إسلام ويب

تفسير سورة القصص [85-88]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما هاجر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة كان قد خرج من أحب البلاد إليه، فوعده الله تعالى بالرجوع إليها حتى رجع فاتحاً بعد ثمان سنين، وهو صلى الله عليه وسلم مثابر على الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله، ونبذ الشرك والأوثان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ... )

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [القصص:85].

    هذه الآية وحدها في السورة لم تنزل بمكة ولا بالمدينة، فأكثر سور القرآن ما يزيد على (90%) منها إما مكي وإما مدني، إي: ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أو نزل عليه بالمدينة، وهناك آي من القرآن نزلت عليه وهو في الطريق ما بين مكة والمدينة، في سياحة أو غزوة أو تعليم وتربية لأتباعه.

    وهذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة المكرمة مهاجراً إلى المدينة المنورة، عندما اضطره قومه كفار مكة لهجرانها وتركها، وما هجرها إلا وهو متألم، ويود أن لا يتركها، وأن يبقى فيها، فكان حنينه إلى الأرض التي ولد فيها، والتي خرج منها إلى الوجود، والتي هي مسقط رأسه الشريف ومنبت آبائه وأجداده ومرتع صباه، والمنزل الأول للوحي، فخرج مضطراً بعد أن تواطأت قريش على قتله واغتياله.

    وقد خرج معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد سبقهما إلى المدينة المؤمنون المهاجرون، ولم يبقَ في مكة إلا المستضعفون من الصبيان والعجزة ومن حبسهم العذر، وتسلط عليهم قادات مكة ظلماً وطغياناً وعلواً في الأرض وفساداً.

    خرج عليه الصلاة والسلام واختفى في غار ثور ثلاثة أيام، ثم سار في طريق غير معروفة إلى أن وصل للجحفة وهي اليوم جزء من رابغ، والجحفة ميقات أهل مصر وأهل الشام وأهل المغرب وأهل إفريقيا ومن جاء عليها ولم يمر على المدينة، ومن مر على المدينة فميقاته ميقات أهل المدينة، وكل من مر على ميقات قوم لإحرامه يصير ذلك الميقات ميقاته.

    وهذه الجحفة وردت كثيراً في السيرة النبوية وهي هنا يشار إليها في هذه الآية، والكلام عليها وحدها قد سبق، والكلام فيها يحتاج لدرس أو درسين، وبالمناسبة يأتي ذلك، وقد مضى بعضه.

    فبينما هو في الجحفة، وإذا بهذه الآية الكريمة تنزل عليه: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ [القصص:85]، أي: إن الذي أنزل عليك القرآن، وجعله فرضاً عليك لتبلغه للناس، ولتعلمهم حلاله وحرامه، وقصصه وآدابه، وعقائده وجميع ما فيه، فالذي أنزل عليك القرآن وفرضه هو الله جل جلاله.

    وقوله تعالى: لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85].

    (لرادك) اللام موطئة للقسم، كأن الله جل جلاله يقسم للنبي عليه الصلاة والسلام مسلياً له، ومقوياً له ومشجعاً.

    لقد خرج صلى الله عليه وسلم حزيناً حيث خرج من أرضه وبلاده مضطراً عن غير رضا منه، خرج بإخراج أهل مكة له كفراً به وبدينه وبربه، فلما وصل للجحفة نزلت عليه هذه الآية تبشره.

    أي: يا محمد! يقسم الذي أنزل عليك القرآن، وجعله فرضاً عليك لتبلغ الناس أوامره ونواهيه، حلاله وحرامه، بأنه سيردك إلى الأرض التي خرجت منها وسيعيدك إليها.

