إسلام ويب

جلسات رمضانية لعام 1411ه [2-1]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى لم يفرض على عباده فرائض إلا لحكم أرادها، وفوائد ومصالح تعود عليهم، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وقد ذكر الشيخ رحمه الله في هذه المادة عدداً من فوائد صيام شهر رمضان المبارك، ثم ختم ذلك بأجوبة على بعض الأسئلة المتعلقة بشهر رمضان.

    1.   

    حكم ترك صيام رمضان

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فهذه هي الجلسة الثانية في شهر رمضان لعام: (1411هـ) للقاء بكم في الجامع الكبير في عنيزة ليلة الثلاثاء.

    ولقد رأيتم ما صنعنا في صلاة الوتر، حيث قرأنا سوراً غير السور التي تقرأ في العادة، والتي هي السنة، وذلك لأجل أن يتبين للناس أن قراءة سورة الأعلى وسورة الكافرون وسورة الإخلاص ليس على سبيل الوجوب؛ لكنه على سبيل الاستحباب.

    كما أنه ليس من شرط الوتر القنوت، أعني: الدعاء بعد الركوع، فالوتر: أن يأتي الإنسان بصلاة الوتر واحدة، أو ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً، أو إحدى عشرة، والقنوت ليس بشرط لصحة الوتر، فإن قنت الإنسان فهو خير، وإن ترك فهو خير، وكلٌّ جاءت به السنة؛ لكن في رمضان يحب الإنسان أن يداوم على الدعاء لكثرة الجمع، وكثرة الجمع من أسباب إجابة الدعاء، أما في غير رمضان فالأولى ألا يداوِم الإنسان على القنوت، أي: على الدعاء بعد الركوع.

    ثم إننا استمعنا في كتاب ربنا عزَّ وجلَّ إلى قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] فبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن الصيام فرض عيني يجب على كل مسلم، وسبق في الدرس الماضي بيان شروط الوجوب، وأنها ستة، وهذا الفرض هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وقد ذكر فقهاء الحنابلة رحمهم الله عن الإمام أحمد بن حنبل: أن من ترك الصيام تهاوناً فهو مرتد كافر، كمن ترك الصلاة، وحجة هذا القول: أن كلاً منهما ركن من أركان الإسلام، والشيء لا يقوم إلا بأركانه، كأركان الخيمة وعمد الدار؛ ولكن القول الراجح أنه ليس شيء من أركان الإسلام سوى الشهادتين تحصل الردة بتركه إلا الصلاة، كما في حديث عبد الله بن شقيق قال: [كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة].

    على كل حال هو فرض، وهذا الفرض ليس خاصاً بهذه الأمة بل بجميع الأمم، كما قال تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] وهذا يدل على أهميته، أي: الصوم، وأنه مصلح لكل الأمم، وأنه لا بد للأمم من صوم.

    1.   

    فوائد مقتطفة من صيام رمضان

    فوائد من قوله تعالى: (كما كتب على الذين من قبلكم)

    وفي قوله تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة، وأنها لم تُكَلَّف شيئاً لم تُكَلَّف به الأمم السابقة. لأن من المعلوم أن في الصوم نوع مشقة؛ ولاسيما في أيام الصيف الطويلة الحارة؛ ولكن الله سلَّى هذه الأمة بأن الصوم قد كتب على مَن قبلَهم. وهذه فائدة عظيمة؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما يصيب غيره، كما أشار الله إليه في قوله عن أهل النار: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39] لأن العادة أن الإنسان إذا شاركه غيره في العقوبة هانت عليه العقوبة؛ لكن يقول الله لأهل النار: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39] فلن يعين بعضكم بعضاً، ولن يسلي بعضكم بعضاً. وتقول الخنساء في رثاء أخيها صخر ، تقول:
    ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلتُ نفسي

    وما يبكون مثل أخي ولكـن أسلي النفس عنه بالتأسي
    وهذا يدل على أن الإنسان يتأسى بغيره، ويتسلَّى به، ففي قوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ تسلية لهذه الأمة أن ترى أنها كلفت بأمر شاق، لم تكلف به الأمم السابقة. الفائدة الثانية: رقي هذه الأمة إلى الخصال الحميدة التي ترقَّى إليها مَن سبقَها. يعني: أن جميع الفضائل التي سبقت إليها الأمم فإن هذه الأمة ولله الحمد حازتها، لم تُحرم هذه الأمة خصلة من الخصال الحميدة التي وصلت إليها الأمم السابقة. فهاتان فائدتان عظيمتان في قوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ .

    كف النفس عن محارم الله وإلزامها بطاعة الله

    ثم قال تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] وهذه الفائدة هي روح الصوم، وهي: تقوى الإنسان لربه عزَّ وجلَّ :-

    والتقوى: اسم من الوقاية، فهي -أي: التقوى- أن يَتَّخِذ الإنسانُ وقاية من عذاب الله؛ ولكن بماذا يَتَّخِذ وقاية من عذاب الله؟

    بفعل الأوامر، واجتناب النواهي.

    وقد قيل في تعريف التقوى:

    خلِّ الذنوب صغيرها     وكبيرها ذاك التقى

    واصنع كماشٍ فوق أر     ض الشوك يحذر ما يرى

    لا تحقرن صغيرةً     إن الجبال من الحصى

    يعني: أن تدع الصغائر والكبائر، هذه التقوى.

