إسلام ويب

تفسير سورة طه [105-112]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عندما تقوم الساعة تزلزل الأرض وتنسف الجبال حتى تصير قاعاً صفصفاً، وحينئذٍ تخضع الرقاب وتذل الجبابرة لله الواحد القهار، فلا تنفع الشفاعة إلا بإذن الله لمن رضي له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال...)

    قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ [طه:105]:

    قيل: إن رجلاً من الطائف سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الجبال على سعتها وعرضها وطولها وثقلها، أين تكون إذ ذاك؟ فأنزل الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107].

    يقول الله تعالى لنبيه: قل يا محمد عندما يسألونك عن هذه الجبال على طولها وعرضها وثقلها الذي استقرت به الأرض فلم تمل يميناً ولا شمالاً ولم تنقلب بأهلها: (ينسفها ربي نسفاً..).

    قوله تعالى لنبيه: فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:105]:

    أي: يطيرها ويذرها في الهواء هباء وكأنها لم تكن، فتصبح هباءً منثوراً، فكما قال لها يوم خلقها: كوني فكانت، يعود فيقول لها يوم القيامة: اذهبي، فتذهب وتصبح ذرات وهباءً إلى ألا يبقى منها حتى الذر.

    فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا [طه:106] والقاع الأرض المستوية، والصفصف الملساء.

    وأكد الله فقال: لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:107]:

    أي: لا ترى فيها حفراً ولا وهاداً ولا ودياناً.

    والأمت: التلال والجبال الصغيرة.

    تصبح قاعاً صفصفاً، مستوية ملساء لا حفرة فيها ولا تل ولا اعوجاج، ولا ما يحول دون البصر لمن يريد أن يرى هؤلاء الخلائق واقفين معروضين على الله منذ آدم إلى آخر مخلوق على وجه الأرض.

    فالكل يقف معروضاً على الله، محشوراً إليه، ينتظر السؤال: هل هو إلى جنة أو إلى نار، هل هو ممن يحمل كتابه بيمينه أو هو ممن يحمل الكتاب بشماله؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له...)

    قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه:108].

    والداعي هو إسرافيل يدعو بالصور في النفخة الثانية، يوم يدعو الكل إلى الذهاب والمشي إلى ساحة العرض على الله يوم الحساب.

    يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ [طه:108]:

    أي: من يدعونا بأمر الله للاستجابة إلى الله.

    لا عِوَجَ لَهُ [طه:108]:

    أي: لا اعوجاج ولا زوغان ولا فرار، ولا يستطيع أحد أن يختفي من هذا الداعي.

    وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه:108].

    أي: تخشع الأصوات فتخفض وتخضع بالقول، ولا تكون مرتفعة، فلا تسمع إلا همساً.

    وذكر الرحمن في هذا الموطن رحمة من الله وكرم، وإلا فهو يوم الجبروت، ولكنه جبروت على أهل الكفر والمعصية، ورحمة بالمؤمنين.

    وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [طه:108].

    أي: أن هؤلاء عندما يتكلمون لا يتخافتون إلا همساً، والهمس لا يكاد يكون معه إلا حركة الشفتين، وهو ما يطلق على حركة الشجر، وما يطلق على حركة الماء دون أن يكون هناك أمواج.

    فيكون حديث هؤلاء وهم مشاة إلى الله جل جلاله ومتبعون الداعي إسرافيل، فيتحدثون: ما الموقف؟ وما المآل؟ وهل نحن من أهل الجنة أو من أهل النار؟ على أن الكلام هنا عن المجرمين، فهم الذين سيكون الحال شديداً عليهم، فلا يرون أمامهم -وهم أعلم بأنفسهم- إلا العذاب واللعنة والغضب.

    ومن أول يوم فإنهم يزعجون إزعاجاً، وذلك عندما ينفخ في الصور، فيدعون للاستجابة وللعرض على الله في اليوم الذي طالما أنكروه في حياتهم، فقد أنكروا البعث، وأنكروا الحياة بعد الموت، وأنكروا الجنة والنار، وأنكروا العرض على الله، وأشركوا مع الله غيره.

    فهؤلاء عندما يعيشون في واقع ما كانوا ينكرونه تجدهم بين الهمس والخفوت والتحدث بأصوات ذليلة خاشعة، فيتحدث أحدهم مع من بجانبه فلا يكاد يسمعه، ولا يكاد يفهمه إلا من حركة شفتيه.

