إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [131]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ في هذا اللقاء عن بدعية الاحتفال بالمولد النبوي؛ مبيناً فساد الدوافع التي من أجلها يقام المولد وبطلانها، ومضيفاً إليها ذكر مفاسد البدع وخطرها. ثم انتقل رحمه الله إلى الإجابة عن الأسئلة التي احتوت على جزء كبير فيما يتعلق بالمولد.

    1.   

    دوافع إقامة المولد والرد عليها

    الحمد لله رب العالمين،وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا هو يوم الخميس، الثالث من شهر ربيع الأول عام (1417هـ) وهو يوم اللقاء الأسبوعي، الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع.

    في هذا اللقاء نود أن نتكلم عن مسألة اجتاحت العالم الإسلامي، وهي لا أصل لها، لا في القرآن، ولا في السنة، ولا في عمل الصحابة والتابعين، ألا وهي: الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإن هذا الاحتفال قد عم وطم، واعتقده بعض الناس ديناً وشريعة، بل ربما ظنه بعض الناس أنه من أوجب الواجبات، وأنه لا تتم محبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا به.

    ونحن نبيِّن إن شاء الله تعالى في هذا اللقاء أن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في اليوم الثاني عشر من هذا الشهر ليس له أصل، لا في التاريخ، ولا في الشرع.

    بطلان المولد من الناحية التاريخية

    أما التاريخ: فإنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في اليوم الثاني عشر، بل إن بعض المحققين من علماء الفلك أَكَّدوا أن مولده كان في يوم التاسع من هذا الشهر، واختلف العلماء المؤرخون القدامى على نحو سبعة أقوال أو ستة أقوال في تعيين يوم مولده.

    هذا من الناحية التاريخية.

    بطلان المولد من الناحية الشرعية

    أما من الناحية الشرعية: فيقال: إن الذين يقيمون هذا الاحتفال:

    - إما أن يكون الحامل لهم محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    - وإما أن يكون الحامل لهم مضاهاة النصارى في الاحتفال بمولد عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.

    - وإما أن تكون هذه عادة درجوا عليها.

    فأما الاحتمال الأول: وهو أن يكون الحامل لهم على ذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحن نقول: إن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض على كل مؤمن، بل يجب على كل مؤمن أن يقدم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على محبة كل بشر؛ وأن يقدم محبته على محبة نفسه، وولده، ووالده، والناس أجمعين، ولا يتم الإيمان إلا بذلك.

    ولكن ميزان المحبة الحقيقية هو:

    الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن لا نتقدم بين يديه، وأن لا نشرع في دينه ما لم يشرعه.

    لأننا لو تقدمنا بين يديه لأسأنا الأدب، وإساءةُ الأدب يعني: عدم المبالاة بِمَن يكون أمام الشخص.

    ولو شرعنا في دينه ما لم يشرعه لكان في هذا قدح في تبليغه للأمة عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    مفاسد البدع

    ونحن نتكلم الآن عن البدع من حيث هي، ومنها: الاحتفال بالمولد.

    أي إنسان يحدث بدعة فإننا نقول له: إنك واقع في معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفيما حذر عنه في قوله عليه الصلاة والسلام: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) وهذه مفسدة عظيمة.

    - ومن مفاسد البِدَع: أنها نوع من الشرك، كما قال الله تبارك وتعالى، أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21] .

    ولا يـخفى أن الشـرك لا يُغْفَـر، كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] ، وظاهر الآية الكريمة: أن الشرك لا يُغْفَر ولو كان أصغر.

    - ومن مفاسد البدع: أن فيها صداً عن سبيل الله؛ لأن الإنسان يشتغل بها عن العبادة الثابتة حقاً، فما ابتَدَع قومٌ بدعة إلا أضاعوا من السنة ما هو مثلها، أو أعظم منها.

    - ومن مفاسد البدع: أنها تستلزم القدح في الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يبلغ ما أرسل به، أو كان جاهلاً به، ووجه ذلك: أننا إذا بحثنا في القرآن والسنة لم نجد هذه البدعة، فإما أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام غير عالم بها، وهذا قدح فيه عليه الصلاة والسلام وإما أن يكون عالماً لكن لم يبلغها الناس، وهذا قدح فيه أيضاً، في أنه لم يبلغ ما أرسل إليه.

    - ومن مفاسد البدع: أنها تنافي قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]؛ لأن مقتضى المبتدع: أن الدين لم يَكْمُل؛ لأننا لا نجد هذه البدعة في دين الله، وإذا كانت من دين الله على زعم هذا المبتدع، وهي لم توجد فيه فإن الدين على زعمه لم يَكْمُل، وهذه مصادمة عظيمة؛ لقول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] .

    - ومن مفاسد البدع: أن مبتدعها نَزَّل نفسه منزلة الرسول؛ لأنه لا أحد يشرع للخلق ما يقرب إلى الله تعالى إلا مَن أرسله الله عز وجل، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    فهذا الذي ابتدع كأنه بلسان الحال يقول: إنه يُشَرِّع للناس ما يقرب إلى الله، وهذه تعني أنه مشارك للرسول صلى الله عليه وسلم في الرسالة.