    فالتقوى: أن يقوم الإنسان بما أوجب الله عليه، وأن يدع ما حرم الله عليه؛ لأن هذه هي الوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى.

    ومن المعلوم أنه لا أحد يقوم بما أوجب الله عليه إلا وهو عالم به.

    إذاً: فالعمل مسبوق بعلم، أليس كذلك؟ ولا يترك شيئاً محرماً عليه إلا وقد سبقه العلم بذلك، وهذا يغني عن قول بعضهم: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تدع ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله، كل هذه تعاريف؛ لكنها تنصب في هذا المعنى الجامع، وهي فعل الأوامر وترك النواهي.

    ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) يعني: ليس لله إرادة وغرض في أن يعذب الخلق بحرمانهم من الأكل والشرب، إنما الحكمة من الصوم هي: أن يدع قول الزور، والعمل به، والجهل وهو: ليس عدم العلم، الجهل: العدوان على الغير، هذا هو الجهل، كما قال الشاعر الجاهلي:

    ألا لا يجهلن أحدٌ علينا     فنجهل فوق جهل الجاهلينا

    فالجهل هو: العدوان على الغير.

    إذاً: من فوائد الصوم: كف النفس عن محارم الله، وإلزامها بطاعة الله.

    تربية النفس على الصبر والتحمل

    ومن فوائد الصوم: أن فيه تربية للنفس على الصبر والتحمل.

    على أي شيء؟

    الصبر عن المحبوب، وعلى المكروه.

    فالصوم جامع لأنواع الصبر الثلاثة، ففيه:

    صبر على طاعة الله.

    وصبر عن معصية الله.

    وصبر على أقدار الله المؤلمة.

    الصبر على طاعة الله: لأن الإنسان يحبس نفسه على أن يقوم بهذا الأمر، هذا صبرٌ على ماذا؟

    على طاعة الله.

    صبرٌ عن محارم الله: يتجنب الصائم ما حرم الله عليه، سواءً كان محرماً لخصوص الصوم كالأكل والشرب، أو محرماً على سبيل العموم كالغيبة والكذب، فهو يصبر نفسه عن فعل المحرم.

    صبر على أقدار الله المؤلمة: وهي ما يصيب الصائم من الهلع والعطش والجوع والخمول؛ لأن كل هذا يحصل للصائم، لاسيما في أيام الصيف الطويلة الحارة.

    لذلك كان فيه تربية عظيمة للنفس على الصبر والتحمل.

    تذكر الإنسان لما أنعم الله به عليه من الغنى

    ومن فوائد الصوم: أن الإنسان يتذكر به نعمة الله عليه بالغنى، وتيسير الأكل والشرب والنكاح؛ لأنه في النهار لا يأكل، ولا يشرب، ولا يتمتع بالنساء، يعني: لا يتمتع بالنساء بالجماع. فيتذكر نعمة الله عليه بتيسيرها، وأنه إذا حرمها فات عليه كثير من مقاصده، فيتذكر النعمة.

    استشعار الإنسان لحال إخوانه الفقراء

    ومن فوائد الصوم أيضاً: أن الإنسان يتذكر به حال إخوانه الفقراء.

    فإن الفقراء يعجزون عن الأكل والشرب والنكاح، فيتذكر حال إخوانه فيعطف عليهم، ويرحمهم.

    كثير من الناس في عهدنا -ولله الحمد- لا يجدون صعوبة في الأكل والشرب؛ لأنه ميسر؛ لكن يجدون صعوبة في النكاح، فإذا صام الإنسان وامتنع عن إتيان أهله تذكر حال الشباب الذين يحتاجون إلى نكاح، فعطف عليهم، وأعانهم، وساعدهم؛ لأن الشيء لا تعرف فائدته إلا بضده، إذا وُجد الضد عرف قدر النعمة، أما إذا كان دائماً في نعمة؛ فإنه لا يعرف قدرها.

    إتمام الإنسان لحقيقة العبودية

    من فوائد الصوم أيضاً: أن الإنسان يتمم حقيقة العبودية.

    كيف ذلك؟

    لأننا نرى العبادات إما فعل أمر يحتاج إلى جهد، وإما ترك شيء محبوب إلى النفوس، وإما بذل محبوب إلى النفوس.

    فالصلاة مثلاً جهد يحتاج إلى عمل، ولا يخفى علينا جميعاً أن الناس في أيام الشتاء يحتاجون إلى وضوء، وإلى خروج إلى المساجد في الأيام الشاتية الباردة، فيحصل في هذا نوع من المشقة، فيقول الإنسان: أنا عبد لله، أفعل ما أمر ولو شق عليَّ، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام من الرباط: إسباغ الوضوء على المكاره، إسباغ الوضوء على المكاره جعله من الرباط، وجعل كثرة الخطا إلى المساجد من الرباط أيضاً.

    وكفٌّ عن محبوب: لأن الإنسان قد يهون عليه الشيء من الجهد؛ لكن لا يصبر عن المحبوب، ففي الصيام كف النفس عن المحبوب: الأكل، والشرب، والنكاح؛ لاسيما الشاب الذي كان قريب عهد بالزواج، يشق عليه تركه؛ لكن إذا تركه طاعة لله في موضع لا يعلم عنه إلا الله، كان في هذا تحقيق العبودية.