    وكما في حديث السيدة عائشة : (من نوقش الحساب عذب).

    ولا يعذب إلا المجرمون الكافرون المشركون، وأما المؤمن فمهما صدر منه إذا مات على التوحيد، وعلى اليقين بالله واحداً وبمحمد نبياً ورسولاً، فإنه إما أن يغفر الله له إن شاء ذلك، وإما أن يعذب برهة -الله أعلم بقدرها- ثم يخرج بعد ذلك إلى الجنة بالشفاعة لمن يأذن الله تعالى له بأن يشفع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة...)

    قال تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه:109].

    في يوم الحشر، ويوم العرض على الله، ويوم البعث من الموت إلى الحياة الخالدة في الجنة لأهل الجنة، والخالدة في النار لأهل النار، فإن هؤلاء لا يطمعون في أن يشفع لهم أحد إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً.

    قال ابن عباس : هذا القول هو لا إله إلا الله، أي: لا يشفع إلا المؤمن، ولا يشفع إلا للمؤمن.

    وأما من مات مشركاً فهو يائس من الجنة، ويائس من الرحمة، والله لا يغفر لمشرك كافر أبد الآباد.

    فالمذنب إذا مات مؤمناً غير مشرك فإنه يطمع في رحمة ربه، وأما الكافر فلا يرحمه الله، ولا بد من عذابه خالداً مخلداً كخلود المؤمن في الجنة، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    وإذا كان المشرك لا غفران له إذاً فلا شفاعة له، وإذا كانت الشفاعة بإذن الله ولا يشفع أحد إلا بإذنه، فإن الله لا يأذن إلا لمن رضي قوله شافعاً ومشفعاً، بأن يكون الشفيع موحداً مؤمناً، وأن يموت المشفوع له أيضاً مؤمناً، وقد رضي الله قوله، وهو يعلم أن لا إله إلا الله.

    والشفاعة لا تكون إلا من الأنبياء والصالحين، وهؤلاء أطوع لله من أن يكونوا فضوليين في الشفاعة بلا إذن.

    وليست الساعة ساعة معصية، وهم في الدنيا كانوا مطيعين فكيف يعصون يوم القيامة ويشفعون بلا إذن.

    يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ [طه:109]، فلا تنفع الشفاعة مجرماً، ولا تنفع عاصياً إلا لمن أذن الله له أن يشفع بخصوص هذا المشفوع فيه، ووصْف ذلك وعلامته وبيانه أن يرضى الله قول الشافع الذي سيشفع بعد إذن الله، وقول المشفع فيه الذي ستنفعه الشفاعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم...)

    قال تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110].

    أي: يعلم ما قدموه من أعمال صالحة أو طالحة، وما صنعوه في دار الدنيا من طاعة لله ولرسل الله: من تحليل الحلال وتحريم الحرام، والله في هذه الساعة هو وحده العليم، فهو أعلم بأنفسنا من أنفسنا، فيعلم من الذي كان في الدنيا يعمل الصالحات، ومن الذي كان يعمل الطالحات، وماذا سيستقبلنا، فالصالح له الصلاح، وله الرحمة والرضا، والطالح له اللعنة والغضب.

    فيعلم ما بين أيديهم، أي: ما هو أمامهم، وما سيستقبلهم، ويعلم عرضهم على الله تعالى، وإلى أين يكون مآلهم إلى جنة أو نار، ويعلم ما خلفوه في دار الدنيا من معصية وكفر وجحود، فعلى أساس ذلك من يعمل الصالحات يلق صالحات، ومن يعمل الطالحات يلق طالحات.

    وفي هذه الساعة يحتاج الإنسان إلى الزاد، ولا زاد هنا إلا التقوى، والدنيا قد ذهبت بما فيها واندثرت، فخلّف الإنسان زوجته لغيره، وأولاده لأنفسهم، والأموال يقتسمونها، ولا يلحقه للآخرة إلا العمل الصالح، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197].

    قال تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]:

    لا يحيط مخلوق بعلم الله، بل ولا يعلم إلا النزر القليل مما علمه الله إياه، فهي كلمات أفادته في الدنيا، وكلمات ستفيده في الآخرة، وأما علم الله الذي وسع كل شيء، فلا يحيط به ملك مقرب ولا نبي مرسل، فلا يحيط بعلم الله إلا الله الذي وسع علمه كل شيء، وأحاط بعلم كل شيء، وهيهات أن يعلم المخلوق من علم الخالق إلا ما لا يكاد يذكر.

