلام أفضل من الراد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خيرهما الذي يبدأ بالسلام)، أما أن نجزم بأن أجر الإجابة يحصل للمبتدئ فهذا محل نظر.

    حكم الغناء إذا كان علماء البلد يجيزونه

    السؤال: إذا كان أهل مصر من الأمصار يحلون شيئاً، مثل أهل المدينة كانوا يحلون الغناء، وأهل الكوفة كانوا يحلون النبيذ، فما حكم الغناء إذا كان علماء المصر يجيزونه؟

    الجواب: إذا علمنا أن هذا العالم مجروح بالغناء لكونه يغني مثلاً، ولكنه مستقيم الحال فيما عدا ذلك، بحثنا هل هو ممن يرى إباحة الغناء؟ إذا قيل: نعم. فإن هذا لا يجرحه، وإن قيل: لا. فإن ذلك يجرحه؛ لأنه أصر على معصية، والغناء اختلف فيه العلماء ولا شك في هذا، ولكن قد وضع الله لنا ميزاناً عند اختلاف العلماء وهو الكتاب والسنة، كما قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء:59]، فلا يوهن الحكم اختلاف العلماء إذا بانت السنة إنما الذي يوهن الحكم ألا تثبت السنة أو لا تثبت دلالتها على الحكم؛ هذا هو الذي يوهن، أما مجرد الخلاف فإنه لا يوهن الحكم، لكنه يوجب للمستدل أن يبحث أكثر حتى يعرف ما وجه الخلاف الذي نشأ ويعرف الرد عليه، وهذه المسألة قلَّ من يتفطن لها حيث إن بعض الناس يظن أن مجرد الخلاف يوهن الحكم وهذا غلط، مثلاً إذا قال أحدهم: لحم الإبل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ ثم قال آخر: بل هو ينقض الوضوء للحديث، فيقول الثاني: العلماء مختلفون فيه، نقول: الاختلاف لا يضر ولا يوهن الحكم ما دام الدليل دالاً عليه، والدليل ثابت، والدلالة ثابتة، فإن الخلاف لا يوهن الحكم، لكن كما قلت لك: يوجب للمستدل الناظر أن يتثبت وأن ينظر لماذا حصل الخلاف؛ فلربما يكون الخلاف لأمر لم يعلمه هو فإذا علمه رجع عن قوله.

    توضيح إشكال في توثيق الذهبي إبراهيم بن سعد

    السؤال: ذكر الذهبي في ترجمة إبراهيم بن سعد بعدما وثقه، ثم قال: وكان يجيد الغناء، ونحن نعلم بأن الإمام مالك يرى بأن الذي يشتغل بالغناء فاسق؟

    الجواب: لا تستغرب، العلماء يخفى عليهم الدليل، وتخفى عليهم الدلالة، أحياناً لا يعلمون بالدليل فيبنون على أصل، وأحياناً يعلمون الدليل فتخفى عليهم الدلالة فيؤولون الحديث على غير وجهه، ويحصل بذلك الخلاف.

    القوم الذين يمرقون من الإسلام آخر الزمان كما يمرق السهم

    السؤال: ورد في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (يأتي أقوام آخر الزمان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم)، نرجو من فضيلتكم توضيح أوصافهم لنا، وما هو وجه المروق؟

    الجواب: هؤلاء الخوارج الذي وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم أهل طاعة وعبادة وأن الواحد من الصحابة يحقر صلاته عند صلاتهم، وقراءته عند قراءتهم، لكن هذا العمل لا يجاوز، تراقيهم يعني: لا ينـزل إلى القلب والعياذ بالله، فيمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، والسهم إذا ضرب الرمية مرق بسرعة وخرج من الجانب الآخر، فهم كذلك يمرون بالإسلام مروراً سريعاً كسرعة هذا السهم ثم يخرجون منه، نسأل الله العافية، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ لأنهم وإن تشددوا في الدين فهم مارقون منه، ولو فتشت في قلوبهم لوجدتها سوداء صماء لا يصل إليها الخير والعياذ بالله؛ لأن إيمانهم في الظاهر، وهذا في الحقيقة شيء يجب علينا أن نحاسب أنفسنا فيه؛ لأن بعضنا تجده يكره المعاصي من الناس، وينفر منها، وينكر عليهم ويسبهم، ولكن ما وصل الإيمان إلى قلبه، فتجده في عبادته مهملاً لا يحضر قلبه لصلاته، ولا ينيب إلى ربه، ولا يجد أنه مذنب إذا أذنب، وهذه من صفات الخوارج ، ولهذا قال بعض السلف: من قال إن الناس هلكوا فهو أهلكهم، ومن قال إنهم ضلوا فهو أضلهم.

