إسلام ويب

تكلم الشيخ حفظه الله في هذه المادة عن أهمية الولاية ومتى تعطى لمن استحقها، ثم تطرق إلى الحديث عن إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام والأمر باتباع ملته، والنهي عن اتباع ملة اليهود، ثم ختم المادة بذكر الوصية التي أوصى بها إبراهيم ذريته من بعده.

الحكمة من عدم إعطاء الإمرة لمن سألها

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجه ربي، وعظيم سلطانه، وأصلي وأسلم على قدوتي وقائدي ومعلمي وحبيبي محمد بن عبد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، فارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وأصحابه الغر الميامين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الرجا إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم.

اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين!

اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم عليك باليهود وأعوانهم، والنصارى وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، ويهود العرب، أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم لا يرد أمرك، ولا يهزم جندك، سبحانك وبحمدك، منـزل الكتاب، ومنشئ السحاب، ومجري الحساب، وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب الباطل، وانصر حزب الحق يا رب العالمين!

أما بعد..

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

أيها الأحبة الكرام: إني أحبكم في الله، جاء أبو موسى رضي الله عنه الذي أوتي مزماراً من مزامير آل داود ومعه رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما إن وصل الثلاثة إلى النبي حتى تكلم الرجلان وسألا النبي إمارة اليمن والولاية، فأصيب أبو موسى بحرج شديد، قال: (والله يا رسول الله! ما كنت أعلم أنهما سيسألانك، وهنا تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان السواك في فمه، فقلصت شفته عليه، ثم رفع رأسه وقال: لا، ولن نعطي الإمارة من سألها، ثم التفت إلى أبي موسى وقال: اذهب والياً على اليمن )، فالذي سألها حرمها، والذي لم يسألها أعطيها، ما السر في ذلك؟

ذهب أبو موسى إلى اليمن، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم بقاضٍ، لأن الدولة لا تصلح إلا بسلطان وقاضٍ، فكان القاضي معاذ بن جبل عالم الصحابة رضي الله عنه ، والنبي صلى الله عليه وسلم -كما تعلمون- سأله: (بماذا تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي) فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل معاذ إلى أبي موسى في مجلس الإمارة، وجد عنده رجلاً مربوطاً في يديه ورجليه، ومعاذ على ناقته، والأمير أبو موسى على الأرض، ما كان عندهم كراسي ولا عروش، فقال أبو موسى : (انزل يا معاذ، وأخذ الوسادة وألقاها له لكي يجلس على الوسادة، فقال معاذ: ما هذا؟ وأشار بيده إلى المربوط، قال: هذا يهودي أسلم، ثم ارتد وعاد إلى يهوديته، عند ذلك صاح معاذ بن جبل: لا والله لا أنزل، ولا أجلس حتى تضرب عنق هذا، قضاء الله ورسوله -وأخذ يصيح بأعلى صوته والناس يسمعون- ثلاث مرات: قضاء الله ورسوله، قضاء الله ورسوله، فلم يتمالك أبو موسى حتى أمر السياف، فضرب عنق اليهودي) عند ذلك نزل معاذ على الأرض، وأخذ يتذاكر مع الأمير أبي موسى بماذا؟

عندما يلتقي القاضي اليوم مع رئيس الدولة بأي أمر يتحادثان؟ تحادث أبو موسى مع معاذ بن جبل في قيام الليل، بحيث كل واحد منهما يذكر الآخر بالآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة في ضرورة قيام الليل للأمير ولقاضيه، لأن القلب هذا لا يرق، ولا يخضع، ولا يخشع، ولا يرحم، ولا يعطي، ولا يصل، ولا يفصل إلا إذا وقف صاحبه كل ليلة بين يدي الله يناجيه، ويعرض عليه الدستور العظيم، والقرآن الكريم تعرض نصوصه كل ليلة مادة مادة، وآية آية، حتى إذا جاء النهار وبدأت مصالح الناس، وجاء أصحاب الخصومات والمطالب والمظالم طبق ما وقف بين يدي الله في الليل على الناس في النهار، فينتشر العدل بين العالمين.