    ونحن نعلم القصة التي قصها الله علينا في سورة الكهف بين موسى والخضر، والتي دلت على علم الله الواسع الذي لا يحاط به، فعندما سئل موسى كليم الله: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا، قال الله له مؤدباً: بلى! عبدي الخضر، قال: يا رب اجمعني به، فجمعه به بعد محنة وعذاب ومشي من المشرق إلى المغرب حتى وصل إلى مجمع البحرين: البحر الأبيض والبحر المحيط، فكان ما كان واجتمع به، وأراه من غرائبه وعجائبه، وموسى لم يتحمل ذلك لأنه لا يعلمه، وبعد أن أراه وأطلعه على ثلاثة من القضايا في العلم واستقرت نفس موسى رأيا طائراً صغيراً وقف يشرب من البحر بمنقاره فقال الخضر: يا موسى! ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذه القطرة التي يأخذها هذا الطائر من البحر، وماذا عسى أن تكون هذه القطرة من البحر! قال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27].

    يقرب لنا الله جل جلاله سعة علمه بأنه لو كانت بحار الأرض كلها حبراً ومداداً، وكانت جميع أشجار الأرض قد بريت أقلاماً، وأخذت هذه الأقلام تكتب وتستمد من هذه البحار لجفت البحار، وبعدها سبعة أبحر من أنواعها، وتبقى كلمات الله وعلم الله لا ينفد ولا ينتهي، فكيف يحيط بعلمه جل جلاله أحد من الخلق، وأين الخالق من المخلوق؟!

    قوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]:

    أي: علمهم لا يحيط بالله ولا يعرفون له حقيقة، فكل ما يخطر ببالك فربنا مخالف لذلك، ولكن الذي نعلمه ونوقنه وأتى به كتاب ربنا، وزادته سنة نبينا بياناً وشرحاً وتفسيراً: أن الله هو المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، ذو الصفات العلى، والأسماء الحسنى، الخالق الرازق، القيوم على خلقه، المحيي المميت، الذي لا أول له ولا نهاية، فكان الله ولا خلق، وسيفنى الخلق ويبقى الله، والله هو الخالق الرازق القادر على كل شيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم...)

    قال تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:111].

    أي: خضعت الوجوه وخنعت لله، خضعت وجوهنا وجباهنا ساجدين، ولنا الشرف بذلك.

    والحرية كل الحرية في العبودية لله، والعبودية كل العبودية في التأله على الله والكفر به، وهؤلاء المرتدون الكفار عندما يصفون أنفسهم بالتحرر والحرية ويكفرون بالله يكونون أذل نوع من العبيد، وأحقر من في الأرض، فقد استعبدتهم شهواتهم، ونزواتهم، وبطونهم، وفروجهم.

    وأما المتحرر فهو الذي علم لله حقه فخنع له وعنى وجهه له، ومن هنا يقال للأسير العاني، أي: الذليل بين يدي آسره، ذاك بالنسبة للخلق بعضهم مع بعض، أما الذل لله فهو أشرف وصف، ولذا وصف به نبينا في القرآن عندما سماه عبد الله، وأشرف صفة يتشرف بها مخلوق أن يكون عبداً لله، ومن هنا لا يجوز ولا يليق ولا ينبغي أن تحنى هذه الجباه التي خلقها الله بيده إلا لخالقها، ومن هنا كان مالك يسمى حني الرأس سجدة صغرى.

    ومن هنا كان السجود لغير الله حراماً، وقد حاول بعض الأصحاب وقد رأوا أتباع كسرى وقيصر ينحنون له، رأى ذلك معاذ بن جبل وغيره، فعندما عاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا رسول الله؛ أنسجد لك؟ قال: لا، لا يكون ذلك إلا لله، ولو كنت آمراً أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها)، لو: حرف امتناع لامتناع، منعت الزوجة من السجود للزوج؛ لأن السجود لا يكون إلا لله.

    وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111] أي: ذلت وخضعت فلا إله غيره، ومن هنا نسجد لله في الفرائض الخمس في كل ركعة، فنسجد على سبعة أعضاء: على الجبهة والرأس واليدين والركبتين وأصابع الرجلين، ولا يتم ذلك ما لم تكن الجبهة ملتصقة بالأرض، إلا إذا كان هناك مانع من مرض، فما جعل علينا في الدين من حرج، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).