    - ومن مفاسد البدع: أنها قول على الله بلا علم، وهذا محرم بإجماع المسلمين، قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33].

    ولها مفاسد أخرى لو تأملها الإنسان لوجدها تزيد على هذا بكثير؛ لكنَّا نقتصر على ذلك.

    1.   

    أقسام الناس المحتفلين بالمولد

    نعود إلى أصل الكلام وهو: الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فنقول: إن الذين يحتفلون بذلك لا تخلو حالهم من ثلاث حالات:

    - إما أن يكون محبة للرسول عليه الصلاة والسلام.

    - أو مضاهاة للنصارى.

    - أو لأنه أمرٌ معتاد مَشَوا عليه.

    شبهة من يقيمون المولد محبة لرسول الله والرد عليهم

    الذين يحتفلون بالمولد إذا كان محبةً للرسول عليه الصلاة والسلام فنقول: لا شك أن محبة الرسول واجبة، بل يجب تقديم محبته على محبة النفس والناس أجمعين؛ لكن هل من محبته أن نتقدم بين يديه وأن نشرع في دينه ما ليس منه؟ كلا، يقول الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] .

    ويـقول الله تبـارك وتعـالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158] .

    فلازم المحبة الصادقة: أن لا يتقدم الإنسان بين يدي الرسول فيدخل في دينه ما ليس منه.

    ثم نقول ثانياً: هل أنت أيها المحتفل بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام أشد حباً لرسول الله من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وفقهاء الصحابة وعامتهم وأئمة التابعين مِن بعدهم وتابعي التابعين؟!

    إن قال: نعم، فهو من أكذب الناس، وإن قال: لا، نقول: يسعك ما وسعهم، فهل أقاموا احتفالاً للرسول عليه الصلاة والسلام؟!

    أبداً لم يُقَمْ هذا الاحتفال إلا في القرن الرابع الهجري، فما بال الأمة الإسلامية لم تقمه قبل ذلك؟!

    أهي جاهلة به، أم مخالفة عن علم، أم هي ناقصة المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    ثم نقول ثالثاً: إذا كان ذلك بدعوى أنك تحيي ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول له: ألا يكفيك ما تحيا به ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عباداتك؟!

    كل عبادة هي إحياء لذكرى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن كل عبادة شرطها:

    1- الإخلاص.

    2- المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام.

    فإذا شعرت وأنت تتعبد لله تعالى بهذين الشرطين: الإخلاص لله، والمتابعة، فإن هذه ذكرى للرسول عليه الصلاة والسلام.

    لكن مع الأسف أن كثيراً من الناس اليوم يتعبدون لله بالعبادات على أن هذا هو الأمر الجاري، وقَلَّ مَن يتنبه إلى أنه يصلي إخلاصاً لله ومتابعةً لرسول الله، أو يتطهر لذلك، أو ما أشبهه، وإلا فكل إنسان يشعر حين العبادة بالإخلاص والمتابعة للرسول، فإن عبادته إحياء لذكرى الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ثم نقول: إن الله شرع لعباده ما تكون به ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو خير من هذا الذي تريد، خير وأعم وأشمل.

    فالمسلمون في كل صلاة مفروضة يُعْلِنون إعلاناً بأعلى ما يكون من الصوت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، في كل أذان، وليس يقتصر على ليلة من العام، بل كل العام، بل كل يوم، والمسلمون في كل صلاة يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    فهذا كافٍ في إحياء ذكرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    وهذا -أعني: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتقيد بسنته- أكبر دليل على محبته، وكلما كان الإنسان للرسول أتبع، كان له أحب، وكلما كان أحب فهو له أتبع.

    من يقيمون المولد مضاهاة للنصارى والرد عليهم

    الثاني: أن يفعلوا ذلك مضاهاة للنصارى: فنقول: إن ثبت أن النصارى قد شُرِع لَهُم أن يَحتفلوا بِمَولد نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام فقد ورد شرعنا بِخِلافه، فهل نأخذ بشريعة النصارى؟ أم بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام؟!

    الجواب: الثاني بلا شك.

    إذا قُدِّر على الفرض الذي قد يكون محالاً: أنه من المشروع للنصارى أن يحتفلوا بميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام، فإن شريعتنا لم تَرِد بالاحتفال بمولد رسولنا صلى الله عليه وسلم، فكيف تتأسى بالنصارى في احتفالهم بمولد عيسى عليه الصلاة والسلام، ولا تتأسى بـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وفقهاء الصحابة وعامتهم وأئمة المسلمين مِن بعدِهم؟! ليس هذا إلا جهل وسفه.