أين نحن اليوم من تلك الحوادث التي نسمعها؟ هناك على أرض لبنان الطيار اليهودي يقصف البيوت على النساء والأطفال، ويحرق الحقول، ويدمر الأشجار، ويهلك الدواب، ويقصف المستشفيات على المرضى، ولا يترك مدارس الأطفال حتى إذا ما سقط أسيراً استقبلوه استقبال الفاتحين هذا يعطيه كأس شاي، وهذا يعطيه سيجارة، وتتصل حكومة اليهود بمن أمسكه، ويطالبون بإعادته بمصفحة أو مجنـزرة في كامل قواه وعافيته، وهذا المشهد شاهدناه مئات المرات ابتداءً من هزيمة (عام 67) وقد رأيت بعيني في التلفاز الطيار اليهودي جالساً وهو واضع رجلاً على رجل وبيده كأس الشاي والسيجارة ويبتسم، وهذا نقل على مستوى العالم كله، وإلى أيامنا هذه، فما السر؟ السر ذكره الحديث في أوله (لن نولي أمرنا من سأله) هذا هو السر، لو أن الولاة الذين يحاربون اليهود جاءوا إلى كراسيهم مرغمين لا راغبين ولا طالبين ولا سائلين، وإنما يدفعون إليها دفعاً، لما حدث ما حدث، ولكن كلٌ متشبثٌ على كرسيه ينافح ويعادي، فإذا اعترض الكرسي بالمصلحة ولتذهب كل المقدسات عبر الرياح، وتهدر كل الدماء بلا ثمن، وليذهب كل الشعوب ذبيحةً لأعدائها ما دام أن الكرسي سيسلم، وهذا الذي نسمعه بعد هزيمة (عام 67م) وكل هزيمة، كان الحزب يردد قائلاً: إن اليهود وحكومة إسرائيل ما كانت تعني بحربها إلا الحزب، وبما أن الحزب سلم، فإن الهزيمة نصر، وإن اليهود لن ينتصروا علينا ما دام الكرسي مستمراً والحزب يتربع عليه.

إذاً: عرفنا سر الحديث وتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأل الرجلان الولاية، فقال: (لا) وفي رواية (لن) وهذا للتأبيد إلى يوم القيامة (لا، ولن نوليها من سألها)، لأنه عندما يأخذها من سألها سيضيع أمام هذا الكرسي كل شيء، ومعاذ بن جبل أرغم عليها، وأبو موسى الأشعري أرغم عليها، فكان اليهودي الذي ارتد لم يمض في مجلس القضاء إلا دقيقة، أو دقيقتين، ثم ضربت عنقه وألقي فوق المزابل، وبهذا الأسلوب يعامل اليهود ويحاربون، واليهود يعرفون هذه الحقيقة تماماً، يعرفونها جيداً لهذا هم يتنمرون علينا، لأن المصلحة ترتبط بالحزب والكرسي فقط لا غير.

الحكومات المعاصرة وموقفها من اليهود

ولنستمع ماذا يقول القرآن عن هذه الحقيقة، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، فهل اليهود والنصارى الآن راضون، أو غير راضون؟ إنهم راضون، والدليل على أنهم راضون أنه لا توجد حرب، لأن الذي راض عنك لا يحاربك، والذي يعاديك يحاربك، فهل هناك الآن حرب حقيقية بيننا وبين اليهود والنصارى؟ لا، إذاً هم الآن راضون، والرضاء ذكره الله تعالى في هذه الآية نتيجة الاتباع، إذاً وإن تسمى من تسمى بالإسلام والإيمان، فما دام اليهود والنصارى لا يحاربون المسلمين، وأقصد بالمسلمين جيوشاً وعساكر لا شعوباً، فالشعوب لا تقدم ولا تؤخر في زماننا هذا، ولكن الذي يقدم ويؤخر من يملك البندقية، ومن يملك الصاروخ، ومن يملك المدفع، هل بينهم رضاً أم بينهم حرب؟ بينهم رضاً.