    الثالث ما هو؟

    بذل المحبوب: وهذا في الزكاة، فالزكاة بذل محبوب إلى الإنسان، وبذل المحبوب شاق على النفس، قد يكون بعضُ الناس يهون عليه أن يصاب بدنُه، ولا يهون عليه أن يصاب مالُه، ولا يخفى عليكم قصة الرجل الذي عثر، فانجرحت إصبعه، فقال: (شُوَيْ وشخص لاَّ في النِّعْلَة) يعني: جرح رجله أهون عليه من قطع النِّعْلَة.

    إذاً: المال صار حبيباً إليه، وكل شخص يحب المال.

    فتجد أن العبادات -سبحانه الله! سبحان الذي شرعه!- متنوعة لأجل أن يُعرف تمام عبودية الإنسان لله؛ لأن الإنسان قد يهون عليه شيء، ولا يهون عليه الشيء الآخر.

    البخيل ربما لو تقول: اركع لله واسجد طول النهار، ولا تبذل درهماً واحداً، يفعل ولا يبالي!

    والكريم الكسول يقول: خذ مني من الدراهم ما شئت، ولا تكلفني بسجدة واحدة، نعم، لأنه كسول خامل!

    فإذا تنوعت العبادات عُرف حقيقة عبودية الإنسان لله عزَّ وجلَّ.

    فهذه أيضاً من فوائد الصيام.

    إعانة الإنسان على التخلي عن الأشياء المحرمة

    من فوائد الصيام -ولاسيما في وقتنا هذا وما قبله-: أن الإنسان المدمن على الشيء المحرم يكون الصوم عوناً له على التخلي عنه.

    نعم، إذا كان مدمناً على أكل شيء محرم، أو شرب شيء محرم، فإن الصوم يكون عوناً له على التخلي عن هذا الشيء، ولنضرب لهذا مثلاً بمن ابتلوا بشرب الدخان، فإن الصوم يعينهم على التخلي عنه، كيف؟ لأنهم في النهار لن يتناولوه، لن يشربوا، أيش يبقى عندنا؟ يبقى الليل، فيمكن أن يشتغل بالأكل المباح، وبالسمر مع إخوانه الذين لا يشربون الدخان, ويتلهى وإن شق عليه؛ لكن يتلهى ويصبر حتى يمرن نفسه، وهو إذا مرَّن نفسه في خلال شهر كامل عن شرب الدخان فسوف يسهل عليه الإقلاع عنه.

    هذا من فوائد الصوم.

    والله سبحانه وتعالى عليم حكيم، فقد تكون هناك حكم كثيرة فاتتنا؛ لكن أهم شيء أنه سبب للتقوى، ولذلك يجب على الصائم مراعاة الواجبات فعلاً والمحرمات تركاً ما لا يجب على غيره؛ حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وإن أحد سابَّه أو شاتمََه فليقل: إني امرؤٌ صائم) إلى هذا الحد؟! حتى لو أن أحداً اعتدى عليك بالسب والشتم لا تقابله، قل: إني صائم.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من غشنا فليس منا) .

    وقال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قالوا: من هم يا رسول الله؟! خابوا وخسروا، قال: المُسْبِل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) .

    المنفق سلعته، يعني: المروج سلعته بالحلف الكاذب، مثل أن يقول: والله ما في السوق أحسن منها، أو يقول: والله لقد أعطيت بها كذا وكذا وهو كاذب، أو يقول: لقد اشتريتها بكذا وكذا وهو كاذب، أو ما أشبه ذلك، ثم يحلف على هذا الشيء، فيكون منفقاً سلعته بالحلف الكاذب، هذا من الذين لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.

    أما المسبل: فهو الذي أسبل ثوبه خيلاء، فإذا أسبل ثوبه خيلاء فإن الله تعالى لا يكلمه، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.

    أما إذا أسبله لغير الخيلاء فإن عذابه أهون، ويعذَّب لكن أهون، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (ما أسفل من الكعبين ففي النار) أي: أنه يعاقب بقدر مخالفته فقط، فإذا نزل عن الكعبين نحو (سنتيمتر) نعم يعذَّب من هذا القدم بمقدار (سنتيمتر) فقط، والباقي ليس فيه عذاب، ولا يلحقه الإثم بأن الله لا يكلمه، ولا ينظر إليه, ولا يزكيه.

    ولا تستغرب أن يكون العذاب على بعض البدن؛ لأن هذا موجود حتى في الدنيا، إذا كوي الإنسان مع شيء من جسده صار الألم على نفس المكان؛ لكن الجسم كله يتألم لا شك؛ لكن المباشر هو ما وقع عليه الكي.

    ولا تستغرب أيضاً وقوع ذلك شرعاً، هذا المثال الذي ذكرنا حسي؛ لكن شرعاً أيضاً؛ حيث إن الرسول عليه الصلاة والسلام رأى أقدام بعض الصحابة بعد وضوئهم لم يمسها الماء، فنادى بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار) فجعل الذي يعذب الأعقاب التي حصل فيها الإخلال بالواجب، وهو غسل القدم.