    من يقيمون المولد على سبيل العادة والرد عليهم

    وأما إذا كان الاحتفال على سبيل العادة وهو الاحتمال الثالث؛ أنها عادة مشى الناس عليها: فإننا نقول: العبادات لا تنقلب عادات باستمرار الناس عليها، ولو أننا أخذنا بذلك لكانت صلاتنا وصيامنا وحجنا وزكاتنا كلها عادات، ولا أحد يقول بهذا.

    ولو فتحنا هذا الباب لكنا نسمي هذه العبادات العظيمة: تقاليد وعادات، وما أشبه ذلك، ونسلب عنها معنى العبادة وروحها.

    ثم نقول: هل العادات يَحِلُّ فيها أن يَذْكُر الإنسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بما نهى عنه هو عليه الصلاة والسلام؟

    الجواب: لا، فهو عليه الصلاة والسلام نهى عن البدع وقال: (كل بدعة ضلالة) ونهى عن الغلو فيه.

    والذي بَلَغَنا أن هؤلاء الذين يحتفلون بعيد المولد، أنهم يذكرون من الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم ما يصل إلى حد الشرك، فنسمع أنهم يرددون ما قاله البوصيري في قصيدته، فيرددون:

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به     سواك عند حلول الحادث العَمِمِ

    إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي     عفواً وإلا فقل: يا زلة القَدَمِ

    حتى قال:

    فإن من جودك الدنيا وضرتـهاومن علومك علم اللوح والقَلَمِ

    إذا كانت الدنيا وضرتها -وهي: الآخرة- من جود الرسول فماذا يبقى لله؟! لا يبقى لله شيء! ومع ذلك ليست الدنيا والآخرة هي جود الرسول بل هي من جوده، وهناك جود آخر فوق الدنيا والآخرة.

    ومن علومك علم اللوح والقَلَمِ

    من علومه: علم اللوح والقلم، والله عز وجل يقول لرسوله: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام:50] وهذه الجملة تعني: أنه يقول: إنما أنا عبد أتبع ما يوحَى إلي، وهؤلاء يرددون:

    فإن من جودك الدنيا وضرتـها     ومن علومك علم اللوح والقَلَمِ

    وبلغنا أيضاً: أنه يجتمع الرجال والنساء في مكان واحد، ويحصل التصفيق، وترنَّمات بأصوات مغرية، مثيرة للشهوة، موجبة للفتنة.

    وبَلَغَنا عنهم -يعني: عن بعضهم، والمراد: الجنس، ليس هو كل واحد بعينه- ما يُعَدُّ سفهاً في العقل، كما هو ضرر في الدين، بلغنا أنهم في أثناء هذه السَّكرة؛ ولا أعني سكرة الخمر؛ ولكنها سكرة الفكر، في هذه السكرة يقومون: عليك السلام، عليك السلام، يقولون: إن الرسول حضر ودخل عليهم، ولو كانوا في أقصى المشرق أو أقصى المغرب، قام من قبره في المدينة ، وأتى إليهم، وسلم عليهم، وهذا لا شك أنه سفه، هل أحد يبعث قبل يوم القيامة؟!

    الجواب: ليس هناك أحد يبعث من هذه الأمة قبل يوم القيامة، إلا أن يكون كرامة لسبب من الأسباب ويزول، أما أن يبعث الرسول عليه الصلاة والسلام ويأتي إلى هؤلاء، وإذا قدَّرنا أن في الأمة الإسلامية عشرات الآلاف يَحتفلون بهذا، في عدة أماكن، والليلة واحدة، كيف يدور الرسول عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؟!

    أقول ذلك ليتبين أن مثل هذه الاحتفالات كما أنها مخالفة للشرع فإنها مخالفة للعقل، ضلال في الدين، وسفه في العقول.

    أقول هذا لا لأنها موجودة عندنا في المملكة العربية السعودية -والحمد لله- على وجه ظاهر كما توجد في البلاد الأخرى؛ ولكن ليتبين لطالب العلم حكم هذه المسألة، ولتقوم الحجة عليه -أي: على طالب العلم- بأن يعلنها صريحة لقومه بأن هذا ليس من شريعة الله.

    يعني: يخاطب الناس ويقول: أنتم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإذا كان لا إله إلا الله فالحكم لمن؟ لله، وإذا كان محمد رسول الله فالشريعة شريعة رسول الله، فليس لنا أن نحكم بشيء إلا ما حكم الله به، ولا أن نتبع بشراً إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    هذا ما أحببت أن يكون موضوع درسنا في هذا اللقاء.

    وأسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم علماً نافعاً وعملاً صالحاً متقبلاً، وأن يهدي المسلمين لاتباع سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تنازل البائع عن جزء من الثمن للموكل بالبيع

    السؤال: ما حكم هذا البيع: رجل دفع سلعة لرجل آخر وقال: ائتني في هذه السلعة بالمبلغ الفلاني -بمبلغ كذا مقدراً- وما زاد فهو لك، فما حكم هذا البيع؟

    الجواب: هذا لا بأس به، يعني: لا حرج أن يوكل الإنسان شخصاً يبيع له سلعة، يقول: بعها بمائة وما زاد فهو لك.