    ومرادهم بهذا أن من اشتغل بعيب غيره عن عيب نفسه ففيه شعبة من الخوارج ، وهؤلاء الخوارج ينكرون على الناس ويشددون عليهم ويجعلون فاعل الكبيرة كافراً وهم أكفر منه؛ لأن إيمانهم لم يصل إلى القلب، وهم فقط ينكرون في الظاهر، وهذه المسألة خطيرة، يجب على الإنسان أن يعالج نفسه منها حتى يسلم من هذا الشر، وهؤلاء ليسوا في آخر الزمان، نعم في آخر الزمان بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم لكنهم سبقوا، منذ عهد الخلفاء الراشدين وهم موجودون، بل إن بعضهم كان موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم ما حملوا السلاح، فالذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كان ابن عمتك يا رسول الله! لما حكم للزبير بن العوام . هذا نوع من الخروج، والذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم لما قسم الغنائم: اعدل! وقال آخر: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، هذا أيضاً نوع من الخروج.

    السائل: يعني: هؤلاء يقتدون بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف نعرفهم؟

    الشيخ: يقتدون ظاهراً، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجاوز تراقيهم) أو قال: (حناجرهم).

    أما كيفية معرفتهم فهذه هي التي يجب على الإنسان أن يتوقف فيها، ورد فيهم علامات، أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعلامات لهم منها ما وقع في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه من ظهور ذي الثدية وغيره، ولكن نحن الآن لا نستطيع أن نحكم على هؤلاء بأنهم الخوارج، إلا إذا علمنا رأيهم، فإذا كان رأيهم رأي الخوارج عرفنا أنهم منهم، مثال ذلك: من يرى جواز الخروج على أئمة المسلمين، الذين هم مسلمون، هذا رأي الخوارج، نعرف أن هؤلاء متشددون في دين الله، لكن دينهم لم يتجاوز حناجرهم، قلوبهم خاوية وخالية من الإيمان.

    حكم من يرمي الملتزمين بأنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية

    السؤال: كثير من الناس الحالقين للحاهم والمسبلين يرمون الملتزمين بأنهم يخرجون من الإسلام كما يخرج السهم، فما رأي فضيلتكم؟

    الجواب: هذا غير صحيح، الفاسق يرى العدل أنه كافر! وهؤلاء لا تقبل شهادتهم ولا يقبل حكمهم، الفسقة فسقة، قال الله فيهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6].

    حكم استعمال بعض العبارات الشائعة مثل: لا سمح الله أو لا قدر الله

    السؤال: ما حكم استعمال بعض العبارات الشائعة..( لا سمح الله )..( لا قدر الله )..( المرحوم فلان )..( المغفور له فلان )؟

    الجواب: أما ( لا سمح الله ) فأكرهها؛ لأنها تنبي عن ضغط وإكراه لله عز وجل، والله لا مكره لـه، وأما ( لا قدر الله ) فلا بأس؛ لأن معنى ( لا قدر الله ) أي: أسأل الله ألا يقدر هذا، وكذلك المغفور له والمرحوم لا بأس بها أيضاً؛ لأنها ليست خبراً، وإنما هي دعاء، ولا فرق بين أن نقول: فلان غفر الله له، أو فلان مغفور له إذا قصدت الدعاء؛ لأن جملة غفر فعل ماض تدل على أن الغفران حاصل، لكن لما كنت تريد أن تسأل الله أن يغفر له، صارت جائزة، كذلك المغفور له اسم مفعول تدل على وقوع المغفرة، لكن لما كنت تريد أنك تسأل الله أن يغفر له صارت جائزة، فيظن بعض العامة أنك إذا قلت: فلان المرحوم، أن هذا خبر، وأن الله رحمه، فهذا غلط، أنا أقول: مرحوم يعني: الذي أسأل الله أن يرحمه، وكذلك المغفور له.

    السائل: إذاً حسب قصد المتكلم؟

    الشيخ: نعم. كما إذا قلت: فلان غفر الله له، إن كان قصدك أن تخبر أن الله قد غفر له فهذا حرام ولا يجوز، لا تتقوَّل على الله وإن قصدت الدعاء فلا بأس.