    وقد فعل جل جلاله، ومن أوفى بعهده من الله، قد عاد إليها عزيزاً منتصراً سيداً آمراً ناهياً محكماً في أعدائه، دخل صلى الله عليه وسلم مكة على غاية ما يكون من التواضع والأدب مع الله، راكباً ناقته، فالإبل ليست هوجاء وليس فيها تيه، ولا رقص، ومع ذلك دخل عليه الصلاة والسلام مكة ورأسه منحن، ولم ينسب لنفسه شيئاً، بل الكل نسبه لله أدباً مع ربه، وهو ينشد نشيد الفتح على خلاف أناشيد الملوك والأباطرة وجبابرة الأرض عندما يدخلون فاتحين، فإنهم يتيهون بأنفسهم وبأقوامهم وبقوتهم وبسلطانهم وبما لهم، ويهددون وينذرون بأنهم سيسحقون الأعداء، وسيدوسون عليهم بالأقدام، وسيحيون كذا ويميتون كذا.

    دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة وهو السيد العزيز المنتصر نصراً عزيزاً مؤزراً، وهو مطأطئ الرأس على جمل وهو يقول: (الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده، وأنجز وعده وهزم الأحزاب وحده)، لم ينسب لنفسه شيئاً عليه الصلاة والسلام على ما قاسى من قومه من شدائد، فقد أخرج من بلده مضطراً من غير رضا وأجاعوه ثلاث سنوات حتى كان يعيش على ورق الشجر، وقالوا عنه كذا كذا، وكان عليه الصلاة والسلام يعرض عن ذلك ويأبى إلا الدعوة إلى الله والظهور يومياً عند بيت الله الحرام، وعند الكعبة المشرفة، يدعو إلى الله، ويسفه أحلام المشركين ويزيف آلهتهم، إلى أن دخل إليهم بعد ثمان عشرة سنة من النبوءة، في السنة الثامنة من الهجرة، دخل بهذا النشيد النبوي، فكسر الأصنام وأزالها، وكانت ثلاثمائة وستين صنماً على عدد أيام السنة، وأمر بلالاً الذي كانوا يعذبونه ويضربونه وهو يقول: أحد أحد، أن يصعد على ظهر الكعبة إلى أن جنّ جنون قريش، لِمَ هذا الأسود يصعد على ظهر الكعبة؟ وهو الذي كانوا يحتقرونه ويؤذونه ويظلمونه، فنادى بكلمة التوحيد وأذن الأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله .. إلى آخر الأذان.

    فقال الكثير من الكفار، وهم يحمدون أنفسهم ذلاً وهواناً وكفراً، قالوا: الحمد لله أن أبا فلان مات ولم يرَ هذا المنظر، وأن أخا فلان مات ولم يرَ هذا المنظر، ثم دخل فتجمعوا بين يديه، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (ماذا ترون يا معاشر قريش أني فاعل بكم اليوم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم)، فما قالوا عنه ساحر ولا مجنون ولا قالوا إنه يطلب الملك والمال والسلطان كما كانوا يقولون بل أخذوا يتمسحون به ويطلبون منه العفو والسلام والأمان.

    فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) فعفا عن مقدرة، ويسمى هؤلاء في السيرة النبوية الطلقاء، ولذلك فإن عمر عندما طعن وترك الخلافة لستة من الصحابة مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، قال رضي الله عنه: لا يصلح هذا للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء.

    هؤلاء الذين لم يسلموا إلا متأخرين بعد أن أتعبوا النبي عليه الصلاة والسلام الكثير والكثير، وبعد ثمان سنين من نزول الآية دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة عزيزاً سيداً، ثم بعد ذلك نزل قوله تعالى في حجة الوداع: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28] .

    جاء أمر الله بأن المشرك عين النجاسة لأن المتنجس يغسل، أما عين النجاسة فلا تغسل ولو بجميع ماء البحر، والعذرة عذرة لا تطهر، والبول بول، وهكذا المشرك، والكافر، والمنافق.

    فطهرت هذه الأرض المقدسة وأصبح المحكم فيها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم الذي أخرج من داره وهو مضطر حزين عليه الصلاة والسلام، فعوضه الله جل جلاله المدينة المنورة.