    لكن إذا كان الوكيل يعلم أن الشيء قد زاد، وأن تقدير الثمن من صاحب السلعة بناءً على ثمن سابق، على قيمة سابقة، فيجب عليه أن ينبهه، ويقول: إن الأشياء قد زادت، وأنها تساوي الآن مائتين، هذه قيمتها في السوق، فإذا أخبره بالواقع وقال: بعها بمائتين فما زاد فهو لك، أو بمائة فما زاد فهو لك، فلا بأس؛ لا الإنسان أحياناً يكون جاهلاً بالسعر، ويظن أن هذه السلعة لا تساوي أكثر من مائة، أو تزيد قليلاً فيقول لوكيله: خذها بعها بمائة وما زاد فهو لك، فهذا جائز؛ لكن -كما قلت- إذا كان السعر زائداً فيجب أن ينبه صاحب السلعة، ويقول: إن السعر قد زاد، فإذا قال: ليس عندي مانع، الله يرزقك، ما زاد فهو لك، فحينئذ لا بأس به.

    أحب أن يكون موضوع الأسئلة ما يتعلق بالاحتفال بالمولد؛ لأن منكم من يعرف في بلاده أكثر مما أعرفه أنا، فإن لم يكن عندكم أسئلة فلا بأس بالأسئلة الثانية، لكن هذا موضوع مهم حساس ينبغي لنا -أعني: مسألة المولد- أن نعرف أحوال الناس فيه ونطبقه على الشرع.

    حكم مشاهدة الاحتفال بالمولد عبر وسائل الإعلام

    السؤال: يا شيخنا، ذكرتم أنه لا يوجد -والحمد لله- عندنا هذا الاحتفال؛ ولكن كثير من العوام يشاهدون الدشوش الخارجية فينظرون إليها ويتأثرون، لكن السؤال هنا بالنسبة للخطيب نلاحظ الخطباء قد يذكرون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هكذا من دون أن يتعرضوا للمولد، فعندما تأتي إليه تقول: يا أخي أنت الآن كأنك تشيد بالأمر، فيقول: لا، أنا لا أقصد هذا؟

    الجواب: نعم، هذا سؤال يتضمن سؤالين في الواقع:

    الأول: أن المسلمين الذين لا يقيمون هذا الاحتفال يشاهدونه عبر وسائل الإعلام، وربما تنقل وسائل الإعلام المبثوثة مثل هذا ويَشِيْعُ بين الناس، فنقول: إذا رأيت مثل هذا في التلفاز أو عبر قنوات الدشوش، فأغلق التلفاز؛ لأن البدعة بدعة، ويُخْشَى أن تؤثر على قلبك فتصدق بها، وهذا خطر.

    أما الشق الثاني من السؤال: فهو أن بعض الناس في ربيع الأول يذكر حال العرب قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام وحالهم بعد بعثته وكيف أتى الوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أشبه ذلك، وهذا ليس من الاحتفال بالمولد؛ لأن الخطيب يذكره في خطبة مشروعة، ليس يُجَدِّد خطبة أو يُحْدِث اجتماعاً، بل الخطبة مشروعة، فذكر ما يناسب المكان أو الزمان لا أرى فيه بأساً، لكن البأس أنك تُحْدِث شيئاً لم يكن، أما هذا فالخطبة مشروعة في كل جمعة، وذكر ما يناسب الزمان أو المكان لا يُعَدُّ بدعة.

    السائل: يعني: يذكر يا شيخ.

    الشيخ: لا بأس يذكر -مثلاً كما أشرتُ إليه- حال الناس قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، وحالهم بعد بعثته، وكيف بُعِث عليه الصلاة والسلام.

    السائل: ولا مانع من ذلك؟

    الشيخ: نعم.

    توضيح لسبب جمع لفظة (السبيل) المضافة إلى الله سبحانه وتعالى

    السؤال: ذكر الله تعالى لفظة السبيل في القرآن بصيغة الإفراد، كقوله سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] ؛ لأن السبيل الموصل إلى الله تبارك وتعالى واحد، وهو: طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ قال سبحانه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] .

    ولكن ذكر في مواطن أخرى في القرآن الكريم لفظة السبيل بصيغة الجمع، كقوله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] ، وقوله: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم:12] فكيف نحل هذه الإشكالية يا شيخ؟

    الجواب: السبيل المضاف إلى الله تعالى تارة يكون مفرداً، وتارة يكون جمعاً؛ لكن إذا كان جمعاً، فإنه لا بد أن يكون مضافاً إلى الله، وأما إذا كان غير مضاف إلى الله فهو سبل الضلال، يُفْرَد السبيل المضاف إلى الله تعالى؛ لأنه واحد سبيل واحد يوصل إلى الله، وهو الإسلام، وتُجْمَع سبل الضلال؛ لأنها متفرقة هذا نصراني، وهذا يهودي، وهذا شيوعي، وهذا بعثي، وهذا ملحدُ، إلى آخره، فهي سبل متفرقة، وكلها ضلال، وما جمعه الله تعالى من السبيل المضاف إليه، فإنما يجمعه لتنوع العبادات التي هي سبيل الله عز وجل؛ هذه صلاة، وهذه زكاة، وهذا صيام، وهذا حج، وهذا جهاد، وهذا أمر بمعروف ونهي عن منكر، وهذه دعوة إلى الله عز وجل، فصار جمعه له وجه، وإفراده له وجه آخر.