    تعريف فقه الواقع والدليل على وجوده عند السلف والتحذير من الإكثار منه

    السؤال: فضيلة الشيخ! علم فقه الواقع أصبح على لسان الكثير من إخواننا ما بين مُفرِط ومُفَرِّط فما هو الضابط الشرعي؟ وما هي الأدلة على وجود هذا الفقه عند سلف هذه الأمة، أرجو من فضيلتكم البسط في ذلك لأهميته، ولحاجة الكثير من إخواننا إلى ذلك وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: فقه الواقع يعني: فقه واقع الناس الذين هم عليه. هذا فقه الواقع، ومن المعلوم أن واقع الناس لابد أن يكون معلوماً لدى الإنسان حتى يعرف ماذا يعيش فيه، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في قوله حين بعث معاذ بن جبل إلى اليمن : (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) فأخبره عن واقعهم وحالهم، لكن لا يجوز بحال من الأحوال أن يطغى على الفقه في الدين، وأن يكون ليس للشاب أو لغير الشاب هم إلا أن يبحث فيما حصل في أمر لا يمكنه إصلاحه -أيضاً- لو أراد الإصلاح، فالفقه في الدين هو الأصل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    والفقه في الواقع نحتاج إليه لنطبق الفقه في الدين على أحوال الناس؛ لأنه لا يمكن أن تحكم على شخص بأنه فسدت صلاته مثلاً حتى تعلم أنه فعل مفسداً أو أن صيامه بطل حتى تعرف أنه فعل مبطلاً، لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يطغى فقه الواقع على فقه الدين، بحيث لا يكون للإنسان هم إلا مطالعة الجرائد والمجلات، وما أشبه ذلك ويعرض بذلك عن مطالعة الكتاب والسنة.

    حكم امرأة حاضت وقد أدركت وقت الصلاة

    السؤال: امرأة دخل عليها وقت صلاة الظهر فانشغلت ببعض أمورها، وقبل خروج الوقت همت بالصلاة إلا أنها حاضت فهل تصلي إذا طهرت؟

    الجواب: نعم. الصحيح أن المرأة إذا طهرت وقد أدركت من الوقت مقدار ركعة وجب عليها أن تقضي الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) وهذه أدركت من وقتها ركعة فيجب عليها أن تقضي الصلاة.

    المقصود بحديث الرجل الذي مر عليه الرسول وهو يشرخ رأسه فقيل له: إنه نام عن القرآن ونام عن الصلاة

    السؤال: ذكر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه مر على قوم يعذبون ومنهم رجل يشدخ رأسه فقيل له: إنه نام عن القرآن ونام عن الصلاة، فهل يقصد أنه نام عن النوافل كقيام الليل وعن حفظ القرآن أم ماذا؟

    الجواب: المراد بذلك الفرائض؛ لأن النوافل لا يعذب الإنسان على تركها، وأما أنه نام عن القرآن، أي: نام عما يجب أن يتعلمه من القرآن فيحمل هذا الحديث على الواجب، أما ما كان تطوعاً فالإنسان فيه بالخيار.

    حكم لبس الأحمر الخالص للرجال والنساء

    السؤال: بالنسبة للبس المعصفر والأحمر هل هو خاص بالرجال أو النساء وما الراجح في ذلك؟

    الجواب: اللباس الأحمر الخالص نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه لكن بشرط أن يكون خالصاً، أما إذا كان فيه خط أو خطوط بيضاء أو ليس أحمر خالصاً فإنه لا بأس به للرجال والنساء.

    حكم النظر إلى المباريات وأضرارها

    السؤال: كثير من الإخوة هداهم الله يشاهد المباريات من خلال التلفاز ويقول: إن هذا ليس فيه شيء، مع العلم أن المباريات يظهر فيها كشف العورات خصوصاً المباريات التي تحصل في خارج المملكة ، ويحضر في المدرجات نساء وللأسف قد يكون البعض منهم ملتزماً، ويحتج بأنه يتابعها للمشاهدة وليس للتشجيع والحماس؟

    الجواب: الواقع أن ما أشرت إليه قد ابتلي به بعض الناس، وصاروا يهوونه هواية شديدة -أعني: النظر إلى المباريات- حتى أن بعضهم ربما يدع الصلاة مع الجماعة من أجل هذا، ولا ريب أنه إذا ترك الجماعة من أجل هذا أنه آثم وعاص؛ لأن الجماعة واجبة لكن إذا قدرنا أنه بعد أن صلى العشاء جلس فهنا نقول جلوسك هذا إن سلمت من الإثم؛ فإنه لغو ولكني لا أظنه يسلم من الإثم لأمور:

    أولاً: أنه يضيع وقته في غير فائدة، والوقت أغلى من المال، وأثمن من المال للعاقل، ولهذا قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100]، ما قال: لعلي أشاهد المباريات أو أتمتع في الدنيا قال: لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100] فهذا يدل على ندمه عل ما أضاعه في غير طاعة الله عز وجل.