    ومن هنا كانت الصلاة جلوساً، ومن هنا كانت الصلاة إيماءً، ومن هنا كان الصلاة إشارة، فالصلاة لا تسقط إلا عن شخصين: لا تسقط إلا عن غير المكلفين، وإلا فهي واجبة على العبد ما دام حياً ولو في الغرغرة، إلا إذا فقد عقله فقد سقط ما وجب؛ لأنه أخذ ما أعطى، فلا تسقط الصلاة إلا لإغماء أو جنون، وللمرأة لحيض أو نفاس، وكذا الصغير لعدم البلوغ، على أن الصغير أمر وليه ومربوه أن يؤدبوه على الصلاة وهو ابن سبع؛ لأن الصلاة إذا لم يعتدها الإنسان من الصغر لا يكاد يثبت عليها ولا يلازمها.

    وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111].

    الوجوه هي أشرف ما في الإنسان، لم تخضع ولم تضع جباهها على التراب، ولم تذل إلا لله الحي القيوم الحق الواجب الحياة، الحي الدائم، وأما حياتنا فهي حياة زائلة، لم تكن فكانت بإذن الله، وستعود للتراب بأمر الله.

    أما الحي الدائم واجب الحياة فهو الله القيوم القائم على كل شيء، والمقتدر على كل شيء، والرازق لكل شيء، والقائم بكل شيء، له حياتنا، وله مماتنا، وعليه رزقنا، منه العز ومنه المغفرة ومنه الرضا؛ لأننا خلقه وملكه، والمالك لا يلام إذا تصرف في ملكه بما يراه الصالح، والله جل جلاله الخالق المختار يصنع ويعامل خلقه كما يشاء، على أن الله جل جلاله حرم الظلم على نفسه كما حرمه على غيره.

    ففي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا)، مع أن المتصرف في ملكه لا يعد ظالماً إن صنع به ما شاء.

    وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111]، الحي الذي لا ينام، الذي لا يغفل ولا ينسى، القيوم على كل شيء، الذي لا يغفله شيء عن شيء، ولا ينسيه شيء شيئاً، ولا يسهو ولا ينام، هو القائم بأرضه وبكونه وبخلقه وبملائكته وبإنسه وبجنه، وبجميع ما في العوالم، هو الذي خلق ذلك ودبره وقام عليه، القيوم المدبر للأشياء والقائم على الأشياء، والرازق للأشياء، والذي يرى لها ما ينفعها مآلاً، وما ينفعها حالاً.

    وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:111]:

    والظلم الشرك، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، أي: قد خاب وخسر، وذل وهان من حمل ظلماً، أي: من كان وزره الشرك وظلمه الشرك، وكان ظالماً لنفسه، بل لم يعط الله حقاً بأن يعبده وحده، وبأن يعتبره وحده الخالق القيوم الحي الدائم.

    وهذه حال المجرمين، وحال الكافرين، فإن الله جل جلاله لا يكاد يذكر بطشه وقدرته وجلاله حتى يصحب ذلك برحمته وبمغفرته، كما يذكر أهل النار، ويذكر بجانبهم الجنة ليرقق قلوب أهل النار فيعودون لله عابدين تائبين، ويخوف أهل الجنة ما داموا أحياء حتى يثبتوا ويلتزموا، ولا يغرهم الشيطان فيرتدوا على أعقابهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ...)

    قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112].

    (من) هنا للتبعيض، لم يطلب من الإنسان بأن يفعل جميع أنواع الصالحات، فهو أضعف من ذلك وأعجز، ولكن على الأقل يعمل من الصالحات بعضها حسب أمره، وهذا يفسره قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).

    أمرنا الله تعالى بالتطهر ماءً، فإن عجزنا عن الماء لمرض ونحوه ننتقل للصعيد الطيب، وأمرنا بالصلاة قياماً، فإن عجزنا لمرض أو لركوب طائرة صلينا جلوساً؛ لأنه لا يمكن للمريض وكذلك راكب الطائرة إلا ذلك.

    قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [طه:112]:

    أي: لا بد من شرط الإيمان، فلا صلاة ولا زكاة ولا عبادة إن لم يكن هناك إيمان.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046156910

    عدد مرات الحفظ

    733649342