    أما سبل الضلال فإنها متفرقة فلا تكون إلا مجموعة.

    حكم تأجيل الصداق إلى الفراق

    السؤال: فضيلة الشيخ: هناك بعض الناس يطلبون تأخير الصداق؛ ولكن بشرط الطلاق! يعني: إذا حصل الطلاق يدفع المؤخر، فما حكم ذلك؟

    الجواب: نعم، صيغة السؤال المفهومة المعلومة: أن بعض الناس يجعل الصداق شطرين:

    1- شطراً مقدماً عند العقد أو قبل العقد.

    2- شطراً آخر مؤجلاً، ويجعل أمد الأجل الفراق.

    ونحن نقول: الصداق حق للمرأة، قال الله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4] إن شاءت قالت: لا بد أن يكون مقدماً، هذا واحد وإن شاءت أجَّلته، إما بأجل معلوم كأن تقول مثلاً: كل سنة تعطيني كذا وكذا، وإما بأجل مُطْلَق، ويصح هنا الأجل المطلق، قال العلماء: والأجل المطلق يحل بالفرقة، إما بموت، أو طلاق.

    فالصداق المؤجل وإن لم يذكر له أجل معين يَحِل إذا حصلت الفرقة بموت أو طلاق أو فسخ أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز؛ لأنه حق لها.

    زكاة الدين

    السؤال: فضيلة الشيخ: شخص لديه محل بيع، ويشتري البضائع من شركة بالدين، فتكون هذه البضائع، أحياناً يبيع هذه البضائع على الناس أيضاً بالدَّين، وحال عليه الحول فكيف يخرج زكاة هذا المحل؟

    الجواب: أما الدَّين الذي له على الناس، فإن كان على أناس أغنياء يستطيع أن يقول: أعطني ديني، فيعطيه، فإن الزكاة واجبة عليه، يزكيه كل سنة؛ لكن إن شاء زكاه مع ماله وإن شاء انتظر حتى يقبضه ثم يزكيه لكل ما مضى، هذا إذا كان الدين على غني.

    أما إذا كان على فقير فلا زكاة فيه حتى تقبضه، وإذا قبضته زكه لسنة واحدة، ولو مضى عليه سنوات كثيرة.

    وأما بالنسبة للدَّين الذي عليه، فالقول الراجح: أنه لا يمنع وجوب الزكاة، وأن من بيده ألف درهم وعليه ألف درهم يزكي الألف التي في يده؛ لأنه مالك لها، وعمومات الكتاب والسنة تدل على أنه متى وُجِد هذا النصاب في يد إنسان وجب عليه أن يزكيه.

    حكم الإجازة في يوم المولد النبوي وحكم استيفاء الدين ناقصاً أو زائداً

    السؤال: فضيلة الشيخ، بعض الدول الإسلامية تعطل في يوم المولد النبوي، لكن السؤال: رواتب بعض الموظفين تحال على بنك الرياض وأظن مِن طريقة البنك أنه إذا كان أقل من خمسين هللة يتركها عنده، وإذا كان أكثر من خمسين جبرها ريالاً، فما حكم ذلك؟ وما حكم ترك هذه الهللات عند البنك مثل بنك الرياض، وهل هو تعاون على الإثم والعدوان؟

    الجواب: لكن سؤالك خليط.

    السائل: لا، هذه فقط معلومة.

    الشيخ: معلومة؛ ولكنها خطأ، أي: إثبات عطلة بمناسبة عيد المولد خطأ عظيم؛ لأن معنى ذلك إثبات هذه البدعة بين الناس صغيرهم وكبيرهم، حتى يعتقدوها عيداً فيه عطلة كما يُعَطَّل لعيد الأضحى وعيد الفطر.

    أما بالنسبة لما ذكرت من أنك تحال على بنك أو غير بنك فإن بقي كَسْرٌ يتجاوز النصف وأعطاك كاملاً وإن بقي كَسْرٌ دون النصف سمحت به أنت، هذا لا بأس به؛ لأنه من باب الاستيفاء، ولا بأس أن الإنسان يستوفي أقل من حقه أو يوفىّ أكثر مما عليه.

    حكم الجلوس لسماع الاحتفال بالمولد النبوي

    السؤال: فضيلة الشيخ: لقد ذكرتَ أن الاحتفال بالمولد بدعة، فما حكم من يجلس في المساجد مع محدثه، يعني: يتكلم عن نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم ومولده؟ جزاكم الله خيراً

    الجواب: كل من شارك أحداً في بدعة فإن عليه إثمه، ولا يجوز للإنسان أن يشارك هؤلاء في احتفالاتهم؛ لأنها بدعة، كيف يرضى الإنسان أن يجلس مع قوم على بدعة وصَفَها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها ضلالة؟!