    ثانياً: أنه يوجب تعلق القلب بهذا، لكن لو فطم نفسه عنه ما همه، كما هو معروف في الناس الذين لا يرونها لا تهمهم بل إذا كانوا يشاهدون الأخبار ثم جاءت هذه المباريات أغلقوا التلفاز، لكن إذا صار يشاهدها تعلق قلبه بها وألفها، وصار حبه لها غراماً.

    ثالثاً: أنه ربما يغلب في هذه المباراة من هو كافر أو فاسق فيقع في قلبه تعظيمه ومحبته وموالاته وهذه خطيرة.

    رابعاً: أنه سيضيع مالاً بما ينفقه على هذا التلفاز من أجرة الكهرباء وكذلك الأضواء في المحل الذي هو فيه، فربما يستغرق شيئاً كثيراً من الأموال، لذلك نرى أن مشاهدة هذه المباريات فيها شيء من السفه، وفيها شيء من الخطر على الإنسان، فالذي ينبغي لك أيها الحازم ألا تشاهد هذه المباريات.

    حكم الصور التي تعرض على التلفاز والتحذير من البث المباشر

    السؤال: كان أحد الإخوة يتكلم عن التلفاز، فمن المعروف يا شيخ! من كلامكم -هذا ما نعرفه- أن حكمه بحسب ما يستخدم له، ولكن لا تحبذه هذا الذي أعرفه، ولكن يقول: إذا كان التلفزيون أو الجهاز يستعمل لشيء من الأشياء الخيرة فالأصل فيه أنه للخيرات، ولكن أقول يا شيخ: بالنسبة للصورة التي تعرض سواء للخير أو لغيره أليست هي صورة، فلماذا لا تأخذ حكم الصور حفظكم الله وبارك فيكم؟

    الجواب: هي صورة لا شك، لكنها ليست حراماً؛ لأن هذه الصور إن كانت في شريط الفيديو، فإنها لا تظهر في نفس الشريط وإنما تظهر على الشاشة فقط، وإن كانت مباشرة فهي صورة كأنك تشاهد شخصاً من طاقة من البيت، وليس كل ما يسمى صورة يكون حراماً، فإن الإنسان يقف أمام المرآة ويشاهد صورة، ومع ذلك لا نقول: إن هذه الصورة حرام، فالمحرم من الصور الصور الثابتة التي تثبت باليد، تثبت على الأوراق، أما هذه فليست بثابتة، لكن إذا كان الإنسان يخشى على نفسه من مشاهدتها كما لو ظهر في الأخبار امرأة أو شاب جميل وتخشى المرأة على نفسها منه، فهنا لا تنظر إليه.

    وأما قوله أن فيه خيراً نعم إن فيه الخير وفيه الشر، لكن في الوقت الحاضر شره أكثر من خيره، والإنسان العاقل لا ينبغي أن يقتنيه في بيته حتى ولا للأخبار؛ لأنه إذا اقتناه في البيت فلن يقتصر على الأخبار فقط، لابد أن يشاهد أخباراً وغير أخبار.

    فنصيحتي لإخواني! أن يدعوا اقتناء التلفزيون مطلقاً مهما كان، لا سيما إذا جاء هذا الشبح الذي يهددوننا به الآن وهو البث المباشر، الذي سوف يشاهد الناس بواسطته ما عليه الدول الفاجرة الكافرة من الخلاعة والمجون والكفر، وإثارة الناس على ولاتهم، الذين في الخارج سينشرون كل ما يقال، حتى لو كان فيه ما يفرق بيننا وبين ولاة أمورنا؛ لأنهم يريدون الشر ويريدون الثورات، ويريدون القلق، ولا يريدون أمناً لهذه البلاد ولا لغيرها، ولهذا كان واجباً على الإنسان أن يحذر من هذا البث المباشر حتى يسلم الناس من شره.