إذاً الآية عندما تقول: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، والاتباع حاصل، ابحث إن وجدت دولة مستقلة عن معسكر الشرق، أو معسكر الغرب، وكلا المعسكرين من أسس مبادئه ومنهجه هم اليهود سواء الشيوعية الحمراء، أو الرأسمالية.

تحذير أمة النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع اليهود والنصارى

ثم لنستمع ماذا يقول الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) [البقرة:120]، أي: دين الله هو الدين، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ [البقرة:120]، فتبين أن كل المشاريع والقرارات والمؤامرات والتصريحات والخطب والزيف كل ذلك أهواء حوتها كلمة: (أهواء) أهواء من يهود العرب، ويهود فلسطين، ويهود أمريكا، ويهود روسيا كل ذلك أهواء، ويبقى دين الله وهدى الله هو الهدى الذي يملك محققات، الذي يملك مقومات الحياة، وبهذا الهدى تعود فلسطين ويعود الأقصى بإذن الله رب العالمين.

ثم لنستمع بقية الآية: بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [البقرة:120]، إذاً العلم الإيماني الإسلامي يقابله هوى اليهودي والنصراني: بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة:120]، انظر إلى تعقيب الآية الخطير، إن الذي يترك علم قال الله، قال رسول الله، الكتاب والسنة ليس له إلا الهوى، والأهواء، والجهل، والظلمات، ثم يتخلى الله عنه، فليس له ولي من الله، ولا نصير من الله؛ لهذا جاءت الهزائم بعد الهزائم، ولم نستطع من عام (48م) إلى هذه اللحظة أن نحقق شبراً واحداً بانتصاراتنا على أرض فلسطين، أو أرض لبنان، أو أي أرض نقاتل فيها اليهود والنصارى.

أيها الأحباب: الجهل لا ينتصر على العلم، الجهل أيضاً لا ينتصر على الهوى إن كان الهوى تدعمه قوة ويدعمه مبدأ ويدعمه دبابة وصاروخ، فاليهود والنصارى وإن قال الله عنهم أهواء، ولكنهم تشبثوا بالأهواء، وضيعنا نحن العلم، فكيف ننتصر عليهم؟!

وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة:120].

ثم يبين الله الطريق الصحيح وهو الالتزام بهذا الكتاب: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:121]، وأي خسران يقع فيه المسلمون اليوم! ثم يقول سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل ما كانوا عليه من النعمة التي يعيشون الآن في أوهامها، اليهود الآن يظنون بالانتصارات التي حققوها أنهم على حق، وما هي إلا أوهام، فهذا ماضٍ قد غبر يوم أن كانوا يعبدون الله وحده ولا يشركون به عزيراً، أو غير عزير: يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:122]، ثم يأمرهم الله بالتقوى، لأنهم غير متقين: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة:123]، وقدم الله العدل على الشفاعة، العدل أي: فدية، يعني: مال، على الشفاعة التي هي الواسطة، لأن مبدأ اليهود والنصارى مبدأ مادي يظنون أنه بالذهب وبرءوس الأموال والبنوك والمؤسسات الربوية يحققون كل شيء في الدنيا والآخرة.

فالله يخيب ظنهم، ويقطع رجاءهم ويقول: إن يوم القيامة لا يقبل منهم عدلاً، بل والله لو أن الكافر بذل ملء الأرض ذهباً، لن يقبله الله، فإذا رد الله الذهب اليهودي والذهب النصراني والدولار الأمريكي، سيبحثون عن واسطة وعن شفيع حتى يقبل الله، فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة:123].

إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام

ثم يظهر الله إماماً وقدوةً لي ولك ولكل الناس من حمل اسم الناس على الأرض في كل الأرض، في كل زمان في القديم والحديث، فيقول سبحانه وتعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [البقرة:124] صلى الله عليه وسلم، إني جاعلك للناس إماماً من يتبرأ من كلمة الناس؟

لا أحد، إذاً فالناس كلهم في كل زمان ومكان مطالبون أن يتخذوا إبراهيم إماماً بالتوحيد.