    وقد ورد في الحديث النبوي في صحيح الحاكم وهو حجة الإمام مالك وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن شهاب الزهري ، وعمر بن عبد العزيز في الأفضلية بين مكة والمدينة، قال: (اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب البلاد إليك) وما كان أحب لله فهو أفضل، فأنزله المدينة المنورة، فالمدينة المنورة أفضل من مكة لدلالة هذا الحديث، الذي في صحيح الحاكم وهو المستدرك على صحيحي البخاري ومسلم ، وهو على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.

    فما كان أحب لله فهو أفضل، وهذا رأي الخليفتين الراشدين العمرين ابن الخطاب وابن عبد العزيز ، والإمامين البرين العالمين عالمي الحجاز بل عالمي الدنيا ابن شهاب الزهري وتلميذه الإمام مالك بن أنس رحمهم الله جميعاً.

    والوعد الذي وعده في كتابه وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85] وقد أقسم الله به وبشره ووعده فقرت عينه، وانشرحت نفسه وبشر بذلك المؤمنين وتلا عليهم الآية، وهو لا يزال في الطريق قبل أن يصل إلى المدينة المنورة، فبعد أن أنجز الله وعده في فتح مكة قال عليه الصلاة والسلام: (الحمد لله الذي أنجز وعده) .

    وقوله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [القصص:85] كان كفار قريش يقولون عن محمد عليه الصلاة والسلام إنه ضال، بل وقالوا أكثر من ذلك، وفضلوا دين اليهود على دين الإسلام، وفضّل اليهود دين الوثنيين على دين الإسلام.

    فتركهم النبي عليه الصلاة والسلام استغناءً عنهم، قال الله له قل لهم: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى [القصص:85] فالله أعلم وستعلمون بعد ذلك من هو في ضلال مبين.

    فالله أعلم بالحقائق، هل أنا الذي على ضلال مبين أو أنتم؟ هل أنا الذي على هدىً من الله وطريق مستقيم ونور بين مشرق أم أنتم؟

    وقد بان الأمر بعد ذلك، فسرعان ما أسلم الكثير وذل الكثير وأسر الكثير، وكانت المعركة القاصمة النهائية الفاصلة معركة بدر التي فيها أعز الله الإسلام والمسلمين، وذل كفار قريش، ومن ذلك اليوم لم يرفع لهم رأس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ...)

    قال تعالى: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ [القصص:86] .

    يقول الله للنبي ممتناً عليه، مظهراً كبير إفضاله عليه: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ [القصص:86].

    أي: ما كنت تتمنى يوماً ولا خطر لك ببال أن يوحى إليك بالقرآن، ولا أن تكون نبياً ورسولاً، ولكن عناية الله اختارتك من بين البشر، ومن بين العرب، ومن بين قريش، ومن بني هاشم.

    وبهذا فإن شرف مكة مضاعف ومكرر كالمدينة المنورة، فمنها رسول الله وفيها نزل عليه الوحي، وفيها الكعبة المشرفة وهي منزل أبيه الأعلى إسماعيل، ومدفن أبيه إسماعيل، وهي التي أعز الله بها الإسلام وأعزها بالإسلام.

    وقل مثل ذلك عن المدينة - مع الخلاف الموجود في الأفضلية - وكلتاهما أشرف بلاد الله على الإطلاق، ومكة أم القرى عاصمة الدنيا، أحب من أحب وكره من كره.

    فيجب على كل مسلم في الأرض أن يأتي ولو مرة في العمر ليتشرف بالدخول لهذه الديار المقدسة، فيطوف بالكعبة المشرفة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف في عرفات، ويبيت في منى.

    فقوله: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا [القصص:86] أي: وما كنت ترجو يوماً، وما كنت تطلب، وما كان يخطر لك ببال.

    وكما قال الله له: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى:52] أي: ما كان يدري ما معنى الكتاب، فهو أمي عليه الصلاة والسلام، وما كان يدري ما الإيمان الذي نزل عليه من الله جل جلاله، وإن كان لم يسجد لصنم قط ولم يعبد وثناً قط، ولم يعجبه ما كان يجد عليه قومه قط.

