إسلام ويب

مختصر التحرير [6]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يختلف العلماء في أصول اللغة ومنشئها وهل هي توقيف أم لا، ثم يذكر العلماء ما تتكون منه اللغة من لفظ وصوت، ومفرد ومركب، وأنواع ذلك مما له أهمية في معرفة أصول الفقه وفهمه.

    1.   

    تعريف اللغة

    هذا الفصل من مباحث اللغة العربية، وله تعلق بأصول الفقه؛ لأن أصول الفقه -كما سبق- مركبة من الأدلة الشرعية ومن اللغة العربية أيضاً، فنحن في حاجة إلى معرفة هذا الفصل.

    يقول المؤلف رحمه الله: [ فصل: اللغة أفيد من غيرها ]:

    أفيد هذا هو الصواب، ولا يقال: أفود؛ لأنها من فاد يفيد فهي يائية وليست واوية، وما جرى على ألسنة كثير من الناس اليوم حيث يقولون: هذا أفود من هذا فهو خطأ عن اللغة، والصواب أن يقال: أفيد.

    [ أفيد من غيرها وأيسر ] أي: من غيرها، يعني كالإشارات، لماذا؟

    قال: [لأنها أخف]، أي: خفيفة، لكن الإشارات أو الكتابة أو الرموز أو ما أشبه ذلك؛ صعبة، وفهمها أيضاً قد يكون صعباً، فلهذا قيض الله عز وجل للعالم اللغة، بحيث ينطق، وهذا المبحث الواقع أنه قليل الفائدة؛ لأن فائدة اللغة معلومة بطبيعة الإنسان، ولكن المبحث المهم: هل اللغات توقيفية أم أن اللغات كسبية؟

    الصحيح أنها أصلها توقيفي وإلهام من الله عز وجل، ولكن ما يتفرع منها كسب، ولهذا تزداد اللغة بزيادة الأشياء، حيث تحدث أشياء كانت غير موجودة فنحدث لها أسماء، هذه الأسماء التي أحدثناها زيادة في اللغة العربية.

    فأصل اللغات توقيفي، ثم صار كسبياً عن طريق تجارب وطريق دعاء الحاجة إلى استحداث لفظ يليق بما حدث، والدليل على أنها توقيفية وإلهام قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31]؛ لأن هذا يدل على أن آدم ما تعلم اللغة إلا بتعليم الله عز وجل.

    ألفاظ اللغة بحسب الحاجة إليها

    ثم يقول المؤلف: [ وسببها حاجة الناس ].

    لا شك أن الناس مضطرون وليسوا محتاجين فقط، مضطرون غاية الضرورة إلى اللغة، ولا يمكن أن يعيش الناس بدون لغة، لو جمعنا مثلاً من العالم من كل ذي لغة واحداً وجعلناهم في قرية، فهل يعيشون عيشة سليمة كما يعيشها أصحاب اللغة الواحدة؟

    لا؛ فيمكن لواحد أن يبربر على الثاني يقول: أعطني ماء، وذاك يظن أنه يقول: أعطني ناراً، فيأتي له بكبريت، فالناس مضطرون إلى معرفة اللغة سواء كانت اللغة العربية أم غيرها.

    يقول: [ وهي ألفاظ وضعت لمعان ].

    (وهي) أي: اللغة، (ألفاظ وضعت لمعان)، فقولنا: (ألفاظ) خرج به الإشارات، وخرج به الكتابة فإنها ليست ألفاظاً، ولهذا طريقة التفاهم بيننا الآن بالألفاظ، والكتابة والإشارات نيابة عن الألفاظ.

    قال: [ فما الحاجة إليه، والظاهر أو كثر لم تخل من لفظ له ].

    قوله: (فما الحاجة إليه) يعني: فما دعت الحاجة إليه.

    وقوله: (والظاهر أو كثرت) هذا من كلام المؤلف كأن يقول: والظاهر أن ما كثرت الحاجة إليه فإنها لا تخلو من لفظ له، وأما ما لم تدع الحاجة إليه، سواء كانت لا تدعو إليه إطلاقاً أو تدعو إليه بقلة، فيقول المؤلف رحمه الله: [ ويجوز خلوها من لفظ لعكسهما ]، أي عكس الحاجة أو الحجة، ولو قال المؤلف: (لفقدهما) لكان أوضح.