    إذاً: يجب على الصائم وعلى غيره أن يتجنب المحرم، وأن يقوم بالواجب؛ لكن هو في حق الصائم أولى، ولهذا قال بعض السلف: ينبغي للصائم أن يكون عليه وقار الصوم في قوله ودلِّه وفعله -في قوله، وفي دلِّه يعني: هيئته ووقاره وسكونه، وفي فعله- ولا يجعل يوم صومه ويوم فطره سواء، ولكن نحن -نسأل الله أن يعاملنا بعفوه- نجعل يوم صومنا ويوم فطرنا سواء، بل بعض الناس يجعل يوم صومه أردى من يوم فطره، تجده ينام إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى الغروب، وربما يدع صلاة الظهر وصلاة العصر إلى أن يقوم عند غروب الشمس والعياذ بالله، أين الصوم؟! أين الصوم؟! صوم هذا لن ينفع، صوم هذا عذاب عليه فقط، حَرَم نفسه من الأكل والشرب؛ لكنه لم يأت بجوهر الصوم ولبه وحقيقته، صومه شكلي فقط، تبرأ به الذمة؛ لكنه ناقص جداً، مُخَرَّقٌ مُخَرَّق، ويوشك أن تجتاح أوزار هذه الأعمال ثواب صومه عند الموازنة يوم القيامة، تُوازَن الحسنات والسيئات، ربما تكون سيئات أعماله في هذا الصوم أكثر من حسناته بالصوم، فيضيع عليه، ويكون خاسراً لها.

    إذاً: علينا أن نراعي هذه المسائل في صومنا، وأن نعرف ما هي الحكمة من الصوم، حتى نقوم بذلك، وأسأل الله أن يعيننا وإياكم عليها، أنا أشد الناس تقصيراً في هذا؛ ولكن أسأل الله العفو لنا ولكم.

    هذه بعض ثمرات الصوم الذي أوجبه الله على عباده في كل ملة في هذا الدين الذي ختم الله به الأديان، وفي جميع الأديان السابقة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] .

    ثم بين الله أن هذا الصوم ليس شهوراً ولا سنين، وإنما هو أيام معدودات، كم؟

    إما ثلاثون يوماً أو تسعةٌ وعشرون يوماً، أيامٌ معدودة قليلة، فاصْبِر نفسَك، واتقِ الله في هذه الأيام، حتى تربي نفسك وتعتاد على التقوى فيما يُستقبل من عمرك.

    إجابة دعوة الصائم

    ثم ذكر الله عزَّ وجلَّ أحكام الصوم، ومن لا يستطيعه لسفر أو مرض، ثم قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] لأن الصوم زمن إجابة دعاء.

    وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: (إن للصائم دعوة لا ترد) .

    وهذه فرصة؛ لأنه ذكر إجابة الدعاء بعد ذكر الصوم؛ لكن قال: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة:186] بماذا؟ بما فرضتُ عليهم من الصوم والتقوى: وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    1.   

    تحريم أكل أموال الناس بالباطل

    ولما ذكر الله التحريم في هذا الزمن القصير، أياماً معدودات، وفي أشياء خاصة مما أحل الله للإنسان حرمها الله تعالى لحق نفسه، ذكر التحريم العام، فقال: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188] بعد آية الصوم قال: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188] هذا حرام مطلقاً، أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وندلي بها إلى الحكام، كيف ندلي بها إلى الحكام؟ يعني: أن الإنسان يجد ما يجب عليه لأخيه من مال، ويقول: أنا وأنت نذهب إلى الحاكم، والحاكم إذا تحاكم إليه الخصمان، وليس للمدعي بينة فماذا يصنع؟ سيقول للمدعى عليه: احلف أنه ليس عندك شيءٌ لفلان، فإذا حلف برئ، يعني برئ بمعنى: أنها انقطعت الخصومة. ولهذا قال: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة:188] لأن كثيراً من الناس يأكل أموال الناس بالباطل عن طريق المحاكم؛ يجيء لشخص:

    ويقول: أقرضني من فضلك عشرة آلاف ريال، وأنا أجيء بها لك إن شاء الله في أقرب فرصة ممكنة

    ممكن ألا يجيء بها إلا يوم القيامة؛ لكن هو يقول: في أقرب فرصة ممكنة.

    حسناً! تذهب لفلان يكتب بيننا، أو شهود.

    قال: لا، ما تأمنِّي؟! أنا عندك خائن؟!

    ثم يخجِّله حتى يعطيه عشرة آلاف ريال بدون شهود.

    ثم بعد مدة يأتي يطلبه:

    فيقول له: اصبر، يأتي الله بالرزق، أنا قلت لك: في أقرب فرصة ممكنة، ولم تحصل الفرصة حتى الآن.

    وهكذا، وفي النهاية؟ يقول: ما عندي لك شيء.

    اتق الله! كيف ما عندك لي شيء؟!

    قال: نعم، عندك شهود؟ وإلا أنا وأنت إلى المحكمة.

    إذا حضرا عند القاضي ماذا يقول؟

    القاضي سيقول للذي قال: إني أقرضتُه عشرة آلاف، سيقول: هات الشهود، إذا ما عندك شهود يحلف خصمك.

    الخصم سيحلف أو لا؟

    الغالب أنه يحلف؛ لأن نيته سيئة، فيحلف.

    فيقال للمدعي: في أمان الله، اخرج، ليس لك شيء.

    إذاً: أكل المال بالباطل، مدلياً بذلك إلى الحكام: لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188].