    وكان يصعد إلى حراء فيتعبد الله بالفكر ويقول في نفسه: هل هذه العوالم كلها صنعتها هذه الأحجار التي يسجد لها قومي؟ ويعجب من ذلك ويدعو الله ويرجوه في نفسه أن يعرفه الحقيقة، وأن يبين له الطريق السوي، إلى أن فوجئ بجبريل رسول الملائكة إلى الأنبياء والمرسلين وآخرهم نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:86] الاستثناء هنا منقطع، والتقدير: ولكن الله رحمك رحمة، فرحمة مفعول مطلق، أي: رحمك الرحمة الشاملة الكاملة، واختارك لهذا الكتاب ولهذه الرسالة الشاملة الخاتمة، إن فضل الله كان عليك عظيماً، ولا شك ولا ريب.

    وقوله: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ [القصص:86] أي: وبهذه الرحمة، وبهذا الإفضال من الله فيا محمد! لا تعن الكافرين، ولا تكن لهم ظهراً وظهيراً ومعيناً، فالعنهم وقاتلهم وذلهم فإن لم يستسلموا لك فافرض عليهم الجزية حتى يؤدوها عن يد وهم صاغرون.

    ولا تتخذ منهم قريباً ولا صديقاً ولا ولياً، ومن يتول الكافرين يكن منهم، وهذا نهي لنبينا وهو في الحقيقة نهي لنا، لأن الأنبياء معصومون، فكيف بسيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله ...)

    قال تعالى: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [القصص:87] .

    فقوله تعالى: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ [القصص:87] فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، أي: لا يبعدونك، أو لا يجعلونك بعيداً عن الدعوة لله والإيمان بالله والرسالة التي أنزلت إليك وكتاب الله الذي أنزل إليك، والآيات البينات الواضحات التي أنزلت إليك التي ظهر إعجازها وقدرة الله على كل شيء، فإياك أن يغرك هؤلاء المشركون، وأن يصدوك عن الله والدعوة إليه.

    وقوله تعالى: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [القصص:87] وهذا النهي الموجه للنبي عليه الصلاة والسلام هو نهي لنا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم.

    وقوله تعالى: وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ [القصص:87] أي: فلتكن دعوتك باستمرار مدة حياتك الدعوة إلى الله الواحد، الرازق، المحيي المميت لا أول له ولا ثاني له لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال.

    فلتكن كل حياتك دعوة لله، ولتوحيد الله، ولعبادة الله، وإياك أن يتلاعب بك كفار قريش فيصدونك ويبعدونك عن هذه الدعوة لله ولكتابه، وإلى دين الإسلام.

    والله يأمر نبيه بما شاء، يقول له: لا تكفر، ولا تشرك، فالرب رب والعبد عبد، والنبي عليه الصلاة والسلام يزداد بذلك إيماناً وإيقاناً وثباتاً، والمؤمنون يقولون: إن كان نبينا المعصوم يخاطب بهذا الخطاب فكيف نحن؟ فنحن الذين نؤمر من الله ألا نكون ظهراء ولا معينين على الكافرين، وألا نصد عن طاعة الله وعبادته، وألا نكون مع المشركين، وألا نترك الدعوة إلى الله قائمين وجالسين ومسافرين ومقيمين وفي كل حياتنا. وهذا شأن المسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر ...)

    قال تعالى: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] .

    قال الله لعبده ونبيه وسيد خلقه صلى الله عليه وعلى آله، إياك يا محمد! أن تدعو لإله آخر غير الله، فلا تدع هبل ولا مناة ولا العزى ولا ما يدعو إليه قومك، ولا أحد من الشركاء مما أشرك به الذين لا يملكون عقلاً ولا نوراً ولا هداية.

    فلا إله إلا الله، فهو الإله الواحد، والرب الواحد، وهو الله الفرد الصمد، وهو الذي لا شريك له، هو الذي لا يشبه أحداً من خلقه ولا يشبهه أحد من خلقه، فعش على لا إله إلا الله ومت على لا إله إلا الله.