    معنى اتباع المال للميت في قوله صلى الله عليه وسلم: (يتبع الميت ثلاثة ...)

    السؤال: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (يتبع الميت ثلاثة: يرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله ويبقى عمله) كيف أن ماله يتبعه؟

    الجواب: أليس الإنسان إذا خرج خرج معه أهله، أليس كذلك؟ وخرج معه ماله فما هو ماله؟ قال أهل العلم: هذا في الميت الذي له أرقاء يتبعونه، والأرقاء أمواله يباعون ويشترون، وقال بعض العلماء: المراد بماله هو ما يكرم من أجله، يعني: أن الناس غير أقاربه وغير أهله يخرجون معه من أجل ماله إذا كان تاجراً فعبر بالمال عن التابعين من أجل المال، ولهذا نجد الفقير إذا صلي عليه في المسجد من يتبعه؟ لا يتبعه إلا الذين يحملون النعش فقط، أربعة أو خمسة أو ستة، لكن إذا كان غنياً ما شاء الله، ملئوا المسجد، فهذا تبع المال، وربما يقال: ما يغطى به من أكسية أو نحوها يرجع فيكون هذا هو المراد بالمال لكن هذا ضعيف، فالمعنى إما أن يقال: إن المراد بالمال العبيد الأرقاء، أو يراد بالمال ما يكرم به من أجله، وهو كثرة الناس الذين ليسوا من أهل الميت.

    انطباق شروط الفتوى في الرجل على المرأة إلا ما خصه الدليل

    السؤال: في مؤلفكم الأصول من علم الأصول ذكرتم شروط الفتوى، فهل هذه الشروط، تنطبق على المرأة لاسيما بعد السؤال السابق عن ظاهرة الفتوى للمرأة بغير علم؟

    الجواب: الشروط التي ذكرناها في كتاب الأصول تنطبق على المرأة والرجل، والأصل أن ما ثبت في الرجال ثبت في النساء إلا بدليل، وما ثبت في النساء ثبت في الرجال إلا بدليل، هذا هو الأصل، سواء من أدلة القرآن والسنة، فإنه ما ثبت للرجال ثبت للنساء، وما ثبت للنساء ثبت للرجال إلا بدليل.

    حكم التنويه بالصلاة بعد الأذان

    السؤال: هل يجوز للمؤذن بعد الأذان في الميكروفون أن ينوه بالصلاة بعدما ينتهي من الأذان؟

    الجواب: خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر الناس بالصلاة بالأذان فقط، فأي كلمات تزاد بعد الأذان فهي بدعة، لا ينوه بعده، يكفي قوله حي على الصلاة حي على الفلاح.

    حكم احتجاب النساء عن طفل يعرف الأوصاف الجميلة من غير الجميلة

    السؤال: إذا كان هناك طفل عمره سبع سنوات يصف خالته إلى آبائه فما حكم الظهور على هذا الطفل؟

    الجواب: هذا لا يظهر على المرأة، يجب أن تتغطى عنه لقوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31]، وهذا ظاهر ما دام يعرف الأوصاف الجميلة من غير الجميلة يجب التحرز منه.

    السائل: رغم أنها خالته؟

    الشيخ: يجب أن ينهى عن هذا الشيء، ما دامت خالته لا يمكن أن تحتجب عنه، لكن يجب أن ينهى عن هذا الشيء، وأن يبين له قبحه، ويتوعدونه بما يمكن أن يفعلوه به.

    حكم استقدام الخادمات بدون محرم

    السؤال: هل يجوز يا شيخ! استقدام خادمات إذا كانت هناك ضرورة: امرأة ليس لها بنات، لكن هناك شاب في نفس البيت؟

    الجواب: والله الذي نرى أنه لا يجوز استقدام الخادمات إلا بمحرم هذه واحدة.

    والثانية: أنه لابد أن يكون هناك ضرورة.

    السائل: ضرورتها أنها كبيرة ما تستطيع أن تخدم.

    الشيخ: ولا لها زوجة ابن؟

    السائل: لها ولكن الأبناء متفرقون.

    الشيخ: في البيت؟

    السائل: ليس في البيت إلا شاب فقط.

    الشيخ: لا. ما يجوز.

    السائل: حسن هل يجوز أن يمتنع أحد الأبناء عن دفع مبلغ راتب الخادمة؟

    الشيخ: نعم. يجوز له.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016779858

    عدد مرات الحفظ

    723855951