    وإن الإنسان -ختاماً لهذا الكلام على هذه الآية أو الآيات- إذا تأمل القرآن وجد فيه معانٍ عظيمة من كل زوج بهيج: في الأخبار، في الأحكام، في البلاغة، في كل شيء؛ لكن يحتاج إلى تأمل، خذ بعض الآيات في وقت فراغك، وصفاء ذهنك، وتأملها تجد فيها العجب العجاب؛ لأن الكلام كلام الله عزَّ وجلَّ، لا تنقضي عجائبه أبداً.

    لكن الغفلة الحاصلة منا لا نرى هذه المعاني العظيمة في كتاب الله عزَّ وجلَّ؛ لأن أكثر من يقرأ القرآن يحب أن ينتهي منه ويختمه، ويجيء إلى آخر رمضان قال: ختمتُ القرآن عشر مرات، أو عشرين مرة، هذا ما هو المقصود، المقصود تدبُّرٌ: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ [ص:29] ماذا قال؟

    لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29] لم يقل: ليقرءوه سرداً بدون تأمل: لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص:29] هذا التدبر: تفكُّر في المعاني.

    وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29] وهذا امتثال.

    فأولاً: قراءة.

    ثم تدبر وتفكُّر في المعاني.

    ثم امتثال وتذكُّر.

    1.   

    الأسئلة

    حكم أداء السنة الراتبة قبل دخول وقتها

    السؤال: فضيلة الشيخ! ذكرتم في اللقاء الأول أن الذمة تنشغل في الراتبة، وأن الإنسان إذا أداها قبل الأذان فإنها لا تبرأ بها الذمة، أرجو توضيح هذا القول! وهل هي واجبة؟ لأن هذا ما تبادر لي! وجزاكم الله خيراً. الجواب: نعم، الإنسان مطالَب بفعل الفرائض والنوافل؛ لكن تختلف الفرائض عن النوافل من وجهين: الوجه الأول: قوة الطلب والأمر في الفرائض أكثر من قوته في النوافل. الوجه الثاني: أن ترك النوافل ليس فيه إثم، بخلاف ترك الفرائض. إذاً: فإذا صلى النافلة المؤقتة في غير وقتها، فإن الطلب لم يسقط بذلك؛ لكن ليس الطلب الذي يأثم به الإنسان، بل هو طلب لا يأثم به، فهذا الرجل نقول له: إنك لم تُسْقِط الطلب بهذه الراتبة أو بهذه النافلة؛ ولكنه لا يأثم بذلك، والعبارة لا شك أن فيها إيهام إذا كانت على ما ذكر السائل؛ لأني الآن لا أستحضر اللفظ، إذا كانت على ما ذكر السائل ففيها إيهام أن النوافل يأثم الإنسان بتركها، ولكنه في الواقع لا يأثم بتركها؛ لكنه مطالب بفعلها إلا أنه طلب دون الطلب بالفرائض، فإذا فعل النافلة المؤقتة في غير وقتها فإن الطلب لم يسقط بذلك.