قطع الإمامة عن الظالم من ذرية إبراهيم

إبراهيم هو إمام الموحدين، استمع: جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:124]، هذا طلب إبراهيم عليه السلام، أي: اجعل الإمامة أيضاً في ذريتي، ولاية العهد للإمامة في ذريتي، بماذا أجاب الله؟

اسمع: قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، عهدي في قيادة البشرية للعادلين! للمسلمين! للمؤمنين! للموحدين ليس للظالمين والمشركين، لا ينال عهدي الظالمين.

إذاً هذا التوارث العجيب للظلم عبر الزمان في كل مكان العهد بينه وبين الله مقطوع ومبتوت، والله هو الذي رد دعوة إبراهيم في هذا العهد للظالم من ذريته، فلن يحابي الله أحداً بعد إبراهيم أبداً، لا نسب، ولا حسب، ولا لون، ولا دم، إذا أردت أن تتصل بهذا العهد التاريخي العالمي الأرضي السماوي فتحت مظلة لا إله إلا الله.

فالله قطع العهد عن ابن نوح، وقطع العهد عن والد إبراهيم آزر، والحديث يشهد، يأتي إبراهيم بأبيه آزر يوم القيامة، فيقول: أي رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، وهل أخزى من أن يُلقى أبي الأبعد في النار؟ فيقول الله له: يا إبراهيم، عهدي لا يناله الظالمون، ولا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنةٌ، انظر تحت قدميك، فينظر، فيحول الله آزر أبا إبراهيم إلى ضبع ملطخ بالدماء، أقبح منظر! الضبع عندما يكون ملطخاً بالدماء فهذا أقبح منظر للوحوش! فتحمله الزبانية من رجليه وتلقيه في النار، وإبراهيم ينظر، ومنزلة إبراهيم عند الله منـزلة الخلة: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [النساء:125]، لهذا قال له: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124].

أمر الله باتخاذ مقام إبراهيم مصلى

قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً [البقرة:125]، المقام الذي قام به إبراهيم لربه، فوحد وبنى البيت، خص الله إبراهيم بأن يكون مقامه مصلى.

إذاً كل ضريح، وكل قبر، وكل مقام من المقامات التي تزار، فينذر فيها للأولياء والأصفياء والأتقياء والأقطاب والأبدال والمجددين إلى آخره ليس لهم دليل شرعي واحد بأن يشرك بالله سبحانه وتعالى بهم، فالذي يُسأل هو الله، والذي يُذبح له هو الله، والذي ينذر له هو الله، فلا يجوز أن نتخذ مقاماً مصلى إلا الذي نص عليه الله، وهو مقام إبراهيم فقط، وكل المقامات هذه شرك، فمن قام بها يصلي، أو يتجه بالدعاء، أو يقدم الذبح، أو النذر، فإن عهد الله بينه وبينه مقطوع كما قطعه عن ذرية إبراهيم الظالمين المشركين.

هذا كلام خطير يجب أن ننتبه إليه، ويؤسفنـي كثيراً إذا ذكرت اسم بلد، أو اسم زعيم، أو اسم شيخ طريقة، أو اسم ولي مدفون يتعصب له كثير من المسلمين، والخطورة بهذا التعصب أن يحشر معه يوم القيامة، أو يؤتى ذلك الضريح، أو ذلك الذي يدافع عنه والعهد بينه وبين الله مقطوع، فيحشر معه يوم القيامة، وتتم القطيعة الرهيبة، لأنه لا يفوز عند الله إلا الموحدون: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً [البقرة:125-126]، في هذه الآية قال: ( بلداً آمناً) نكرها، لأن البلد لم يتكون حتى الآن، تكون البلد بعد ما قام البيت، وبدأ الناس يجتمعون حوله، ولكن في آية أخرى جاء بـ( أل) التعريف: اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم:35]، لأن البلد قد قام، انظر إلى دقة القرآن في التعبير، البلد الآن يقوم ويبنى، فيقول إبراهيم وإسماعيل بدعاء مشترك عبر التاريخ والزمان، انتبه يا من يدعم البيت الأبيض، أو البيت الأحمر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام يبني بيت الله، ولا يدري يقبل الله منه، أو لا يقبل، الغبار عليه، والطين عليه، ويده من الحجارة تدمى، ويرفع يديه مع إسماعيل يسأل الله القبول، فكيف يقبل الله من عبد يدعم البيت الأبيض الشيطان الأكبر؟ أو يدعم البيت الأحمر؟