    حكم ترقيق الحاجبين ببعض الأصباغ

    السؤال: فضيلة الشيخ، يوجد بعض الأصباغ والألوان توضع على الحاجبين حتى تبدو رقيقة، وتبقى هذه مدة شهر تقريباً، فهل هذا في حكم النَّمْص؟

    الجواب: لا، يعني: تلوين الشعر بغير السواد لمن ابيضَّ شعره لا بأس به، هذا هو الأصل؛ لأن الأصل في غير العبادات الحِل، وليس هذا من النَّمْص؛ لكنه من ترقيق الشعر.

    كما أن بعض الناس يختار أن يكون شعره جعداً ويَطَّلَيه بما يقوي الشعر.

    السائل: الحاجبان يا شيخ، يرققها باستخدام بعض الألوان عليها حتى تبدو رقيقة، ولا يقص شعر الحاجبين؛ ولكن يضعها عليه ويلوِّن البشرة!

    الشيخ: ليس فيه بأس؛ لكن المسألة: هل هذا جائز في حق الرجال أم لا؟

    الرجل لا ينبغي له أن يتجمل بما تتجمل به المرأة، أما المرأة فلا بأس.

    ما يصل نفعه إلى الميت

    السؤال: يا شيخ! إذا جعل أبناء الميت للميت صدقة جارية، أو علماً ينتفع به، هل ينفع هذا الميت وإن لم يوصِ بهذا لعدم قدرته عليه؟

    الجواب: نعم، إذا جعل أولياء الميت صدقة للميت نفعه ذلك، فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن سعد بن عبادة رضي الله عنه استأذنه أن يجعل مخرافه في المدينة -أي: نخله الذي يُخْرف- صدقة لأمِّه فأذن له، وسأله رجل فقال: (يا رسول الله! إن أمي افتُلِتَت نفسُها، وأظنها لو تكلمت لتصدقت -افتُلِتَت نفسها أي: ماتت بغتة- أفأتصدق عنها؟ قال: نعم)، فلا بأس.

    أما العلم النافع فكيف يكون هذا، يمكن هذا بشراء الكتب ويجعلها صدقة لوالده، فيكون علماً نافعاً.

    حكم من تزوج بمن رضعت معه مرة واحدة

    السؤال: يا شيخ! امرأة أرضعت بنتاً وولداً، وهي أجنبية عنهما، وهما من أُمَّين مختلفتين وعلى حسب تقديرها قالت: بأنها أرضعتهما رضعة واحدة، فهل يجوز الجمع بينهما في الزواج؟

    الجواب: نعم، يجب أن نعلم أنه لا بد في الرضاع من خمس رضعات، وما دونها لا أثر له، فلو ارتضعت طفلتان من امرأة مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث مرات أو أربع مرات، لم تكونا أختين، وعلى هذا فيجوز الجمع بينهما.

    حكم من مات وترك بعض الصور

    السؤال: بعد وفاة الوالد بقيت بعض الصور الفوتوغرافية التي تخصه مع بعض أفراد العائلة، وتلفاز، فهل إذا تركت يبقى في ذمته شيء، علماً أنه يكره هذه الأشياء؟

    الجواب: أما الميت فلا يلحقه شيء ما دام أنه يكره ذلك؛ لكن يلحقهم هم، وأبلغهم أنه لا بد عليهم أن يحرقوها إحراقاً تاماً؛ لأن بقاءها يجدد ذكر الميت والحزن عليه، والذي ينبغي للإنسان أن ينسى المصيبة.

    السائل: بقي التلفاز في البيت!

    الشيخ: لا، أنا فهمت أنها صورة تلفاز.

    السائل: الاثنين.

    الشيخ: الاثنين؟

    السائل: نعم.

    الشيخ: لا، التلفاز ليس عليه منه، ما دام كارهاً له؛ لكن لماذا لم يمنعه في حياته؟

    السائل: يُسَوِّف، وكان مريضاً، قال: إن شاء الله إذا تعافيتُ أخرجه.

    الشيخ: إذا تعافى يُطَلِّعُه؟

    السائل: إن شاء الله.

    الشيخ: لا، هذا مُسَوِّف، لا شك أن عليه إثماً منه.

    حكم الأكل من المزرعة بدون أذن المالك

    السؤال: ما مدى صحة من يقول: إنه يجوز لأي إنسان أن يأكل من ثمار مزرعة من دون أن يستأذن من مالكها، محتجاً بحديث جابر عند الإمام مسلم : (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو دابة أو شيء إلا كانت له به صدقة) ؟

    الجواب: نعم، هذا الحديث الذي ذكرت فيه الترغيب في غرس النخل والزرع، أما بالنسبة لمن أكل فإن له الرخصة أن يأكل بفمه فقط غير متخذ خُبْنَة، بشرط أن لا يكون عليه حارس، ولا حاجز، أي: لو مررت بنخل ليس عنده حارس وليس فيه حاجز من جدار أو شبك فلك أن تأكل بفمك فقط دون أن تتخذ خُبْنَة؛ إلا إذا علمنا أن صاحب هذا البستان بعينه لا يسمح، مثل: أن يكون قد كتب لوحاً: ممنوع الأكل، فهنا لا تأكل.