    أحوال الناس تجاه صلاة التراويح

    السؤال: الذين يحضرون هذا الدرس انقسموا إلى ثلاثة أقسام: منهم من بقي عند الباب خارج المسجد، ومنهم من دخل وصلى تحية المسجد وجلس ينتظر، ومنهم من دخل معنا في الصلاة، فما حكم هؤلاء بالفضل بينهم؟ الجواب: إذا دخلوا وصلوا مع الإمام فهم على خير، وزيادة في الأجر؛ ولكنهم إذا شاركوا الإمام في الوتر وهم قد أوتروا من قبل، فإنهم يشفعون الوتر، أي: أنهم يقومون فيأتون بركعة؛ لأنه لا وتران في ليلة. وأما الذين دخلوا وصلوا تحية المسجد وجلسوا فقد أخطئوا بعض الشيء، لأن الذي يدخل المسجد ويجد الناس يصلون مأمور بالدخول معهم، وموافقتهم من أجل أن يحصل الاجتماع، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الرجلين الذين جاءا وهو يصلي الفجر، ولم يدخلا في القوم قال: (ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: صلينا في رحالنا، قال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجدنا فصليا معنا، فإنها لكما نافلة) . وأما الذين لم يدخلوا وبقوا في السوق فليس عليهم شيء؛ لأن الصلاة التي يصليها الإمام نافلة، إن شاءوا دخلوا وصلوا، وإن شاءوا لم يدخلوا، فليس عليهم شيء؛ لكن قد فاتهم الأجر، إلا إذا كانوا يتكلمون بصوت يشوِّش على الجماعة، فإنهم في هذا يكونون آثمين؛ لأن التشويش على المصلين يؤدي إلى إفساد العبادة أو نقصها، وهذه جناية، ولهذا لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه وهم يصلون في المسجد، وكل واحد منهم يقرأ ويرفع صوته، قال عليه الصلاة والسلام: (إن المصلي يناجي ربه -ليس يناجي أحداً سواه، والله يسمع ولو كان الصوت خفياً- فلا يجهرن بعضُكم على بعض في القراءة). وفي حديث آخر: (لا يؤذينَّ بعضُكم بعضاً) فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا إيذاءً، وصدق رسول الله، إذا سَمعتَ إنساناً يَجهر بالقراءة حولك، وأنت تصلي لا شك أنه يؤذيك، ويشوش عليك، وربما تكرر الآية مرتين أو ثلاثاً مع الانشغال. ومن هنا نأخذ خطأ أولئك الذين يصلون في المنارة، الآن بعض الناس في المنارة يفتحون مكبر الصوت على المنارة وهو يصلي الفريضة أو النافلة، هذا لا شك أنهم مخطئون، وأنهم إلى الإثم أقرب منهم إلى السلامة؛ لأنهم يؤذون من حولهم من أهل البيوت، يمكن بعض الناس يريد يصلي، ومن النساء من تصلي في بيتها، وهذا مكبر الصوت يشوش عليها، ما يتركها تصلي، ربما يوجد أناس في البيوت يحتاجون إلى نوم وراحة، لمرض أو غير مرض، فيشوش عليهم هذا الصوت، ويزعجهم ويقلقهم، وأيضاً في المساجد المتقاربة يحصل التشويش، ولقد حُدِّثْت أن بعض الناس في المساجد القريبة تكون قراءة إمام المسجد الذي هو جار لمسجدهم قراءة جيدة، وإلقاء طيب، وصوت جميل، فينسجمون معه، ويتركون إمامهم، فإذا قال المسجد المجاور: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] قال هؤلاء: آمين، أحياناً ربما يرفعون معه، هذا من أعظم الجناية على الناس. ولهذا أنا أرجو منكم إذا سمعتم مسجدنا على هذا أن تنصحوه لله، وتقولوا: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام هو الحكم بيننا وبينك فهذا كلامٌ لأصحابه، قال: (لا يؤذين بعضُكم بعضاً في القراءة) هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحكم عليه الصلاة والسلام: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] نحن لا نعارضك بعقولنا، حتى تقول: أنا عندي عقل مثلك، نعارضك بنص واضح، وأنت تؤذي، لا أحد يشك في أذيتك. ثم أي نتيجة تحصل بذلك؟! ما هي النتيجة؟! هل هو يصلي للناس الذين خارج المسجد أم لأهل المسجد؟! لأهل المسجد، فأي نتيجة في هذا؟! إذا كنت محتاجاً إلى استعمال مكبر الصوت من أجل أن ينشِّطك فاستعمله داخلياً فقط، وفيه بركة، على أني أنا أحب أن الإمام لا يجعل شيئاً يتكئ عليه للنشاط في القراءة، بل يجعل النشاط في القراءة أمراً ذاتياً من نفسه، ما يعتمد على مكبر الصوت أو غيره، فيُخَلِّي نفسه ليتعود، لأجل يرفع الصوت، ويحسِّن النغمة بقدر الاستطاعة، حتى لا يعتمد على نغمة صوت مكبر الصوت. ثم إن فيه ضرراً أيضاً من ناحية ثانية، كما احتج عندي بعض الناس بالإقامة في المنارة، بعض الناس الآن إذا أراد أن يقيم وهم كثير يقيمون في المنارة، يقولون: هذه الإقامة أفسدت علينا أولادنا، إذا قلنا: قم للصلاة، قال: لم يقم بعد، فإذا أقام ذهب يتوضأ وفاته بعض الصلاة أو كل الصلاة، فكانوا يشتكون من هذا، لكني أنا ما أحببت أن أجيب على شكواهم، قلت: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة) وهذا يدل على أن الإقامة في مسجد الرسول تُسمع من خارج المسجد، فلا أستطيع أن أنهى عن شيء قد تكون السنة دلت على جوازه. الصلاة أضر وأضر؛ لأن الذي يسمع صوت الإمام وهو يصلي يقول: هذه أول ركعة، والصلاة تُدرك بركعة. قال له الثاني: لا يا أخي! الصلاة تدرك بتكبيرة الإحرام قبل أن يسلم. فيقول بعض العلماء: إن الإنسان إذا أدرك تكبيرة الإحرام قبل السلام فقد أدرك الصلاة. فاصبر إذا ما بقي إلا تكبيرة الإحرام قبل السلام دخلنا. فيفوتون الصلاة عليهم. إذاً: ففيها ضرر حتى على الناس، أنهم ينتظرون آخر ركعة ويحضرون. فإذاً: لا فائدة، بل مضرة على من أراد الصلاة في هذا المسجد، ومضرة على المساجد الأخرى، ومضرة على الناس في بيوتهم. وإذا أردنا أن نقول: من الناحية الاقتصادية إن فيها مضرة أيضاً، وهي: استهلاك الكهرباء، أنت قد تقول: إن هذا مكبر الصوت بسيط، يعني: عن (لمبتين) أو ثلاث؛ لكن إذا كان في البلد مائة مكبر مثلاً كم تكون الكمية؟ كبيرة، تكون الكمية كبيرة، وبيت مال المسلمين محترم. لكن أنا أقول: لا بأس إذا كان ينشط الإنسان أنه يستعمله في داخل المسجد، ما فيه إن شاء الله بأس، ولا نقدر نتحجر على الناس كثيراً، أما أن يجعله على المنارة فهذا لا شك أنه أذية على مَن حوله من المساجد، وعلى الأفراد في البيوت، وأذية على الناس أيضاً من جهة الذين يريدون أن يصلوا معه، ينتظرون آخر ركعة.