كيف يقبل الله حلاً أو عقداً يوم القيامة، أم كيف يشفع محمد بمن يدفع الأموال بالملايين لمن يذبحون الفلسطينيين الآن هناك ولا حجة له إلا أن هذا جناح يمين أعطيه الملايين لكي يهتك أعراض المسلمين؟!

دعاء إبراهيم عليه السلام بعد بناء البيت

يقول الله عن إبراهيم وهو الذي يبني البيت بيديه، والله ينسب البيت إليه (طهر بيتي) استمع ماذا يقول إبراهيم: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [البقرة:126]، لاحظ كلمة ( أضطره) إن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، فالله قادر أن يقول: آخذه، لماذا يذكر كلمة الاضطرار؟ حتى يبين لكل أصحاب الكراسي كيف يتشبثون بالكراسي عند الموت إلى آخر لحظة، فالله يضطره اضطراراً، وهو ماسك والزبانية تسحب، فلهذا جاء التعبير (أضطره) اضطراراً: أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:126-127]. كيف سيمد يديه من يدعم البيت الأبيض والأحمر هل يقول: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ؟

سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16]، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة:128].

يا غفلة المسلمين عن هذا الدعاء! تحت اسم الإسلام تنطوي كل الطوائف، أنت فجأة تجد في موسم معين وفي يوم معين مكاناً مزدحماً من هؤلاء؟

قال: هؤلاء البهرة، هؤلاء القاديانيون، هؤلاء... وتطلع لنا أسماء، أين كانوا مختفين؟!، مختفين تحت مظلة الإسلام، وليس لهم من الإسلام شيء، من أجل ذلك كان إمام الموحدين ينادي بهذا النداء له ولذريته حتى ننتبه أن الإسلام مظلة واسعة، وكم يختفي تحتها من المنافقين والدجالين والمبتدعين والمشركين وعباد القبور؟! كم أناس تحت مظلة الإسلام؟

لهذا كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة:128]، يريد إبراهيم الدليل الشرعي من الله، قال الله: (وأرنا مناسكنا) ليست أهواء، الآن تجد بعض المقلدين وتقول له: ما هذا؟ يقول لك: والله الصحف أقرت هذا! الصحف أظن تنشر أخبارها على شرط البخاري، أو مسلم! أو يقول لك: قالت الإذاعة الفلانية يقول: قالت مونت كارلو .. فأصبحت مونت كارلو تشرع!! إبراهيم عليه السلام يسأل الله المناسك: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:128].

ما أحوجنا إلى التوبة ما دام إبراهيم الموحد يتوب إلى الله وإسماعيل: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ [البقرة:129]، الله أكبر، الرسالات ختمت بمحمد، واستجاب الله دعوة إبراهيم، لكننا نحن الآن نعيد نفس الدعاء، ولكن لا نقول: وابعث فيهم رسولاً منهم، إنما حاجتنا إلى قائد رباني يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وإبراهيم عليه السلام يعلم أن الأمة ستشرك بعده، فكان يسأل الله أن يبعث فيهم رسولاً يعيدهم إلى التوحيد، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، والدعوة نحن مطالبون بها الآن، فقد عاد الزمان ودار دورته، ولنقل أجمعين: اللهم ابعث .. اللهم أوجد .. اللهم عجِّل بقائد رباني يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129].