    على كل حال الألفاظ تنقسم إلى أربعة أقسام:

    أولاً: ما دعت الحاجة إليه، فهذا لابد أن يكون في اللغة لفظ دال عليه، ونحن الآن نقسم الألفاظ باعتبار المعاني، فنقول: إذا كان المعنى مما تدعو الحاجة إليه ولابد منه فلابد أن يكون في اللغة لفظ له.

    ثانياً: ما تكثر الحاجة إليه ويمكن الاستغناء عنه، لكن الحاجة تكثر إليه، فهذا لابد أن يوجد في اللغة لفظ يدل عليه؛ لئلا يفتقر الناس إلى ألفاظ هم في حاجة إليها؛ لكن في الغالب.

    الثالث: ما لا تدعو الحاجة إليه أصلاً.

    والرابع: ما تدعو الحاجة إليه بقلة، فهذا الثالث والرابع يمكن أو يجوز أن تخلو اللغة عن وجود لفظ دال عليها، ولكن لابد أن يحدث لها لفظ، لكن لفظ يكون قريباً من معنى اللغة العربية، فمثلاً الآن من طرق التفاهم بين الناس الطرق اللاسلكية، ماذا نسميها؟ هل يوجد في اللغة العربية معنى أو لفظ يدل على هذا المعنى؟ هذا المعنى غير موجود في اللغة العربية، أي غير موجود في زمن أهل اللغة العربية الذين هم العربية الفصحى، لكن نقول: يمكن أن نحدث أو يمكن أن ندخل هذا المعنى في لفظ وارد في اللغة العربية، وهو الهاتف، الهاتف موجود في اللغة العربية، يقول: سمعت هاتفاً يقول كذا وكذا، فنسميه الهاتف، وهل يجوز أن نسميه: التلفون؟

    الجواب: يجوز أن تكون لغة معربة، لكن إذا وجد في اللغة العربية لفظ صالح لأن يكون لهذا المعنى فالأولى أن يستعمل اللفظ العربي.

    الميكرفون هذا حدث بعد اللغة العربية فماذا نسميه؟

    الظاهر: مكبر الصوت.

    لو قال قائل: لم لا تسميه موصل الصوت؟ نقول: مكبر أحسن؛ لأنه في الواقع يكبر الصوت، وأنت إذا قلت: مكبر الصوت دخل فيه أنه موصل، لكن إذا قلت: موصل لا يدخل فيه المكبر.

    على كل حال: ما دعت الحاجة إليه أو كثرت الحاجة إليه فإن اللغة العربية لا تخلو من لفظ له، وما لا تدعو الحاجة إليه أو كانت الحاجة إليه قليلة فقد تخلو منه.

    اللفظ والصوت والقول والعلاقة بينها

    ثم قال المؤلف: [ والصوت عرض مسموع قلت: بل صفة مسموعة، والله أعلم ].

    الصوت هل هو عرض أم صفة؟

    يقول المتكلمون: إنه عرض؛ لأن كل شيء يعرض ويزول فهو عرض، ولكن المؤلف رحمه الله يقول: بل صفة، وكأن المؤلف أراد أن يتحاشى أن يقال عن صوت الله عز وجل: إنه عرض، بل يقال: إنه صفة، والمتكلمون كما تعرفون يدعون أنهم ينزهون الله تعالى عن الأعراض والأغراض والأبعاض، ويدعون أن هذه الأشياء نقص.

    إذاً: الخلاف في الواقع في جوهره لفظي؛ لأنه لا شك أن الصوت صفة من الصفات التي تعرض وتزول، ما دام الإنسان ناطقاً فالصوت مسموع، وإذا سكت فقد الصوت.

    يقول: [ واللفظ صوت معتمد على بعض مخارج الحروف ] أيهما أعم صوت أم لفظ؟

    الجواب: الصوت أعم، ولهذا قيده فقال: (صوت معتمد على بعض مخارج الحروف)، بخلاف صوت المدفع مثلاً فإننا لا نسميه لفظاً لأنه لا يعتمد على بعض مخارج الحروف.

    ثم الرجل إذا عطس سمع له صوت، ولا نسمي هذا لفظاً؛ لأنه يعتمد على شيء من مخارج الحروف.