    حكم قضاء الفوائت المتروكة عمداً

    السؤال: أنا في سنوات مضت أفطرت يوماً بجهل مني بسبب رفقة السوء، والآن بعد أن منَّ الله عليَّ بالهداية، ندمتُ على ذلك، فهل أقضي ذلك اليوم، أم ماذا أفعل؟ أفيدونا! جزاكم الله خيراً؟ الجواب: الصحيح أنه لا يجب على الإنسان قضاء الفوائت التي تعمد تركها من صلاة أو صوم؛ لأن هذه العبادات كالصلاة والصوم مؤقتة بزمن معين، والعبادة المؤقتة بزمن معين إذا أخرها الإنسان عن وقتها بدون عذر شرعي فإن قضاءه إياها لا ينفعه، وإذا كان قضاؤه إياها لا ينفعه لم يكن من إلزامه بالقضاء فائدة، ولهذا كان الصحيح أن نقول لهذا السائل: لا يلزمك أن تقضي اليوم الذي تركته؛ ولكن أكثر من الأعمال الصالحة، والتوبة إلى الله، والحسنات يذهبن السيئات.

    حكم من جامع أهله في نهار رمضان بدون إنزال

    السؤال: رجل كان يعتقد أن الجماع في نهار رمضان دون الإنزال لا يفسد الصوم، فماذا عليه؟ الجواب: إذا كان مثله يجهله، يعني: بمعنى أنه عامي حقيقة، ولا يطرأ على باله أن هذا مفسد للصوم، فإن صومه صحيح غير فاسد، وليس عليه قضاء، وليس عليه كفارة. أما إذا كان مثله لا يجهله، يكون مثلاً قد قرأ وعرف، أو سمع من الناس فإنه لا عذر له، فالمؤمن إذا كان صادقاً في جهله ومثله يجـهله؛ فلا شيء عليـه، لا قضاء، ولا كفارة، ولا إثم؛ لعموم قوله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] . ولأن الصحابة رضي الله عنهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أفطروا في يوم غيم ثم طلعت الشمس، ولم يؤمروا بالقضاء؛ لأنهم كانوا جاهلين بالوقت، والأكل والشرب كالجماع لا فرق بينهما كلاهما مفسد، فإذا لم يفسد الأكل والشرب في حال الجهل، فكذلك الجماع.

    جواز صلاة ركعتين من التراويح بنية راتبة العشاء

    السؤال: هل تجزئ ركعتان من صلاة التراويح عن راتبة العشاء الآخرة؟ الجواب: إي نعم، إذا نوى الإنسان أن هاتين الركعتين عن الراتبة كما لو صلى العشاء في مسجد، وجاء إلى مسجد آخر ووجدهم يصلون التراويح، ودخل معهم بنية أن التسليمة الأولى لراتبة العشاء، فإن ذلك يجزئه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) . السائل: إذا فعلها وهو إمام، يعني: ربما يقتدي به الناس! الشيخ: نعم، أما إذا فعلها وهو إمام فعلى نيته أيضاً، ولكن الذين وراءه على نياتهم، إذا كانوا ينوون بها قيام الليل فهي من قيام الليل.

    حكم تناول الإبر غير المغذية في نهار رمضان

    السؤال: امرأة مريضة بالسكر، أمرها الطبيب أن تأخذ إبرة (الأنسولين) الخاصة بمرض السكر قبل الإفطار بربع ساعة، هل هذه الإبرة تفطر في هذه الحال، أم لا؟

    الجواب: هذه لا تفطر؛ لأن جميع الإبر لا تفطر، إلا ما كان يغني عن الأكل والشرب، وهو الذي يُحقن في الإنسان عن طريق الأنف فيستغني به عن الأكل والشرب، أما ما سوى ذلك فإنه لا يفطِّر، ولا يمكننا أن نقول للناس: إن صومكم فسد بدون دليل شرعي، وليس عندنا دليل شرعي يدل على أن كل ما وصل إلى البدن فهو مفطِّر، لأن الله تعالى بيَّن قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة:187] فما كان أكلاً وشرباً أو بمعنى الأكل والشرب، فهو مفطِّر، وما عدا ذلك فإن الإنسان لا يَجْسُر أن يقول: هذا مفطر، ولهذا نرى أن الذي يقول: إن هذه الأشياء مفطرة احتياطاً نرى أنه احتاط من وجه، ولكنه لم يحتط من وجه آخر، لم يحتط من حيث إبطال عبادة الناس بدون دليل؛ لأن إبطال عبادة الناس بدون دليل أيضاً يحتاج إلى احتياط، لا تبطل عبادة الناس إلا بدليل واضح تقابل به ربك، نعم، إذا استشارك وقال: ماذا تشير عليَّ؟ فحينئذ ربما نقول: أشر عليه بما ترى أنه أحوط، وهو تجنب هذا الشيء الذي فيه الشبهة، أما إذا قال: هل يفطِّر أو لا؟ فتقول: يفطِّر، هذا صعب إلا بدليل.