تسفيه من لم يسر على طريقة إبراهيم عليه السلام

ثم يوجه الله سبحانه وتعالى صبغة السفه والسفهاء لكل من لا يسير في هذا الطريق: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة:130]، مهما كان ذلك الذي كان، فهو سفيه في ميزان الله دعمته جيوش، وقامت عليه أجهزة، ونصرته معسكرات، فهو لا يعدو كلمة (سفيه) في الميزان الإسلامي، والرسول نادى به وأمته تسمع: (هذه سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:130-131]، أسلمنا لرب العالمين، اللهم إنا لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أن المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وصية إبراهيم عليه السلام لبنيه

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير، اللهم اجعلنا من المتقين، آت أنفسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها يا أرحم الراحمين!

إن النبي صلى الله عليه وسلم أمام الذين يسألون دون حق كما قال: (لا، ولن نوليها من سألها)، يقول يوم القيامة للذين يستغلون المناصب للمصالح الشخصية: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة ومعه شاة تيعر) شاة لها صوت فضيحة، فضيحة بجلاجل (فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك، أو يأتي ومعه بعير له رغاء، أو فرس لها حمحمة، أو رقاع تخفق) رقاع يعني: ملابس (فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك).

اهذا الحديث يصنف الناس: أصحاب الأكل هم الذين يأتون بالغنم والخرفان، يأتي يوم القيامة ومعه شاة، والذين يحبون هوايات سباق الخيل والقفز ويشترونها بالملايين من أموال الشعوب فيأتي يوم القيامة ومعه فرس يحمحم. فالحمحمة صوت الفرس عندما تكون عطشانة، والذين يجعلون الجمل والبعير قضية عالمية تنشر لها صحف العالم وإذاعات العالم، يأتي يوم القيامة ومعه بعير له رغاء، وعباد الموديلات والأزياء فستان للصباح، وفستان للمساء، وفستان للربيع، وفستان للصيف، وفستان للبحر، وفستان..، ويظهر مسئول يقول: نحن نعتبر معقدين إذا جعلنا في النوادي المايوه من قطعة واحدة، لا لماذا لا تجعلون المايوه قطعتين؟ يأتي يوم القيامة ومعه رقاع أي: ثياب تخفق، فضيحة تضرب وتقصف حتى يرى كل الخلائق ذلك العار، وهذا الحديث ليس للحصر، وإنما هي أمثلة، لكن لو سحبته، لوجدته ينطبق على أصناف لم يذكرها الحديث، أو يأتي يوم القيامة معه بئر نفط تلتهب، أو يأتي يوم القيامة وعلى رأسه طربوش عميل يعقد مؤتمرات اليهود، أو يأتي يوم القيامة وبيده رشاش إسرائيلي يذبح به المسلمين ويهدر دماءهم على أرض لبنان، وو.. إلى آخره، لا نهاية لهذا الحديث لكثرة مآسي الأمة.

نعود إلى آيات التوحيد في كتاب الله: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي [البقرة:131-133]، الوصية الأخيرة في توحيد الله والإسلام: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة:133-135].

قُولُوا آمَنَّا [البقرة:136]، هذه الآية كان الصحابة يحفظونها أبناءهم كما يحفظونهم الفاتحة، احفظوها عباد الله وحفظوها الأولاد، فهي عهد بيننا وبين الله، استمع إليها جيداً.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136]، ثم يقول الله: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [البقرة:137]، أليس الشقاق موجود؟ اعقد مليون مؤتمر إذا لم يكن قلبي هو قلبك، وحب الله وتوحيده في القلبين، لن نلتقي أبداً، لهذا الله سبحانه وتعالى تعهد عقوبة من أشرك به أن يحل بينهم الشقاق والنفاق وسيئ الأخلاق، هذا عهد الآية تذكره واستمع: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا [البقرة:137]، هذا هو الشرط للنجاة: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [البقرة:137]، يا رب! وإلى متى هذا الشقاق؟ الدعاة الصادقون المخلصون هل يذهبون في هذا الشقاق ويطويهم؟ لا: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137].