    وعض على ذلك بالنواجذ، وهو أمر لرسول الله وهو أمر لنا كذلك، فمن غير أو بدل فإنه يوشك أن يخرج عن دين الإسلام، ونرجو الله أن يثبت أقدامنا، وأن يديم إيماننا، وأن يحيينا مسلمين ويميتنا مسلمين، ويحشرنا تحت لواء سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله.

    ولا إله إلا الله مفتاح الإسلام، وهي أول كلمة في الأذان، وأول كلمة في الإقامة التي لا يتم إيمان المؤمن إلا بها، والتي من قالها حفظ ماله ونفسه وعصما، ومن لم يقلها حل دمه وماله وأهله وعياله.

    يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله).

    وقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] أي: كل شيء هالك إلا ذاته، فيطلق الوجه في كتاب الله ويراد به الذات العلية، وهنا أيضاً استثناء، فهو جل وعلا يستثني وجهه، أي: ذاته من أن تهلك. ومعناه: ليس هناك في الأرض شريك، وإن أشركوا به فهو هراء وباطل.

    وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل) .

    فكل ما خلا الله وكل ما سوى الله باطل، فان، زائل، قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    فقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] أي: كل شيء ميت، فان، باطل، ضائع، ولو عبدت شركاء من دون الله، ولو زعمت الألوهية لخلق من الخلق ملائكة وإنساً وجناً وجمادات وحيوانات وكل ما فعله الحقير في هؤلاء الذين ذهب الله بنورهم، وقد رزقهم العقل والسمع والبصر فلم يستفيدوا منه، وكانوا كالأنعام بل هم أضل.

    وقوله تعالى: لَهُ الْحُكْمُ [القصص:88] أي: الفصل، والحكم لله وحده، فهو الذي يفصل بين العباد يوم القيامة، فيفصل بين النصراني واليهودي والمسلم والوثني.

    وهو جل جلاله يحكم بين عباده، ولن يحكم معه أحد، وبعد أن تفنى الدنيا ينادي الله جل جلاله فيقول: أنا الملك، أين الملوك؟ فلا مجيب، فيجيب نفسه بنفسه: أنا الملك، جل جلاله وعز مقامه.

    فهو الحاكم الذي يفصل بين الخلق يوم العرض على الله، فيعلم الناس إذ ذاك الحق من الباطل، ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، هيهات! وسيتمنى الكفار على الله ولو ملكوا الدنيا لافتدوا بها على أن يعودوا للدنيا ليعبدوا الله وليؤمنوا به وليوحدوه، ولكن هيهات!

    ولو عادوا إليها لما فعلوا إلا كما كانوا يفعلون من قبل، هكذا قالت لهم الملائكة، وهكذا حكم الله الحاكم الفرد جل جلاله.

    وقوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] يا هؤلاء البشر! يا من كفر بالله! يا من خرج عن دين الله! يا من ضل وأضل وعلا في الأرض طغياناً وفساداً! عما قريب ستهلكون جميعاً، وتموتون جميعاً ولا يبقى إلا وجه الله الكريم، وترجعون إليه ليحكم بينكم إما إلى جنة وإما إلى نار.

    فمن مات مؤمناً موحداً يرجو الخير ولو عذب ودخل النار، ومهما أقام فيها فنهايته للخروج منها ودخول الجنة، وقد يغفر الله له من أول مرة فلا يدخلها، أو يدخلها شيئاً قليلاً.

    وأما الكافر الذي مات على الشرك ولم يقل يوماً: ربي الله فهذا لا مغفرة له ولا رحمة له، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] .

    وبهذا نكون قد أتممنا سورة القصص ولله الحمد والنعمة والشكر والمنة، ولم نقطع دراستها يوماً، ولم نتأخر عن تدريسها لا يوم خميس ولا يوم جمعة ولا حتى أيام الانتقال للمدينة المنورة التي أتابع فيها دروساً أخرى في الحديث في مسند أحمد ، وقد أعان الله عليها ودرسناها وفسرناها متتابعة، وأعنتم أنتم بالحضور وبالسمع، وأعانني الله بمتابعتها وشرحها وبيانها، وهذا بعلم الله وفضله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046136914

    عدد مرات الحفظ

    733504876