    والأنين صوت لا شك، لكن هل هو لفظ أم لا؟

    الجواب: على كل حال إذا انفرد أحدكم بنفسه فليئن وينظر: إذا كان يعتمد على بعض مخارج الحروف فهو لفظ وإلا فلا، وقد مر علينا أن الإمام أحمد لما مرض رحمه الله وكان يئن دخل عليه أحد أصحابه فقال له: إن طاوساً يقول: إن الإنسان يكتب عليه حتى أنين مرضه، لقوله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، فامتنع الإمام أحمد عن الأنين خوفاً من أن يكتب عليه.

    مخارج الحروف في اللسان والأسنان والحلق والجوف، هذه المخارج كلها يمر بها شيء واحد وهو الهواء الخارج من الرئة، ومع ذلك يمر على منطقة فيكون حرفاً، وعلى المنطقة الثانية يكون حرفاً مغايراً، وعلى منطقة ثالثة حرفاً مغايراً أيضاً، والكل في أدنى من لحظة، وهذا أمر يبهر العقول في الواقع، كيف يكون هذا الهواء الخارج يمر على منطقة بأدنى أدنى من لحظة فيكون س ج ط ض ع... إلخ، ولهذا قال تعالى: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، الإنسان إذا تأمل في خلقته وما أودع الله تعالى فيها من الحكم الباهرة ينبهر في الواقع ويتعجب كيف يكون هذا الشيء سبباً لأمور متعددة مع أنه واحد؟ لكن بمروره على مناطق معينة يتكيف بحسب ما تقتضيه هذه المناطق.

    قال: [ والقول لفظ وضع لمعنى ذهني ] إذاً: هو أخص من اللفظ.

    فعندنا ثلاثة أشياء: صوت ولفظ وقول، وعندنا أيضاً معنى رابع يمكن أن يذكره المؤلف وهو الكلام، فالصوت أعمها، ولهذا الذي سمعنا الآن من الإشارة نسميه صوتاً، لكن لا نسميه لفظاً، ولو قال قائل مثلاً كلمة ليست موضوعة لمعنى، بل مهملة، فهي تسمى لفظاً، كما يقول النحويون في كلمة: ديز مقلوب زيد، هذا لفظ وليس بقول، فإذا وضع لمعنى ذهني أو لمعنى خاص كما يعبر به بعضهم صار قولاً.

    القول إذاً: أخص من اللفظ، واللفظ أخص من الصوت، والله أعلم.

    قال: [ القول لفظ وضع لمعنى ذهني ] معنى (ذهني) أي: يدركه الذهن وإن لم يكن معلوماً في الخارج، بل وإن كان مستحيلاً في الخارج، ففي مثل قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22] نسمي هذا قولاً؛ لأننا ندرك بالذهن أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لفسدتا، لكن هل يمكن أن يوجد هذا في الخارج؟ لا يمكن، فالعمدة على الذهن.

    فقوله رحمه الله: (والقول لفظ وضع لمعنى ذهني) الواضع له أهل اللغة؛ لأنهم هم الذين يضعون الألفاظ بإزاء المعاني.

    1.   

    أقسام الوضع والاستعمال والحمل

    قال: [ والوضع خاص: وهو جعل اللفظ دليلاً على المعنى، وعام: وهو تخصيص شيء بشيء يدل عليه كالمقادير ].

    يعني: أن الألفاظ الموضوعة للمعاني بعضها خاص وبعضها عام، الخاص أن يوضع اللفظ لمعنى خاص مفرد كزيد علماً على شخص، وبيت اسم لشيء معين، نقول: هذا الوضع خاص لا عام.

    ويوجد لفظ عام، أي لفظ وضع لدلالة عامة غير مقيدة بعين شخص ولا بوصفه كالمقادير، فالمقادير ما تقدر بها الأحجام، أو ما تقدر بها الأثقال، أو ما تقدر بها الكميات، مثلاً كلمة: (صاع) هذه من اللفظ الموضوع لمعنى عام؛ لأنه يشمل الصاع من البر ومن الرز، ومن الجص مثلاً، ومن الأشنان، ومن كل ما يكال، كذلك إذا قلنا: مثقال فهو عام؛ لأنه صالح لكل ما يوزن ويقدر بهذا المثقال من أي نوع كان: مثقال من الذهب، مثقال من الفضة، مثقال من الزبيب، مثقال من البر.. إلخ.