    فصار الإنسان إذا مر ببستان عليه حاجز يأكل، أو مر ببستان عليه حارس فلا يأكل، أو مر ببستان عليه لوحات مكتوب فيها: ممنوع الأكل فإنه لا يأكل، أو مر ببستان ليس عليه حاجز ولا حارس، ولا لوحات منع، فله أن يأكل؛ لكن يأكل بفمه فقط، دون أن يتخذ خُبْنَة، أي: ما يأخذ معه، يأكل فقط بفمه.

    السائل: يا شيخ! إذا كان عليه حاجز وحارس وعلمنا رضاه؟

    الشيخ: لا بأس، إذا علمنا رضاه؛ لكن نقول: إن علمنا رضاه، فالحارس لماذا؟

    السائل: حاجز فقط.

    الشيخ: هنا لا بأس؛ لأنه ربما يضع الحاجز لئلا تدخل المواشي والإبل، وما أشبه ذلك.

    السائل: لا تدخل المواشي.

    الشيخ: المدار كله على رضا المالِك.

    مدى صحة القول بأن عمر بن عبد العزيز كان صوفياً

    السؤال: هل الصوفية يتبعون الخليفة عمر بن عبد العزيز ؟

    الجواب: لا. أبداً.

    السائل: أحد الإخوان يقول: إن عمر بن عبد العزيز كان صوفياً؟

    الشيخ: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، نقول: هات الدليل!

    السائل: يقولون: كان يلبس الصوف!

    الشيخ: هذا ليس بصحيح، وقل لهؤلاء: أنتم لا تلبسوا الصوف، وهل كل مَن لبس الصوف هو صوفي؟!

    ثم إن الصوفية تطورت، يعني: يوجد من السلف من فيه تصوف لا شك؛ لكنها ليست الصوفية الغالية الآن، الآن الصوفية تطورت إلى أن بلغت إلى القول بوحدة الوجود والعياذ بالله، حتى كان الواحد منهم يقول: ليس هناك أحد، كل الكون هو الله عز وجل، ويقول أحدهم: ليس في الجُبَّة إلا الله، فيقول: هو الجبة، الجبة: أليس هو لابِسٌ جُبَّتَه؟! يقول: ليس في الجُبَّة إلا الله، وبعضهم يحصل له هوس، يقول: أنصب خيمتي على جهنم -هكذا نقل عنهم شيخ الإسلام وهو ثقة- ويقول بعضهم: سبحاني سبحاني، أنا الله، فـالصوفية ليست هينة، بل تطورت.

    حكم نصب خيمة أمام خيام المبتدعة لصرف الناس عن البدعة

    السؤال: من المعروف عندنا أن في ليلة المولد أو قبلها بأيام ينصبون الخيام، وكذلك في كل طائفة من الطرق الصوفية عندهم خيمة، فيذكرون الله ويتراقصون وما إلى ذلك، ثم أن هناك أيضاً خيمة لـأهل السنة يعني: يتكلمون فيها، وبيان الأمر والنهي يعني: أنه لا بد من طاعة الله وتوحيد الله عز وجل وما إلى ذلك، فهل لهم أن ينصبوا الخيمة في هذا المكان مع أنها وسط خيام الصوفية وغير ذلك، هذا بالنسبة للخيمة نفسها؟

    الجواب: فهمتُ كلامك الآن، أنت تريد أن تقول: إن عندكم أناساً مبتدعين، بدعتهم غليظة جداً، وأناساً غير مبتدعين، بل هم ملتزمون بالسنة؛ لكن ينصبون خيامهم عند خيام هؤلاء لجذب الناس، أو لحماية الناس عن البدع الغليظة التي يفعلها هؤلاء، فهذه المسألة تَجاذَبَها شيئان:

    الشيء الأول: بدعة، وهذا يقتضي أن تُمْنَع، وأنه لا يجوز لـأهل السنة أن ينصبوا خياماً لهذه البدعة.

    الثاني: حماية عن بدعة أعظم، وحينئذ نقول: لا بأس؛ لأن صد الناس عما هو أعظم بما هو أخف من الأمور المطلوبة شرعاً؛ لقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108] ولأن أهل السنة لو لم يفعلوا ذلك لشنَّع عليهم هؤلاء، وأقاموا عليهم العامة، وقالوا: هؤلاء لا يحبون الرسول عليه الصلاة والسلام، والعوام هوام، لا تعرفهم.