    حكم استعمال النساء حبوب منع الحيض في رمضان

    السؤال: امرأة عادتها الشهرية خمسة عشر يوماً، خمسة أيام في أول رمضان، وعشرة أيام في العشر الأواخر من رمضان، فتريد أن تستعمل حبوباً لمنع العادة في العشر الأواخر من رمضان، فما الحكم في ذلك؟ مع العلم أن قصدها الصلاة والتهجد مع المسلمين لا أنها لصعوبة القضاء؟ الجواب: بناءً على ما سمعتُ من أطباء ثقات أرى ألا تستعمل هذه الحبوب؛ لأنها ضارة على الرحم، وعلى دم المرأة، وعلى العادة، وعلى الجنين، يعني يقولون: من أسباب تشوُّه الأجنَّة الذي كثر في هذا الزمان تناول هذه العقاقير. فالذي أرى أن لا تستعملها، بل أرى أن ترضى بما قدَّر الله عزَّ وجلَّ من هذا الحيض، وليكن لها أسوة بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عائشة في حجة الوداع أحرمت بعمرة كسائر النساء، فأتاها الحيض في أثناء الطريق بـسرف ، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: (ما لك؟ لعلك نفستِ! -يعني: حضتِ!- قالت: نعم يا رسول الله! قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) ما هو عليك أنت وحدك. كتبه الله كتابة شرعية أم كونية؟ كتابة كونية، قدر الله عزَّ وجلَّ بكتابته الأزلية التي كتبها في الأزل أن بنات آدم يحضن، فكأنه يقول: هذا شيء مكتوب، ولا فرار عن المكتوب، فاصبري، ثم أمرها عليه الصلاة والسلام أن تحرم بحج، وتدخل الحج على العمرة لتكون قارنة. الشاهد: أني أقول: لا تستعمل النساء هذه الحبوب؛ لما ثبت عندي من أضرارها، ولأن الرضا بما قدر الله على النساء من الحيض الذي فيه الامتناع عن الصوم وعن الصلاة خير من فعل الأسباب المانعة للحيض. ثم اعلم أيضاً أن كل شيء يكون بمقتضى الطبيعة التي جَبَلَ الله عليها الخلق إذا وجد ما يصادم هذا الشيء فإنه يكون ضرراً على البدن، هذا شيء يعرفه الإنسان، وإن لم يكن طبيباً، شيء بمقتضى الطبيعة والجِبِلَّة لابد أن يخرج فإن حبسه لا شك أنه ضرر، واعتبر ذلك بما لو كان بولاً أو غائطاً، وأكلتَ حبوباً تمسكه، هل سيؤثر ذلك على البدن؟ نعم، سيؤثر على البدن لا شك، وإن كان ما جاءك بول، ولا غائط؛ لكن سيؤثر انحباسه في العروق، والعادة أنه يخرج، لا شك أنه ضرر، كذلك هذا الدم؛ دم الحيض. فالذي نرى أن النساء يتركنه، والحمد لله إذا أفطَرَت فقد أفطَرَت بأمر الله، وإذا ترَكَت الصلاة فقد ترَكَت الصلاة بأمر الله.

    حكم ذهاب الأئمة لأداء العمرة وتركهم إمامة المساجد

    السؤال: أنا إمام في مسجد وأريد أن أذهب في العشر الأواخر إلى مكة ؛ لأنني أشعر أنني إذا بقيتُ هنا سوف أحس بالفراغ؛ لأني مرتبط بإخوة لهم نشاط، وسوف يذهبون إلى مكة ، وأحب الذهاب معهم من أجل أن أستفيد في الوقت، مع العلم أنني سوف أستأذن من الأوقاف، وأقوم بتوكيل من يصلي عنِّي، أفتوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بالمناسبة: قد أتتنا ورقة من الأوقاف اليوم بمنع سفر الأئمة إلى العمرة أو غيرها، وأنهم لا يرخصون لأحد، وهذا حقيقة، يعني: أنه قد يكون قراراً مفيداً؛ لأنه يوجد بعض الناس -الله يهدينا وإياهم- من اليوم إلى آخر رمضان يفرون، إما إلى مكة ، وإما إلى أفغانستان، وإما إلى غيره، فيَضِيْعون ويُضَيِّعون ما أوجب الله عليهم، وبعضهم إذا دخلت العشر يذهب.

    ولكن الذي نرى أن المرتبط بأمر واجب يجب عليه أن يبقى في هذا الأمر؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] والعقد الذي بينك وبين الدولة إن صح أن نسميه عقداً أن تكون إماماً في كل وقت، لاسيما في حاجة الناس في رمضان.

    ويقول: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً [الإسراء:34] .

    وأنت يا أخي! لا يزين لك الشيطان القيام بالنافلة مع ترك الواجب، إن فعل الواجب أفضل بكثير من فعل النافلة، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُه عليه).

    لكن قد تقولون: لماذا أنت تذهب أيضاً في العشر؟ أو بعد نصف الشهر؟

    فأنا أقول: إننا نجد مصلحة كبيرة في تعليم الناس، ولولا أنه يتسنى لنا التعليم ما ذهبنا؛ لكن نظراً إلى أنه يحصل في التعليم استفادة كثيرة، يمكن بعضكم شاهدها، مع الاستئذان من إدارة الأوقاف، ومع وضع أحد يقوم باللازم إن شاء الله تهون علينا، وإن اعترضتم وسدَّدتم ما نذهب.

    على كل حال أنا أرى إن شاء الله تعالى أنَّا في حِل؛ لأننا نذهب إلى مصلحة كبيرة، يعني: حتى بعض الناس من دخول الشهر وهم يقولون: ائتي الناس كثيرون، والناس كثيرون، والناس كثيرون؛ لكن ما هو بصحيح أن الواحد يذهب شهراً كاملاً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007965030

    عدد مرات الحفظ

    720723846