    طيب: العدد كلمة (عشرين) مثلاً عام؛ لأنه يشمل أي عشرين من أي شيء، مثل: عشرين رجلاً، عشرين امرأة، عشرين شاة، عشرين بعيراً، عشرين بيتاً.. إلخ، نقول: هذا نسميه الوضع العام، والأول الخاص، وهو الدال على شيء معين.

    قال: [ وهو: تخصيص شيء بشيء يدل عليه، والاستعمال: إطلاق اللفظ وإرادة المعنى ].

    الاستعمال من المتكلم أن يطلق اللفظ ويريد المعنى، أنا مثلاً عندما أقول: عشرين ديناراً، لست أنا الذي وضع العشرين، بل الذي وضعها هم العرب، فإذا استعملت كلمة عشرون ديناراً، فقلت: عندي عشرون ديناراً، نسمي هذا استعمالاً.

    إذاً: الاستعمال يكون في المرتبة الثانية بعد الوضع، فأولاً: الوضع، توضع اللغة، ثانياً: الاستعمال، تستعمل وتدال بين الناس.

    بعد ذلك الحمل، قال: [ والحمل: اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه ].

    هذا نسميه حملاً ويتعلق بغير المتكلم، أي: يتعلق بالسامع، بحيث يعتقد معنى الكلام من لفظ المتكلم، فإذا قال المتكلم: (جاء زيد) وعرف السامع معنى (جاء زيد) ونسبة المجيء إلى زيد، وحكم بمجيء زيد؛ نسمي هذا حملاً.

    فعندنا الآن في الكلمات: وضع واستعمال وحمل، فالوضع باعتبار الواضع الأول، والاستعمال باعتبار المستعمل الذي استخدم الكلام لأغراضه، والحمل باعتبار السامع.

    انظر اللغة كيف هي دائرة الآن، اللغة لابد فيها من واضع ومستعمل وحامل، وهي هكذا دائرة بين الناس، هذا يضعها، وهذا يستعمل اللفظ فيما وضع له، والثالث يحمل اللفظ على ما أريد به.

    1.   

    المفرد والمركب

    قال المؤلف رحمه الله: [ وهي مفرد كزيد، ومركب كعبد الله، والمفرد مهمل ومستعمل ].

    اللغة العربية فيها مفرد كزيد، وفيها مركب كعبد الله، وهنا عبد الله -على سبيل المثال- مركب؛ لكنه دال على مفرد لأنه علم، بخلاف غلام زيد فإنه مركب ودال على اثنين، على (غلام) وعلى (زيد)، لكن عبد الله لا يدل إلا على مسمى واحد.

    المفرد هنا تعريفه: ما ليس بمركب، والمركب ما ليس بمفرد.

    المركب أيضاً ينقسم إلى: تركيب إضافي مثل: عبد الله، وتركيب مزجي كبعلبك، وتركيب إسنادي كشاب قرناها، والتركيب المزجي أيضاً منه معروف كمعد يكرب، ومنه مبني كسيبويه.

    1.   

    المهمل والمستعمل

    قال: [ والمفرد مهمل ومستعمل ].

    المفرد في اللغة العربية منه مهمل ومنه مستعمل، وقد سبق لنا أن النحويين مثلوا للمهمل بديز، قالوا: ديز لا أحد يستعملها أبداً، هل هناك شيء مهمل تعرفونه غير ديز؟ اقلب (رجل) أو أي اسم يصير مهملاً، مثل دمحم يعني محمد.. المهم حسب قاعدة النحويين اقلب الكلمة تصير مهملة، رجل نقول: لجر، ما هو لجر؟ نقول: هذا مقلوب رجل، إذاً هو مهمل.

    الفعل وأقسامه

    والمستعمل هو الذي استعملته العرب، وهو كثير، لكن المؤلف قسم المستعمل فقال: [ فإن استقل بمعناه فإن دل بهيئته على زمن من الثلاثة ].

    انظر قوله: (إن استقل بمعناه) فهو ضد ما لا يستقل بمعناه، والذي لا يستقل بمعناه هو الحرف كما سيأتي، فالحرف ليس له معنى في ذاته، وهو غير مستقل بمعناه وسيذكره المؤلف، المستقل بمعناه ينقسم إلى قسمين: إما أن يدل بهيئته على أحد الأزمنة أو لا يدل، فإن دل بهيئته على أحد الأزمنة يقول رحمه الله: [فالفعل].