    فإذا قالوا: نحن نفعل ذلك لنذكر الناس بأحوال الرسول عليه الصلاة والسلام، وغزواته وجهاده ودعوته بدون غُلُو؛ لنحميهم عن البدع الكبيرة التي قد تخرجهم من الدين، ولندفع عن أنفسنا التهمة التي يجعلونها علينا، فينفِّرون الناس من الحق بهذا.

    أقول: لعل هذا إن شاء الله من الأمور المباحة إذا لم يمكن الطريقة الأخرى وهي: أن لا نشاركهم في خيامهم، فإن أمكنت هذه بدون ضرر فهذا هو المطلوب.

    السائل: هل يحق لغيرهم -يعني: لغير الآمرين- أن يذهبوا إلى هذه الخيمة؟ مع العلم أن هذه بدعة وكذا؟

    الشيخ: لا يذهبوا، نحن نتكلم عن نصب الخيمة، وأما غيرهم فلا يذهبوا؛ لكن من رأوه ذاهباً إلى الخيام التي فيها المفسدة الكبيرة يدعونه.

    الفرق بين البدعة والمعصية من حيث الوزر

    السؤال: أيهما أعظم: المعصية، أم البدعة؟ وهؤلاء مثلاً الذين يتخذون بعض الوسائل البدعية في الدعوة للتخفيف وصد الناس عن بعض المعاصي؟

    الجواب: البدعة معصية وزيادة، وهي من حيث أثرها وكونها تقدماً بين يدي الله ورسوله أشد، حتى إن بعض أهل العلم قال: إنه لا توبة لمبتدع؛ لأن البدعة تنتشر وردها صعب بعد انتشارها، لا سيما وأن البدعة غالباً تُغَلَّف بأمر عاطفي، وأنتم تعرفون أن عاطفة المسلمين بالنسبة لله ورسوله شديدة جداً، فقد تكون البدعة أكبر وقد تكون المعصية أكبر حسب الحال، لكن لو تساوتا من حيث الوزن، فآثار البدعة أشد وأضر على المسلمين.

    حكم عقد الاستصناع

    السؤال: رجل لديه محل لبيع الأثاث، ثم إنه قد يأتيه المشتري فيطلب تفصيل مجلس فيحتاج أن يذهب إلى مدينة أخرى ليفصل له، ثم يتفق معه على الثمن وربما قبض العربون قبل أن يذهب إلى التفصيل! فما رأيك؟

    الجواب: نعم، هذا لا بأس به؛ لأنه لم يبع عليه شيئاً معيناً، إنما اتفق معه على استصناع شيء معين، فالصواب: أنه لا بأس به، وليس فيه مانع، ويكون هذا ثابتاً في ذمته ويعمل بمقتضى العقد.

    المسافة التي تقصر فيها الصلاة

    السؤال: بعض الناس إذا خرج إلى البر قصر الصلاة ويقول: إن الصحابة اختلفوا وفَهِمَ من قوله: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101] قال: تعريفه في اللغة: البروز، والخروج، فمتى ما خرجتُ سوف أقصر الصلاة، ومن أراد أن يمنعني فعليه بالدليل!

    الجواب: لا شك أن الأصل أن الضرب في الأرض يبيح القصر، وأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حدد ذلك بمسافة معينة أو بزمن معين؛ لكن الرسول ثبت عنه أنه كان يخرج إلى قباء وهو خارج المدينة ومع ذلك لا يقصر.

    وعلى هذا فالمرجع إلى ما يتعارفه الناس، إذا قالوا: هذا سفر فهو سفر، فيفرَّق الآن بين المسافة القصيرة مع الزمن القصير، والمسافة الطويلة مع الزمن القصير، والزمن القصير مع المسافة الطويلة، فالأحوال أربع:

    - إما أن تكون المسافة قصيرة والزمن قصير.

    - أو المسافة طويلة والزمن طويل.

    - أو المسافة طويلة والزمن قصير.

    - أو المسافة قصيرة والزمن طويل.

    إذا كانت المسافة قصيرة والزمن قصير فليس بسفر، فلو ذهب إنسان يتمشى إلى ضواحي البلد ويريد أن يرجع في آخر النهار هذا غير مسافر، لا يسمى سفراً لا في اللغة ولا في الشرع، ودليلنا على هذا: أن الرسول كان يخرج إلى قباء وهو منفصل عن المدينة ، وفي عهد الرسول بينهما مسافة، ويخرج أيضاً إلى العوالي في المدينة ولا يترخص برخص السفر.

    أما لو خرج إلى مسافة قصيرة لكنه يريد أن يبقى فيه مدة طويلة، فهذا مسافر.

    ولو سافر إلى بلد بعيد ويريد أن يرجع في يومه كأن يسافر إلى الرياض من القصيم وهو يريد أن يرجع، فهذا مسافر، وذلك لطول المسافة.

    فإذا صار طول مسافة أو طول زمن، أو طول مسافة وزمن، فهو مسافر، وإذا كان قصر مسافة مع قصر زمن، فهذا ليس بِمُسافر.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315049

    عدد مرات الحفظ

    723561465