إذاً الذين هم في شقاق الآن يتحدون الله، والدعاة من سيكفيهم؟ سيكفيهم الله، وهذه الآية العظيمة كان يقرؤها عثمان بن عفان فدخل عليه الثوار المجرمون وذبحوه، فنزل دمه عليها، فلما مسحوا الدم، وجدوا تحته: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137]، فما مر عام إلا وقضى الله على كل الذين قتلوه، ما بقي منهم أحد، ثم يقول الله سبحانه وتعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ * قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ [البقرة:138-139]، تحاجوننا في الله؟ نعم، نحن نتفق معكم في توحيد الربوبية ربنا وربكم، نتفق أنه الرازق، والخالق، والمدبر، لكن الفرق بيننا وبينكم يا من تعبدون غير الله كائناً من كان شجراً، أو حجراً، أو بقراً، أو بشراً الفرق أننا أخلصنا لله توحيد الألوهية، انتبه إلى هذه الآية الفاصلة، حتى لا يسمي أحد نفسه نبياً، أو يسمي نفسه (عبد الزهراء) أو يسمي نفسه (عبد الأمير) إنما اسمك عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز، تحرى العبودية في التسمية، لا تقل: يا بدوي مدد، يا عبد القادر ! مدد، أغثني يا فلان، أغثني يا علان، هذا شرك، وإن اتفقت معي في توحيد الربوبية، فإني أختلف معك في توحيد الألوهية، اسمع قوله تعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [البقرة:139].

إن الملك في الدنيا إذا أنت شاركت ملكاً آخر في ولائه لا يرضى، إذا كنت تريده يعطيك ويكرمك ويقربك، ويجعلك من جلسائه ووزرائه لابد أن تمحص له الولاء، وهذا بين الناس معروف، فكيف تريد الله أن يعطي الجنة من أشرك به! لهذا يقول الله للمشرك يوم القيامة: يا فلان! لو طلبت منك فداءً ملء الأرض ذهباً، أتعطيه؟ قال: بلى يا رب، قال: كذبت، لقد سألتك أهون من ذلك، فأبيت، طلبت منك ألا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك.

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة:140]، هذه هي الحجة، كل واحد يأتيك يقول لك: إن الرسول أمر بهذا الشرك، هذا وجدنا عليه آباءنا، قل: أأنت أعلم أم الله؟ هذا هو السؤال الذي يحج الجميع.

قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [البقرة:140]، هذه الفقرة من هذه الآية لوعاظ السلاطين وأصحاب الفتاوي ذات البلاوي الذين يشرعون للطواغيت، ويعطونهم المبررات الشرعية ظلماً وزوراً، فالله عز وجل ما ترك ذكرهم هنا، الذين يقدمون شهادات الزور ويقولون: هكذا قال الله، وهكذا قال رسوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:140-141] المسئولية فردية يوم القيامة أصبح الحق واضحاً بيناً، فلنلتزم به عباد الله: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:141].

اللهم احفظ علينا ديننا وصلاتنا وإيماننا، اللهم هب لنا إيماناً ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمةً ننال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة، احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين برحمتك يا أرحم الراحمين!

اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته.

اللهم من أراد بنا والمسلمين وهذا البلد سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدبيره تدميره، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين!

اللهم إنا ندفع بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم منـزل الكتاب، ومنشئ السحاب، ومجري الحساب، وهازم الأحزاب اهزم أحزاب الباطل، وانصر حزب الحق يا رب العالمين!

آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، وخفف لوعاتنا، نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك، نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسيئ الأخلاق، ونعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيئ الأسقام.

اللهم إنا نسألك العافية في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفلسطين ، وفي كل أرض يذكر فيها اسم الله، اللهم لا يرد أمرك، ولا يهزم جندك سبحانك وبحمدك هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ليست الولاية لمن سألها للشيخ : أحمد القطان

https://audio.islamweb.net