    إذاً: تعريف الفعل: لفظ مستعمل دال بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة، وقول المؤلف: (دال بهيئته) يعني: لا بمادته، فإنه قد يدل بمادته على أحد الأزمنة ولكنه ليس بفعل، فالكلام على هيئته، يعني هيئة الصيغة، مثلاً: (قام) يدل على وجود قيام في الماضي بهيئته، (قم) يدل على إيجاد قيام في المستقبل بهيئته، (يقوم) يدل على وجود قيام في الحاضر أو المستقبل بهيئته.

    أما كلمة صباح ومساء وظهر وليل ونهار فهذا دال على الزمن، لكن هل دل على الزمن بهيئته أم بمادته؟ بمادته، ولهذا مثلاً في (الصباح) لا نقول: الصباح فعل ماض وإن كان دالاً على زمن، لأنه لم يدل على الزمن بهيئته بل بمادته، ولهذا قال المؤلف: [ إن دل بهيئته على زمن من الثلاثة -يعني: من الأزمنة الثلاثة- فالفعل -أي فهو الفعل- وهو ماض، ويعرض له الاستقبال بالشرط، ومضارع ويعرض له المضي بلم، وأمر وهو للمستقبل ].

    الماضي دال على الزمن الماضي، لكن يعرض له الاستقبال بالشرط، يعني: إذا دخل حرف الشرط على الفعل الماضي جعله للاستقبال، فمثلاً: قام الرجل، الجملة هذه تدل على الماضي، فإذا قلت: إن قام الرجل فقم، دلت على الاستقبال، فهنا يقول: (يعرض له الاستقبال بالشرط).

    والمضارع يدل على الحاضر والمستقبل، لكن يعرض له المضي بلم، فإذا قلت: (يقوم زيد) فالمعنى يقوم الآن ويقوم في المستقبل، فإذا دخل عليه (لم) تقول: لم يقم زيد، صار دالاً على المضي.

    النتيجة أو الخلاصة: الفعل الماضي الأصل فيه أن يدل على الماضي، والمضارع الأصل فيه أن يدل على الحاضر أو المستقبل؛ لكن قد يعرض له ما يجعله للماضي فقط.

    قال المؤلف: [ وأمر ] ولم يقل: للماضي، ولا للحاضر، ولا للمستقبل؛ لأن الأمر لا يكون إلا للمستقبل، إذ إن الأمر توجيه الطلب إلى شخص ما ليحدث شيئاً، وهذا لا يكون إلا في المستقبل، فكلمة (قم) لا يمكن أن تكون لما مضى، (اجلس) لا يمكن أن تكون لما مضى، كلها للحاضر والمستقبل، فإن قلت: ينتقض عليك هذا بقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء:136] كيف تقول: (آمنوا) هنا للمستقبل وهم مؤمنون؟

    فالجواب: المراد إما الزيادة أو الأمر بالثبوت على الإيمان، يعني: يا أيها الذين آمنوا اثبتوا، أو: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله يعني: اجعلوا كيفية إيمانكم بكذا وكذا على سبيل التفصيل والتوضيح، والله أعلم.

    ثم قال: [ وتجرده ] أي تجرد الفعل [عن الزمان للإنشاء عارض ] لما قال المؤلف: ما دل بهيئته على أحد الأزمنة..، عرف أنه يمكن أن نقول: هناك فعل لا يدل على الزمان، فأجاب المؤلف عن ذلك بأنه عارض، وقوله: (للإنشاء) يعني: أن الفعل قد يراد به الإنشاء، مثل: بعت عليك، فتقول: قبلت، آجرتك.. قبلت، زوجتك.. قبلت، يعني: صيغ العقود كلها وإن جاءت بلفظ الفعل فهي للإنشاء.

    كذلك أيضاً الجملة تأتي فعلية ويراد بها الإنشاء، مثل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ [البقرة:234]، فهذه خبرية لكن معناها الإنشاء (الأمر).

    ومن التجرد عن الزمان ما يراد به ثبوت الوصف فقط مثل: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:96]، فإن (كان) هنا ليست للماضي، إذ لو كانت للماضي لكان الله غفوراً رحيماً فيما سبق وأما الآن فلا، إلا أن نقول هنا: أتى الفعل لتحقق الصفة، وعلى هذا فنقول: قد يتجرد عن الزمان للإنشاء كصيغ العقود، وقد يتجرد عن الزمان لتحقيق الصفة لا لتقييدها بالزمان، مثل: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).

    قال: [وقد يلزمه] أي: يلزم الفعل التجرد عن الزمان [كعسى] فإنه وضع أولاً للماضي ولم يستعمل فيه قط، بل في الإنشاء.

    [وقد] يتجرد الفعل عن الزمان و[لا يلزمه] التجرد [كنعم] وبئس، فإنهما تارة يستعملان على أصلهما، كنعم زيد أمس، وبئس زيد أمس، وتارة دون النظر إلى الزمان، بل لقصد المدح أو الذم، كنعم زيد وبئس زيد.

    قال: [ وإلا ] معطوفة على قوله: (فإن دل بهيئته) يعني: وإلا يدل بهيئته على زمن [ فالاسم ].

    إذاً: الاسم كل لفظ استقل بمعناه ولم يدل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة، مثل: زيد، علي، بكر، خالد، مسجد، زيد، دار، شمس، قمر.. إلخ.

    الحرف

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن لم يستقل فالحرف ].

    إن لم يستقل اللفظ في معناه فهو حرف؛ لأن الحرف لا معنى له إلا بغيره، أما بنفسه فلا معنى له، الحروف الهجائية كلها أيضاً من هذا الباب لا تستقل بمعناها، بل هي مهملة.

    (الباء) إن كانت من الحروف الهجائية فمهملة، وإن كانت حرف جر فهي مستعملة لكنها لا تستقل بمعناها.

    (من) نقول: هي حرف جر لا تستقل بمعناها.

    (إلى) كذلك لا تستقل بمعناها.

    (كلا) لا تستقل بمعناها.

    (لكن) لا تستقل بمعناها.

    وإنما يظهر معناها بغيرها، ولهذا قال المؤلف: [ فالحرف، وهو ما دل على معنى في غيره ].

    أقول مثلاً: الطلبة في المسجد، (في) باعتبار لفظها مجردة عن الاقتران بغيرها ليس لها معنى، لكن (في المسجد) دلت الآن على معنى في غيرها، وهو أن المسجد ظرف للطلبة، فالحرف إذاً يدل على معنى في غيره.

    وبهذا نعرف أن أقسام الكلمات ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فما استقل بمعناه ودل بهيئته على أحد الأزمنة فهو فعل، وما استقل بمعناه ولم يدل فهو اسم، وما لم يستقل فهو الحرف.

    قال: [ والمركب: مهمل موجود لم تضعه العرب قطعاً، ومستعمل وضعته ].

    المركب ضده البسيط غير المركب، وينقسم إلى قسمين: مهمل ولكنه موجود والعرب لم تضعه، وهذا اختلف فيه العلماء هل هو موجود أم لا؟ فقال بعضهم: ممكن أن يوجد لفظ مركب مهمل لم تضعه العرب قطعاً، وقال بعضهم: هذا لا يوجد، ما دامت العرب أهملته فإنه لا يمكن وجوده، فإن اصطنعه أحد فإنه يضاف إليه ولا يضاف إلى العرب، لأنه ما دام مهملاً ليس له معنى ولا يستعمل بمعنى من المعاني فهذا لو يأتي بألف كلمة فليس بشيء.

    إذا قال قائل: كيف المثال هذا؟ نقول: لا يمكن أن يأتي واحد يركب كلاماً مهملاً غير مستعمل، يقول: هذا مركب مهمل، فالظاهر أنه ليس موجوداً، كلام الهذيان لا يعد كلاماً.

    على كل حال: لا يوجد مهمل من المركبات، أما من المفردات فيوجد مثل: ديز، لكن من المركبات لا يوجد، وكلام الذي يهذي بالنظر إلى الكلام من حيث هو كلام نقول: هو لفظ مستعمل ليس بمهمل، لكنه غير معتبر لأن المتكلم به لا يريده.

    قال المؤلف: [ ومستعمل وضعته العرب وهو غير جملة كمثنى وجمع وجملة ].

    المؤلف هنا أراد بالمركب ما دل على معنيين فأكثر، كالمثنى دل على اثنين، والجمع دل على ثلاثة فأكثر أو على اثنين على حسب ما اختلف فيه العلماء، والثالث: جملة، الجملة أيضاً تدل على معنيين لأنها مركبة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3027241654

    عدد مرات الحفظ

    725651684